49 فالتعريؼ المغكم كالاصطلبحي يتفقاف في أف النيي ىك الكؼ كالنيي صيغة يمنع فييا المتكمـ أك المخاطب قصد تبميغو بما ينبغي أف يكؼ عنو، كىي المككنة مف لا الناىية كفعميا المضارع، يقكؿ الصاح ب في ذلؾ: «فأما النيي فقكلؾ لا تفعؿ كمنو قكلو لا تى نٍ كى حٍ ي إفٍ فرَّ ؽ الدَّ ىري بيٍ نى نا *** أغى ـَّ القفى ا كالكجوً ليسى بأنٍزىعا»(190) كلمنيي صيغة كاحدة أصمية كىي كؿ فعؿ مضارع مجزكـ بلب الناىية . كيقع حرؼ النيي عمى فعؿ الشاىد كالغائب، كذلؾ قكلؾ (لا يقـ زيدان، كلا تقـ يا رجؿ، كلا تقكمي يا امرأة )(191). كيفيد حرؼ النيي مجتمعا مع الفعؿ المضارع زم اف الاستقباؿ . يقكؿ ابف ىشاـ: «كمف أكجو(لا) أف تككف مكضكعة لطمب الترؾ كتختص بالدخكؿ عمى المضارع كتقتضي جزمو كاستقبالو سكاء أكاف المطمكب منو مخاطبا نحك: ﴿ لاى تىتَّخًذيكا عىديكّْ م كىعىديكَّكيـٍ أىكٍلًيىاءى ﴾ (الممتحنة/1) أك غائبا نحك: ﴿ لاى يىتَّخًذً الٍميؤٍمًنيكفى الٍكىافًرًيفى أىكٍلًيىاءى ﴾ (آؿ عمراف /28) أك متكمما نحك لا أرينؾ ىا ىنا »(192). مف خلبؿ ىذه التعريفات نتبيف أف النيي يقتضي طمب المنع كالكؼ، كيتفؽ في ذلؾ مع الأمر فيك إذف لفظ يطمب بو الأعمى كؼ مف ىك أدنى منو عمى فعؿ ما «فالعلبقة بيف الأمر كالنيي ىي مبدئيا علبقة تقابؿ فالنيي ىك أمر بعدـ القياـ بالفعؿ. كالأمر ىك نيي عف عدـ القياـ بالفعؿ»(193). كيمتقي أسمكب النيي مع الأمر في نقاط ىي 1- أف كؿ كاحد منيما لا بد فيو مف اعتبار الاستعلبء. 2- أنيما يتعمقاف بالغير فلب يمكف أف يككف الإنساف آمران لنفسو أك ناىيا ليا 3- أنو لا بد مف اعتبار حاؿ فاعميما في ككنو مريدا ليا كيختمفاف في نقاط ىي: 1- أف كؿ كاحد منيما مختص بصيغة تخالؼ الآخر 2- أف الأمر داؿ عمى الطمب كالنيي داؿ عمى المنع 190 ابن فارس:الصاحبً فً فقه اللغة وسنن العرب فً كلامها، تح مصطفى التونجً، مؤسسة بدران للطباعة والنشر، بٌروت، د ط،1963، ص 187. 191 المبرد: المقتضب، تح حسن حمد، دار الكتب العلمٌة، بٌروت، ط1،1999، ج1، ص426. 192 ابن هشام:مغنً البٌب، ج1، ص246. ألفة ٌوسف:تعدد المعنى فً القرآن،ص182 193
عدد الصفحات ٤٩50 3- أفالأمر لا بد فيو مف إرادة مأمكره كالنيي لا بد فيو مف كراىية منييو (194). كيتٌخذ أسمكب النيي سياقات متعددة تعكد إلى مكقؼ كؿ مف المتكمـ كالسامع أثناء نقؿ الرسالة، كبالتالي ينتفي عنصر الاستعلبء كمنيا معاني التيديد كالالتماس كالدعاء التي سنرل تجمياتيا في تحميؿ الآ يات. قاؿ تعالى: ﴿كىكىاعىدٍنىا ميكسىى ثىلبىثًيفى لىيٍمىةن كىأىتٍمىمٍنىاىىا بًعىشٍرو فىتىـَّ مًيقىاتي رىبّْوً أىرٍبىعًيفى لىيٍمىةن كىقىاؿى ميكسىى لأًىخًيوً ىىاريكفى اخٍميفٍنًي فًي قىكٍمًي كىأىصٍمًحٍ كىلاى تىتَّبًعٍ سىبًيؿى الٍميفٍسًدًيفى ﴾ (الأعراؼ /142.) ترتب ط العلبقة بيف مكسى ك أخيو ىاركف عمييما السلبـ كتشتد دعامتيما مف أجؿ تحقيؽ ىدؼ كاحد ىك تبميغ الرسالة . كىذا التبميغ اقتضى كجكد أمر كنيي في آف كاحد، كقد أشرنا إلى الأفعاؿ الدالة عمى ذلؾ في سياؽ الأمر كقمنا إف الخلبفة تمثؿ تغييرا استمراريا لياركف، كىي بذلؾ تقتضي الإصلبح كأكؿ خطكة في نقؿ ىذه الرسالة، كىذا الإصلبح يتمكه فعؿ بصيغة النيي المككف مف لا الناىية كالفعؿ المضارع "لا تتبع" كالإتباع "أصمو المشي عمى خمؼ ماشو كىك ىنا مستعار لممشاركة في عمؿ المفسد (195) .كيرتد النيي ىنا عف الكؼ لينتقؿ في ىذا الفعؿ إلى سياؽ التحذير إف ىذه الأخكة التي تريد أف تستمر في التضحية مف أجؿ ىذه الرسالة تريد أف تقرف الإصلبح بعدـ الإفساد «كالمفسد مف كاف الفساد طبيعتو»(196) .كقد أصر ا﵀ سبحانو كتعالى عمى كممة سبيؿ كالسبيؿ ىك الطريؽ المؤدم إلى الفساد، فسياؽ الآية المعجز يقتضي غمؽ كؿ ثغرات الفساد كبؤرة التكقؼ عنو كانت عف طريؽ الفعؿ أصمح، كىذه الكممة «تستمزـ أف يبقى الصالح عمى صلبحو ف يفسده فقكؿ ا﵀ تعالى: ﴿كىلاى تىتَّبًعٍ سىبًيؿى الٍميفٍسًدًيفى ﴾ (الأعراؼ/ 142 )قكؿ مكجو لنبي كىك ىاركف عميو السلبـ، لا يأتي منو الإفساد، كلكف مكسى أعممو أنو ستقكـ فتنة بعد قميؿ، فكاف مكسى قد أليـ أنو سيحدث إفساد فقصارل ما يطمبو مف أخيو ىاركف ألا يتبع سبيؿ المفسديف»(197). كيقكؿ الطاىر بف عاشكر في شأف ىذه الآية«فلب جرـ أف كاف قكلو تعالى كلا تتبع سبيؿ المفسديف، جامعا لمنيي في ثلبث مراتب عف طريؽ الاقتضاء إلى الفساد كىك العمؿ 194 أحمد مطلوب: معجم المصطلحات البلاغٌة وتطورها، ص667. 195 الطاهر بن عاشور: تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج 9، ص88. 196 الطاهر بن عاشور:المصدر السابق، ج9، ص88. 197 محمد متولً الشعراوي:تفسٌر الشعراوي، م7، ص4340.
عدد الصفحات ٥٠51 المعركؼ بالانتساب إلى المفسد، كعمؿ المفسد كا ف لـ يكف مما اعتاده، كتجنب الاقتراب مف المفسد كمخالطتو»(198). كقاؿ تعالى: ﴿كىلىمَّا رىجىعى ميكسىى إًلىى قىكٍمًوً غىضٍبىافى أىسًفنا قىاؿى بًئٍسىمىا خىمىفٍتيميكنًي مًفٍ بىعٍدًم أىعىجًمٍتيـٍ أىمٍرى رىبّْكيـٍ كىأىلٍقىى الأٍىلٍكىاحى كىأىخىذى بًرىأٍسً أىخًيوً يىجيرُّهي إًلىيٍوً قىاؿى ابٍفى أيـَّ إًفَّ الٍقىكٍـى اسٍتىضٍعىفيكنًي كىكىاديكا يىقٍتيميكنىنًي فىلبى تيشٍمًتٍ بًيى الأٍىعٍدىاءى كىلاى تىجٍعىمٍنًي مىعى الٍقىكٍـً الظَّالًمًيفى ﴾ (الأعراؼ /150). أحداث كثيرة كقعت مع قكـ مكسى عميو السلبـ كىك في ميقات ربو بيٌنيا قكلو تعالى: ﴿كىلىمَّا رىجىعى ميكسىى إًلىى قىكٍمًوً غىضٍبىافى أىسًفنا ﴾ جعمتو يتحسر عمى قكمو عبدة العجؿ كالغضب كالأسؼ إنما ىك خكؼ كحزف كلكـ عمى ىؤلاء القكـ الذيف يمثمكف جزء ا منو، كعًبادة العجؿ جعمت مكسى عميو السلبـ يتكجو بتأنيب أخيو، كيؼ لا كىك كمفو مف بعده في تبميغ الرسالة، كبالتالي كجب عميو أف ييتـ ىذه العممية عمى أكمؿ كجو ما دامت أسندت إليو، فما كاف جكاب الأخ إلا بتقرير الاستعطاؼ كالترجي الذم تكلد ت عنو صيغة النيي، كتمثمت في فعميف (لا تشمت كلا تجعمني )، كالشماتة مأخكذة مف أشمت كىي الفرح ببمية مف تعاديو كيعاديؾ، يقاؿ شمت بو كفرح، كىي بذلؾ إظيار الفرح بمصيبة تقع في خصـ»(199) .كقد كصفيـ بالأعداء كدليؿ عمى انو«كقؼ منيـ مكقؼ العداكة كأف مكقؼ الخلبؼ بيف مكسى كىاركف يشعرىـ »(200) .كردٌ فعؿ ىاركف لأخيو بيذه الصيغة يتجو نحك سياؽ الالتماس كىك يقتضي حضكر طرفي الاتصاؿ لكف مع تساكييما في المنزلة (201). كتزيد درجة الاستعطاؼ بيف الأخ كأخيو عندما يردؼ بقكلو تعالى عمى لساف ىاركف: ﴿ كىلاى تىجٍعىمٍنًي مىعى الٍقىكٍـً الظَّالًمًيفى ﴾ (الأعراؼ/ 150 )كصيغة النيي تتجو إلىمعنييف الأكٌؿ التماس مكسى عميو السلبـ جعمو مع شخص ما، أما المعنى الثاني فيك يمتد إلى عدـ التشريؾ مع ىؤلاء القكـ، كبالتالي تتحكؿ بنية النيي (لا تجعمني) إلى تشبت ىاركف بأخيو ككقكفو جنبا إلى جنب معو ضد القكـ الظالميف. كقاؿ تعالى: ﴿قىاؿى يىا ابٍفى أيـَّ لاى تىأٍخيذٍ بًمًحٍيىتًي كى لاى بًرىأٍسًي إًنّْي خىشًيتي أىفٍ تىقيكؿى فىرَّقٍتى بىيٍفى بىنًي إًسٍرىائًيؿى كىلىـٍ تىرٍقيبٍ قىكٍلًي ﴾ (طو/94 .)يقكؿ الفخر الرازم في شأف ىذه الآية «اعمـ أف الطاعنيف في عصمة الأنبياء عمييـ السلبـ يتمسككف بيذه الآية مف كجكه أحدىما أف 198 الطاهر بن عاشور: تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج 9، ص88. 199 عبد الحمٌد مصطفى السٌد:الأفعال فً القرآن الكرٌم، دار الحامد للنشر، الأردن، ط1،2007، ص77. 200 محمد متولً الشعراوي:تفسٌر الشعراوي، م7، ص5367. 201 محمد عبد المطلب: البلاغة العربٌة قراءة أخرى، ص228.
عدد الصفحات ٥١52 مكسى عميو السلبـ، إما أف يككف قد أمر ىاركف بإتباعو أك لـ يأمره، فإف أمره بو فإما أف يككف ىاركف قد اتبعو أك لـ يتبعو، فإف اتبعو كانت ملبمة مكسى لياركف معصية، كأما لأف ملبمة غير المجرـ معصية، كا ف لـ يتبعو كاف ىاركف تاركا لمكاجب، فكاف فاعلب لممعصية، كأما إف قمنا إف مكسى عميو السلبـ ما أمره بإتباعو كانت ملبمتو إياه بترؾ الإتباع معصية، فثبتت أف عمى جميع التقديرات يمزـ إنشاء المعصية إما إلى مكسى أك إلى ىاركف، كثانييما قكؿ ىاركف "يىا ابٍفى أيـَّ لاى تىأٍخيذٍ بًمًحٍيىتًي كىلاى بًرىأٍسًي" (طو/94 .)كىذا معصية لأف ىاركف عميو السلبـ قد فعؿ ما قدر عميو مف النصيحة كالكعظ كالزجر، فإف كاف مكسى عميو السلبـ قد بحث عف الكاقعة، كبعد أف عمـ أف ىاركف قد فعؿ ما قدر عميو كاف الأخذ برأسو كلحيتو معصية، كا ف فعؿ ذلؾ قبؿ تفرؽ الحاؿ كاف ذلؾ أيضا معصية، كا ف لـ يكف ذلؾ الأخذ جائزا كاف مكسى عميو السلبـ فاعلب لممع صية» (202). كقد كاف تعميقو عمى ىؤلاء في قكلو «إف مكسى عميو السلبـ أقبؿ كىك غضباف عمى قكمو فأخذ برأس أخيو كجره إليو كما يفعؿ الإنساف بنفسو مثؿ ذلؾ عند الغضب، فإف الغضباف المتفكر قد يعض عمى شفتيو، كيقتؿ أصحابو كيقبض لحيتو فأجرل مكسى عميو السلبـ أخاه ىاركف مجر ل نفسو لأنو كاف أخاه كشريكو فصنع بو ما يصنع الرجؿ بنفسو في حاؿ الفكر كالغضب، فأما قكلو لا تأخذ بمحيتي كلا برأسي فلب يمتنع أف يككف ىاركف عميو السلبـ خاؼ مف أف يتكىـ بنك إسرائيؿ مف سكء ظنيـ أنو منكر عميو غير معاكف لو»(203). نتيجة لكؿ ىذا ردٌ ىاركف عمى أخيو مكسى عف طريؽ صيغة النيي: لا تأخذ بمحيتي كلا برأسي، فيذا التماس منو «كعمة ذلؾ أف ىاركف خشي أف يظف مكسى أنو فرؽ بيف بني إسرائيؿ، كلـ يراع نصيحة مكسى لو بأف يصمح بيف القكـ، كىاركف اجتيد كعمؿ عمى الحفاظ عمى القكـ في إطار نصيحة مكسى لو فكاف مكسى سأؿ ىاركف ليسمع منو الإجابة كدفاعا عف نفسو» (204). كقاؿ تعالى: ﴿كىاصٍطىنىعٍتيؾى لًنىفٍسًي اذٍىىبٍ أىنٍتى كىأىخيكؾى بًآىيىاتًي كىلاى تىنًيىا فًي ذًكٍرًم ﴾ (طو/42 .) تمثمترعاية ا﵀ سبحانو كتعالى لمكسى عميو السلبـ في فعؿ اصطنعتؾ كالاصطناع اتخاذ الصنعة ىي افتعاؿ مف الصنع يقاؿ اصطنع فلبف فلبنا أم اتخذه صنيعة»(205). كىذا الفعؿ 202 الفخر الرازي: التفسٌر الكبٌر، ج22، ص108. 203 الفخر الرازي:التفسٌر الكبٌر ص 108. 204 محمد متولً الشعراوي: قصص الأنبٌاء والمرسلٌن، ص 416. 205 الفخر الرازي:التفسٌر الكبٌر، دار إحٌاء التراث العربً،دط،دت ج 22، ص56.
عدد الصفحات ٥٢53 يحمؿ كؿ معاني الاختيار كالاصطفاء لذلؾ كجب عمى مكسى عميو السلبـ تبميغ الرسالة عمى أكمؿ كجو كذلؾ عف طريؽ بنيتيف ىما الأمر في الفعؿ اذىب كالنيي في فعؿ لا تنيا، قاؿ الرازم: «كاعمـ أنو سبحانو كتعالى لما عدد عميو المنف الثمانية في مقابمة تمؾ الإليامات الثمانية رتب عمى ذكر ذلؾ أمرا كنييا، أما النيي فيك قكلو تعالى: لا تنيا عف ذكرم، كالكنى الفتكر كالتقصير»(206). كصيغة النيي حقيقتي ا تتٌ جو صكب الاستعلبء، لأنٌ يا متعمقة بكظيفة أساسية في التبميغ كىي الذكر، كىناؾ سياقات متعددة لمذكر يذكرىا الرازم بقكلو: «أحدىا اتخذ ذكرم آلة لتحصيؿ المقاصد كاعتقد أف أمرا مف الأمكر لا يتسنى لأحد إلا بذكرم، كالحكمة فيو أف مف ذكر جلبؿ ا﵀ تقكل ركحو بذلؾ الذكر، فلب يضعؼ في المقصكد كلأ ف ذاكرا ﵀ لا بد كأف يككف ذكرا لإحسانو، كذاكرا إحسانو لا يفتر في أداء أكامره، كثانييا المراد بالذكر تبميغ الرسالة فإف الذكر يقع عمى كؿ العبادات، كتبميغ الرسالة مف أعظميا، فكاف جديرا بأف يطمؽ عميو اسـ الذكر كثالثيا قكلو: كلا تنيا في ذكرم عند فرعكف ككيفية ا لذكر ىك أف يذكرا لفرعكف كقكمو أف ا﵀ تعالى لا يرضى منيـ الكفر كيذكرا ليـ أمر الثكاب كالعقاب كالترغيب كالترىيب، كرابعيا أف يذكرا لفرعكف آلاء ا﵀ كنعمائو كأنكاع إحسانو إليو ثـ قاؿ بعد ذلؾ ﴿اذٍىىبىا إًلىى فًرٍعىكٍفى إًنَّوي طىغىى ﴾ (طو/43)» (207) .كلمتأكيد عمى الذكر كعدـ التكاني فيو جاءت صيغة النيي نحك الاثنيف لا تنيا، كقد تعدت ىذه الصيغة مف الاستعلبء إلى التكميؼ، كىذا التكميؼ يستدعي كجكد الأخكيف المرسميف جنبا إلى حنب مف أجؿ تحقيؽ ىذه الميمة. كقاؿ تعالى: ﴿كىأىكٍحىيٍنىا إًلىى أيـّْ ميكسىى أىفٍ أىرٍضًعًيوً فىإًذى ا خًفٍتً عىمىيٍوً فىأىلٍقًيوً فًي الٍيىـّْ كىلاى تىخىافًي كىلاى تىحٍزىنًي إًنَّا رىادُّكهي إًلىيٍؾً كىجىاعًميكهي مًفى الٍميرٍسىمًيفى ﴾ (القصص/7.) إفٌ كحي ا﵀ تعالى إلى أـ مكسى جعؿ سياؽ الآية يأتي في صيغة الأمر أكلا ثـ تتمكه صيغة النيي متمثمة في الفعميف (لا تخافي لا تحزني )، كا ف كاف ىذاف الفعميف متعمقاف بحالة نفسية لأـ مكسى كىي الخكؼ كالحزف فلب بأس أف نذكر السياؽ التحكيمي لمنيي في ىاذيف الفعميف عمى أف تترؾ حالة الخكؼ كالحزف في السياؽ النفسي إف شاء ا﵀. فصيغة النيي المككنة مف الفعميف تخافي تحزني المقركف بلب ا لناىية تجاكزت مرحمة الاستعلبء إلى مرحمة سادىا الأمف كالطمأنينة كبالتالي فصيغة النيي متجية صكب الإيناس 206 المرجع نفسه، ج22، ص56-57. 207 الفخر الرازي:التفسٌر الكبٌر، ج 22، ص56-57.
عدد الصفحات ٥٣54 كىي تمؾ القكة التي منحيا ا﵀ تعالى كالبشارة التي كعدىا بيا كىي عكدة الصبي كيعمؽ الشيخ محمد متكلي الشعراكم عمى ىذه الآية بقكلو: «إنيا آية كاحدة جمعت بيف أ مريف كنيييف كخبريف كبشارتيف في إيجاز مكجز » (208). كالنيي عف الخكؼ كعف الحزف «جاء بسبب تكقع المكركه كالتفكير في كحشة الفراؽ »(209) إذ أف أـ مكسى عميو السلبـ تممكيا الخكؼ فأراد ا﵀ سبحانو ك تعالى أف يعكضيا عف ىذا الخكؼ ك ىذه الكحشة فطمأنيا بعكدة ابنيا سالما معافى. 3. النداء ىك أحد الأساليب الإنشائية الطمبية التي تتعمؽ بالمخاطب. كيضـ في بنيتو المغكية رفع الصكت كالدعاء. جاء في مقاييس المغة: "كمف الباب ندل الصكت يعد مذىبو كىك أندل صكتا منو أم أبعد كمنو قكؿ الأصمعي: فقي متي أدٍ عي كأدٍ عي فإفَّ أنٍ دل *** لصى كٍ تو يي نادم دى اعً ياف"(210) «كالنَّداءي كالنُّداء الصكت مثؿ الدُّعاء كالرُّغاء كقد ناداه كنادل بو كناداه ميناداة كنًداء أىم صاح بو النّْداءً الدُّعاءً بأىرفع الصكت كقد نادىيٍتو نًداء كفلبف أىنٍدل صكتان مف فلبف أىم أىبٍعىدي مىذٍىبان كأىرفع صكتان » (211)،فالبنية المعجمية لمنداء مف خلبؿ ىذيف التعريفيف تقتضي كجكد عنصريف ىما الصكت كالدعاء كىما متعمقاف برسالة كلبمية مكجية مف مرسؿ إلى مرسؿ إليو قصد التنبيو. أمٌ ا اصطلبحا فيك «دعاء المخاطب ليصغي إليؾ أك طمب إقبالو بعيدا بعدا حقيقيا أك مجازيا » (212). كالبعد ىنا نسبي يختمؼ باختلبؼ الزماف كالمكاف كمنزلة الإنساف بالنسبة إلى أخيو الإنساف. كىذا المخاطب المدعك يدعى بأحرؼ مخصكصة منيا ما ىك داؿ عمى القرب كمنيا ماىك داؿ عمى البعد كذلؾ لتنبيو السامع لأمر ما. ك النداء بيذا التعريؼ أصمو الإقباؿ كيككف بكاسطة حرؼ نائب منابة (ادعك) كلا ينادم عادة إلا ما يصح أف يقبًؿ «فلب بد في الأصؿ مف تكافؽ دلالي معجمي تركيبي بف معنى الأداة كبيف المنادل مف حيث صحة 208 محمد متولً الشعراوي:قصص الأنبٌاء والمرسلٌن، ص318. 209 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج20، ص75. 210 ابن فارس:مقاٌٌس اللغة، تحقٌق إبراهٌم شمس الدٌن، م 8، ص552. 211 ابن منظور:لسان العرب، م6، ص165. 212 ابن عصفور الإشبٌلً: شرح جمل الزجاجً، تحقٌق امٌل بدٌع ٌعقوب، دار الكتب العلمٌة، بٌروت، ط1،1996، م2، ص177.
عدد الصفحات ٥٤55 مناداتو» (213). كالملبحظ أفٌ بنية النٌداء متكلدة عف قرينة دالة بالحذؼ كنعني بذلؾ حرؼ النداء، فيذا الحرؼ «مكلد مف الفعؿ ادعكا سكاء أكاف الحرؼ ممفكظا عمى مستكل السطح مثؿ يا محمد أك مضمرا عمى مستكل العمؽ مثؿ قكلو تعالى: ﴿ييكسيؼي أىعٍرًضٍ عىفٍ ىىذىا ﴾ (يكسؼ/29)» (214). كالشيء الممفت للبنتباه أف ىناؾ اختلبفات بيف النداء كالدعاء رغـ التقائيما في مكضع التصكيت «فالنداء ىك رفع الصكت بما لو معنى كالعربي يقكؿ لصاحبو ناد معي ليككف ذلؾ أندل لصكتنا أم أبعد لو، كالدعاء يككف برفع الصكت كخفضو يقاؿ دعكتو مف بعيد، كدعكت ا﵀ في نفسي، كلا يقاؿ ناديت في نفسي، كأصؿ الدعاء طمب الفعؿ كىك مف دعا يدعك كادٌ عى ادعاء لأنو يدعك إلى مذىب مف غير دليؿ» (215). كقدجمع النحاة القدامى أداة النداء مع المنادل كاعتبركا أفٌ النداء مف قبيؿ جممة اختزؿ منيا الفعؿ كالفاعؿ أك عيكضا بحرؼ يفيد فائدتيما أك بنيت عمى لفظة ليا معنى الفعؿ كبذلؾ فقد تمخصت بنية جمؿ النداء عند النحاة في ثلبثة آراء ، أما الرأم الأكؿ فقد اعتبر فيو صاحبو أف المنادل مفعكؿ بو منصكب بفعؿ مقدر فجممة (يا) (أدعك زيدان ) تحكؿ إلى يا زيد فحذؼ الفعؿ كالفاعؿ. أمٌ ا الثاني فقد اعتبر فيو صاحبو حرؼ النداء ع كضا عف فعؿ (أدعك) كساده مسدٌه كأما الثالث فقد اعتبر النداء اسـ فعؿ. كذىب بعض المحدثيف إلى أف النداء ليس جممة فعمية كلا جممة غير إسنادية كا نما ىك مركب لفظي بمنزلة أسماء الأصكات يستخدـ لإبلبغ المنادل حاجتو أك لدعكتو إلى إعانتو أك نصرتو أك نحك ذلؾ. كالنداء يتحكؿ مف بنيتو النحكية إلى بنية بلبغية يحكميا سياؽ المغة، كيعدٌ النداء فييا مف الجمؿ الأسمكبية غير الإسنادية لأنيا عبارات انفعالية غير خبرية، كلأف النداء مف الجمؿ التي تعتمد عمى الأداة كمعناىا كالفرؽ جمي بيف قكلنا: (يا زيد ) ك(أنادم زيدان ) كفي ذلؾ يقكؿ ابف جني: «ألا ترل لك تجسـ إظياره فقيؿ ادعكا زيدان كأنادم زيدان لاستحاؿ أمر النداء فصار إلى لفظ الخبر المحتمؿ لمصدؽ كالكذب كالنداء مما لا تصنع منو تصديقا كلا تكذيبا »(216). كمما لا شؾ فيو أف النداء يحتاج إلى مرحمة ميتالغكية بيف المتكمـ كالمخاطب، كىذا الأخير ىك مف يكجو لو الإقباؿ كالطمب كىك المنادل كعرفو بف الحاجب بقكلو: «كىك 213 ردة الله، دلالة السٌاق، جامعة أم القرى ،ط1 1423 ص531. 214 محمد عبد المطلب:البلاغة العربٌة قراءة أخرى ص 300 215 أبو هلال العسكري:الفروق اللغوٌة،تحقٌق محمد ابراهٌم سلٌم،دار العلم والثقافة ،القاهرة،دط،دت ص38. 216 ابن جنً: الخصائص، ج 1، ص186.
عدد الصفحات ٥٥56 المطمكب إقبالو بحرؼ نائب منابة ادعكا لفظا كتقديران» (217) .كالمنادل ىك البؤرة التي تقكـ عمييا عممية الاتصاؿ كعممية تحكيؿ بنية الأساس إلى حرؼ النداء في مستكاه العميؽ. كالمنادل عند النحاة قسماف معرب كمبني . يقكؿ ابف عصفكر الاشبيمي: «كالاسـ المنادل لا يخمك مف أف يككف معربا أك مبنيا فإف كاف مبنيا فحكمو بعد النداء كحكمو قبمو نحك يا ىذا يا ىؤلاء ، كا ف كاف معربا فلب يخمك مف أف يككف مفردا أك مضافا أك شبييا بالمضاؼ» (218) .كما ييمنا مف الاسـ المنادل ىك تمؾ الاستجابة كالإقباؿ حتى يتحقؽ الإخبار كالتكاصؿ كىك يأخذ في مناد اتو سياقات متعددة أىميا الإغراء كالاختصاص كالتعجب كالندبة كالاستغاثة. أحرف النداء حدد النحاة أحرؼ النداء حسب درجة القرب كالبعد كأىـ ىذه الحركؼ: اليمزة ك يا كأيا كىيا كأم ككا. كأىـ ىذه الحركؼ حرؼ الياء، كفي ذلؾ يقكؿ ابف عصفكر «كأـ ىذا الباب(يا) كالدليؿ عمى ذلؾ أنيا تستعمؿ في جميع ضركب النداء، كما عداىا لا يستعمؿ إلا في النداء الخالص الذم لا يدخمو معنى التعجب كلا الندبة كلا الاستغاثة إلا (كا) فإنيا لا تستعمؿ إلا في الندبة » (219) .كىذه الأحرؼ في حقيقتيا أصكات ييتؼ بيا الرجؿ عند إرادة تنبيو المنادل فيمتد الصكت كيرتفع (220). كتنقسـ أحرؼ النداء باعتبار القريب كالبعيد إلى مجمكعتيف -المجمكعة الأكلى: تضـ اليمزة كأم لنداء القريب، كمف مكاضع اليمزة أف تككف تنبييا كأكضح ابف يعيش ذلؾ بقكلو: «ليس فييا ما يعيف عمى مد الصكت كلأف اليمزة تفيد تنبيو المدعك كلـ يرد فييا امتداد ال صكت لقرب المدعك » (221). أمٌا بالنسبة "لأم" فقد اختمؼ فييا، فقيؿ ىي لمبعيد حقيقة أك حكما كىك المنزؿ منزلة البعيد»(222) .كىذا ما ذىب إليو سيبكيو، كقيؿ إنيا لمقريب حقيقة كحكما كىك المنزؿ منزلة المصغي إليؾ» (223). كىك ما ذىب إليو المبرد كالزمخشرم 217 ابن الحاجب، الكافٌة فً نحو، تح رضً الدٌن الاسترابادي، دار الكتب العلمٌة،بٌروت، ط 1،1995، ج1، ص131. 218 ابن عصفور الاشبٌلً: شرج جمل الزجاجً، تح إمٌل ٌعقوب م2، ص177. 219 المصدر نفسه، م2، ص177. 220 الزمخشري: الكشاف، تح عادل أحمد،مكتبة العبٌكان الرٌاض ط1 1998ج1، ص224. 221 ابن ٌعٌش:شرح المفصل، ج2، ص15. 222 ٌنظر، سٌبوٌه:الكتاب، ج2، ص229.
عدد الصفحات ٥٦57 كالسياؽ بالنسبةإلى ىذه الأداة متعدد حسب طبيعة المنادل فعندما يقكؿ الشاعر: "ألى ـٍ تسٍ مى عً ي أمَّ عبٍ د في رى كٍ نى ؽ الضُّ حى *** بكاءى حى ماماتو ليي فَّ ىى دً يري " فيي في ىذا السياؽ مستعممة لنداء البعيد كالذم يدؿ عمى ذلؾ فعؿ تسمعي الذم يدؿ عمى أف المنادل بعيد المنزلة. ك يبيف بعض الباحثيف أنيا نداء لمقريب لأنيا: «لا تصمح أف تككف لنداء البعيد كا نما تصمح أف تككف أداة لنداء القريب كذلؾ لأف السككف في الياء لا يعيف عمى مد الصكت كرفعو بيا»(224). فسياؽ القريب صكتي لا غير -المجمكعة الثانية كتضـ: (يا،ػ أيا، ىيا، آ، كا) لنداء البعيد كأشير أحرؼ النداء كأكثرىا استعمالا: "يا" كتعد كما سمؼ الذكر أـ الباب لكثرة الاستعماؿ، كيقكؿ عنيا س يبكيو: "أما يا فتنبيو ألا تراىا في النداء، كفي الأمر كأنؾ تنبو المأمكر » (225). كينادل بيالمبعيد، كقد ينادل بيا القريب تككيدان أك مبالغة في النداء أك تنزيلب لو منزلة البعيد (226). كتنقسـ(يا) باعتبار استعماليا إلى قسميف: الأكؿ: أف تككف تنبييا كنداء أم تنبييا لممنادل أك المدعك أك المطمكب إقبالو كنداء أك دعاء أك طمبا لممنادل أك المدعك أك المطمكب إقبالو كذلؾ إذا ذكر المنادل» (227). كالثاني أف تككف قد خمصتكتعينت لمجرد التنبيو مثؿ ألا فلب تعد نداء كذلؾ إذا جيء بيا كلا منادل معيا »(228). كنخمص لإفادة(يا) التنبيو إذا كلييا كاحد مف الأمكر الآتية كىي: الأمر كالدعاء كدخكؿ ليت، رب، حبذا. فالياء في ىذه السياقات مجردة مف المنادل المطمكب كمقتصرة عمى التنبيو لا غير. أما (أيا) "فمعناىا التنبيو، كينادل بيا كتستخدـ لنداء البعيد كالقريب المنزؿ منزلتو أك المبالغي في تنبييو كندائو أك المؤكد نداءه»(229) .كلككنيا لمبعيد كانت عمى ثلبثة أحرؼ آخرىا ألؼ مد تحتمؿ المد ما شئنا لأف مد الصكت بيا يتمكف»(230) .أما(ىيا) فمعناىا التنبيو كاختمؼ 223 ٌنظر، المبرد: المقتضب، ج4، ص133. و الزمخشري، المفصل، ص309. 224 معن توفٌق:النداء فً القرآن الكرٌم، دار الكتب العلمٌة، بٌروت، ط1،2008، ص19. 225 سبوٌه: الكتاب، ج4، ص224. 226 فتح الله صالح المصري:الأدوات المفٌدة للتنبٌه فً كلام العرب، دار الوفاء، المنصورة، ط 1،1987، ص38. 227 المرجع نفسه، ص37. 228 المرجع نفسه ،ص39. 229 فتح الله صالح المصري: المرجع السابق، ص55. 230 المرجع نفسه، ص 55.
عدد الصفحات ٥٧58 النحكيكف في ىائيا: فقيؿ ىي بدؿ مف ىمزة أيا أبدلت اليمزة ىا لممقارنة، كقيؿ ىي أصؿ يدؿ، قاؿ ابف يعيش: "أيا كىيا أختاف لأنيما لبعيد، كلكؿ ما أريد مد الصكت بو » (231). أمايا أييا) فيقكؿ في شأنيا سيبكيو: «ىذا باب لا يككف الكصؼ مفرد فيو إلا رفعا كلا يقع في مكقعو غير المفرد كذلؾ قكلؾ: يا أييا الرجؿ، يا أييا الرجلبف، كيا أيتيا المرأتاف فأم ىنا كقكلؾ (يا ىذا) كالرجؿ كصؼ لو كما يككف كصفا ليذا كا نما صار كصفو لا يككف فيو إلا الرفع، كأنؾ لا تستطيع أف تقكؿ يا أم، كلا يا أييا كتسكت لأنو مبيـ يمزم و التفسير فصار ىك كالرجؿ بمنزلة اسـ كاحد كأنؾ قمت يا رجؿ »(232) .فالمنادل المعرؼ بأؿ مقترف بحرؼ النداء، كالفاصؿ بينيما ىك (ىا) التنبييية "كينبو بيا عمى ما يساؽ مف الكلبـ التالي ليا كىك قد يككف جممة، كقد يككف مفردا كالضمائر كأسماء الإشارة »(233) .ك(ىا) التنبييية لا محؿ ليا مف الإعراب، كالجمؿ المبتدآت كالمفردات المعدكدة كالتنبيو يقع قبؿ كؿ ما نبٌيت عميو»(234) .كتقع في مكاقع عدة منيا دخكليا عمى نعت أم في النداء كقكلو تعالى﴿يىا أىيَّتييىا النَّفٍسي الٍميطٍمىئًنَّةي ﴾ (الفجر/27.) ك(أم) ك(أية) مبنياف عمى الضـ لككف كؿ منيما منادل مفردا، ك (ىا) التنبييية فيو زائدة لازمة لمفظ كؿ منيما (235). كسبب اتصاؿ(ىا) بأم يأتي عمى كجييف أحدىما: أنيا عكض عف المضاؼ إليو لأف حؽ (أم) أف تككف مضافة، كالثاني أنيا ذكرت لمفرؽ بيف الاستفياـ كالنداء إذا قمت أييا الفتى لك حذفت حرؼ التنبيو فقمت أم الفتى لأكىـ أنؾ مستفيـ فتعيف حرؼ التنبيو ليذا المعنى » (236). كخلبصة القكؿإف النداء مف الجمؿ الإنشائية التي تتطمب نكعا مف الحالة الشعكرية القائمة عمى الطمب كالتبميغ بيف المتكمـ كالمخاطب كاليدؼ مف ىذا التبميغ ىك الكصؿ كالكشؼ عف الكظيفة الانتباىية لممخاطب كقد تتحقؽ سياقات شتى لمفت انتباه السامع كمكقعو كمنزلتو التي تحدد نمط النداء، كىذا ما سنحدد ملبمحو عند تحميمنا لآيات النداء في قصة مكسى عميو السلبـ. فقد قاؿ تعالى: ﴿قىاؿى رىبّْ إًنّْي ظىمىمٍتي نىفٍسًي فىاغٍفًرٍ لًي فىغىفىرى لىوي 231 المرجع نفسه، ص55. 232 سبوٌه، الكتاب، ج2، ص188. 233 فتح الله صالح:الأدوات المفٌدة، ص132. 234 المبرد: المقتضب، ص322. 235 فتح الله صالح المصري: الأدوات المفٌدة للتنبٌه فً كلام العرب، ص159. 236 فتح الله صالح المصري : المرجع السابق، ص159.
عدد الصفحات ٥٨59 إًنَّوي ىيكى الٍغىفيكري الرَّحًيـي قىاؿى رىبّْ بًمىا أىنٍعىمٍتى عىمىيَّ فىمىفٍ أىكيكفى ظىيًيرنا لًمٍميجٍرًمًيفى ﴾ (القصص/17). فقد جعؿ الخكؼ مكسى عميو السلبـ يتضرع ﵀ سبحانو كتعالى ليغفر لو خطيئتو، ككاف ذلؾ تكرارا لأسمكب النداء "رب" كقيؿ كركد النداء كانت لحظة اعتراؼ بالخطأ كالذنب عندما قاؿ ا﵀ سبحانو كتعالى عمى لسانو: ﴿ىىذىا مًفٍ عىمىؿً الشَّيٍطىافً إًنَّوي عىديكّّ ميضًؿّّ ميبًيفه ﴾(القصص/15.) كىذا دليؿ عمى أف الأصؿ في النفس الإنسانية ىك الخير كأنو الفطرة، كأف الانحراؼ عنيا يحتاج إلى سبب غير فطرم، كىك تحميؿ نزغ الشيطاف في النفس»(237). كقد كرد ىذا الأسمكب بحذؼ حرؼ النداء كىك حذؼ بميغ داؿ عمى شدة قرب مكسى عميو السلبـ مف ربو، إنو يريد أف يبيف لو ب التضرع أف ىناؾ مبالغة في قتؿ القبطي ، كالظمـ ىنا يمثؿ أعمى مراتب الخطيئة كالذنب في القتؿ . كحذؼ حرؼ النداء كالاتجاه إلى المنادل مباشرة دكف كاسطة دلالة عمى الإقباؿ يقكؿ ابف عصفكر: «يجكز حذؼ حرؼ النداء مف المنادل المفرد العمـ لدلالة الإقباؿ عميو »(238). كلمٌا غفر ا﵀ تعالى لمكسى كقبؿ تكبتو عاىد مكسى ربو ألا يككف ظييران لممجرميف. كتكرر أسمكب النداء بعد القكؿ "قاؿ رب" فمكسى عميو السلبـ يعترؼ بنعـ ا﵀ عميو كلذلؾ يريد أف يتقرب إليو أكثر، كىذه المرة كعد بالجزـ عمى أف لا يككف معينا لممجرميف . كيعمؽ الطاىر بف عاشكر عمى ىذه الآية بقكلو: "إعادة قاؿ أفاد تأكيدا لفعؿ قاؿ "رى بّْ إنّْ ي ظممٍ تي نى فٍ سً ي" أعيد القكؿ لمتنبيو عمى اتصاؿ كلبـ مكسى حيث كقع الفصؿ بينو بجممتي ﴿فى غى فى رى لى وي إنَّ وي ىي كى الغى في كري الرَّ حً يـي ﴾ (القصص/16)،كنظـ الكلبـ: قاؿ ربي إني ظممت نفسي فاغفر لي رب بما أنعمت فمف أككف ظييران لممجرميف، كليس قكلو قاؿ رب بما أنعمت عمي مستأنفا عف قكلو: فغفر لو لأف مكسى لـ يعمـ أف ا﵀ غفر لو إذا لـ يكف يكحي إليو يكمئذ»(239). كأراد بالمجرميف مف يتكسـ منيـ الإجراـ، كأراد بيـ الذيف يستذلكف الناس كيظممكنيـ لأف القبطي أذؿ الإسرائيمي بغضبو عمى تحميمو الحطب دكف رضاه (240). كالغرض مف ىذا النداء ىنا ىك التقرب إلى ا﵀ كالخضكع لو مباشرة دكف حرؼ النداء. 237 الطاهر بن عاشور: تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج20، ص90. 238 ابن عصفور:شرح جمل الزجاجً، تح امٌل بدٌع ٌعقوب، م2، ص178. 239 الطاهر بن عاشورتفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج 20، ص92. 240 المرجع نفسه، الجزء20، ص92.
عدد الصفحات ٥٩60 كقاؿ تعالى﴿فىمىمَّا أىفٍ أىرىادى أىفٍ يىبٍطًشى بًالَّذًم ىيكى عىديكّّ لىييمىا قىاؿى يىا ميكسىى أىتيرًيدي أىفٍ تىقٍتيمىنًي كىمىا قىتىمٍتى نىفٍسنا بًالأٍىمٍسً إًفٍ تيرًيدي إًلاَّ أىفٍ تىكيكفى جىبَّارنا فًي الأٍىرٍضً كىمىا تيرًيدي أىفٍ تىكيكفى مًفى الٍميصٍمًحًيفى كىجىاءى رىجيؿه مًفٍ أىقٍصىى الٍمىدًينىةً يىسٍعىى قىاؿى يىا ميكسىى إًفَّ الٍمىلؤىى يىأٍتىمًريكفى بًؾى لًيىقٍتيمي كؾى فىاخٍريجٍ إًنّْي لىؾى مًفى النَّاصًحًيفى فىخىرىجى مًنٍيىا خىائًفنا يىتى رىقَّبي قىاؿى رىبّْ نىجّْنًي مًفى الٍقىكٍـً الظَّالًمًيفى ﴾ (القصص/19..21). الملبحظ في بنية ىذه الآيات أف أسمكب النداء كرد بعد أحداث متكالية: خكؼ كذعر كاستنجاد الإسرائيمي بمكسى ككشي القبطي بو، كأكؿ نداء في سياؽ الآيات قكلو تعالى: (يا مكسى) الذم يحمؿ في بنيتو السطحية معنى التنبيو كقد كرد مرفكقا بحرؼ النداء الداؿ عمى مناداة القريب كقد تلب ىذا النداء أسمكب الاستفياـ الداؿ عمى التعجب كالاستنكار "أتريد أف تقتمني" فنداء مكسى عميو السلبـ في ىذا السياؽ يمثؿ حسب قكؿ القبطي ذلؾ المبطش القكم الجبار ال ذم يريد الانتقاـ مع أنو ليس كذلؾ. إف مكسى عميو السلبـ كىك في ىذا المكقؼ ينتظر أحداثا أخرل ينتظر ساعة الفرج ينتظر نداء آخر فكانت أكؿ بكادر النداء رجؿ ينقذه مف اليلبؾ كأكد "أكثر المفسريف عمى أف ىذا الرجؿ مؤمف آؿ فرعكف »(241). كسياؽ القكؿيا مكسى) ىك التحذير كالدليؿ عمى ذلؾ لفظة (يأتمركف) التي تمثؿ خطكة التنبيو كالحذر كمكضع النجدة «كالائتمار التشاكر يقاؿ الرجلبف يأتمراف لأف كؿ كاحد منيما يأمر صاحبو بشيء أك يشير إليو بأمر »(242) كالم الجماعة أكلك الشأف كالمعنى«أف أكلي الأمر يأتمركف بؾ أف يتشاكركف في قتمؾ»(243). كخركج مكسى عميو السلبـ مف ىذا المكقؼ الخطير جعمو يتقرب مف ا﵀ في مناجاتو في أسمكب النداء البميغ: (رب نجني ) فمكسى عميو السلبـ التجأ إلى أعمى مرتبة في النداء في قكلو رب الذم يحمؿ سياؽ التقرب إلى ا﵀ كالتخمص مف الظالميف . كنستطيع أف نبيف أف ىذه الآيات قد مرت بثلبث مراحؿ كأف المنادل العمـ قد مر بثلبث ة سياقات فقد كانت المرحمة الأكلى تمثؿ الكعي كالانتقاـ الذم نتج عنو خكؼ مكسى عميو السلبـ أما المرحمة الثانية فقد تجمت فييا لحظة النجدة كالإنقاذ التي نتج عنيا ىركب مكسى ككانت ىذه المرحمة امتداد ا لممرحمة الأخيرة التي تمت فييا مناجاة ا﵀ سبحانو كتعالى كالتضرع إليو كقكلو "رب" دعاء 241 الفخر الرازي:التفسٌر الكبٌر، ج24، ص237. 242 الفخر الرازيالمصدر السابق ، الجزء 24، ص237. 243 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج 20، ص 95.
عدد الصفحات ٦٠61 بما يناسب الإجابة لأنو كاف يستطيع أف يقكؿ يا ا﵀، لكف كممة ا﵀ تعني المعبكد الذم لو أكامر لكف الرب ىك متكلي التربية، كلذلؾ جاء بالصيغة التي تناسب المكقؼ (244). كقاؿ تعالى ﴿قىالىتٍ إًحٍدىاىيمى ا يىا أىبىتً اسٍتىأٍجًرٍهي إًفَّ خىيٍرى مىفً اسٍتىأٍجىرٍتى الٍقىكًمُّ الأٍىمًيفي ﴾ (القصص/26). إفٌ قكة العناية الإليية جعمت مف مكسى عميو السلبـ ذلؾ الأميف القكم القادر عمى النصيحة فثمة مكاقؼ صعبة اتخذىا مكسى عميو السلبـ لحفظ كرامة المرأة فرغـ ضركرة خركج الفتاتيف لمسقي فإف نبي ا﵀ ساعدىما عمى نيؿ مبتغاىما دكف مزاحمة الرجاؿ كىك مبدأ أساسي يسعياف إليو، قاؿ بعض العمماء: «أف مكسى عميو السلبـ حينما كجد الناس يسقكف ككجد المرأت يف تذكداف لـ يذىب كيجتبئ عمى الرعاة كيزاحميـ، كلكنو تركيـ كشأنيـ، كتمفت حكلو فكجد بعض الخضرة كالحشائش فعرؼ أنيا لا تنمك إلا في كجكد الماء، فبحث عنيا فاىتدل إلى كجكد بئر أخرل في ىذا الم كاف، كلكنيا كانت مردكمة بحجر فأخذ يزحزح ىذا الحجر مف فكؽ البئر حتى كشؼ عف الماء كسقى لمبنتيف، ككاف ىذا الحجر كبيران لا يقكل عمى حممو عدد مف الرجاؿ، فعرفت البنت أنو قكم، كحينما سارت أمامو لتدلو عمى بيت أبييا كىبت الريح طمب إلييا أف تمشي خمفو فعرفت أنو أميف، فمذلؾ قالت لأبييا "إف خير مف استأجرت القكم الأميف »(245). فيذه المكاقؼ كميا جعمت الفتاة تستعطؼ أباىا عف طريؽ نكع مف الإنشاء الطمبي كىك النداء (يا أبت) كىك نداء يتجو صكب الاستعطاؼ "كالتاء في أبت عكض عف ياء المتكمـ»(246)،كىي تمثؿ كؿ جكانب الرقة كالمط ؼ كأدب المحادثة لفتاة أصابت الاختيار فيمف تراه أىلب لمقكة كالأمانة. كقاؿ تعالى: ﴿قىاؿى يىا ميكسىى إًنّْي اصٍطىفىيٍتيؾى عىمىى النَّاسً بًرًسىالاىتًي كىبًكىلبىمًي فىخيذٍ مىا آىتىيٍتيؾى كىكيفٍ مًفى الشَّاكًرًيفى ﴾ (الأعراؼ/ 144). نلبحظ نداء يختمؼ عف أساليب النداء الأخرل المتكجية إلى العمكـ، أك إلى ذكر عمـ أك غيره، كىذا النداء قد تجاكز مرحمة مناداة البشر كلفت انتباىيـ إنو النداء الإليي المتفرد المخصكص لأنبيائو . كلنبيو مكسى خصكصية الاختيار لأف لحظة حمؿ الرسالة قد أتت كقد كرد بعد القكؿ مرف كقان بحرؼ النداء "يا مكسى" فسياؽ النداء الاختصاص، كالذم يبينو ىك فعؿ الاصطفاء، ككأف مكسى ىنا في محطة تركيز تيفك لو النفكس، كيؼ لا كىك الذم يتكلى تبميغ الرسالة كالاصطفاء اختيار صفكة 244 محمد متولً الشعراوي: قصص الأنبٌاء والمرسلٌن، ص325. 245 محمد متولً الشعراوي:المصدر السابق ص326. 246 الطاهر بن عاشور:تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج 20، ص 105.
عدد الصفحات ٦١62 الشيء، كصفكه أم خالصو الذم لا شائبة فيو كمنو الصفي مف الغنيمة كىك ما صطفيو الإماـ أك القائد الأكبر منيا كيختاره لنفسو »(247). كالاصطفاء ىنا جاء لمكسى بالرسالة كما اصطفى غيره مف الرسؿ بالإضافة إلى شرؼ الكلبـ »(248) .كقد نتج عف ىذا النداء الإليي تفضيمو عمى الناس كتذكيره بالشكر كالامتناف. كقاؿ تعالى: ﴿كىىىؿٍ أىتىاؾى حىدًيثي ميكسىى إًذٍ رى أىل نىارنا فىقىاؿى لأًىىٍمًوً امٍكيثيكا إًنّْي آىنىسٍتي نىارنا لىعىمّْي آىتًيكيـٍ مًنٍيىا بًقىبىسو أىكٍ أىجًدي عىمىى النَّارً ىيدنل فىمىمَّا أىتىاىىا نيكدًمى يىا ميكسىى إًنّْي أىنىا رىبُّؾى فىاخٍمىعٍ نىعٍمىيٍؾى إًنَّؾى بًالٍكىادً الٍميقىدَّسً طيكنل ﴾ (طو/9..12) .لقد كانت بكادر الكحي كاضحة جمية عندما عزـ مكسى عميو السلبـ عمى الرحيؿ فإذا بو يرل ناران، قاؿ ابف العباس: «فمما تكجو نحك النار فإذا النار في شجرة عنٌاب فكقؼ متعجبا مف حسف ذلؾ الضكء كشدة خضرة تمؾ الشجرة فلب شدة حر النار تعيد حسف خضرة الشجرة كلا كثرة م اء الشجرة كلا نعمة الخضرة تغيراف مف ضكء النار »(249). كرؤية مكسى عميو السلبـ كانت ثمرتيا نداء رباني ا تجمت بنيتو في فعؿ النداء كحرؼ النداء كالمنادل العمـ. كفعؿ (نكدم) مبني لممجيكؿ "زيادة في التشكيؽ عمى استطلبع القصة" (250). يقكؿ الشعراكم معمقا عمى ىذه الآية: "كىذا معناه أف الذم يناديو يعرفو جيدا كما داـ يعرفو جيدا فمعمو اطمأف حينما سمع مف يناديو باسمو مع أنو أخذ يبحث عف مصدر النداء فمـ يعرؼ »(251). أمٌا النداء في قكلو: (يا مكسى) فقد أفاد البعد في حقيقتو لكف سياقو اتجو إلى التمييد للؤمر الذم استدعى نداءه كفي ذلؾ تعظيـ لممخاطب كا علبء لشأنو، كيعمؽ د. معف تكفيؽ عمى ىذه الآية بقكلو: "ففي سكرة طو جاء الفعؿ المبني لممجيكؿ نكدم سابقا لمنداء إشارة إلى أزلية ىذا النداء، فقد بني الفعؿ لممجيكؿ لبلبغة السياؽ ىي التشكيؽ كالتعظيـ إعلبما لأىمية الأمر بعده كأعقبو النداء بالأداة يا تعظيما لممخاطب»(252). فالنداء ىنا جاء صريحا لمكسى عميو السلبـ، كىك بيذا الأمر المييب يييئو لما سيتمقى مف الكحي. كقاؿ تعالى: ﴿كىأىلٍؽً عىصىاؾى فىمىمَّا رىآىىىا تىيٍتىزُّ كىأىنَّيىا جىافّّ كىلَّى ميدٍبًرنا كىلىـٍ ييعىقّْبٍ يىا ميكسىى لاى تىخى ؼٍ إًنّْي لاى يىخىاؼي لىدىمَّ الٍميرٍسىميكفى ﴾ (النٌمؿ/10). إف لعصا مكسى شأف عظيـ، كليا 247 محمد رشٌد رضا:تفسٌر المنار، دار الكتب العلمٌة، بٌروت، م9، ص109. 248 محمد متولً الشعراوي:تفسٌر الشعراوي، م7، ص 4348. 249 القرطبً:الجامع لأحكام القرآن، تح عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب اللبنانً، د ط، د ت، ج 1، ص156. 250 الطاهر بن عاشور: تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج 16، ص 195. 251 محمد متولً الشعراوي: قصص الأنبٌاء والمرسلٌن، ص 330. 252 معن توفٌق:النداء فً القرآن الكرٌم، ص167.
عدد الصفحات ٦٢63 تحكلات سحرية معجزة، كىذه التحكلات جعمت مكسى عميو السلبـ يندىش لما رأل، كتعتريو بذلؾ لحظة مف الخكؼ الشديد لكف سرعاف ما كجد الإيناس كالأمف إذ أفٌ ا﵀ سبحانو كتعالى يحجب عنو الخكؼ، كيتبيف ذلؾ مف خلبؿ النداء الإليي الذم دؿ عميو سياؽ الفعؿ "التكلي" كىك الرجكع عف السير في طريقو، كفعؿ تكلى مرادؼ فعؿ كلَّى كما ىك ظاىر، كا ف كاف مقتضى ما في فعؿ تكلى مف زيادة المبنى أف تفيد تكلي زيادة في معنى الفعؿ (253) .كالإدبار «التكجو إلى جية الخم ؼ كىك ملبزـ لمتكلي »(254) .كنداء مكسى عميو السلبـ مصحكب بالنيي عف الخكؼ، معنى ذلؾ أف ا﵀ سبحانو كتعالى كرمو كشرفو، كحصؿ ذلؾ بكاسطة النداء بحرؼ الياء التي تدؿ عمى البعيد "رفعو لممنادل لأنو صاحب رسالة فيك تأميف ا﵀ تعالى إياه»(255). كالملبحظ في ىذه الآياتتضافر أسمكب النداء مع النيي، ك قد أدل ذلؾ إلى طمأنة مكسى عميو السلبـ كزيادتو أمنا. كقاؿ تعالى: ﴿كىقىاؿى ميكسىى يىا فًرٍعىكٍفي إًنّْي رىسيكؿه مًفٍ رىبّْ الٍعىالىمًيفى حىقًيؽه عىمىى أىفٍ لاى أىقيكؿى عىمىى المَّوً إًلاَّ الٍحىؽَّ قىدٍ جًئٍتيكيـٍ بًبىيّْنىةو مً فٍ رىبّْكيـٍ فىأىرٍسًؿٍ مىعًيى بىنًي إًسٍرىائًيؿى ﴾ (الأعراؼ /104،105). لقد اتٌصؼ فرعكف بالجبركت كالطغياف الأمر الذم جعمو يرتكب أبشع الجرائـ في بني إسرائيؿ مف قتؿ الأنبياء كاستحياء النساء كاستخداميـ في الأعماؿ الشاقة كغيرىا مف قير كذؿ كىكاف مف أجؿ ذلؾ خاطب مكسى فرعكف داعيا إياه بأسمكب يمتزج فيو الطمب بالخبر، فأما الطمب فكاف أسمكب النداء (يا فرعكف ) كىذه المرة جاء النداء بكاسطة حرؼ النداء يا الذم يدؿ عمى القرب، ذل ؾ لأف مكسى عميو السلبـ بصدد إبلبغ فرعكف أف ىناؾ رب ا لمعباد يجب طاعتو كعبادتو، فكاف سياؽ ىذا الأسمكب يتجو نحك الميف حتى يبمغ الحجة "فإف كاف المنادل قريبا مف المنادم أفادت بعد المنادل عف سنف الحياة كتجاكز في الطغياف كالاستبداد كا ف كاف ظاىر ىذا الخطاب إكراما لأنو ناداه بالاسـ الداؿ عمى الممؾ كالسمطاف بحسب متعارؼ أمتو فنداؤه باسمو (فرعكف ) كىك اسـ كؿ ممؾ لمصر في ذلؾ الزماف نداء بأعظـ أسمائو كأحبيا إليو »(256) .كنتيجة ىذا الطمب كمحكره كان ت تقريرا لمعبكدية "إًنّْي رىسيكؿه مًفٍ رىبّْ الٍعىالىمًيفى" (الأعراؼ/ 104 )لأفقكـ فرعكف كانكا يعتقدكف 253 الطاهر بن عاشور: تفسٌر التحرٌر والتنوٌر، ج 18، ص 228. 254 المصدر نفسه ، ج18،228. 255 معن توفٌق:النداء فً القرآن الكرٌم، ص170. 256 المرجع نفسه، ص198.
عدد الصفحات ٦٣64 أف لمشرؽ إليا كلمغرب إليا (257). كيعمؽ الدكتكر أمير عبد العزيز عمى ىذه الآية بقكلو «ذلؾ إخبار صريح كظاىر مف نبي ا﵀ مكسى لفرعكف بأنو مرسؿ إليو مف رب العالميف، لقد صدع لو مكسى بيذا الإخبار المجمجؿ مف غير ليف أك تميؿ أك مصانعة أك مداىنة ليككف ذلؾ بداية كعنكانا لحديثو معو كفي ذلؾ مف الجير الصادع بالحؽ كالجرأة الناقدة الفذة أماـ ىذا الطاغكت المتجبر ما يكشؼ عف عظمة ىذا النبي الكريـ بتيقنو البالغ كثقتو الكاممة بربو الذم كتب الغمبة لرسمو كلممؤمنيف المستضعفيف »(258). كقاؿ تعالى﴿كىقىاؿى فًرٍعى كٍفي يىا أىيُّيىا الٍمىلؤىي مىا عىمًمٍتي لىكيـٍ مًفٍ إًلىوو غىيٍرًم فىأىكٍقًدٍ لًي يىا ىىامىافي عىمىى الطّْيفً فىاجٍعىؿٍ لًي صىرٍحنا لىعىمّْي أىطَّمًعي إًلىى إًلىوً ميكسىى كىا ًنّْي لأىىظينُّوي مًفى الٍكىاذًبًيفى ﴾ (القصص/38). إفٌ جبركت فرعكف كطغيان و جعلبه ينفي عممو بإلو غيره كلـ يثؽ بكجكد إلو «ككاف فرعكف بعد أف سمع كلبـ مكسى أراد أف يبيف لقكمو أف ىذا الكلبـ لـ يؤثر فيو كخشي أف يككف كلبـ مكسى كىاركف قد أثر في عقكؿ قكمو فأراد أف يمبس عمى ىذه العقكؿ مرة أخرل فقاؿ إف ىذا الكلبـ غير صحيح كأنو ما زاؿ إليا »(259) لذلؾ فقد كاف الخطاب مكجيا لمملؤ منبيا إياىـ بكاسطة الأداتيف (يا) كالمنادل المعرؼ بأل ػ. كسياؽ ىذا النداء تخصيص الملؤ "كالملؤ ىـ الأشراؼ مف الناس كىك اسـ الجماعة كالقكـ كالرىط كالجيش كأصميا مف الملؤ كىـ الذيف يممؤكف العيكف ىيبة كركاد، كقيؿ ىـ الذيف يممؤكف المكاف إف حضركا»(260) .فالملؤ ىنا ىـ جماعة فرعكف كأسياد قكمو كىـ بذلؾ يتصفكف بالسيادة كلأىميتيـ القصكل أراد أف يثبت ليـ أنو لا إلو غيره فيك المتحكـ في زماـ الأمكر، لذلؾ أمر كزيره ىاماف أف يبني لو صرحا عاليا ليصعد عميو حتى ينظر إلى الإلو الذم يدعيو مكسى مستعملب أداة النداء لمقريب (يا ىاماف) كقد كاف سياؽ النداء محيطا بأسمكب الأمر الذم ينبئ عف الأمر المستعجؿ حتى يتمكف مف إقناع الناس بألكىيتو المدعية. كسنرل شخصية فرعكف في السياؽ النفسي إف شاء ا﵀. 257 محمد متولً الشعراوي:تفسٌر الشعراوي، م 7، ص 4275. 258 أمٌر عبد العزٌز:التفسٌر الشامل للقرآن، دار السلام، القاهرة، ط1،2000، م3، ص1304. 259 محمد متولً الشعراوي: قصص الأنبٌاء والمرسلٌن، ص 378. 260 معن توفٌق: النداء فً القرآن الكرٌم، ص214.
عدد الصفحات ٦٤