المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضاراتبرنارد لويس 84 سياسـة الـدول التـي ينتمي إليهـا، الفكر في هـذه الحالـة موظفٌ عند الدولـة، وليـس مسـتقلاً أو منفصـلاً عـن السياسـة مـن أجـل صوفيـة علميـة، كـما نلاحظ مثـلاً عند روجيه غـارودي الذي سـاهمت نزعته الصوفيـة والروحيـة في تحويلـه إلى شـخصيةٍ حضاريةٍ عالميـةٍ بحق. لاحظ أن حقيقةً تاريخيةً واحدةً يمكنها أن تهدم سرديات لويس وغيره، وهي تلك المتعلقة بهزيمة .1924الحرب العالمية الأولى، بسقوط دولة الخلافة سنة في تلك الحرب كانت من حلفٍ يمتد من الشرق إلى الغرب، وكانت الحرب أصلاً بين دول الغرب في دار الحضارة الغربية، وكانت الدولة العثمانية بعد أن خسرت معركة فيينا مبهورةً بالتطور العسكري الغربي، وممسوسةً باللوثة القومية الغربية التي أحيت فكرة الطورانية التركية فيما بعد، وليس هذا من حضارة الإسلام في شيء. وقد هُزمت بوصفها دولةً من دول المحور الألماني، ودفعت مع ألمانيا ثمن الهزيمة العسكرية، باتفاقات سياسية فُرضت على المعسكر الغربي الشرقي المهزوم. الدول إذًا هي التي تتصارع وتتفاوض، بوصفها كياناتٍ سياسيةً ناتجةً أصلاً عن الصراع، لأن حدودها الإقليمية ترسم عبر التاريخ بالحديد والنار، أما الحضارات فتتفاعل وتتحاور حتى في أزمنة الحروب بين الدول. لأن الحضارات إنجازٌ إنسانيٌ تراكميٌ تفاعلي، يتجاوز دائمًا الحدود ليؤثّر ويتأثر حتى في أشد المراحل غليانًا في التاريخ. ولكن عندما تكون هذه الدول قاصرةً عن تمثيل حضارةٍ فإنها تتلبس بلبوس الحضارات لتحشد مؤيدين لها في حربها، وهذا هو حال الولايات المتحدة الأميركية، التي المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٨٥85 المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات هي دولة حديثة العهد بالنسبة للعالم القديم، تحشد لنفسها أنصارًا عندما تدعي تمثيل المسيحية العالمية أو الحضارة الغربية، تمامًا كما تدعي الوهابية السعودية اليوم تمثيل العالم الإسلامي. فارقٌ جوهريٌ آخر بين الدولة والحضارة، وهو أن الدول تولد من رحم العنف، وتستمر في بسط سلطتها بالعنف الرمزي أو الفيزيائي، أما الحضارات فتنتظر السلام والاستقرار لفترةٍ طويلةٍ لكي تظهر وتتراكم وتتفجر وتنتشر وتتفاعل، ولذلك هي متلازمةٌ مع الحاضرة بلغة العرب، ومرادفةٌ للتمدن بلغة الغرب. ب. تفكيك المصطلحات تُجمع المصادر على أن المخترع الأول لمقولة صدام الحضارات هو برنارد لويس، وأن كل ما كُتب في هذا الموضوع كان يغرف من قاموسه، وقد مر معنا في هذا البحث كيف يصور لويس العلاقة بين الغرب والإسلام على أنها صدامية بكل وجوهها، وبالتالي فإن مناقشة هذه المقولة تصبح ردًا مزدوجًا على كل نتاج لويس وأشهر أبحاث هنتنغتون. ولـو قرأنـا مقالـة هنتنغتون حـول علمـي، لتعجبنـا مـن هـذا الضجيـج الـذي أحيطـت بـه، فالنقـد الموضوعـي يمكنـه أن يجـرّد المقالـة مـن العلـم، ابتـداءً مـن الخلط بـين المحددات، والاسـتخدام غـير المتوازن للمصطلحـات، والخلط بـين الدولـة والحضـارة، أو بـين الثقافـة والحضـارة، ويعتمـد هنتنغتـون على سـلوكٍ سـياسيٍ معيّــنٍ بين الصـين وإيران للقـول أنـه تحالـفٌ بـين الكونفوشيوسـية والإسـلام، علـماً أن الصـين 85المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٨٦المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضاراتبرنارد لويس 86 زودت إسرائيـل بالأسـلحة وتعاونت معها عسـكريًا، وهل يعتبر تسـليح أمـيركا لدول الخليـج تحالفًا بـين الحضارتين الإسـلامية والغربية... ثم أن مصطلح الحضارة عنده تارةً يسـتخدم بمعنى الدين والقيم المشـتركة (في الـشرق) وعندمـا يلتفـت إلى الغـرب فإنـه يُسـتخدم بمعنـى التقدم العلمـي والتقنـي، ويلاحظ جين كـيرك باتريك تُحـدّد بعناصر موضوعية مشـتركة مثـل اللغة والعادات والمؤسسـات، وتُحـدّد بصـورةٍ ذاتيةٍ بالتطابق والتماثل، وإذا كانت الجماعية في أوسـع صورهـا هـي التـي يتوحـد معهـا الأشـخاص بصـورة كثيفـة... فلـماذا التمييـز بـين الحضـارة الأميركيـة اللاتينية، والحضـارة الغربيـة؟ فأميركا اللاتينيـة، مثلها مثل أميركا الشـمالية، قارة اسـتوطنها الأوروبيون، الذين جـاؤوا معهـم باللغـات الأوروبية وبالصيغـة الأوروبية للديانـة اليهودية - المسـيحية، وللقانـون والآداب ودور الجنسـين، والمكـون الهندي في الثقافـة الأميركيـة اللاتينيـة أكـثر أهميـةً في بعـض البلدان (المكسـيك وغواتيـمالا والإكـوادور والبـيرو) منه في أميركا الشـمالية. لكـن التأثير الأفريقـي أكـثر أهميـةً في الولايـات المتحدة منـه في البلـدان الأميركية اللاتينيـة كافـةً عدا قلة منهـا (البرازيل ويلـز وكوبا). إن أميركا الشـمالية .]1[والجنوبيـة أوروبيتـان غربيتـان مع مزيـج من عناصر أخـرى أقول: هذا وأميركا الجنوبية أقرب إلى الجنوب منها إلى الشمال في الصراع الدولي من أجل التحرر من الهيمنة الأميركية الشمالية، فيما هي من ناحية العناصر المشتركة أقرب إلى الشمال منها إلى العالم الإسلامي وأفريقيا. - انظر: مقدمة محمد محمود مرتضى، على حوار الحضارات وصدامها، سيد صادق ]1[ .2000حقيقيت، ترجمة السيد علي الموسوي، دار الهادي، المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٨٧87 المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات سـأكتفي بهـذا المقـدار لأني لا أريـد لهـذا البحـث أن ينشـغل بتفنيـد مـا قالـه هنتغتون ليضـاف إلى الكـم الهائل من الأبحـاث التي عالجـت الموضـوع، ولأن أهمية المقالـة لا تتأتى من قيمتهـا العلمية، بـل من دورهـا في التنظير للسياسـات الأميركية القائمة الآن على شـن الحـرب على الإسـلام بالدرجـة الأولى، ولذلـك من الأفضـل أن نزود القـارئ بعـدة الشـغل في هـذا النوع مـن الموضوعات، وهـي بدورها تكشـف اعتـداءات السياسـة عـلى الفكـر، فقـد عودتنـا الولايـات المتحـدة والغـرب عمومًـا عـلى وجـود خلفيـةٍ سياسـيةٍ للفكـر، بـدل خلفيـةٍ فكريةٍ للسياسـة. وتبرز تلك الخلفية السياسية في التسامح المخل أو لنقل في التلاعب باللغة والمصطلحات وتفصيلها على قياس الأهداف التي يبتغيها السياسي الباحث، وسنلاحظ أننا بمجرد أن نشرع في تفكيك المصطلحات، ستتداعى أسس الادعاءات التي تركز على صدامٍ حتميٍ بين الحضارات، لتبرير سياسات الدول. أولاً: الدولة: في القانون الدستوري: تم تعريف الدولة بأنها ومؤسسات . والفرق بين ]1[« الأمة والشعب (في القانون الدستوري) هو أن الشعب يعني الأحياء فقط، أما الأمة فتشمل من مات ومن هو حي ومن سيأتي. - محمد كامل ليلى: النظم السياسية.]1[ 87المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٨٨المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضاراتبرنارد لويس 88 في التجربة الغربية، وبعد أن فقدت السلطة شرعيتها الدينية تم رفع الدولة إلى مستوى المقدس، وأصبحت هذه الدولة تشرّع لنفسها وتستمد شرعيتها من ذاتها، وقد تم ابتكار مصطلح السيادة، لتبرر الدولة تصرفها من دون الرجوع إلى ما هو أعلى منها، ويعود الفضل في ازدهار سلطة الدولة إلى الأسس العلمانية للحداثة، التي قامت أصلاً على فصل الدين عن الدولة وتكريس مفهوم السيادة كمرجعيةٍ عليا: « وتؤصـل نصـاب الدولـة، ومـن هـذه الحيثيـة لا تحتـاج السـيادة إ معرفـة مسـبقة، بل إنهـا تحوّل المعرفـة إلى حقلٍ قوةٍ وضبطٍ تُسـتخدم فيـه لغـة العلـم في اسـتراتيجية تجعلهـا أداةً لتدمـير لغـات الروابـط الاجتماعيـة الدينيـة الحكائيـة والسياسـية الأخلاقية... لقـد انتهت مع حلـول الديمقراطيـة الحديثة مفاهيـم الشرعية وحلت مفاهيم السـيادة مكانهـا، أمـا صـورة الشـعب الـذي يتجـادل فيـما بينـه بمـا هـو عادل أو غـير عـادل بالطريقـة نفسـها التـي تتجـادل بهـا الجماعـة العلمية، فليسـت مـن زمـن الحداثـة كـما يعتقد ليوتـار بل مـن زمـنٍ كان يدعو إليـه أفلاطـون في قديم الزمـان، وبـات الآن من الأوهـام المترافقة مع الديمقراطيـة، حيـث لم يعـد ترسـيخ سـيادة السـلطة يتطلـب اللجـوء إلى أي لغـةٍ أخلاقيـةٍ أو دينيـةٍ كمرجعيـةٍ مسـتقلةٍ عنهـا... إن السـلطة الحديثـة تعيّــن حقـوق الإنسـان ومفاهيـم الحريـة والسـلام وفقًـا لسـيادتها مـن دون اللجـوء إلى أي مرجعيـةٍ متعاليـةٍ عـن السـياسي ـ التاريخـي، وبالتـالي ليـس جوهـر الحداثـة فـك سـحر العـالم كـما يدعـي ماكـس فيبر، بـل اسـتخدام لغـة العلم تجـاوزًا لتفكيـك لغات لحمـة المجتمـع وذلـك لمعـاودة إنتاج وترسـيخ سـحر السـلطة، بما المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٨٩89 المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات هـي قـوة تبرّر وجودهـا دون حاجـة إلى مرجعية تسـتند إليهـا: أي بما .]1[هـي دولـة ذات سـيادة تأكيدًا على ما سبق يضيف عبد الوهاب المسيري المحورية في التشكيل الحضاري الغربي الحديث فكرة الدولة المطلقة، والدولة المطلقة غير الحاكم المطلق - الذي هو الدكتاتور - أما الدولة المرجعية النهائية، والتي لا تحتاج المطلقة فهي الدولة التي تعتبر نفسها لأية شرعية، وبالتالي فإن مصلحة هذه الدولة هي القيمة المطلقة التي تتفرع عنها كل القيم الأخرى ويلاحظ أن أهمية الدولة تزايدت تدريجيًا في المجتمعات الغربية الحديثة، حتى أصبحت الركيزة الأساسية للمجتمع ومصدر تماسكه الوحيد بدلاً من (القيم الدينية) ثم أصبحت الدولة هي المطلق موضع التقديس الذي يحل محل الكنيسة والإله، وأصبحت مصلحة الدولة العليا الإطار المرجعي للمنظومة القيمية، ومع ظهور القومية العضوية، أصبحت الدولة الإطار الذي يعبر الشعب العضوي من خلاله عن ذاته ويحقق تماسكه العضوي. ثم يصل هذا التيار إلى ذروته مع الفكر الهيجلي، إذ أصبحت الدولة الأداة التي تتوسل بها (الفكرة المطلقة) لتحقيق ذاتها، بل أصبحت تجسّد الفكرة .]2[»المطلقة في التاريخ وعندما تصبح الدولة تعبيرًا عن المطلق، فإنها تتأله، وتصبح غايةً بحد ذاتها، فلا يعود هناك دولةٌ حارسةٌ أو دولة رعاية، بل الدولة الإله - د. نظير جاهل، أوهام الديمقراطية، الإسلام، الحداثة، وما بعد الحداثة، سلسلة ]1[ ، بيروت،5دراسات صادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق، الرقم .14 - 13، ص1998 ، آب632- عبد الوهاب المسيري، الصهيونية والحضارة الغربية، كتاب الهلال، العدد]2[ .44 - 43، ص2003 89المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٩٠المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضاراتبرنارد لويس 90 التي يطلب من المواطن التضحية من أجلها باستمرار. مثل هذه الدولة قادرةٌ على التمرد حتى على الأسس الحضارية التي أنشأتها، وسيتضح هذا الأمر عندما نوضح مفهوم الحضارة. ثانيًا: الحضارة: تبقى الحضارة ـ في مفهومها العام ـ الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواء كان المجهود والمبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصودًا . ]1[أم معنويةً فليس من شأن أي حضارةٍ أن تكون صدامية، فالحضارة بنفسها عمرانٌ وبناءٌ وتسخيرٌ لقوى الطبيعة في سبيل خير الإنسان، ومهما اختلف الباحثون (أمثال شبينجلر، وتوينبي، وديورانت، وشفيتسر) في معنى الحضارة، فإنهم متفقون على تكاملها وتداخلها واندماجها بعضها ببعض... قد يتعصّب هذا الباحث أو ذاك لهذه التجربة الحضارية أو تلك، ولكن لم ينكر منهم أحد ـ وأعني هنا كبار الباحثين ـ أن الانفجارات الكبرى في الحضارة كانت نتيجةً لتراكم الخبرة البشرية واجتماعها عبر آلاف السنين، أما منطق الصدام والغالب والمغلوب فهو منطقٌ تبسيطيٌ لما يحدث فعلاً في التاريخ ونتيجةٌ لاختزال التاريخ بالأحداث التي شهدتها الجبهات وسياسات الدول، وليس بالأحداث التي صنعتها الحياة في المدن والمعابد ومصانع البشر. فالحضارة اليونانية مشرّبةٌ بالثقافة الفرعونية ابتداءً من فيلسوفها الأول طاليس، والحضارة الرومانية حصيلة مزيج من الوثنية والثقافة الهيلينية والمسيحية، والتجربة الحضارية الإسلامية استوعبت ونقلت ونقضت وتبنت وغربلت واردات الحضارات اليونانية والهندية والفارسية وحتى الصينية... .13- مؤنس، م.س، ص]1[ المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٩١91 المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات ولم تكن في ذلك الحين مغلوبةً، ولكن التسامح هو نوعٌ من الرقي المعنوي للأقوياء بالروح، وتعبيرٌ من تعبيرات الثقة بالنفس التي لا بد لها أن تتصل بالقوة المادية، وهذا هو طبع التاريخ المفتوح، فكما تبنى الروماني ثقافة اليوناني المغلوب، أسلم المغولي على يد العلماء المسلمين المغلوبين آنذاك، وهكذا تتجه النظم السياسية إلى تكريس الغلبة فتسير الحضارة إلى تكريس التكامل في كل شيء، ومحاولة تحويل خطاب النظام الأمريكي المتعثر إلى صوتٍ لمركز الحضارة الغربية برمتها فيه الكثير من الخداع والاختزال والتضليل، أما إذا تبنينا المضمون الأخلاقي للحضارة على طريقة شفيتسر، فلا يبقى من مقولة صدام الحضارات شيء. إذًا، لا يوجد صدامٌ بين الحضارات، توجد حضارةٌ صداميةٌ مختزلةٌ ومقتصرةٌ على الدولة العظمى، والحضارة الإنسانية مريضةٌ بالشكل الجديد للحضارة الغربية وأعراض المرض قد تعتري الجسم كله، ولكنها قاصرةٌ عن النفاذ إلى الروح والمعنى الحقيقي للحضارة. ثالثًا ـ الحضارة والدولة: لو عدنا إلى المصطلحات، سنجد أن الدولة تنظيمٌ سياسيٌ وأن الحضارة إنجازٌ إنساني، والتنظيم السياسي ضرورةٌ حضارية، ولكن الدولة المتغولة استغلت في التاريخ هذه الضرورة للإضرار بالحضارة. ركز التاريخ القديم على دراسة الدول، فأصبحنا نرى العالم القديم ونقرؤه من خلال المشاهد التي يعرضها البلاط، أو من خلال المعارك التي تشهدها الحدود الإقليمية للدولة، فلا توجد دولة في التاريخ إلا وللدم والعنف دور في رسم حدودها، أما الحضارات فكنا نراها تتسلل من بين حوافر الخيول وتنتقل عبر الحدود لتنقل تجربةً إنسانيةً في تقدم 91المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٩٢المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضاراتبرنارد لويس 92 الحياة وتطويع الطبيعة... نلاحظ ذلك بوضوحٍ عندما تنتقل خبرةٌ تقنيةٌ حتى في أوان الحرب بين الأعداء، وكتب التاريخ العلمي مليئةٌ بالشواهد على التأثير المتبادل بين الحضارات حتى في صراعات الدول. ولعل من أسرار الإسلام ذلك المدلول الخاص لكلمة يخضع لأي حدودٍ تفتعلها الدول أو السلطات السياسية والرمزية، فبإمكان فردٍ واحدٍ أن يكون أمةً، المعتبرة نجد أن هذا النبي الكريم كان يمثل وحده أمة الإيمان في عصره، فآمن له لوط«ولذلك قال تعا هو فقط الإيمان، لا هو اللغة ولا الجغرافيا ولا القومية ولا العرقية... ولا كل ما يعتبر من مقومات الأمة في الاصطلاح الغربي، ولو وقف أحدهم في أقاصي الأرض وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لوجب له ما يجب لكل مسلم، وعليه ما على كل مسلم، وهكذا يتضح أن تعبير دار الكفر ودار الإسلام هو من صناعة الدول وضروراتها، وليس من لغة الإيمان في شيء، ويمكننا أن نفهم رعب الدول والسلطات من فرادة تعبير الأمة في الإسلام الذي يخترق الحدود ويمنع الرسم النهائي لمناطق النفوذ، إن لهذا المصطلح الفريد دورًا أساسيًا في منع تصنيم الدول، واختزال أبعاد الإنسان والحضارات والثقافات في نطاق الإقليم السياسي أو الجغرافي... لقد تشظى العالم الإسلامي إلى دول، والسلطة السياسية في أي دولةٍ نزّاعةٍ إلى التمركز والمركزية، بشكل كثيف كما هو الحال في الدكتاتوريات، أو بشكلٍ لطيفٍ كما هو الحال في الديمقراطيات، وتمكن الغرب من هزيمة الدول الإسلامية عنوانًا، المتغربة فكرًا وممارسةً... ولكن المقاومة في العالم الإسلامي استمرت، لأن الأمة في الإسلام أكبر من الدولة. المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٩٣93 المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات لقد أشرنا فيما سبق إلى تأليه الدولة في التجربة الغربية، وإلى أن مفهوم السيادة الذي تتسلح به الدولة هو مفهومٌ دوغمائي اعتباطي، لا يستند إلى قوة العلم والمشروعية بقدر ما يستند إلى علم القوة. وقد كان لعلم القوة تأثيره الواضح حتى على القانون الذي أصبحت وظيفته المستمرة في الغرب الدفاع عن السلطة والسيادة في وجه الشعب والأمة، ومن أبرز هذه التأثيرات تعريف الدولة في القانون الدستوري بأنها مؤسسة المؤسسات، والمؤسسة الوحيدة التي يحق لها أن تستخدم العنف، وأن عنفها وحده يتسم بصفة القانونية، فالعنف قانوني إذا مارسته الدولة وغير قانوني إذا مورس في وجهها حتى ولو كانت دولةً ظالمة. لقد ساهمت اللعبة الديمقراطية في تبرير هذا الادعاء، فالشعب يفوض السلطة في الانتخابات، وبعد يومٍ واحدٍ من إقفال صناديق الاقتراع تتكفل السلطة غالبًا ضد المصالح الفعلية للشعب الذي انتخبها. نحن نشهد اليوم تجليات التغول السلطوي في داخل المجتمع الغربي، وسنعالج هذا التغول في إطار رصد التحول الكبير في الدور التقليدي للدولة، وكيف تحول من صناعة الأمن إلى صناعة الخوف في دول المركز، والعالم، في بحث مستقلٍ يلاحق تعريفات الأمن في الفكر السياسي الغربي. يمكننا أن نلاحظ بسهولة أن الدولة تأتي في منظومة القيم الإسلامية، تحت الشريعة (العدالة)، ودون الأمة... بينما هي في الغرب تشخيصٌ واختزالٌ للأمة (القومية)، وبالتالي فوق القانون. على هذا الأساس القانوني الغربي، منحت الولايات المتحدة نفسها 93المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٩٤المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضاراتبرنارد لويس 94 صفة الدولة العالمية المطلقة، واعتبرت العنف الذي تمارسه هي مع امتدادها إسرائيل لصالحهما عنفًا مشروعًا وقانونيًا، وأي عنف آخر هو إرهابٌ غير مشروع، وفي هذه المقولة جملة من المغالطات والاختزال: ـ•اختزال•الحضارة•الغربية•بالدولة•العظمى. ـ•مشروعية•استخدام•القوة•ضد•الآخرين•بدون•تفويض•حتى•من•تلك• •الهزيلة•المسماة•مجلس•الأمن.المؤسسة ـ•تحميل•الصراع•الناشئ•عن•استخدامٍ•ظالمٍ•للقوة•اسمَ•الصراع• الحضاري•الحتمي•الذي•ل•مفر•منه•يعني•تصوير•المصلحة•من•منظار• أميركي•على•أنها•قدر•ل•بد•منه.• حدث•ذلك•كله•عن•طريق•توظيف•الفكر•والإعلام•والثقافة•والحضارة• في•دكان•السياسة.•بواسطة•برنارد•لويس•وأضرابه.
عدد الصفحات ٩٥المبحث الثالث: مناقشة أطروحتي النزاع بين الثقافات والصدام بين الحضارات
عدد الصفحات ٩٦تمهيد كتابًا لبرنارد لويس كانت تركيا موضوعًا أساسيًا لأربعةٍ 29من ب منها، ولكن هذا لا يعكس بالضبط حجم اهتمامه بتركيا، حيث يحضر العثماني والتركي في كل كتبه إلا ما ندر، وتتكرر معزوفة الغزو العثماني ثم الانتصار الغربي بدون توقف كمدخلٍ أساسيٍ لرسم صورة الصراع بين الإسلام والغرب. نحن نرفض الامتثال والاختزال والتعميم الذي يمارسه لويس في تقويمه لتجربة الأمة الإسلامية، فمن الضروري أن لا نقع فيما نرفضه. ولذلك من حق تركيا علينا أن نبين ماذا نقصد بمصطلح المرفوض، الذي لا يعني إلا تركيا التي يصنعها لويس وليس تركيا الحقيقية. فقد كان للقومية التركية مساهمات عظيمة في خدمة الإسلام والأمة الإسلامية ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار كل تلك المساهمات إذا قاربنا التجربة من موقعٍ موضوعي. ولكن هنا في موضوع البحث نتحدث عن على طريقة أتاتورك كل ما كتبه، ومن الطبيعي أن تكون تركيا النموذج القابل للتعميم في قاموس لويس هي تلك الدولة التي تغادر جذورها وتُقتلع من محيطها تحت تأثير جذبة التغريب، ولذلك دائمًا تسبق مرحلة ما نسميه هنا بالدعوة إ الأناضول الجديد.
عدد الصفحات ٩٧97 الفصل الثاني: تتريك العالم الإسلامي أما تركيا الحقيقية التي نراها اليوم، فهي مزيجٌ من قبول بعض أتاتورك ورفض بعضه الآخر، فلا هي الدولة المعلمنة كليًا، علمانيةً شاملةً ساحقةً ماحقةً كما كان لويس يتمنى، ولا هي الدولة البعيدة عن الغرب سواءً في نظامها السياسي وقوانينها أو في سياستها الخارجية. وهذا الخليط الذي تشهده الساحة التركية اليوم أنتج علمانيةً مريضةً في الداخل، مع تغريبٍ واضحٍ في السياسة الخارجية تتوّجه العلاقة مع إسرائيل كمعيارٍ للرغبة التركية في البقاء داخل حدود الاطمئنان الغربي، أما الإسلام فيعيش حالة انتعاشٍ في الداخل التركي من دون فعاليةٍ خارجيةٍ تفصل تركيا عن التزاماتها الغربية، مما يجعل المرء يكتشف معالم إسلامٍ أطلسيٍ لا هو إسلام الشرق الأصولي ولا هو تمامًا ما يريده الغرب من الإسلام. حالةٌ يمكن القول إنها فريدةٌ سنفسر تكوّنها في مبحثين، الأول: يتحدث عن معالم تغريب تركيا، التي يريدها لويس مقدمةً لتتريك العالم الإسلامي، والثاني يعرض لردة الفعل الإسلامية كما يصورها لويس من جهة وكما هي في أدبيات مستشرقين وباحثين آخرين من جهةٍ أخرى. وهذا المبحث الأخير يوضح أيضًا حجم التضليل الذي مارسه المستشرق ليس فقط في الدعاية لبطله، بل أيضًا في تشويه صورة خصومه والتقليل من شأنهم، حرصًا على إبقاء تجربة أتاتورك ساكنةً وناجحةً في ذهن القارئ لتبرير اعتبارها نموذجًا لبقية العالم الإسلامي.
عدد الصفحات ٩٨1 المبحث الأول معالم تغريب تركيا تمهيد: لم تترك منظومة التغريب مجالاً من مجالات الحياة التركية الا ودخلته، من المال والاقتصاد إلى اللغة والعادات والهندام، ولكن لأنها كانت برعاية مستبدٍ ومن فوق فإنها لم تحرز نصرًا ساحقًا إلا عندما تدخّلت القوة الغاشمة سواءً في فترة حكم أتاتورك أو بعده، ولأن القسر لا يدوم، بلغ التغريب ذروته في العقد الرابع من القرن العشرين، وما أن مات أتاتورك حتى استعاد الإسلاميون على طريقتهم بعضًا مما فقدوه، ولم يجد الغرب طريقةً لمنع نهوضهم إلا الانقلابات العسكرية من جهةٍ واختراق الأحزاب الإسلامية من جهةٍ أخرى. . التغريب المالي لتركيا:1 في إحصائيةٍ بالغة الدلالة يظهر أن تغريب تركيا في مطلع القرن العشرين شمل مجالاتٍ متعددةً من أهمها الجانب المالي والاقتصادي، أسلوب عرفته اللوبيات اليهودية منذ قرون. فمن يمسك بالمال يصبح قادرًا على تمويل حملات الترويج للشخصية التي يريدها في السلطة، وللأفكار التي يريدها في العقول، كما للسلع التي يريدها في الأسواق: « ،•سجل•أربعون•مصرفيًا•من•القطاع•الخاص1921بالأمثلة.•ففي•عام
عدد الصفحات ٩٩99 المبحث الأول: معالم تغريب تركيا استانبول،•لم•يكن•أي•منهم•تركيًا•مسلماً.•ومن•أمكن•معرفتهم•بأسمائهم كان•بينهم•اثنا•عشر•يونانيًا،•واثتا•عشر•أرمنيًا،•وثمانية•يهود،•وخمسة• مشرقيين•أو•أوروبيين.•وتضمنت•لئحةٌ•من•أربعة•وثلاثين•من•سماسرة• البورصة•في•إستانبول•ثمانية•عشر•يونانيًا،•وستة•يهود،•وخمسة•أرمن،• .[1[ولم•يكن•بينهم•تركي•واحد الشعب التركي متديّنٌ في الغالب على المذهب الحنفي، مع ميلٍ واضحٍ إلى الطرق الصوفية، وهذه المسحة الدينية لا تزال طاغيةً على الريف التركي رغم عقود العلمنة والتغريب. ولذلك فمن الطبيعي أن يتمنع عن المساهمة في فتح مؤسساتٍ مصرفيةٍ ربوية، وأيضًا سيبتعد عن السمسرة في البورصة بسبب ما يسمى في الفقه الإسلامي ويقصد به المزايدة في سعر السلعة من قبل أشخاصٍ »« لا يريدون شراءها فقط لخداع المستهلك أو الزبون الحقيقي، ومن المعروف أن هذا النوع من البيع هو السائد عند السماسرة في البورصة، فالشركات تستأجر مزايدين لرفع أسعار أسهمها، وبذلك ينكشف سر ابتعاد المسلمين الأتراك عن المصارف والبورصة. ولكن الأزمة هنا تبرز عندما تقدم المصارف الربوية والبورصة كمظهرٍ من مظاهر الأسواق المالية وليس فقط تغريبها، ويعجز الاجتهاد الإسلامي عن الاعتراض لأن السلطة السياسية بدأت تميل لهذا النوع من ـ التغريبي الشعور بالهزيمة الذي ساد بعد الحرب العالمية الأولى. أخطر ما ينتج عن الهزائم العسكرية هو هذا التمدد إلى المجالات .51- م. ن، ص]1[
عدد الصفحات ١٠٠