المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

برنارد لويس صهينة الغرب وتتريك العالم الاسلامي

غير معروف

صفحة ١٠ من ١٢

برنارد لويس 148 وحتى•في•مدن•الأقاليم،•على•الرغم•من•اختفاء•تعدّد•الزوجات،•تمتّعت النساء•اللاتي•ينتمين•للطبقة•غير•المتغربة•بتحسّنٍ•حقيقيٍ•إلى•حدّ•ما•في• .[1[أوضاعهن•منذ•فترة•طويلة أبرز•ما•مر•معنا•في•مسألة•الزي•والأحوال•الشخصية•هو•رفض• التفسير•المتطور•للشريعة•من•قبل•اختصاصيين•ليبراليين•يريدون•أن• تبقى•الشريعة•مصدرًا•للتقنين•ولكن•بحلةٍ•عصرية،••يقول•لويس•بحفاوة:• ولكن•كمال•لم•يكن•مهتماً•بالقانون•الذي•يستند•على•أساس•الشريعة،• مهما•جرى•له•من•ليبرالية•وتحديث•بواسطة•البراعة•التفسيرية.•بالمقابل• يصر•كمال•على•نسخ•القانون•المدني•السويسري•الذي•لم•يتمكن•من• النفاذ•نحو•المناطق•المحافظة•إل•بعد•أن•فرضته•الدولة•بالقوة. اللغة•التي•يروي•فيها•لويس•هذا متعاطفةٌ•مع•الإكراه،•ليس•فيها•أي•التفاتٍ•إلى•أدبيات•حقوق•الإنسان• التي•نجدها•غالبًا•في•نقد•كل•سلطةٍ•معاديةٍ•أو•غير•مواليةٍ•للغرب،•مما• يدعو•إلى•إعادة•صياغةٍ•لمعنى•التدخل•الغربي•في•أي•بلد،•فكل•ما• يحصل•من•عنفٍ•أو•قتلٍ•أو•إقصاءٍ•أو•إلغاءٍ•مستحسنٌ•طالما•أنه•يتوافق• مع•المصلحة•الغربية،•وهو•مذمومٌ•ومحاربٌ•إذا•كان•عنفًا•معاديًا•للهيمنة،• وهذا•يعني•أن•القيم•موظّفٌ•يتم•التلاعب•به•وفق•الأجندا•السياسية•فلا• معنى•للإنصات•لصوت•الغرب•في•شؤوننا•الداخلية•طالما•أن•المعايير• ستبقى•مزدوجةً•والقيم•ستبقى•نسبيةً•وبرسم•الستهلاك•السياسي.• تركيا•التي•يتحدث•لويس•عن•ديمقراطيتها•وحداثتها•لم•تذق•طعم• الديمقراطية•تحت•حكم•أتاتورك،•ول•حقوق•الإنسان•كانت•بخير.• .330 - 329- المصدر نفسه، ص]1[

عدد الصفحات ١٤٩

149 المبحث الثاني: أتاتورك وخصومه أليست•هذه•هي•المعايير•التي•يدّعي•الغرب•أنه•حريص•على•نشرها في•العالم•في•إطار•تعميم•نموذجه؟•لم•يحصل•الأمر•أبدًا•بهذه•الصورة• كما•يقر•لويس•نفسه،•بل•كانت•قوانين•الطوارئ•تفرض•وتمدد•لفرض• الطربوش•والتقويم•الجديد•والأحوال•الشخصية•والقانون•السويسري• والآذان•بالتركية•المكتوبة•بحروف•لتينية...•كل•هذه•التجاوزات•تسمى• تحديثًا•إذا•هدفت•إلى•اقتلاع•الإسلام•من•العقول•والنفوس•والتاريخ• والعادات•والقوانين•والقيم.•ول•نقصد•هنا•الإسلام•المتشدد•بل•حتى• الإسلام•الذي•يصار•إلى•إعادة•تفسيره•لملائمة•مقتضيات•العصر.•••

عدد الصفحات ١٥٠

3 المبحث الثالث الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك تمهيد: أصبح الاتجاه نحو الغرب الصالح، التي ستكون المصدر الأساسي في هذا المبحث، لما تميز به كتابها عن نجم الدين أربكان من معالجةٍ للمسألة الدينية وفترات صعود وهبوط الإسلاميين. وسنلاحظ أن كلمة إسلاميين في تركيا تعني أولئك الذين أرادوا استعادة الشعائر الدينية والتوفيق بينها وبين النظام العلماني، وتنحصر هذه ولا تنعكس أبدًا على السياسة الخارجية، ولما تجرأ نجم الدين أربكان على كسر هذه القاعدة وترجم توجهاته الإسلامية في السياسة الخارجية ولو بشكل متواضع، أطاح به الجيش كالعادة وتم إنتاج حزبٍ إسلامي لا يلتزم فقط بحدود اللعبة، بل ينخرط في تنفيذ المخططات الغربية في العالم الإسلامي بشكلٍ لم يسبق له مثيل. هنا تبدل معنى دولٍ علمانيةٍ مواليةٍ للغرب في العالم الإسلامي تنغلق على نفسها بحجة ًا عن الشريعة في الداخل وأي الدولة الوطنية أو القومية وتتخلى نهائي رابطةٍ إسلاميةٍ في الخارج، فإن التتريك في نسخته المعدلة أصبح يعني

عدد الصفحات ١٥١

151 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك إسلامًا الفتنوي الغربي، ولا يؤثر أبدًا في السياسات الخارجية، بل على العكس « لا يبقى فيها من الاسلام إلا التنازع على حجاب المرأة وبعض المسائل المتعلقة بحرية التعبد الشخصي حصرًا. ربما لأن الذين نهضوا للعودة بالإسلام إلى الساحة التركية كانوا ًا تركيًا يوازي في الغالب سياسيين، فبعد النورسي لا تجد مفكرًا إسلامي المفكرين الإسلاميين في دولٍ إسلاميةٍ كبرى، والنورسية أصلاً كانت صوفيةً متأثرةً بالعزلة التي حكمت المراحل الأخيرة من حياة مؤسسها. وبغياب المفكرين الذين يقدمون أطروحةً إسلاميةً كاملةً مقابل العلمانية الشاملة، والبيئة التي صعّبت ظهور أمثال هؤلاء كما نحّت ًا أدوار العلماء والفقهاء، فإن جنين الإسلام الجديد في تركيا بقي جانب في حدود الحفاظ على ملامح هويةٍ أصبحت مركبةً من غربٍ علمانيٍ جامحٍ وإسلامٍ طوراني مدجّن. ديمقراطية من الخارج:. 1 بعد الحرب العالمية الثانية بدأت الولايات المتحدة الأميركية خطوات وراثة الاستعمار البريطاني، فأطلقت حملة تمددها تحت عنوان نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما ألزم عصمت اينونو الذي حمل الراية من أتاتورك على تنازلاتٍ تدريجيةٍ باتجاه كسر احتكار الحزب الواحد للسلطة، لتحسين تموضع تركيا إلى جانب الولايات المتحدة كحليفٍ استراتيجي. تجدر الإشارة هنا إلى أن الإدارة الأميركية الحالية ربما تكون أول إدارة أميركية تتخلى عن شعار نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان كغطاء

عدد الصفحات ١٥٢

برنارد لويس 152 دخاني لسياساتها الفعلية، إلى درجة لم يعد حلفاؤها بحاجة حتى إ تمثيلٍ مسرحيٍ لديمقراطيةٍ كاذبة، ففي السعودية يتم اعتقال المعارضين وتعج السجون بسجناء الرأي تمهيدًا لتنصيب محمد بن سلمان ملكًا تحت رعاية ترامب مباشرةً، وفي مصر يتم ترشيح منافسٍ شكليٍ للرئيس السيسي يقول إنه سيقترع للرئيس هكذا علنًا... وفي البحرين يستمر الدعم الأميركي للملك رغم سجله الأسود في التعاطي مع المواطنين والمعارضين، وهكذا فإن ما يتم صنعه الآن هو إعادة نشر الاستبداد المدعوم أميركيًا للعودة بالعالم العربي إلى عصور ما قبل السياسة وما قبل الديمقراطية. لماذا؟ لعل أفضل من أجاب على هذا السؤال رئيسة وزراء الباكستان بنازير بوتو، التي ألّفت كتابًا عن الموقف الغربي الحقيقي من الديمقراطية في العالم الإسلامي. الممارسات الغربية خلال النصف الثاني من القرن التاسع « عشر والقرن العشرين أعاقت في معظم الأحيان كل فرصةٍ منطقيةٍ الإسلامية. وفي الواقع، أشعر لتطوّر الديموقراطية في غالبية الدول بالإحباط، لفشل كل السياسات الغربية التي تسعى وراء أهدافها الاستراتيجية القصيرة المدى، والتي تكون معاديةً في معظم الأحيان. لطالما احتضنت السياساتُ الغربيةُ الحكومات الديكتاتورية، وقمعت الحركات الديموقراطية الناشئة في الدول النامية، ولا سيما في العالم الإسلامي. وقد حفزت جهود الدول الغربية لعرقلة الفرص الديموقراطية، لأسبابٍ اقتصاديةٍ بشكل رئيسي، ومن ثم سياسية، التوترات بين الغرب .]1[»والإسلام، وأجّجتها - بنازير بوتو، المصالحة: الإسلام والديمقراطية والغرب، شركة المطبوعات للتوزيع ]1[ .130، بيروت، ص2008،1والنشر، ط

عدد الصفحات ١٥٣

153 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك وعلى الرغم من الخطابات الرنانة المختلفة عن هذه الحقيقة،« تحظَ الحركات الديموقراطية المختلفة إلا بالقليل من الدعم الرسمي الغربي فعليًا، في حين تتمتع الأنظمة الديكتاتورية بالدعم المطلق من الحكومات الغربية. وفي خلال الحرب الباردة، واليوم أيضًا، في سياق مكافحة الإرهاب الدولي، زرع الغموض بين الخطابات الغربية والسياسات والممارسات التي تتبعها الدول الغربية، بذور خيبة الشعب ًا عن تراجع نسبة المسلم وتهكّمه. وكان هذا الغموض مسؤولاً جزئي احترام العالم الإسلامي للغرب. ولا شكّ في أنّ هذه الظاهرة حقيقية حتى في الدول الإسلامية الموالية للغرب، مثل تركيا. ولطالما اعتقدت في صباي أنّ الأمم الغربية مصدر إلهام للحرية والتطوّر. ولا أزال أؤمن بذلك، غير أنني أخش أنني بتُّ أمثّل أقليةً متضائلةً في العالم . ]1[»الإسلامي، لا تزال تؤمن بهذا الافتراض ًا بالنسبة إلى الغرب، ًا حقيقي أثير هذا الموضوع لكونه لغزًا أخلاقي « وبالأخص الولايات المتحدة، وليس كتناقضٍ استراتيجيٍ فحسب. فمن ًا، جهةٍ يتكلّم الغرب عن الديموقراطية ضمن سياق القيم الدينية تقريب ًا ما تتبنّى باستخدام الخطابات حول الحرية كونها الدول الغربية هذا المعيار على نحوٍ واسع، وتعظ بالقيم الديموقراطية كما يعظ المبشرّون بالدين، لكن المشكلة تنشأ بالتأكيد في التطبيق الاختياري للعلاقات الثنائية في السياسة الخارجية. ولطالما اعتقدت وصرّحتُ علنًا بأن التطبيق الاختياري للأخلاق يدل أصلاً على انعدام .]2[»الأخلاق إذا كانت الديكتاتورية سيئةً، فالحكام الديكتاتوريون سيئون أيضًا، « .131 - 130- م. ن، ص]1[ .132 - 131- م. ن، ص]2[

عدد الصفحات ١٥٤

برنارد لويس 154 ولا أقصد هؤلاء الديكتاتوريين العاجزين والضعفاء، بل الديكتاتوريون الأقوياء الخلفاء للغرب في محاربة الأعداء المشتركين. فالغرب يجعل من حقوق الإنسان جوهر سياسته الخارجية على نحوٍ انتقائي. ويقف بقناعةٍ تامةٍ إلى جانب الديموقراطيات المكافحة، على أساس انتقائي أيضًا. فقد قال الرئيس جورج دبليوبوش في خطابه الافتتاحي الثاني: « أنّ نجاح علاقتنا يستلزم معاملةً لائقةً لشعوب تلك الحكومات. إنّ إيمان أميركا بكرامة الإنسان سيقود سياساتنا، لذلك يجب أن تتعدى الحقوق تنازلات الحكام الديكتاتوريين. وستكون ضمانتهم تشكيل معارضة حرّة ومشاركة الشعوب. ولن تتحقق العدالة على المدى الطويل، من دون حرية، ولن تنتشر حقوق الإنسان من دون حرية الإنسان لكن كلمات الرئيس بوش تتعارض مع دعم واشنطن الحكم العسكري الباكستاني بقيادة الجنرال برويز مشرّف. وفي الوقت الذي تعتبره حليفًا أساسيًا في حربها ضد الإرهاب، تدّعي أنها تدعم في المقابل الديموقراطية في البلدان المجاورة لأفغانستان، وخاصةً في . ]1[»العراق والشرق الأوسط لستُ الشخص الوحيد، بالتأكيد، الذي أثار موضوع التناقض « الاستراتيجي والأخلاقي في تطبيق القيم السياسية الغربية في الخارج فقد انتقد نوح فيلدمان مؤخرًا في صحيفة الـ الازدواجية الغربية، وقال إن بطريقة انتقائية، أمر مختلف. فخطاب الرئيس بوش الأخير في الأمم المتحدة، الذي هاجم فيه سبعة أنظمةٍ قمعية، كان يستحق الإطراء، .133 - 132- م. ن،]1[

عدد الصفحات ١٥٥

155 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك إلا أنه فتح الباب للنقد العادل الذي كان صامتًا عن عشرات الأماكن التي تتحالف مع الولايات المتحدة مع أنظمتها الديكتاتورية، بدرجات متفاوتة من الأذى ذلك، لكنه يكمل في انتقاد الدعم الأميركي للرئيس المصري حسني مبارك عندما كان مبارك يمارس ضغوطًا على وسائل الإعلام وبعض الأحزاب السياسية في ذلك الوقت الحسّاس، حيث كان يحضرّ لتنصيب ابنه خلفًا له بطريقةٍ غير ديموقراطية. وأضاف فيلدمان أنّ العربية السعودية، أحد أقدم وأقوى حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، لم تتخطَّ مجلس الانتخابات المحلي الرمزي الذي عقدته منذ سنت لذلك، تعكس معاقبة الولايات المتحدة لبورما وإيران لنظاميهما غير الديموقراطيين (بحسب مواصفات الإدارة الأميركية) طبيعة اختيار الولايات المتحدة حلفاءها. ويتعرض التطبيق الانتقائي للأخلاقيات مرةً ثانيةً للانتقاد، كونه عملاً غير أخلاقي، تتغاضى فيه واشنطن عن .]1[»أنظمةٍ استبداديةٍ في دول كثيرة تكافح شعوبها لنيل الديموقراطية حتى في أوج الهيمنة الغربية كان الاتجاه العام بين الشعوب أقول:• عمومًا ضد الغرب، يعني لم يتمكن الغرب في حربه على الإسلامية العالم الإسلامي التي دامت قرونًا من كسب الإغلبية، والديمقراطية بآلياتها الطبيعية بدون تحكّم تصعد بالأغلبية إلى الحكم ولذلك تبقى دائمًا معاديةً للمصالح الغربية التي يناسبها أن تتعامل مع نخبٍ مختارةٍ تتمركز بيدها السلطة والثروة على حساب الأغلبية، لسهولة التحكم بها واستبدالها كلما لزم الأمر. فطالما أن الناس في المشرق الإسلامي يرفضون أنماط الحياة المفروضة من النموذج الغربي فإن الاستبداد بشكل دكتاتوريات عسكرية، أو ملكيات أوليغارشية هو الحليف .134 - 133- م. ن،]1[

عدد الصفحات ١٥٦

برنارد لويس 156 الطبيعي لمنظومة الهيمنة التي توصلت في النهاية إلى ضرورة إدخال العالم الإسلامي في حروب مقدسةٍ باسم الإسلام ليخرج منها فاقدًا .أولًللمناعة من أي مخطط غربي جديد. هذا تطور علوم التلاعب باللغة واحتكار المصطلح والتسميات ثانيًا: يجعل من لغة الخطاب سلاحًا أساسيًا في خلق قاموس الهيمنة. فكلمة إرهابي وكلمة معتدل ومتطرف وحكيم ومستنير ومنفتح... وديمقراطي، كلها تخضع لحقل الدلالة الخاص الذي تضعه الدوائر الأجنبية، ويتم حبس الخصوم والحلفاء داخل هذه التوصيفات بقوة الإعلام الجبارة، وفي المنظمات الدولية بقوة القانون. مما يصعب على المتحررين من دائرة الهيمنة الخروج من حقل الدلالة المغلق الذي أصبح من المسلمات لدى المتلقي العادي... وهكذا فإن مقاربة الغرب من خلال ما يفعل تحررنا من غبار ما يقول. لو عدنا إلى تركيا فإننا سنلاحظ أن معنى تجربة ديمقراطية في ثالثًا: تركيا ما بعد أتاتورك هو أن من ستأتي بهم الديمقراطية سيتحركون ضمن حدود الاطمئنان الغربي خاصةً في السياسة الخارجية، أما إذا تحولت الديمقراطية المضبوطة إلى ممثلٍ حقيقيٍ للرأي العام الإسلامي التركي، فإن الجيش حينها سيتدخل لإعادة الأمور إلى داخل دائرة الهيمنة الغربية بالقوة. وفي هذا الإطار نفهم النص التالي: أملى التحالف مع الولايات المتّحدة على تركيا القيام بمجموعة « من الإصلاحات السياسية كان من بينها إعادة النظر في سياسة الحزب الواحد (حزب الشعب الجمهوري)، وطبقًا لذلك جاء على لسان إينونو « 1945في خطابه أمام المجلس الوطني في تشرين الثا

عدد الصفحات ١٥٧

157 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك استعداد لإجراء تعديلات في النظام السياسي وفقًا للظروف المتغيرة . الأمر الذي شجّع على قيام الأصوات المعارضة بالالتفاف ]1[العا حول جلال بايار ـ والذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد أتاتورك للمطالبة بتشكيل حزبٍ معارض. فأعلن إينونو أن البلد قد يبلغ سنّ الرشد سياسيًا ومن الممكن السماح بقيام تعدديةٍ حزبيةٍ، وسنعمل على دعم الديمقراطية في البلاد. وكان إينونو يرمي من وراء ذلك امتصاص الاستياء العام الناتج عن الأزمات التي عانت منها تركيا منذ بداية الحرب العالمية الثانية، وأعرب عن أمله بتأسيس حزبٍ معارض. وبعد مدةٍ وجيزةٍ من تصريحه هذا تمّ بالفعل الإعلان عن تأسيس حزب على يد أربعة أعضاء انشقوا عن حزب الشعب الجمهوري، وهم جلال بايار، عدنان مندريس، ورفيق كورالتان، وفؤاد كوبرلو ـ أُطلق عليه اسم الحزب الديمقراطي وتبنّى ضمن أيديولوجيته المبادئ الكمالية الستة .]2[»مؤكدًا على الليبرالية والديمقراطية وهكذا لم يكن الحزب الديمقراطي قادرًا على تجاوز الحدود ًا إلى المرسومة سلفًا مرحلة ما بعد أتاتورك ملتزمًا بما أصبح عقيدة أهل الحكم. وحتى ذلك الحين لم يكن الولاء الأعمى للغرب قد قدم شيئًا جديدًا وملهماً لتركيا فيما عادت أصواتٌ شعبيةٌ تنادي بالعودة إلى الشعائر الدينية والطرق الصوفية التي كانت مقموعة سابقًا. أدرك أركان الحزب الديمقراطي الجديد أن التعددية الحزبية ستفسح في المجال أمام تمثيل الشرائح الإسلامية فكانوا منفذًا لها وضابطًا لها في الوقت نفسه. .28 - 27- المصدر نفسه، ص]1[ .29 - 28- المصدر نفسه، ص]2[

عدد الصفحات ١٥٨

برنارد لويس 158 وعـلى أثـر إقـرار مبـدأ التعدديـة الحزبيـة في تركيـا حدثـت بعض التغـيرات في سياسـة حزب الشـعب الجمهوري تجاه المسـألة الدينية نتيجـةً للضغـوط التـي تعـرض لهـا مـن الـرأي العـام أولاً ومعارضـة الحـزب الديمقراطـي ثانيًـا، الـذي قـام بحملـةٍ ضـد حـزب الشـعب الجمهـوري واتهامـه بمعاداة الإسـلام، وعلى الرغم من تمسّـك حزب الشـعب الجمهـوري بالعلمانيـة إلا أنه قام على أثر مناقشـاتٍ موسـعةٍ ببعض 1946في المجلـس الوطنـي الـتركي الكبـير في كانـون الثـا الإجـراءات التي تحدث لأول مـرةٍ في تاريخ الجمهوريـة التركية، منها تخصيـص الأمـوال للراغبـين بـأداء فريضـة الحـج وبالعملـة الصعبـة وإعطـاء موافقتـه عـلى قيـام دوراتٍ لغـرض إعـداد الأئمـة والخطباء، كـما تـمّ الاتفـاق مـع رجـال الدين عـلى فتـح المـزارات أمام الـزوار. سـوّغ حـزب الشـعب الجمهـوري تلـك التسـهيلات بأنهـا ضمانـة ضـد المحافظـين، لكـن الملفت للنظـر أن تلـك التسـهيلات أحدثت انفراجًـا في الحيـاة السياسـية، مـما شـجّع عـلى قيام محـاولاتٍ أولى لتشـكيل أحـزابٍ ذات ميـول إسـلامية، مثـل (حـزب حماية الإسـلام) عـلى يـد نجمي كونـاش ومصطفى 1946 تمـوز19الـذي تأسـس 1924 يومًـا بحجـة مخالفتـه لدسـتور23أوزبـاك، إلا أنـه أغلـق بعـد .]1[الـذي ينـصّ على عـدم اتخـاذ الدين لأغـراض سياسـية كذلك محاولة الجنرال جواد رفعت أيتل خان والمعروف بعدائه لليهود والصهيونية لتشكيل حزب أطلق عليه (حزب المحافظين)، إلا أنه ألغي أيضًا لاعتماده على أسسٍ إسلاميةٍ في برنامجه، وأخيرًا محاولة 25المارشال فوزي جقمق بتشكيل حزبٍ أطلق عليه (حزب الأمة أكد في برنامجه على احترام الدين والعادات والتقاليد، إلا 1948تموز .29- المصدر نفسه، ص]1[

عدد الصفحات ١٥٩

159 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك لتوجهاته وأفكاره ضد مبادئ الجمهورية التركية 1953أنه ألغي في عام .]1[التي أسسها كمال أتاتورك يعني خلال أقل من عقدٍ على رحيل أتاتورك وبمجرد أن أفسح المجال لظهور أحزاب نبتت على الفور ثلاثة أحزابٍ إسلاميةٍ تم قمعها العلمانية للدولة، وهذا يفسر إلى حدٍ بعيدٍ بسرعةٍ حفاظًا على الهوية سبب ظهور الحزب الديمقراطي من داخل حزب الشعب الحاكم واعلان الحزب التزامه بمبادئ الدولة. فضلاً عن ظهور عددٍ من الجمعيات الإسلامية مثل (جمعية الإسلام) و(جمعية التطهير)، الأمر الذي أسهم في عودة عددٍ من الصحف والمجلات الدينية التي سبق وأن منعت من قبل الكماليين مثل (سلامات) و(حر أدام) و(سبيل الرشاد)، وكان لهذه الجمعيات هدفٌ هو مطالبة حزب الشعب الجمهوري بالتخلي عن سياسته العلمانية، وتدخله في شؤون الناس الدينية ومعتقداتهم، كما طالب بإلغاء القوانين العلمانية ظهر تيارٌ دينيٌ 1946وتربية النشء الجديد تربيةً دينيةً، وفي انتخابات داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه بزعامة حمد الله وتكيلي أوغلو. كما شجّع مبدأ التعددية الحزبية أيضًا على ظهور عدد من الأحزاب ذات .]2[ 1950 ـ1946توجهات أو عقائد سياسيةٍ للمدة من ولك أن تقارن هذا الوضع الذي نشأ بعد أتاتورك بهذا النص الاحتفالي للويس حيث يقول: على•أية•حال،•تم•اختراق•القلعة.•أما•سلطة•الدولة،•التي•كانت•« دائمًا•مهمّة•جدًا•في•أي•بلد•مسلم،•فقد•كانت•آنذاك•مع•الإصلاح•بشكل .30- المصدر نفسه، ص]1[ .30- المصدر نفسه، ص]2[

عدد الصفحات ١٦٠

برنارد لويس 160 واضح،•واضطر•المدافعون•عن•التقاليد•إلى•أن•يقوموا•بدورٍ•صعبٍ•وغ مألوف•في•المقاومة•السريّة.•وعقب•سلسلة•من•الهزائم•الأخرى،•كان• ُطردون•من•آخر•معاقل•سلطاتهم•ونفوذهم،•واستخدم•جهاز• العلماء•ي القانون•والمرجعيات•الجبرية•التي•تقوم•بتنفيذه•قسرًا،•في•جهود•حثيثة• .[1[»من•أجل•كسر•قوتهم•إلى•الأبد ربما لذلك لم يكن هناك علماء بارزون يتصدون لعودة الإسلام ولو على المستوى الطقوسي والشعائري، بل بقيت راية العودة إلى الدين ولو بشكلٍ متواضعٍ بيد السياسيين الذين رأوا أنهم قد يفقدون السيطرة على الموقف إذا بقي الاتجاه الإسلامي مقموعًا على طريقة المؤسس لتركيا العلمانية. الانتعاش الإسلامي في عقد الحزب الديمقراطي:. 2 حقّق الحزب الديمقراطي، وخلال عقد 1950بعد فوزه الساحق سنة من الزمن، العديد من الإصلاحات الداخلية، ارتبط البعض منها بالشعائر الإسلامية مثل عودة الأذان باللغة العربية بدل اللغة التركية، والسماح ببثّ القرآن الكريم عبر الإذاعة التركية، وتخصيص التمويل الحكومي لموظفي مؤسسات الشريعة والأوقاف بزيادة رواتبهم وصرف مبالغ إضافية لبناء وإدامة الجوامع، ولعلّ كل هذه الإجراءات كانت تقع ضمن .]2[إطار المسائل التنافسية والانغماس أكثر مع القيم الشعبية كما شهد عقد الخمسينيات استئناف نشاط الطرق الصوفية البكتاشية والنورسية والقادرية. ولم يقتصر نشاط تلك الطرق على المناطق الريفية فحسب، بل أصبح لها فروعٌ في المدن الكبرى. .330- ظهور تركيا الحديثة، ص ]1[ .32 ـ31- المصدر نفسه، ص]2[

عدد الصفحات ١٦١

161 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك وُصفت مدة حكم الحزب الديمقراطي بأنها مرحلة الإحياء الإسلامي في تركيا. فقد خلقت سياسة الحزب الديمقراطي أجواءً مريحةً ساعدت وأسهمت في قيام زعماء الطرق الصوفية بالدور الأساس في توجيه الحياة العامة على مستوى المؤسسات والممارسات العقائدية. مما شجّع على ظهور منظّماتٍ وأحزابٍ ذات ميولٍ إسلامية، مثل الحزب الديمقراطي الإسلامي وحزب النهضة الإسلامي والجمعية العسكرية المعروفة (بيوك دوغو) أي الشرق الكبير. ورافق ذلك نشر الكثير من الدراسات في تلك المدة انتقدت سياسة فصل الدين عن الدولة، مشيرةً إلى مساوئ سياسة الكماليين التي عرّضت تركيا لأزماتٍ اجتماعيةٍ وخلقت فجوةً في التواصل مع الثقافة الإسلامية. ويقول المفكر الإسلامي محمد أركون في هذا الصدد أتاتورك قد ذهبت بعيدًا في جرأتها لكنها لم تكن في الواقع إلا كاريكاتيرًا للعلمنة رافقه بعض التصرفات كما حدث في فرنسا سابقًا، لكن الشعب التركي لم يستجب لهذه التجربة وهذا يفسرّ العودة .]1[»1950الدينية بدءًا من عام وهنا برز التيار الديني بقوةٍ وفسرّ البعض تسهيلات الحزب الديمقراطي على أنها مؤشر للعودة إلى عهد الخلافة الأمر الذي شجّع أصحاب الطرق الصوفية على ممارسة طقوسهم بصورة علنية، الذي ساعد في ترسيخ هذا الاعتقاد سياسة الحزب الديمقراطي المرنة لخلق موازنة بين الإسلام والعلمانية والذي نتج عنها تكرار فوزهم في تباعًا ولتميّزهم عن سياسة الجمهوريين لمراعاة 1954الانتخابات سنة .]2[الحقوق والحريات الدينية .33 - 32- المصدر نفسه، ص]1[ .33- المصدر نفسه، ص]2[

عدد الصفحات ١٦٢

برنارد لويس 162 ومما تجدر الإشارة إليه أن المسألة الدينية اكتسبت بعدًا سياسيًا ساعد في بناء قاعدةٍ صلبةٍ لمواجهة المد الشيوعي، هذا من ناحية، والتنافس على أصوات الناخبين من ناحية أخرى. وعلى الرغم من الإجراءات التعسفية التي أحدثها أتاتورك لضمان نجاح إصلاحاته العلمانية، ظلت مدن وقرى ريف الأناضول متمسكةً بقيمها الدينية، وذلك لفشل العلمانية في إيجاد نظامٍ بديلٍ عن المعتقد الديني وإيجاد وقد•برّر•المستشرق•برنارد•لويس•حلولٍ للمشكلات التي تواجه الناس، في•هذا•المجال•عند•تقييمه•لنبعاث•الحركة•الإسلامية•في•تركيا•في• إلا الخمسينيات•أنها أنه من الواضح على سياسة مندريس أنه عمل جاهدًا لمنع ظهور أي تنظيمٍ حزبيٍ إسلامي يستقطب القطاع الإسلامي في قاعدته الشعبية، ففي الوقت الذي يؤكّد فيه على مبدأ فصل الدين عن الدولة نجده يستغلّ أصوات الإسلاميين في الانتخابات. ولعلّ قراره بمعاقبة منتقدي الكمالية والعلمانية من أعضاء الطريقة التيجانية ـ الذين قاموا بتحطيم تماثيل أتاتورك وإلقاء زعيمهم في السجن خير دليل على سياسته .]1[الذرائعية هنا في هذا المقطع الأخير تظهر معالم الديمقراطية المضبوطة عند مندريس ولكن حتى هذا القدر من المراعاة لصنم العلمانية لم يكن مقبولاً عند أساطينها. أما إشارة لويس الخجولة إ حقيقي إلى حدٍ ما القضاء على الإسلام في تركيا إلى الأبد. .34 - 33- المصدر نفسه، ص]1[

عدد الصفحات ١٦٣

163 المبحث الثالث: الديمقراطية والعسكر والإسلام بعد أتاتورك 1960. الانقلاب عام3 أفلتت التطورات من زمام الأمور، فقام الجنرال جمال كورسيل تحت دعوى حماية المبادئ 1960 أيار27بانقلابٍ عسكريٍ صبيحة يوم الكمالية، وتمكن كورسيل من السيطرة على مقاليد الحكم، وبمساعدة ثمانية وثلاثين ضابطًا، وتمّ حل الحزب الديمقراطي واعتقال كلٍ من رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه ووزيري الداخلية والخارجية ونفيهم . وكان واضحًا أن كبح نمو المظاهر الإسلامية ]1[إلى جزيرة يأسي أدة هو الحافز الأساسي فقد أصبحت عاملاً استفزازيًا للقوى العلمانية، إذ فسرّ المؤرخ شريف ماردين ذلك بالقول .]2[الإسلاميين يريدون جعل تركيا دولةً دينيةً مرةً أخرى :تتريك الإسلام. 4 تعلم الانقلابيون من تجربة بطلهم، فلجؤوا إلى مفهومٍ جديدٍ هو « بحد ذاته ينطوي على عدة مغالطات، ويشكّل استكمالاً ملتويًا لما بدأه أتاتورك، ولكن عن طريق الالتفاف على الحركة الإسلامية، بدل مواجهتها بالقوة، اللغة بعد الانقلاب كانت هي السلاح في معركة تفريغ الإسلام التركي من قوته الاجتماعية والسياسية تحت عنوان تحديثه، فلما كان عزل الإسلام قد فشل فليحضر جالسًا في الصف الأخير، تقرّر حكومة العسكر ما يُقبل منه وما يُرفض تحت عنوان تتريكه أو تحديثه وفي هذا تقول الصالح: عليه عمل الانقلابيون على إحياء مفهوم تتريك الإسلام أو ما يطلق .37 - 36- المصدر نفسه، ص]1[ .38-المصدر نفسه، ص]2[

عدد الصفحات ١٦٤