المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حقائق مهجورة

برهان الدين القاضي

صفحة ٩ من ٣٠

131 الأهداف الاقتصاديّة، من وراء الإسراف في استهلاك الأقمشة وأدوات الزي نة والتجميل، وسائر الصناعات الكثيرة، التي تقوم على هذا السعار وتغذّيه! ننّ قضيّة اللباس والأزيًء ليست منفصلة عن شرع الله ومنهجه للحياة.. ومن ثمّ ذلك الربط بينها وبين قضيّة الإيان والشرك في السياق. ننهّا ترتبط بالعقيدة والشريعة بأسباب شتّ : ننهّا تتعلّق قبل كلّ شيء بالرب وبيّة، وتحديد الجهة التي تشرع للناس في هذه الأمور، ذات التأةير العميق في الأخلاق والاقتصاد وشتّ جواكب الحياة. كذلك تتعلّق بِبراز خصائص الإكسان، في الجنس البشريّ، وتغليب الطابع الإكسانيّ في هذا الجنس، على الطابع الحيوانيّ . والجاهليّة تـمسخ التصوّرات، والأذواق، والقيـم، والأخلاق. وتجعل العري الحيوانيّ تقدّمًا ورقيًّا، و الستر الإكسانيّ تأخّرًا ورجعيّة! وليس بعد ذلك مسخ لفطرة الإكسان، وخصائص الإكسان. وبعد ذلك عندنا جاهليّون يقولــــون: مــــا للديــن والــزيّ؟ مــــا للديــن وملابـس النســــــاء؟ مــــا للديـــن والتجميل؟.. نكّه الـمسخ الذي ي صيب الناس، فـي الجاهليّة، فـي كلّ زمان، وفـي كلّ مكان»(1). وقال سيّد قطب أيضًا«هكذا تنقلب الموازين، وتبطل الضوابط، ويحكم الهوى ما دام أنّ الميزان ليس هو ميزان الله، الذي لا ينحرف ولا ييل. و ماذا تقول الجاهليّة اليوم عن المهتدين بهدى الله؟ ننهّا تسمّيهم: الضالّين، و تعد من يهتدي منهم ويرجع، بالرضى والقبول!.. أجل من يهتدي نلى المستنقع الكر يه، ونلى الوحل الذي تتمرّغ الجاهليّة فيه! وماذا تقول الجاهليّة اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها؟ وماذا تقول للفت الذي يستقذر اللحم الرخيص؟ ننهّا تسمّي ترفّعهما هذا وكظافتهما وتطهّرهما رجعيّة وتخلّفًا وجْودًا وريفيّة! وتحاول الجاهليّة بكلّ ما (1) في ظلال القرآن 3/1251.

عدد الصفحات ١٣١

131 َلكه من وسائل التوجيه والإعلام أن ت غرق ترفّعهما وكظافتهما و تطهّرهما في الوحل الذي تتمرّغ فيه، في المستنقع الكريه ! وماذا تقول الجاهليّة لمن ترتفع اهتماماته عن جنون مباريًت الكرة، وجنون الأفلام، والسينما، والتليفزيون، وما نليه، وجنون الرقص، والحفلات الفارغة، والملاهي؟ ننهّا تقول عنه: نكّه جامد، ومغلق على كفسه، وتنقصه المروكة والثقافة! وتحاول أن تجرّه نلى تفاهة من هذه، ي نفق فيها حياته.. ننّ الجاهليّة هي الجاهليّة.. فلا تتغيرّ نلاّ الأشكال والظرو ف»(1). وقال سيّد قطب أيضًا«ننّ الخمر كالميسر، كبقيّة الملاهي، كالجنون بما يسمّوكه: الألعاب الريًضيّة، والإسراف في الاهتمام بمشاهدها، كالجنو ن بالسرعة، كالجنون بالسينما، كالجنون بالمودات، والتقاليع، كالجنون بمصارعة الثيران، كالجنون ببقيّة التفاهات، التي تغشى حياة القطعان البشريّة، في الجاهليّة الحديثة اليوم، جاهليّة الحضارة الصناعيّة! ننّ هذه كلّها ليست نلاّ تعبيرًا عن الخواء الروحيّ من الإيان أوّلاً، ومن الاهتمامات الكبيرة التي تستنفد الطاقة ثاكيًا؛ وليست نلاّ نعلاناً عن نفلاس هذه الحضارة، في نشبا ع الطاقات الفطريّة بطريقة سويّة. ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان نلى الخمر والميسر؛ لملء الفراغ، كما يقودان نلى كلّ أكواع الجنون التي ذكرنا . وهما بذاتهما اللذان يقودان نلى الجنون المعروف، ونلى المرض النفسيّ والعصبيّ، ونلى الشذوذ»(2). فإن عمد بعض الطاعنين نلى كتب التاريخ؛ ليستخرج منها جرائم منسوبة نلى كثير من المنسوبين نلى الإسلام؛ فإنّ ذلك لن يتةّر في (براءة الإسلام) من تلك الجرائم؛ فإن صحّت كسبة تلك الجرائم نلى المنسوبين، فالجرية تتعلّق (1) في ظلال القرآن 3/1313. (2) في ظلال القرآن 2/661.

عدد الصفحات ١٣٢

132 بصاحبها، الذي صدرت منه؛ ونن لم تصحّ كسبتها نلى من ك سبت نليه، كاكت أولى بالردّ والإبطال. فهل من العدل نداكة الإسلام جهرائم ارتكبها بعض المنسوبين نليه، ِّن خالفوا أحكامه الصريحة الواضحة، الآمرة بالمعروف، والناهية عن المنكر؟! !! قال سيّد قطب: «أمّا ما وقع في بعض العصور من الاستكثار من الإماء - عن طريق الشراء والخطف والنخاسة وتجميعهنّ في القصور، واتخّاذ هنّ وسيلة للالتذاذ الجنسيّ البهيميّ، وَضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء، وعربدة السكر والرقص والغناء.. نلى آخر ما كقلته نلينا الأخبار الصادقة، والمبال غ فيها على السواء.. أمّا هذا كلّه، فليس هو الإسلام. وليس من فعل الإسلام، و لا نيحاء الإسلام. ولا يجوز أن يح س ب على النظام الإسلاميّ، ولا أن ي ضاف نلى واقعه التاريخيّ .. ننّ الواقع التاريخيّ الإسلاميّ هو الذي ينشأ وفق أصول الإسلام وتصوّراته وشرعته وموازينه . هذا وحده هو الواقع التاريخيّ الإسلاميّ .. أمّا ما يقع في المجتمع الذي ينتسب نلى الإسلام، خارجًا على أصوله وموازينه، فلا يجوز أن يح س ب منه، لأكّه انحراف عنه. ننّ للإسلام وجوده المستقلّ خارج واقع المسلمين، في أيّ جيل. فالمسلمون لم ي نشئوا الإسلام، نّّا الإسلام هو الذي أكشأ المسلمين. الإسلام هو الأصل، والمسلمون فرع عنه، وكتاج من كتاجه. ومن ثمّ، فإنّ ما يصنعه الناس أو ما يفهموكه ليس هو الذي يحدّد أصل النظام الإسلاميّ، أو مفهوم الإسلام الأساسيّ؛ نلاّ أن يكون مطابقًا للأصل الإسلاميّ الثابت المستقلّ عن واقع الناس، ومفهومهم، والذي ي قاس نليه واقع الناس في كلّ جيل، ومفهومهم؛ لي عل م كم هو مطابق، أو منحرف عن الإسلام. ننّ الأمر ليس كذلك في النظم الأرضيّة، التي تنشأ ابتداء، من تصوّرات البشر، ومن المذاهب التي يضعونها لأكفسهم - وذلك حين يرتدّون نلى الجاهليّة، ويكفرون بالله، مهما ادّعوا أنهّم

عدد الصفحات ١٣٣

133 يتمنون به، فمظهر الإيان الأوّل بالله هو استمداد الأكظمة من منهجه و شريعته، ولا نيان بغير هذه القاعدة الكبيرة - ذلك أنّ المفهومات المتغيرّة للناس حينئذ، والأوضاع المتطوّرة في أكظمتهم، هي التي تحدّد مفهوم المذاهب التي وضعوها لأكفسهم، وطبّقوها على أكفسهم. فأمّا في النظام الإسلاميّ الذي لم يصنعه الناس لأكفسهم، نّّا صنعه للناس ربّ الناس وخالقهم ورازقهم ومالكهم.. فأمّ ا في هذا النظام، فالناس نمّا أن يتّبعوه وي قيموا أوضاعهم وفقه؛ فواقعهم نذن هو الواقع التاريخيّ الإسلاميّ؛ ونمّا أن ينحرفوا عنه، أو يجاكبوه كلّيّة، فليس هذا واقعًا تاريخيًّا للإسلام. نّّ ا هو انحراف عن الإسلام! ولا بدّ من الاكتباه نلى هذا الاعتبار عند النظر في التاريخ الإسلاميّ . فعلى هذا الاعتبار تقوم النظريّة التاريخيّة الإسلاميّة، وهي تختلف َامًا مع سائر النظريًّت التاريخيّة الأخرى، التي تعتبر واقع الجماعة الفعليّ هو التفسير العمليّ للنظريّة أو المذهب، وتبحث عن تطوّر النظريّة أو المذهب في هذا الواقع الفعليّ للجماعة التي تعتنقه، وفي المفهومات المتغيرّة لهذه النظريّة في فكر الجماعة! وتطبيق هذه النظرة على الإسلام ينافي طبيعته المتفرّدة، ويتدّي نلى أخطار كثيرة، في تحديد المفهوم الإسلاميّ الحقيقيّ »(1). ننّ الإسلام بريء، كلّ البراءة، من أيّ جرية، ارتكبها أيّ من المنسوبين نليه، من الخلفاء والأمراء والملوك والسلاطين والوزراء والحجّاب والقضاة والسادة والقادة والجنود والش ر ط والحرس والكتّاب والشعراء والمغنّين والمدمنين والقتلة واللصوص والفجّار والتجّار والمرابين والمتلّفين والمعلّمين والمتعلّمين والعامّة. قال ابن تيميّة: «فهذه المفاسد الخمس التي هي الاحتيال على كقض الأيان ونخراجها من مفهومها ومقصودها ، ثمّ الاحتيال بالخ لع ونعادة النكاح، (1) في ظلال القرآن 1/953-951.

عدد الصفحات ١٣٤

131 ثمّ الاحتيال بالبحث عن فساد النكاح ، ثمّ الاحتيال بمنع و قوع الط لاق، ثمّ الاحتيال بنكاح المحلّ ل: في هذه الأمور من المكر والخداع ، والاستهزاء بِ يًت الله، واللعب الذي ينفّ ر العقلاء عن دين الإسلام، وي وجب طعن الكفّ ار فيه، كما رأيته في بعض كتب النصارى وغيرها ، وتبينّ لكلّ متمن صحيح الفطرة أنّ دين الإسلام بريء ، منز ه عن هذه الخزعبلات ، التي ت شبه حيل اليهود، ومخاريق الرهبان »(1). وقال ابن تيميّة أيضًا«وكذلك كلّ مبتدع ، خالف سنّ ة رسول الله ، وكذّ ب ببعض ما جاء به من الحقّ ، وابتدع من الباطل ما لم تشرعه الرسل ؛ فالرسول بريء ِّ ا ابتدعه وخالفه فيه ، قال تعالى: ﴿ف إ نْ ع ص وْ ك فـ ق لْ ن نيّ ب ر يءٌ ِ ا تـ عْم ل ون ﴾(2)، وقال تعالى: ﴿ن ن ال ذ ين فـ ر ق وا د ينـ ه مْ و ك اك وا ش يـ عًا ل سْت م نـْه مْ في ش يْء ﴾(3)، فالحلال ما حلّ له الله ورسوله ، والحرام ما حرّ مه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله. وقد ذمّ الله المشرك ين على أنهّ م حلّ لوا وحرّ موا، و شرعوا دينً ا لم يأذن به الله»(1). وقال ابن تيميّة أيضًا«وليس هذا من خصائص أحمد؛ بل ما من نمام نلاّ وقد اكتسب نليه أقوام، هو منهم بريء ، قد اكتسب نلى مالك أناس، مالك بريء منهم، واكتسب نلى الشافعيّ أناس، هو بريء منهم ، واكتسب نلى أبِ حنيفة أناس، هو بريء منهم، وقد اكتسب نلى موسى  أناس، هو منهم بريء، واكتسب نلى عيسى  أناس، هو منهم بريء، وقد اكتسب نلى عليّ بن أبِ طالب أكـاس، هو بريء منهم، وكبيّ نا قـد اكتسب نليه - من القرامط ـة، والباطنيّ ة، وغيـرهم ، (1) مجموعة الفتاوى39/116. (2) الشعراء 216. (3) الأكعام193. (1) مجموعة الفتاوى21/131.

عدد الصفحات ١٣٥

135 من أصناف الـملاحــدة، والـمنـافقيـن - مــــن هو بــــريء منه ــــم»(1). وقال محمّد رشيد رضا«شبهة وجوابها : ورد علينا رقيم من بعض قارئي جريدتنا، اكتقد فيه صاحبه ما كتبناه في شتون الخلفاء، وسيّ ئاتهم، وتقصيرهم في وظيفتهم الدينيّ ة، وكصحنا بألاّ كعود نلى الخوض، في مثل هذه المواضيع؛ لأنّ كتابتها في جريدة سيّ ارة ي طلع عليها الأجاكب وأعداءنا وأعداء ديننا، فيشمتون فينا، ويتّ خذونها حجّ ة علينا. والجواب عن هذه الشبهة من وجهين: أوّ لهما- أنّ ما كتبناه في ذلك هو قطرة من بحار التاريخ الزاخرة ، عند أولئك الأجاكب، أو الأعداء الذين يعنيهم المنتقد. فإذا سكتنا عنه، فسكوتنا كتمان له عن أ بناء ملّ تنا، الذين يجهله أكثرهم ؛ لإهمالهم علم التاريخ ، وظنّ هم أكّ ه لا فائدة فيه نلاّ التسلية؛ بل سمعت بعض الشيوخ الذين يدّ عون الفقه يقول: ننّ قراءة التاريخ م كروهة؛ لأنّ فيه كذباً. وتعليله هذا يقتضي أنّ قراءة أكثر كتب الحديث والتف سير مكروهة؛ لأنّ فيها أحاديث موضوعة وضعيفة ومنكرة، وقصصًا كاذبة باطلة، بل لا يبعد أن ي قال على ذلك: ننّ قراءتها محر مة؛ لأنّ الكذب في تفسير كتاب الله ت عالى، والاختلاق على كبيّ ه من أعظم الكبائر، لا ي قاس بها الكذب في سيرة ملك أو حاكم أو خليفة أو عالم. وفي كتب الفقه التي ي شغ ل بها المتفقّ ه المذكور كثير من الأقوال الباطلة التي لا يصحّ العمل، ولا الإفتاء بها. والصواب أنّ شوب الحقّ بشيء من الباطل لا يقتضي ترك الحقّ ، ونّّ ا يقتضي النظر الدقيق والتمحيص؛ ليخرج الحقّ من بين الأباطيل، كما يخرج اللبن من فرث ودم ، خالصً ا للشاربين. ونّّ ا ذكرنا هذا لنبينّ لحضرة المنتقد قول شيوخنا في التاريخ ، الذي هو من أشدّ المنفّ رات عنه ؛ ليعلم مقدار حاجتنا نلى استخراج فوائده ، وعرضها عل ى أمّ تنا، (1) مجموعة الفتاوى3/113.

عدد الصفحات ١٣٦

136 ونشعارهم أنهّم لا ي كن لهم الوقوف على حقيقة مرض الأمّ ة نلاّ منها؛ و من لم يعرف مرضه لا يسعى لعلاجه؛ ونذا سعى، فإنّ سعيه يكون عبثًا وضلالاً ، بل خيبة وككالاً . وما مثلنا مع الأجاكب - الذين يرت ئي أصحاب الأفكار الضعيفة أن كستر ضعفنا عنهم بأسبابه وكتائجه - نلاّ مثل النعامة التي ترى الصيّ اد ي ريد اقتناصها، فتخبّ ئ رأسها وتستره ؛ لكيلا تراه، توهمّ ـً ا أنّ عماها عنه، ي وجب عماه عنها، وأنّ ذلك عين النجاة. وحرام على من يجهل تاريخ الغابر ، وحالة العصر الحاضر أن يقول: هذا شيء يضرّ الأمّ ة، وهذا شيء ينفعها. وقد م نينا - والصبر بالله - بقوم جهلاء في ةياب علماء، يغشّ ون الأمّ ة، ويغرّ رون بها؛ توهمّ ـً ا أنّ كلّ من يقرأ تن ازع العوامل في النحو : يعلم تنازع الأمم ؛ وكلّ من يعرف أحوال تقديم المسند والمسند نليه وتأخيرهما: يعرف أسباب تقدّ م الأمّ ة وتأخّ رها ؛ وكلّ من تصدّ ر للفتوى في مسائل الرضاع والطلاق وصحّ ة الإجارة والسل م: له أن ي فتي في صحّ ة الشعوب من أمراضها، ونطلاقها من وثاقها ؛ بل وقعنا في فوضويّ ة الأفكار والعلم، فصار كلّ فرد منّ ا م ع نًّا م ف نًّا، ولا برهان يتوكّ أ عليه، ولا رئيس ير جع نليه. سياسة السواد الأعظم منّ ا اليوم هي كتمان الأمراض والسيّ ئات، ونن اكتهى ذلك بالممات؛ وتكبير ما عساه ي وج د من حسنة، حتّ تكون الحبّ ة قبّ ة، والذرّ ة جبلاً ؛ بل اختلاق الحسنات، والكذب فيها على الأحياء والأموات؛ لتسبح الأمّ ة في بحر الغرور، نلى أن تهلك وتبور. وقد رأينا من سير الأمم الحيّ ة أنّ ك تّ ابها وخطباءها يلتون الدكيا صراخًا وعويلاً ، نذا صدر من أمّ تهم سيّ ئة، ويهوّ لون أمر تلك السيّ ئة بما ي زعجون به نلى نزالتها ؛ وربمّ ا يخ فون الحسنات، ولا سيّ ما الاستعداد الحربِّ ، لما لا يخفى من الأسباب. الوجه الثاني: أنّ كلّ ما ككتبه في الاكتقاد على خلفاء المسلمين و أمرائهم وعلمائهم وأهل الطرق وجْيع رجال الدين، غرضنا الأوّ ل به بيان براءة الدي ن الإسلاميّ كفسه ِّ ا ير ميه به أعداء المسلمين من الأوربيّ ين، الذين يزعمون أنّ جْيع

عدد الصفحات ١٣٧

137 ما حلّ بهم، من الضعف ، والضعة، والظلم، والاستبداد، وفساد الأخلاق ، واختلال الأعمال - الذي يكاد يحو سلطتهم من لوح البسيطة ، ويجعلهم أذلّ الشعوب وأفقرها - كلّ ذلك ما حلّ بهم؛ نلاّ بسبب دينهم، فهو الذي جر نليهم البلاء، وطوّ حهم في مهاوي الشقاء. والحقّ أنّ هذا البلاء والشقاء ما جاءهم نلاّ من الانحراف عن الدين، وما كاكت أمّ ة؛ لتنحرف عن دينها دفعة واحدة، ونّّ ا يكون ذلك بالتدريج، ينحرف الرؤساء والأمراء ، فتتوّل لهم العلماء - علماء السوء - فتتّ بعهم الدهماء؛ وهكذا كان شأن الذين جاءوا من قبلنا، واتّ بعنا سننهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، ولا يتمّ ذلك نلاّ بعدّ ة قرون. لا ريب أنّ نظهار براءة الدين برمي أهله ، رؤسائهم ومرؤوسيهم، بالتقصير فيه، والميل عن هديه: هو أعظم خدمة له ولأهله، ونلاّ كان النقد بل النقض موج هًا للأصل والفرع معًا، وما يعقلها نلاّ العال مون. ويدخل في تبرئة الدين ِّ ا ذ ك ر بيان أكّ ه أساس للسعادة متين، لا ي كن أن يقوم صرح مجد أهله نلاّ عليه، خلافًا لمن أعشى أبصارهم شعاع مدكيّ ة أورباّ ، فرأوا أنّ التقليد الأعمى لها هو الذي ينهض بالأمّ ة. وهل زادنا هذا التقليد الأعمى نلاّ شقاء وتعاسة؟»(1). وقال سيّد قطب«وهناك حقيقة أخيرة كتعلّمها من التعقيب القرآنيّ ، على مواقف الجماعة المسلمة، التي صاحبت رسول الله ،والتي َثّ ل أكرم رجال هذه الأمّ ة على الله.. وهي حقيقة نافعة لنا، في طريقنا نلى استئناف حياة نسلاميّ ة بعون الله.. ننّ منهج الله ثابت، وقيمه وموازينه ثابتة، والبشر يبعدون أو يقربون من هذا المنهج، ويخ طئون وي صيبون، في قواعد التصوّ ر وقواعد السلو ك. ولكن ليس شيء من أخطائهم محسوباً على المنهج، ولا مغ يّـرً ا لقيمه وموازينه ا لثابتة. (1) مجلّة المنار1/131-131.

عدد الصفحات ١٣٨

138 وحطئ البشر في التصوّ ر أو السلوك، فإكّ ه يصفهم بالخطإ. وحين ينحرفون عنه، فإكّ ه يصفهم بالانحراف. ولا يتغاضى عن خطئهم وانحرافهم - مهما تكن منازلهم وأقدارهم - ولا ينحرف هو ؛ ليجاري انحرافهم! وكتعلّ م نحن من هذا أنّ تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج! وأكّ ه من الخير للأمّ ة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوص ف المخطئون والمنحرفون عنها ، بالوصف الذي يستحقّ وكه - أيًًّ كاكوا - وألاّ ت بر ر أخطاؤهم وانحرافاته م أبدً ا، بتحريف المنهج، وتبديل قيمه وموازينه. فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام، من وصف كبار الشخصيّ ات المسلمة، بالخطإ، أو الانحراف.. فالمنه ج أكبر وأبقى من الأشخاص. والواقع التاريخيّ للإسلام ليس هو كلّ فعل وكلّ وضع، صنعه المسلمون في تاريخهم. ونّّ ا هو كلّ فعل وكلّ وضع صنعوه، موافقً ا َام الموافقة، للمنهج ومبادئه وقيمه الثابتة.. ونلاّ فهو خطأ أو انحراف ، لا يح س ب على الإسلام، وعلى تاريخ الإسلام ؛ نّّ ا يح س ب على أصحابه وحدهم، ويوص ف أصحابه بالوصف الذي يستحقّ وكه: من خط إ، أو انحراف ، أو خروج على الإسلام.. ننّ تاريخ الإسلام ليس هو تاريخ المسلمين ، ولو كاكوا مسلمين ، بالاسم، أو باللسان! ننّ تاريخ الإسلام هو تاريخ التطبيق الحقيقيّ للإسلام، في تصوّ رات الناس ، وسلوكهم، وفي أوضاع حياتهم، وكظام مجتمعاتهم.. فالإسلام محور ثابت، تدور حوله حياة الناس في نطار ثابت. فإذا هم خرجوا عن هذا الإطار، أو نذا هم تركوا ذلك المحور بتاتاً ، فما للإسلام، وما لهم يومئذ؟ وما لتصرّ فاتهم وأعمالهم هذه تح س ب على الإسلام، أو ي فس ر بها الإسلام؟ بل ما لهم هم يو ص فون بأنهّ م مسلمون، نذا خرجوا على منهج الإسلام، وأبوا تطبيقه في حياتهم، وهم نّّ ا كاكوا مسلمين ؛ لأنهّ م يطبّ قون هذا المنهج في حياتهم، لا لأنّ أسماءهم أسماء مسلمين، ولا لأنهّ م يقولون بأفواههم: ننهّ م مسلمون؟! وهذا ما أراد الله سبحا كه

عدد الصفحات ١٣٩

139 أن يعلّمه للأمّ ة المسلمة، وهو يكشف أخطاء الجماعة المسلمة، ويسجّ ل عليها النقص والضعف، ثمّ يرحمها بعد ذلك ويعفو عنها، وي عفيها من جرائ ر النقص والضعف في حسابه.»..(1). وقال ابن باز: «أمّا ما ألصقه الجهلة أو الأعداء بالإسلام، فيجب التنبيه عليه، حتّ يتبينّ براءة الإسلام منه ، وحتّ لا ي لص ق بالتراث الإسلاميّ ما ليس منه، كما فعل الجهلة والمشركون من نحداث الأبنية على القبور ، واتخّ اذ المساجد على القبور، فهذا ليس من شأن الإسلام، والإسلام يحارب هذا ؛ يحارب الب ناء على القبور، واتخّ اذ المساجد عليها؛ لأنهّ ا من وسائل الشرك ، كما فعلت اليهود والنصارى ، وتابعهم كثير من هذه الأمّ ة، من الجهلة والمبتد عة، حتّ بنوا على القبور، واتخّ ذوا عليها المساجد والقباب، وحصل الشرك بسبب ذلك، فيجب أن ي نب ه على أنهّ ا ليست من الإسلام، وليست من التراث الإسلاميّ ، ويجب نككار ذلك والقضاء عليه، وهكذا الصلاة عند القبور، والدعاء عندها، وتحرّ ي القراءة عندها، من وسائل الشرك، يجب أن ي نب ه على هذا، وي بين أنهّ ا ليست من التراث الإسلاميّ ، بل هي ِّ ا أحدةه الجهلة، وأككره الإسلام، وهكذا ما أحدةه بعض الناس من الاحتفال بالموالد، ويزعمون أكّ ه من التراث، وهذا غلط، ليس من التر اث الإسلاميّ ، ونن فعله كثير من المسلمين ، في أمصار كثيرة، جهلاً وتقليدً ا. فالاحتفال بالموالد من البدع المحد ةة في الدين، بعد القرون المفض لة، وليس من التراث الإسلاميّ ، وهو من التراث المبتد ع. وهكذا الاحتفال جهميع الآثار التي يدعو نليها دعاة الشرك، سواء كاكت صخرة ، أو شجرة، أو غير ذلك ِّ ا يعظّ مه (1) في ظلال القرآن 1/933.

عدد الصفحات ١٤٠

111 الجهّال، أو يتبرّ كو ن به، كلّ هذا ِّ ا ينافي الإسلام، وهو ضدّ الإسلام»(1). فهذه كصوص صريحة، تتكّد (براءة الإسلام)، من كلّ انحراف، ينحرف به المنسوبون المنحرفون، عن (الإس لام)، من الرؤساء، والعلماء، والعامّة، وغيرهم. وتبرئة الإسلام من انحرافاتهم: أولى من محاولة تبرئة الأشخاص، والدفاع عنهم. (1) مجموع فتاوى ومقا ت متنوّعة: 6/213.

عدد الصفحات ١٤١

111 شبهة الاختلاف فإن قيل: ننّ الاختلافات الكثيرة بين المتلّفين المنسوبين نلى الإسلام، والاختلافات الكثيرة بين المطبّقين المنسوبين نلى الإسلام، تدلّ ع لى أمرين: 1- أنّ هداية الخالق لم تكن تامّة؛ لأنّ الكثير من المنسوبين نلى الإسلام : لا يعلمون الحقيقة، في كثير ِّا اخت لف فيه، فكيف تزعمون أنّ الإسلام جاء لهداية الناس، ونخراجهم من الظلمات نلى النور، والحال أنّ بعضهم يرمي بعضًا بالضلالة، والانحر اف عن الصراط القويم؟! 2- أنّ الحقائق الإسلاميّة ليست محفوظة من الضياع؛ لأنّ كلّ واحد من المتلّف المختلفين يزعم - في غالب أحواله وأحياكه - أنّ الحقائق الإسلاميّة تطابق ما اختاره وارتضاه من آراء، دون آراء من خالفه فيها؟! قلت: تستند هذه الشبهة نلى واقع قطعيّ، لا يختلف فيه اةنان، حتّ المتلّفون المختلفون في الكثير من المسائل، لا يختلفون في حقيقة واقعيّة قطعيّة، وهي أنّ الاختلاف بينهم واقع موجود. ولكنّ الجواب عنها سهل؛ فإنّ الاختلاف ليس من الله ، بل هو من الناس أكفسهم؛ فلقد أكزل الله القرآن، بلسان عربِّ مبين، وجاءت الس نّة النبويّة؛ لمزيد من التفصيل والتبيين، ليكون التطبيق صحيحًا سليمًا موافقًا لمراد الله . أمّا الاختلاف، فإكّه لم يكن في الأصل عن جهل، بل كان بعد العلم بالبيّنات، ولكنّ الأهواء هي التي انحرفت بأصحابها عن الحقّ المبين، وهذا أمر عامّ في كلّ رسالات الرسل. قال تعالى: ﴿ك ان الن اس أ م ةً و اح د ةً فـ بـ ع ث اللَّ الن ب يّ ين م ب شّ ر ين و م نْذ ر ين و أ كـْز ل م ع ه م الْك ت اب با لحْ قّ ل ي حْك م بـ ينْ الن اس ف يم ا اخْتـ ل ف وا ف يه و م ا اخْتـ ل ف ف يه

عدد الصفحات ١٤٢

112 ن لا ال ذ ين أ وت وه م نْ بـ عْد م ا ج اء تـْه م الْبـ يّ ن ات بـ غْيًا بـ يـْنـ ه مْ فـ ه د ى اللَّ ال ذ ين آم ن وا ل م ا اخْتـ ل ف وا ف يه م ن الحْ قّ بِ ذْك ه و اللَّ يـ هْد ي م نْ ي ش اء ن لى ص ر اط م سْت ق يم ﴾(1) . والبغي أخطر صور الهوى، فإكّه يحمل أصحابه على الطغيان، والإفساد، والسعي نلى استعباد الآخرين، ونخضاعهم لأهوائهم. وهكذا كان التحريف - في كلّ زمان ومكان - وسيلة من أخبث وسائل أهل البغي؛ لإفساد الناس، وصدّهم عن الدين الحقّ، فأخضعوا ببغيهم ةلاةة أصناف من الناس: 1- أهل الهوى، ِّن لم يبلغوا مبلغهم في البغي و الطغيان، فاكقادوا لهم؛ لأنّ أهواءهم في الغالب واحدة؛ فعمل هتلاء على التبديل والتحريف والتزوير والدسّ والافتراء والاختلاق والكذب والتدليس، وسائر وسائل الخداع. 2- أهل الجهل، الذين ليس لهم القدرة العلميّة الكافية، لفهم الكثير من الحقائق الإسلاميّة، نلاّ بالاع تماد على من هم أقدر منهم؛ فإذا وقع هتلاء تحت توجيه أهل الأهواء؛ فإنهّم - بلا ريب - سينحرفون عن الدين الحقّ. 3- أهل الخوف ، من الضعفاء والمستضع فين، الذين يخشون بطش الطغاة، وبطش أذنابهم، فيخضعون لهم، وهم يعلمون الحقّ المبين؛ وبخضوعهم يعملون على التبديل والتحريف والتدليس، ونن كاكوا كارهين ومكر هين. أمّ ــا مــن لـــم يكــن مــن (أهـل الـهوى)، ولا م ــن (أهـل الـجهل)، ولا م ــن (أهل الـخوف)؛ فإكّه سيسلم - في غالب أحواله وأحياكه - من مخالفة الحقّ؛ ولكنّه لن يسلم من ذلك، سـلامة تامّ ـــة؛ لأنّ (الـجهل) أمـــر ك سـبـيّ، لا يكــاد يـخلــو منــه نكـســان، حتّ ـى (العلمــــاء) يـجهلـون بعض (الـحقـائـق)، التـي يعلمها (1) البقرة 213.

عدد الصفحات ١٤٣

113 غيـرهم، ب ــل ربّ ـما جهلــوا حقائــق، يعلمها مـــن هـــو أقـــلّ منهم علمًا!!! والتحريفات التي أدخلها المبطلون ليست بمنأى عن أولئك الصادقين المخلصين، فإنّ التحريفات قد دخلت في كلّ المتلّفات الإكساكيّة، فدخلت في كتب القراءات، والتفسير، والحديث، والشروح، والعقيدة، والفقه، وأصول ه، والتاريخ، واللغة، والأدب. فلا ريب في أنّ الصادقين المخلصين سينحرفون عن الحقّ ، بعض الانحراف، حين يطّلعون على هذه التحريفات، ويغفلون عن بطلانها، وهو أمر واقع، لا ريب في وقوعه، لم يسلم منه أحد من المتلّفين والمطبّقين. ثـمـار الاختلاف الطيّبة: ومع ذلك كلّه، كان للاختلاف عدّة ثَار طيّبة، أبرزها ةلاث: 1- إثبات قطعيّة الاتّفاقيّات الإسلاميّة ننّ وجود الاختلاف بين المتلّفين المنسوبين نلى (الإسلام)، في مسائل كثيرة جدًّا: دليل قطعيّ على اكعدام تواطئهم، على الباطل؛ فإنهّم كاكوا بين حريص على تفنيد الباطل، وحريص على نفحام الخصم. فحين يخالف المتلّف الحقّ في تأليفه، فإكّه - بلا ريب - سيلاقي معارضة من يحرص على تفنيد الباطل، ومن يحرص على نفحام الخصم؛ وبذلك ينتفي قطعًا تواطت المتلّفين المنسوبين كلّهم، على القول الباطل. فلولا وجود الأدلّة القطعيّة على شرعيّة الاتّفاقيّات الإسلاميّة، لما اتّفق المتلّفون على القول بشرعيّتها وقطعيّتها. والفرق كبير ، بيـن تواطت الـمتلّفيـن، الـمنسوبيـن، نلـى مذهب معيـّ ن، وبيـن تواطت الـمتلّفيـن، الـمنسوبيـن، نلـى (الإسلام)؛ فالتواطت الـمذهبيّ أمـــر واقــع، قطعًا،

عدد الصفحات ١٤٤

111 ولا خلاف ف ـي وقوعه؛ بـخلاف التواطت الكلّيّ؛ فإكّه مسـتحيل الوقوع ، قطعًا. ومن هنا ك درك أنّ الاختلاف شاهد حيّ قاطع، ي فحم (أعداء الإسلام)، الذين يحاولون التشكيك في (القطعيّات الإسلاميّة). 2- إنكار الأقوال التأليفيّة الباطلة لو افترضنا افتراضًا أنّ الاختلاف بين المتلّفين المنسوبين نلى (الإسلام) كان معدومًا؛ فإنّ هذا الافتراض يستلزم أحد افتراضين باطلين: أ- أن يكون المتلّفون المنسوبون نلى (الإسلام) معصومين، بحيث لا يخ ط ئون أبدًا في تأليفاتهم. وهو افتراض باطل قطعًا، لا ريب في بطلاكه. ب- أن يخ طئ بعض المتلّفين المنسوبين نلى (الإسلام)، فيسكت الآخرون عن بيان أخطائهم، والردّ عليها؛ لكيلا يحصل الاختلاف بينهم. وهو افتراض باطل قطعًا، لا ريب في بطلاكه. ولذلك كان الاختلاف ذا ثَرة طيّبة، حين يتصدّى أهل الحقّ؛ للكشف عن أباطيل المبطلين، وأخطاء المخطئين. والفريق الذي أدّى نلى الاختلاف هو فريق المبطلين، وليس فريق المحقّين؛ فلو أنّ المبطلين وافقوا الحقّ في تأليفاتهم، لاكتفى الاختلاف بين الناس؛ ولكنّ المبطلين لا ي كن أن يوافقوا الحقّ؛ لأنهّم يتّبعون أهواءهم، وأهواء سادتهم. وكذلك من أخطأ، وهو مجتهد، بنيّة حسنة، لا بقصد مخالفة الحقّ؛ فإكّه لن يعدم من يكشف عن خطئه، ونن كان معذورًا فيه؛ ولذلك لا بدّ من الاختلاف ما دام المتلّفون غير معصومين، وما دام في الناس محقّون ومبطلون، وما دام في الناس من يعلم الحقّ، ومن يجهله.

عدد الصفحات ١٤٥

115 فلولا اختلاف المحقّين والمبطلين، لالتبس الحقّ بالباطل؛ لأنّ المبطل سيخالفون الحقّ قطعًا؛ فوجب على المحقّين مخالفة المبطلين، والردّ عليهم. 3- ابتلاء المؤلّفين والمطبّقين المنسوب يذكّرنا الاختلاف بصفة راسخة في الإكسان، هي صفة النقص، فهو ليس نلهًا؛ ليكون بريئًا من النقص، وليس كلّ الناس أكبياء؛ ليسلموا من أكثر صور النقص، وليسوا كلّهم بدرجة واحدة في العلم، ولا بدرجة واحدة في القدرة، ولا بدرجة واحدة في الرغبة؛ ولذلك لا بدّ من اختلافهم؛ لتختلف درجاتهم ، عند الله ، وليختلفوا في استحقاق الثواب والعقاب. قال سيّد قطب: «لو شاء الله لخلق الناس كلّهم على كسق واحد، وباستعداد واحد.. كسخًا مكرورة، لا تفاوت بينها، ولا تنويع فيها. وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدّرة على هذه الأرض. وليست طبيعة هذا المخلوق البشريّ الذي استخلفه الله في الأرض. و لقد شاء الله أن تتنوّع استعدادات هذا المخلوق واتجّاهاته. وأن يوه ب القدرة على حرّيّة الاتجّاه ، وأن يختار هو طريقه، ويحمل تبعة الاختيار، ويجازى على اختياره للهدى أو للضلال.. هكذا اقتضت سنّة الله، وجرت مشيئته. فالذي يختار الهدى كالذي يختار الضلال سواء ، في أكّ ه تصرّ ف حسب سنّة الله، في خلقه، ووفق مشيئته في أن يكون لهذا المخلوق أن يختار، وأن يلقى جزاء منهجه الذي اختار. شاء الله ألاّ يكون الناس أمّة واحدة ، فكان من مقتضى هذا أن يكوكوا مختلفين، وأن يبلغ هذا الاختلاف أن يكون في أصول العقيدة، نلاّ الذين أدركتهم رحمة الله، الذين اهتدوا نلى الحقّ، والحقّ لا يتعدّ د، فاتّفقوا عليه. وهذا لا ينفي أنهّم مختلفون مع أهل الضلال»(1) . (1) في ظلال القرآن 1/1333.

عدد الصفحات ١٤٦