98 اللغة العربيّة، وفـي القراءة، وف ـي القدرة على التدب ر، والتفق ه، والفهم. ي روى عن سعيد بن المسيّ ب أكّه قال: «ليس من عالـم ولا شريف ولا ذي فضل، نلاّ وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من كقصه، ذهب كقصه لفضله، كما أنّ من غلب عليه كقصاكه، ذهب فضله»(1). ويروى عن غيره: «لا يسلم العالـم من الخطإ، فمن أخطأ قليلاً وأص اب كثيرًا، فهو عالـم، ومن أصاب قليلاً وأخطأ كثيرًا ، فهو جاهل»(2). ويروى عن عبد الله بن المبارك أكّه قال: «نذا غلبت محاسن الرجل عل ى مساوئه، لم ت ذك ر المساوئ، ونذا غلبت المساوئ عن المحاسن (3)، لم ت ذك ر المحاسن»(1). ويروى عن أحمد بن حنبل أكّه قال: «لـم يعبر الجسر نلى خراسان مثل نسحاق، ونن كان يخالفنا ، في أشياء، فإنّ الناس لـم يزل يخالف بعضهم بع ضًا»(9). وقال ابن تيميّة«وِّا ينبغي أيضًا أن يعر ف: أنّ الطوائف المنت سبة نلى متبوعين - في أصول الدين والكلام - على درجات، منهم من يكون قد خالف السنّة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون نّّا خالف السنّة في أمور دقيقة. ومن يكون قد ردّ على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنّة منه، فيكون محمودًا فيما ردّه من الباطل، وقاله من الحقّ، لكن يكون قد جاوز العدل في ردّه، بحيث جحد بعض الحقّ ، وقال بعض الباطل، فيكون قد ردّ بدعة كبيرة، ببدعة أخفّ (1) جامع بيان العلم وفضله2/521. (2) جامع بيان العلم وفضله2/521. (3) كذا في المطبوع: (عن المحاسن)، والصواب: (على المحاسن (1) سير أعلام النبلاء5/335. (9) سير أعلام النبلاء11/311.
عدد الصفحات ٩٩99 منها، وردّ بالباطل (1) باطلاً بباطل أخفّ منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين نلى السنّة والجماعة. ومثل هتلاء نذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جْاعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون، كان من كوع الخط إ؛ والله يغفر للمتمنين خطأهم في مثل ذلك. ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمّة وأئمّتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ةبت في الكتاب والسنّة، بخلاف من والى م واف قه وعادى مخ ال فه، وفرّق بين جْاعة المسلمين، وكفّ ر وفسّق مخ ال فه، دون م واف قه، في مسائل الآراء ، والاجتهادات، واستحلّ قتال مخ ال فه، دون م واف قه، فهتلاء من أهل التفرّق والاختلافات»(2) . وقال ابن تيميّة أيضًا«وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفع لوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أكّه بدعة؛ نمّا لأحاديث ضعيفة، ظنّوها صحيحة، ونمّا لآيًت فهموا منها ما ل ـم يـ ر د منها، ونمّا لرأي رأوه، وفي المسألة كصوص لم تبلغهم»(3) . وقال الذهبيّ«ثمّ ننّ الكبير من أئمّة العلم نذا كثر صوابه، وع لم تحرّيه للحقّ، واتّسع علمه، وظهر ذكاؤه، وع رف صلاحه وورعه واتّباعه، ي غف ر له زلل ـه، ولا كضلّله وكطّرحه، وكنسى محاسنه. كعم، ولا كقتدي به في بدعته و خطئه، وكرجو له التوبة من ذلك»(1) . وقال الذهبيّ أيضًا«ولو أناّ كلّما أخطأ نمام، في اجتهاده، فـي آحاد الـمســـائل، خطــأ مغفورًا له، قمن ــا عليه ، وبدّعنــاه، وهجرناه، ل ما س ــلم م عنا، (1) الراجح أنّ عبارة (بالباطل) زائدة، لا داعي لها هنا (2) مجموعة الفتاوى3/211 . (3) مجموعة الفتاوى13/111. (1) سير أعلام النبلاء9/211.
عدد الصفحات ١٠٠111 لا ابن كصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق نلى الحقّ، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة»(1) . وقال الذهبيّ أيضًا«ولو أنّ كلّ من أخطأ في اجتهاده- مع صحّة نياكه، وتوخّيه لاتّباع الحقّ - أهدرناه، وبدّعناه، لقل من يسلم من الأئمّة معنا. رحم الله الجميع بمنّه وكرمه»(2) . وقال الذهبيّ أيضًا: «غلاة المعتزلة، وغلاة الشيعة، وغلاة الحنابلة، وغلاة الأشاعرة، وغلاة المرجئة، وغلاة الجهميّة، وغلاة الكرّاميّ ة، قد ماجت بهم الدكيا، وكثروا، وفيهم أذكياء وعبّاد وعلماء، كسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، وكبرأ نلى الله من الهوى والبدع، ونح بّ السنّ ة وأهلها، ونح بّ العال ـم على ما فيه من الاتّباع والصفات الحميدة، ولا نح بّ ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، ونّّا العبرة بكثرة المحاسن»(3) . وقالابن القيّم: «معرفة فضل أئمّة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأنّ فضلهم وعلمهم وكصحهم لله ورسوله لا ي وجب قبول ك لّ ما قالو ه، وما وقع في فتاويهم - من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمب لغ علمهم، والحقّ في خلافها - لا ي وجب اطّراح أقوالهم جْلة، وتنقّصهم، والوقيعة فيهم. فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا كتةّ ـم، ولا كعصم(1)؛ولا كسلك بـهم مسلك الرافضة ، فـي عليّ ، ولا مسلكهم، فـي (1) سير أعلام النبلاء11/11. (2) سير أعلام النبلاء11/316. (3) سير أعلام النبلاء21/19-16. (1) ض بطت الكلمة في المطبوع هكذا: (كـ عْصم)، والصواب: (كـ ع صّ م). فمعنَ: (لا كـ ت ةّ ـم لا كنسبهم نلى (الإةـم)، ومعنَ (لا كـ ع صّ م): لا كنسبهم نلى (العصمة).
عدد الصفحات ١٠١111 الشيخين، بل كسلك بهم مسلكهم أكفسهم، فيمن قبلهم، من الصحابة، فإنهّ م لا يتثَّونهم ولا يعصمونهم، ولا يقبلون كلّ أقوالهم، ولا يهدرونها»(1). وقالابن القيّم أيضًا: «ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أنّ الرجل الجليل - الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان - قد تكون منه الهفوة والزلّة، هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يـ تّبع فيها، ولا يجوز أن ته د ر مكاكته ونمامته ومنزلته من قلوب المسلمين»(2). (1) نعلام الموقّع9/239. (2) نعلام الموقّع9/239.
عدد الصفحات ١٠٢112 تبرئة العلماء ننّ صدور بعض الأخطاء من العلماء - في بعض تأليفاتهم - لا يدعو نلى اتهّامهم بما لم يصدر منهم، من أفكار، أو مشاعر، أو أقوال، أو أفعال. ولذلك وجبت تبرئة العلماء، ِّا لم تصحّ كسبته نليهم، صحّة قطعيّة، ونن كاكوا يخالفوككم في المذاهب. قال تعالى: ﴿ي ـــا أ يـ ه ـــا ال ذ ين آم ن ـــوا ك وك ــوا قـ و ام يــن للَّ ش ـــــه د اء با لْق سْ ــــط و لا يج ْر م ن ك مْ ش ن آن قـ وْم ع ل ى أ لا تـ عْد ل وا اعْد ل وا ه و أ قـْر ب ل لتـ قْو ى و اتـ ق وا اللَّ ن ن اللَّ خ ب يرٌ بم ا تـ عْم ل ون ﴾(1) . ومن باب أولى، وجب الحذر من كلّ ما من شأكه أن يتسبّب في كسبة الخطإ، نلى من هو بريء منه، في الواقع؛ سواء أكاكت تلك النسبة الباطلة راجعة نلى التسرّع، أم كاكت راجعة نلى التعصّب، أم كاكت راجعة نلى غيرهما. ومن هنا كاكت تبرئة العلماء - حين يستحقّون التبرئة - واجبة، كلّ الوجوب، على المستطيع من الناس. ولهذه التبرئة عدّة صور، أبرزها: 1- التبرئة اللفظيّة هي تبرئة العالم من ألفاظ سقيمة، كسبها نليه بعض أصحابه، أو بعض خصومه؛ لكنّها في الحقيقة ليست موجودة، في متلّفاته. وتبرئة العالم من تلك الألفاظ المنسوبة نليه تعن أيضًا تبرئته من المعاني المفهومة من تلك الألفاظ. ومن أمثلة ذلك: أنّ أحد المتلّفين المعاصرين كسب نلى ابن تيميّة ما لم (1) المائدة5.
عدد الصفحات ١٠٣113 يصحّ صدوره منه؛ فادّعى أكّه اتهّم ابن عبّاس، بالافتراء على النبيّ. جاء في كتاب (ابن تيميّة ومنهجه في الحديث: «عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله أكه قال: "يً أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة نلى عسفان" وهذا نلى ما يعلم أهل الـمعرفة بالحديث أكّه كذب على النبي صلى الله عليه وآله لكن هو من كلام ابن عباس افترى على رسول الله صلى الله عليه وآله. وليس بغريب من ابن تيمية أكّه يرمي ابن عباس بالافتراء على رسول الله صلى الله عليه وآله، و المعنَ نن لم يكن صحيحاً على نحو القطع، فإكّه يكن أن يكون موضوعاً على ابن عباس، أو أكّه وقع التصحيف في الحديث عن طريق الخطأ، على أنّ في سند الحديث عبد الوهاب بن مجاهد يرويه عن أبِ مجاهد(1) المفسر المعروف ويرويه أيضاً عن عطاء، وعبد الوهاب بن مجاهد لم يوةق، فكان من المناسب تضعيف الحديث لذلك، كما فعل ابن حجر العسقلاني، لا أن يتهم ابن عباس بالافتراء على الرسول صلى الله عليه وآله »(2) . هذا هو النصّ الحرفيّ، لقول المتلّف المدّعي، كما جاء في كتابه، كقلته كما هو، ولم أتصرّف فيه أدَ تصرّف. وواضح من هذا النصّ أنّ صاحبه ينسب نلى ابن تيميّة القول باتهّام ابن عبّاس، بالافتراء على النبيّ ؛ وهي- بلا ريب - كسبة تكفي قراءت ـها لتكذيبها؛ ولا سيّما من قــــرأ (كتب ابن تيميّة)، وعرف ال ـمذهب، الذي ينتمي نليه الرجل، وهو (الـمذهب الأةـريّ )، الذي لا يضاهيه مذهب، فـي القول بفضل (1) الصواب: (عن أبيه مجاهد). (2) ابن تيميّة ومنهجه في الحديث116-111.
عدد الصفحات ١٠٤111 الصحابة، وتبرئتهم من الافتـراء، ومنهم (عبد الله بن عبّاس)، بلا ريب. وقد كسب المتلّف المدّعي هذه العبارة، في الهامش ذي الرقم (1)، من الصفحة ذات الرقم ( 111)، نلى كتاب (مجموع الفتاوى، ج21، ص121 .) وبالرجوع نلى الصفحة ذات الرقم 121)، من ازء ذي الرقم ( 21)، من كتاب (مجموع الفتاوى)، نْد كصّ ابن تيميّة هكذا: «عن ابن عباس عن النبي صلى اللَّّ عليه وسلم أكه قال: "يً أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة نلى عسفان" وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أكه كذب على النبي صلى اللَّّ عليه وسلم، ولكن هو من كلام ابن عباس. أفترى رسول الله صلى اللَّّ عليه وسلم نّا حد مسافة القصر لأهل مكة دون أهل المدينة التي هي دار السنة والهجرة والنصرة ودون سائر المسلمين؟ وكيف يقول هذا وقد تواتر عنه أن أهل مكة صلوا خلفه بعرفة ومزدلف ة ومنَ، ولم يحد النبي صلى اللَّّ عليه و سلم قط السفر بمسافة لا بريد ولا غير بريد ولا حدها بزمان »(1). هذا هو النصّ الحرفيّ، لقول ابن تيميّة، كما جاء في الكتاب، كقلته كما هو، ولم أتصرّف فيه أدَ تصرّف. وواضح من قراءة هذا النصّ أكّه بريء، كلّ البراءة، من اتهّام ابن عبّاس، بالافتراء على النبيّ ؛نّ المتلّف المدّعي كتب النصّ هكذا: «لكن هو من كلام ابن عباس افترى على رسول الله صلى الله عليه وآله » . والنصّ في كتاب (مجموع الفتاوى) هكذا: «ولكن هو من كلام (1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة، طبعة مجمع الملك فهد21/121، ومجموعة الفتاوى، طبعة دار الوفاء: 21/12.
عدد الصفحات ١٠٥115 ابن عباس. أفترى رسول الله صلى اللَّّ عليه وسلم نّا حد مسافة القصر لأهل مكة دون أهل المدينة...؟». والفرق كبير بين الفعل (افـْتـ ر ى) من (الافتراء)، وبين عبارة (أ فـ تـ ر ى) المركّبة من همزة الاستفهام، والفاء العاطفة، والفعل المضارع (تـ ر ى). وواضح أيضًا أنّ كصّ المتلّف المدّعي قد اشتمل على زيًدة كلمة (على) بين كلمة (افترى) وكلمة (رسول)، فمن أين جاء بهذه الكلم ة الزائدة؟!!! واشتملت عبارة المتلّف المدّعي أيضًا، على زيًدة كلمة (نلى)، في عبارة: «وهذا نلى ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أكّه كذب». فإن أراد أحد أن يح سن الظنّ بالمتلّف المدّعي، فإكّه سيقول: ننّ المتلّف المدّعي قد اعتمد على تحريف من حرّف هذا النصّ، ووةق به؛ ولذلك لم يرجع نلى الكتاب بنفسه؛ ليتحقّق من صحّة هذه النسبة الاتهّاميّة. وقد يقول من يح سن الظنّ به: لعلّ المتلّف المدّعي من بلاد غير عربيّة؛ لذلك يكون ضعيفًا في العربيّة، نلى درجة، لا يستطيع فيها التفريق بين الفعل (افـْتـ ر ى)، وعبارة (أ فـ تـ ر ى)؛ ولا يستطيع أيضًا التفريق بين زيًدة كلمة (على)، وبين حذفها من النصّ!!! أمّا في حالة نساءة الظنّ بالمتلّف المدّعي، فإنّ المتلّف المدّعي سيكون متـّه مًا بالافتراء على ابن تيميّة، في هذه المسألة؛ بتحريف النصّ من جهتين: أ- جهة اللفظ، بزيًدة كلمة (على)، وحذف رأس همزة القطع من (أفترى)؛ لتكتب هكذا: (افترى)؛ َهيدًا لتحريف المعنَ. ب- جهة المعنى، بتفسير النصّ المحر ف تفسيرًا سقيمًا، بعد قطعه عن تتمّ ته، التي توضّح المراد منه، كلّ التوضيح.
عدد الصفحات ١٠٦116 2- التبرئة المعنويّة هي تبرئة العالم من نرادة معان سقيمة، كسبها نليه بعض أصحابه، أو بعض خصومه؛ لكنّها في الحقيقة ليست مرادة، في متلّفاته. والتبرئة المعنويّة كفيلة بالقضاء على كثير من صور (التخطئة العلميّة)، التي تتفاوت في درجاتها، أعن: التكفير، والتفسيق، والتضليل، والتبديع... نلخ. فكثيرون هم المتلّفون المتـّه مون بالابتداع والضلال؛ بسبب أنّ خصومهم فسّروا أقوالهم تفسيرات سقيمة، غير موافقة للمعاني التي قصدوها. وقد تكون تفسيرات خصومهم سليمة، تكشف عن الدلالات التي تدلّ عليها أقوال أولئك المتلّفين المتـّه مين؛ ولكنّ تلك الدلالات غير مقصودة أصلاً، والخطأ نّّا حصل في تعبير أولئك المتلّفين المتـّه مين، عن مرادهم، ف جاء خصومهم، وفهموا أقوالهم على النحو السليم، الذي تقتضيه قواعد العربيّة. ولذلك وجب على من أراد تبرئة المتلّفين المتـّه مين - من نرادة ت لك المعاني السقيمة - أن ينظر في سياق الكلام، وينظر في سائر متلّفاتهم؛ لتكون المعاني الشائعة - المطّر دة فيها - هي القرائن الدالّة على مقاصدهم الحقيقيّة. ومن قبيل التبرئة المعنويّة: أنّ العالم قد يذكر في كتابه بعض الروايًت المكذوبة؛ لتبيين حالها، وتحذير الناس من الاعتماد عليها. لكنّ بعض المتلّفين المتعصّبين يفترون عليه، فينسبون نليه تصحيح ت لك الروايًت المكذوبة، أو ي وهمون أتباعهم من الجهّال، بأكّه يصحّحها، وأكّه ما أوردها في كتابه نلاّ للاحتجاج بها. فالواجب تبرئة العالم تبرئة معنويّة، من هذه النسبة الباطلة؛ ببيان أنّ تصحيح تلك الروايًت المكذوبة لم يكن من مراده، ونّّا كان مراده من نيرادها هو التحذير من الاعتماد عليها. فالفرق كبير بين الإيراد والاعتماد؛ كأن ي ورد العالم في كتابه: رواية من
عدد الصفحات ١٠٧117 الروايًت الحديثيّة، أو رواية من الروايًت التاريخيّة، أو رأيًً من الآراء العلميّة؛ ويكون مفنّدًا لما أورده، أو متوقـّفًا فيه؛ وليس شرطًا أن يكون متيّدًا، أو معتمدًا، أو محتجًّ ا، بما أورده. ومن (المضحكات المذهبيّة) أكّك تجد كثيرًا من متلّفي (الغلاة) ي وهمون أتباعهم بأنّ الروايًت - التي يحتجّون بها؛ لإةبات عقائدهم الخاصّة - هي روايًت متّفق على تصحيحها؛ بدلالة أنّ بعض كتب المخالفين قد أوردت كثيرًا من تلك الروايًت!!! وحين تنظر في ت لك الكتب - التي يحتجّون بما فيها من روايًت - تجد أنّ أبرزها تلك الكتب المخصّصة؛ لبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة!!! فيقولون مثلاً: الحديث الفلانيّ ذكره ابن عديّ في كتابه (الكامل)، أو ذكره ابن طاهر المقدسيّ في كتابه (تذكرة الموضوعات)، أو ذكره ابن الجوزيّ في كتابه (الموضوعات)، أو ذكره ابن الجوزيّ في كتابه (العلل المتناهية)، أو ذكره ضياء الدين الموصليّ في كتابه (المغن عن الحفظ والكتاب)، أو ذكره ابن الق يّم في كتابه (المنار المنيف)، أو ذكره السيوطيّ في كتابه (اللآلئ المصنوعة)، أو ذكره ابن عراق الكناكـيّ ف ـي كتا به (تنزي ـه الشــريعة الـمرفـوعة)، أو ذكره الش ــوكاك ـيّ فـي كتابه (الفوائد الـمجموعة). والعامّة غالبًا جهّال، لا يعرفون شيئًا، عن الفرق بين الإيراد والاعتماد؛ ولا يعرفون أنّ هذه الكتب قد ألّفها أصحابها؛ للكشف عمّا يرون أكّه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة!!! فإمّا أن يكون (متلّفو الغلاة) كاذبين، مخادعين، مغالطين، يدلّسون على العامّة، وي وهمونهم بأنّ تلك الروايًت: صحيحة، معتبرة، متواترة؛ لأنّ مخالفيهم قد أوردوها في كتبهم!!!
عدد الصفحات ١٠٨118 ونمّا أن يكوكوا جاهلين، غافلين، مقلّدين، لا يعرفون بطلان ما يكتبون، فهم بمنزلة العامّة، في الجهل والغفلة، ومع ذلك تصدّوا للتأليف تقليدًا!!! ومن قبيل التبرئة المعنويّة: أن يصحّح العالم حديثًا معيـّنًا، يحتجّ به مخالفوه؛ ولكنّ تصحيحه لا يعن أكّه يصحّح التفسير، الذي اختاره مخالفوه؛ ونّّا يفسّر الحديث، على نحو آخر، مغاير لتفسيرهم؛ فلذلك لا يجوز أن ي نس ب نلى العالم المصحّح ما لم يقصده؛ فإكّه صحّح المتن، ولم يصحّح تفسير المخالفين. 3- التبرئة التطبيقيّةهي تبرئة العالم من تطبيقات سقيمة، يلتزم به ا بعض مقلّديه، أو بعض مـحبّيه؛ لكنّه في الحقيقة لم يدع نليها أحدًا، في متلّفاته. والأمثلة على هذه الحالة أكثر من أن تح صى، فكثيرة هي التطبيقات التي اخترعها الناس، واستمسكوا بها، وتعصّبوا لها، كلّ التعصّب، حتّ بلغوا درجة لا يبالون فيها أن يخالفوا علماء المذهب، الذين يعظّمونهم، ويدّعون تقليدهم. ويكفي أن تعرف أن بعض المصريّين المعاصرين - من الرجال والن ساء - ي رسلون نلى ضريح (الشافعيّ) - المتوفىّ في مصر، قبل اةن عشر قرناً - رسائل يطلبون منه فيها ما لا يجوز أن ي طل ب نلاّ من مالك الملك، الحيّ القيّوم؛ ويشتكو ن نليه من أهليهم، وجيرانهم، وظالميهم، والمعتدين عليهم (1). ولا أحد يستطيع أن يدّعي أنّ هذا التطبيق السقيم يستند نلى فتوى منسوبة نلى (الشافعيّ)، أو نلى بعض علماء المذهب الشافعيّ. فيجب كلّ الوجوب تبرئة العلماء من التطبيقات السقيمة، التي أحدةها بعض الجهّال، من العامّة، واستمسكوا بها، كما يستمسكون بالعبادات المفروضة، أو أشدّ من ذلك!!! (1) اكظر: رسائل نلى الإمام الشافعيّ311-351.
عدد الصفحات ١٠٩119 1- التبرئة المذهبيّة هي تبرئة المذهب الذي ينتسب نليه العالم، من القول السقيم، الذي لم يج م ع عليه علماء المذهب. فكما لا يصحّ أن ي نس ب القول السليم نلى مذهب معينّ، نلاّ نذا أجْع عليه علماء المذهب؛ فكذلك لا يصحّ أن ي نس ب القول السقيم نلى مذهب معينّ، نلاّ نذا أجْع عليه علماء ا لمذهب. ومثال على ذلك، في المذاهب الفقهيّة: (المذهب الحنبليّ)؛ فإنّ بعض المتلّفين - قديًا وحديثًا - ينسبون نلى هذا المذهب أقوالاً سقيمة، لم يج م ع عليها (الحنابلة)، بل هي أقوال لبعضهم. فقد يكون القول السقيم قول جْهور الحنابلة، أي: أكثرهم، أو أغلبهم، أو معظمهم. وقد يكون القول السقيم قول كثير من الحنابلة، لا قول أكثرهم. وقد يكون القول السقيم قول آحاد من الحنابلة، لا قول كثير منهم. وقد يكون القول السقيم قول واحد من الحنابلة، اكفرد به عن سائرهم. فالمتلّفون - الذين اعتمدوا على أسلوب (التعميم)، في غير محلّه - قد أخطأوا؛ لأنهّم - بذلك التعميم - كسبوا القول السقيم نلى علماء، لم يقولوا به. وليس (التعميم الباطل) محصورًا في مزاعم المخالفين، بل ي كن أن يزعم أحد العلماء المنتسبين نلى مذهب معينّ: أنّ علماء مذهبه قد أجْعوا كلّهم على القول الذي اختاره وارتضاه؛ ويكون الإجْاع المزعوم غير واقع في الحقيقة!!! ولذلك تجب التبرئة المذهبيّة من مزاعم الموافقين، كما تجب التبرئة المذهبيّة من مزاعم المخالفين؛ من أجل تبرئة العلماء، الذين لم يقولوا بالقول السقيم. وليست التبرئة المذهبيّة محصورة، في المذاهب الفقهيّة، والمذاهب الع ق ديّ ة، بل تشمل (المذاهب العلميّة) أيضًا؛ فلا ي قال: أجْع علماء القراءات، ولا أجْ ع علماء التفسير، ولا أجْع علماء الحديث، ولا أجْع علماء الأصول، ولا أجْع
عدد الصفحات ١١٠111 علماء الأخلاق، ولا أجْع علماء التاريخ، نلاّ نذا كان الإجْاع حاصلاً في الواقع، بحيث ينتفي المخالف، ولو كان ف ردًا واحدًا. وكذلك لا يجوز أن ي قال: أجْعت الأمّة، أو أجْع علماء الأمّة؛ نلاّ عند اكتفاء المخالف، ولو كان واحدًا. وقبيح بمدّعي الإجْاع أن ي قصي المخالفين؛ تعصّبًا، أو احتقارًا، أو تكفيرًا؛ فإنّ من أقصى غير ه، أقصاه غير ه. ومثل المذاهب المنسوبة نلى (الإسلام) - في هذا المقام - كمثل المذاهب المنسوبة نلى (علم النحو). فثمّة فرق كبير بين أن ي قال: هذا قول النحويّين البصريّين؛ وبين أن ي قال: هذا قول جْهور النحويّين البصريّين؛ أو ي قال: هذا قول كثير من النحويّين البصريّين؛ أو ي قال: هذا قول آحاد من النحويّين البصريّين؛ أو ي قال: هذا قول أحد النحويّين البصريّين.
عدد الصفحات ١١١111 الصورة التطبيقيّة وهي منسوبة نلى التطبيق، وهو لفظ يشير نلى تطبيقات المنسوبين نلى الإسلام، من الأفراد، والجماعات، في الاعتقادات، والأعمال، والأخلاق. والمنسوبون نلى الإسلام ليسوا بمعصومين، فقد ي صيبون نذا كاكت تطبيقاتهم موافقة للصورة التنزيليّة، وقد يخ طئون نذا كاكت تطبيقاتهم مخالفة للص ورة التنزيليّة. ومن أجرم منهم، فجريته تخصّه هو، ولا ي كن أن تتعدّى نلى غيره، من الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء والمعارف، فضلاً عن أن ت نس ب نلى الدين، الذي ي نس ب نليه المجرم. فلا أحد ي نكر أنّ بعض المنسوبين نلى الإسلام - قديًا وحديثًا - مجرمون ، فمنهم القاتل والزاني والسارق ؛ ولكن ليس من العدل أن ت نس ب جرائم المج رمين نلى الدين، الذي ي نس بون نليه، ولا سيّما حين نْد في أحكام الدين ما ينهى عن هذه الجرائم، صراحة. قال تعالى: ﴿و لا تـ قْر ب وا الزّ َ ن ك ه ك ان ف اح ش ةً و س اء س ب ي لاً. و لا تـ قْتـ ل وا النـ فْس ال تي ح ر م اللَّ ن لا با لحْ قّ و م نْ ق ت ل م ظْل ومًا فـ ق دْ ج ع لْن ا ل و ل يّ ه س لْط اناً ف لا ي سْر فْ في الْق تْل ن ك ه ك ان م نْص ورًا﴾(1) . ننّ(المنسوبين) نلى (الإسلام) اليوم أكثر من (مليار نكسان)، ولا يج مع هتلاء (المنسوبين)، نلاّ أمر واحد، هو تلك التسمية الاصطلاحيّة: (المسلم)، أو (المسلمون)؛ وهي تسمية موهمة، كلّ الإيهام، انحرف بها الناس عن الأصل الصحيح الذي و ضعت للدلالة عليه، أعن: (الأصل الشرعيّ). (1) الإسراء 32-33.
عدد الصفحات ١١٢112 وما زال أعداء الإسلام - من الطاعنين فيه - يتّخذون من هذه التسمية الاصطلاحيّة ذريعة للطعن في الإسلام؛ لأنهّ م يزعمون أنّ المنسوبين نلى الإسلام هم التطبيق الواقعيّ للإسلام، فإذا أجرم بعض المنسوبين، فمصدر نجرامهم هو دينهم، الذي نليه ي نس بون!!! وواضح - كلّ الوضوح - بطلان هذه الذريعة؛ فإنّ العمل بمقتضاها يعن أنّ جرائم المنسوبين نلى اليهوديّة يجب أن ت نس ب نلى اليهوديّة، وجرائم المنسوبين نلى المسيحيّة يجب أن ت نس ب نلى المسيحيّة؛ وبهذا لا ينجو دين من المطاعن؛ فكيف يطعن الطاعنون في الإسلام، بسلاح يوجّهوكه نلى أديًنهم، التي نليها ي نس بون؟!!! ننّ كلمة (المسلم) ت طل ق على عدّة أقسام من المنسوبين نلى (الإسلام)، أبرزها: 1- المنسوب نلى الإسلام، كسبة مثاليّ ة، وهذه حال الرسل والأكبياء، ومنهم : نبراهيم . قال تعالى: ﴿م ا ك ان ن بـْر اه يم يـ ه ود و لا ك صْر اك يًّا و ل ك نْ ك ان ح ن يفًا م سْل مًا و م ا ك ان م ن الْم شْر ك ين ﴾(1) . 2- المنسوب نلى الإسلام، كسبة واقعيّة، وهذه حال الصالحين، من الذين يكثر صوابهم، ويقلّ خطتهم ؛ ونذا أخطأوا ، سارعوا نلى التوبة ، وأبرزهم: السابقو ن الأوّلون، من المهاجر ين والأكصار، والذين اتّبعوهم بِحسان. قال تعالى: ﴿و ج اه د وا في اللَّ ح ق ج ه اد ه ه و اجْتـ ب اك مْ و م ا ج ع ل ع ل يْ ك مْ في الدّ ين م نْ ح ر ج م ل ة أ ب يك مْ ن بـْر اه يم ه و سم اك م الْم سْل م ين م نْ قـ بْل و في ه ذ ا ل ي ك ون (1) آل عمران 61.
عدد الصفحات ١١٣113 الرس ول ش ه يدًا ع ل يْك مْ و ت ك وك وا ش ه د اء ع ل ى الن اس ف أ ق يم وا الص لا ة و آت وا الز ك اة و اعْت ص م وا با للَّ ه و م وْلا ك مْ ف ن عْم الْم وْلى و ك عْم الن ص ير ﴾ (1) . 3- المنسوب نلى الإسلام، كسبة ظاهريّة، وهذه حال المنافقين، الذين هم في الباطن أعداء للدين، فإسلامهم في الظاهر، وقلوبهم خاوية، لا نيان فيها. قال تعالى: ﴿ق ال ت الأْ عْر اب آم ن ا ق لْ ل ـمْ تـ تْم ن وا و ل ك نْ ق ول وا أ سْل مْن ا و ل م ا ي دْخ ل الإْ ي ان في قـ ل وب ك مْ و ن نْ ت ط يع وا اللَّ و ر س ول ه لا ي ل تْك مْ م نْ أ عْم ال ك مْ ش يـْئًا ن ن اللَّ غ ف ورٌ ر ح يمٌ﴾ (2) . قالأبو عبد الله القرطبيّ « :وبالجملة؛ فالآية خاصّ ة لبعض الأعراب ؛ لأنّ منهم من يتمن بالله، واليوم الآخر، كما وصف الله تعالى. ومعنَ ﴿و ل ك نْ ق ول وا أ سْل مْن ا﴾(3)، أي: استسلمنا؛ خوف القتل والسبي، وهذه صفة المنافقين؛ لأنهّ م أسلموا في ظاهر نيانهم، ولم تتمن قلوبهم، وحقيقة الإيان التصديق بالقلب. وأمّ ا الإسلام، فقبول ما أتى به النبيّ ، في الظاهر، وذلك يحقن الدم»(1) . وقال ابن عاشور«فهتلاء الأعراب ، لـمّ ا جاءوا مظهرين الإسلام - وكاكت قلوبهم غير مطمئنّ ة لعقائد الإيان؛ لأنهّ م حديثو عهد به - كذّ بهم الله في قولهم: آمنّ ا؛ ليعلموا أنهّ م لم يخف باطنهم على الله، وأكّ ه لا ي عتدّ بالإسلام، نلاّ نذا قاركه الإيان، فلا ي غن أحدهما، بدون الآخر، فالإيان بدون نسلام: عناد، والإسلام بدون نيان: كفاق، ويجمعهما طاعة الله ورسوله »(9). (1) اجّ: 15. (2) الحجرات 11. (3) الحجرات 11. (1) الجامع لأحكام القرآن 13/121. (9) تفسير التحرير والتنوير 26/261.
عدد الصفحات ١١٤