المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حقائق مهجورة

برهان الدين القاضي

صفحة ٦ من ٣٠

82 الإسلام لا يحتاج نلى دليل على هذا؛ لأكّه يتمن بأنّ القرآن معجز للبشر، بأسلوبه، وكظمه العربِّ المنزّل، كما أكّه معجز بهدايته ونصلاحه للبشر، وقد تحدّى النبيّ  العرب بهذا الإعجاز، وتحدّى المسلمون به من بعدهم، فثبت عجز الجميع عن الإتيان بمثله، وصدق قوله : ﴿ق لْ ل ئ ن اجْت م ع ت الإْ كْس و الجْ ن ع ل ى أ نْ يأ ْت و ا بم ثْل ه ذ ا الْق رْآن لا يأ ْت ون بم ثْل ه و ل وْ ك ان بـ عْض ه مْ ل بـ عْ ض ظ ه يرًا﴾ (1). والترجْة لا تكون صحيحة، نلاّ نذا كاكت مثل الأصل، فالآية كصّ قطعيّ على عجز الإكس والجنّ عن الإتيان بمثله، ولو كان بعضهم عوناً ومساعدًا لبعض، فكيف ي كن أن يأتي بمثله فرد ، أو جْاعة؟!...»(2). (1) الإسراء 55 . (2) تفسير القرآن الحكيم 3/316-311.

عدد الصفحات ٨٣

83 الدليل العمليّ على تلك الفروق وأكبر دليل عمليّ - على تنبّه المتلّفين القدامى على تلك الفروق - هو اختلافهم، في كثير من المباحث التأليفيّة. ومن أمثلة ذلك: 1- الاختلاف في بعض القراءات قال الطبريّ: «واختلف الق ر أة في قراءة ذلك، فقرأته عامّ ة الق ر أة: ﴿و ض ع تْ﴾ (1)، خبرًا من  عن كفسه أكّه العالم بما وضعت من غير قيلها: ﴿ر بّ ن نيّ و ض عْتـ ه ا أ كـْث ى﴾ (2). وقرأ ذلك بعض المتقدّمين: "والله أعلمبما و ضعت " على وجه الخبر بذلك عن أمّ مريم أنهّا هي القائلة: والله أعلم بما ولدت ، منّ. وأولى القراءتين بالصواب ما كقلته الحجّة مستفيضة فيها قراءته ب ينها، لا يتدافعون صحّتها، وذلك قراءة من قرأ: ﴿واللَّ أ عْل م بم ا و ض ع تْ﴾ (3). ولا يعترض بالشاذّ عنها عليها»(1) . وقال الطبريّ أيضًا «اختلفت القر أة في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قـ ر أة الكوفة: ﴿و م ا يـ فْع ل وا م نْ خ يرْ فـ ل نْ ي كْف ر وه ﴾(9) بالياء جْيعًا، ردًّا على صفة القوم الذين وصفهم - جلّ ةناؤه - بأنهّم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. وقرأته عامّة قـ ر أة المدينة والحجاز وبعض قـ ر أة الكوفة بالتاء، في الحرفين جْ يعًا: "وما تفعلوا من خير فلن تكفرو ه". بمعنَ: وما تفعلوا أكتم أيّها المتمنون من خير، فلن يكفركموه (1) آل عمران 36. (2) آل عمران 36. (3) آل عمران 36. (1) جامع البيان9/336. (9) آل عمران 119.

عدد الصفحات ٨٤

81 ربّكم. وكان بعض قـر أة البصرة يرى القراءتين في ذلك جائزًا بالياء والتاء في الحرفين. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿و م ا يـ فْع ل وا م نْ خ يرْ فـ ل نْ ي كْف ر وه ﴾(1) بالياء في الحرفين كليهما، يعن بذلك الخبر عن الأمّة القائمة، التالية آيًت الله. ونّّا اخترنا ذلك؛ لأنّ ما قبل هذه الآية من الآيًت خبر عنهم، فإلحاق هذه الآية - نذ كان لا دلالة فيها تدلّ على الاكصراف عن صفتهم - بمعاني الآيًت قبلها: أولى من صرفها عن معاني ما قبلها »(2) . وقال الطبريّ أيضًا «وأمّا قراءة من قرأ ذلك: "وعلى الذين ي طو قوكه"، فقراءة لمصاحف أهل الإسلام خلاف، وغير جائز لأحد من أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما كقله المسلمون ، وراةة عن كبيّهم ، كقلاً ظاهرًا قاطعًا للعذر؛ لأنّ ما جاءت به الحجّة من الدين هو الحقّ الذي لا شكّ فيه أكّه م ن عند الله، ولا ي عترض على ما قد ةبت، وقامت به حجّة أكّه من عند الله، بالآراء والظنون والأقوال الشاذّة»(3) . وقـال الطبـريّ أيضًا: «وقــد قــرأ ج ـماعة مــن الـمتقدّميـن: "لا يفــرّ ق بيـن أحد من رس ــله" بالياء، ... والقراءة الت ـي لا كســتجيــز غيـرهــا، فـي ذلك عندنا بالنـــون: ﴿لا ك ــف ــرّ ق بـ يْ ــن أ ح ــــد م ــنْ ر س ـــل ـه ﴾(1)؛ لأكّـهـا الق ـــراءة، التـي ق ــامــت حجّتـها، بالنقل ال ـمستفيض، الذي ي ـمتنع معه التشاع ر، والتواطت، والسهو، والغلــط، بـمعنـى مــــا وصفنــا، مــــن: "يقولــون لا كفــرّق بيـن أحـــد مــن رســـله". (1) آل عمران 119. (2) جامع البيان9/111-111. (3) جامع البيان3/151. (1) البقرة 259.

عدد الصفحات ٨٥

85 و ي عترض بشاذّ من القراءة، على ما جاءت به الحجّة، كقلاً ، ووراةة »(1) . وقال الطبريّ أيضًا«وأمّا القراءة التي حكيت عن الحسن، فقراءة - عن قراءة الحجّة من الق ر أة - شاذّة، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلاً على بعدها من الصواب»(2) . وقال ابن عطيّة «وقرأ جْهور الناس: ﴿تـ ت ب ع ون ﴾(3) على المخاطبة، وقرأ النخعيّ، ونبراهيم، وابن وثاّب: "نن يتّبعوا"، بالياء، حكاية عنهم. قال القاضي أبو محمّد : وهذه قراءة شاذّة، يضعّفها قوله: ﴿و ن نْ أ كـْت مْ﴾(1)»...(9). وقالأبو عبد الله القرطبيّ: «وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعيّ: "ولكم في الق ص ص حياة". قال النحّاس: قراءة أبِ الجوزاء شاذّة. قال غيره: يحتمل أن يكون مصدرًا كالقصاص. وقيل: أراد بالقصص القرآن، أي: لكم في كتاب اللَّّ - الذي شرع فيه القصاص - حياة، أي: نْاة»(6) . وقالأبو عبد الله القرطبيّ أيضًا: «قوله تعالى: ﴿و ل ـمْ تج د وا ك ات بًا﴾(1)، قرأ الجمهور: ﴿ك ات بًا﴾ بمعنَ: رجل يكتب. وقرأ ابن عبّ اس وأ بِّ ومجاهد والضحّاك وعكرمة وأبو العالية: "ول ـم تجدوا كتاباً". قال أبو بكر الأكباريّ: فسّره مجاهد، فقال: معناه: فإن لم تجدوا مدادًا، يعن في الأسفار. ور وي عن ابن عبّاس: "ك تّاباً". (1) جامعالبيان: 9/191-191. (2) جامع البيان3/33. (3) الأكعام115. (1) الأكعام115. (9) المحرّر الوجيز2/361. (6) الجامع لأحكام القرآن 3/31. (1) البقرة 253.

عدد الصفحات ٨٦

86 قال النحّاس: هذه القراءة شاذّة، والعامّة على خلافها، وقلّما يخرج شيء عن قراءة العامّة، نلاّ وفيه مطعن، وكسق الكلام على "كات ب"؛ قال الله  قبل هذا ﴿و لْي كْت بْ بـ يـْن ك مْ ك ات بٌ با لْع دْل ﴾ (1)، و"ك تّاب" يقتضي جْاعة»(2) . وقالأبو عبد الله القرطبيّ أيضًا: «وقرأ عروة بن الزب : "و نادى كوح ابنها" ، ي ريد : ابن امرأته، وهي تفسير القراءة المتقدّمة عنه، وعن عليّ ، وهي حجّة للحسن ومجاهد؛ نلاّ أنهّا قراءة شاذّة، فلا كترك المتّفق عليها لها »(3) . وقالأبو عبد الله القرطبيّ أيضًا: «وروى عصمة عن الأعمش: "وق مْ رًا" بضمّ القاف ، ونسكان الـميم؛ وهذه قراءة ش ـــاذّة، ولو لــم يكن فيها، نلاّ أنّ أحـمد بن حنبل - وهو نمام الـمسلمين، فـي وقته - قال: لا تكتبوا مــا يـحكيه عصمة، الذي يروي القراءات . وقد أ ولـــع أبو حاتـــم السجستاكـيّ ، بذكر ما يرويه عصمة هذا»(1). 2- الاختلاف بعض التفسراات: قال ابن الجوزيّ: «اختلف العلماء في المراد باستهزاء الله بهم على تسعة أقوال: أحدها أكّه ي فت ح لهم باب من الجنّة، وهم في النار، في سرعون نليه، في غل ق، ثمّ ي فت ح لهم باب آخر، في سرعون ، في غل ق، فيضحك منهم المتمنون، ر وي عن ابن عبّاس. والثاني أكّه نذا كان يوم القيامة، جْدت النار لهم، كما تجمد الإهالة، في القدر ، فيمشون، فتنخسف بهم، ر وي عن الحسن البصريّ. والثالث أنّ الاستهزاء بهم ، نذا ض رب بينهم وبين المتمنين بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة ، (1) البقرة 253. (2) الجامع لأحكام القرآن 1/169. (3) الجامع لأحكام القرآن 11/131. (1) الجامع لأحكامالقرآن: 19/161.

عدد الصفحات ٨٧

87 وظاهره من قبله العذاب، فيبقون في الظلمة، في قال لهم: ﴿ارْج ع و ا و ر اء ك مْ ف الْت م س وا ك ورًا﴾(1)، قاله مقاتل. والرابع أنّ المراد به: يجازيهم على استهزائهم ، فقوبل اللفظ بمثله لفظًا، ونن خالفه معنَ، فهو كقوله تعالى: ﴿و ج ز اء س يّ ئ ة س يّ ئ ةٌ م ثـْل ه ا﴾(2)، وقوله: ﴿ف م ن اعْت د ى ع ل يْك مْ ف اعْت د وا ع ل يْه بم ثْل م ا اعْت د ى ع ل يْك مْ﴾(3)، وقال عمرو بن كلثوم: ألا لا ي ـجــــهـل ــنْ أحــــــــــــدٌ عـلـيـنـــا فـن جـهــــل فــــوق جهـــــل الـجاه لينــا أراد: فنعاقبه بأغل ظ من عقوبته. والخامس أنّ الاستهزاء من الله التخطئة لهم، والتجهيل، فمعناه: الله يخطّئ فعلهم، ويـجهّلهم فـي الإقامة على كفرهم. والسادس أنّ استهزاءه: استدراجه نيًّهم. والسابع: أكّه نيقاع استهزائهم بهم، وردّ خداعهم ومكرهم عليهم. ذك ــــر هذه الأقوال مـحمّد بن القاسم الأكباريّ. والثامن: أنّ الاستهزاء بهم أن ي قال لأحدهم في النار، وهو في غاية الذلّ: ﴿ذ قْ ن ك ك أ كْت الْع ز يز الْك ر يم ﴾(1)، ذكره ش ـــيخنا فـي كتابه. والتاسع: أكّه لـمّا أظهروا من أحكام نسلامهم - فـي الدكيا - خلاف ما أ بطن لـهـم، فـي الآخرة، كان كالاس ـــتهز اء بهم»(9). 3- الاختلاف في بعض الأحاديث حين يصحّح بعض المتلّفين حديثًا معيـّنً ا، ويضعّفه آخرون؛ فإنّ اختلافهم هذا دليل عمليّ على تنبّههم على الفرق بين السنّة النبويّة ، والحديث المنسوب (1) الحديد13. (2) الشورى 11. (3) البقرة 131. (1) الدخان13. (9) زاد المس 1/39-36.

عدد الصفحات ٨٨

88 نلى النبيّ ، فلا يتصوّر أنّ بعض قدامى المتلّفين يرفض السنّة النبويّة، ونّّ ا هو بتضعيفه للحديث ي نكر صحّة كسبة ذلك الحديث نلى السنّة النبويّة. قال ابن تيميّة: «وأمّا تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا ِّا أككره عليه أئمّة العلم بالحديث ، وقالوا: ننّ الحاكم يصحّح أحاديث ، وهي موضوعة مكذوبة ، عند أهل المعرفة بالحديث، كما صحّح حديث زريب بن برثَلي، الذي فيه ذكر وصيّ المسيح، وهو كذب باتّفاق أهل المعرفة، كما بينّ ذلك البيهقيّ وابن الجوزيّ وغيرهما، وكذا أحاديث كثيرة في مستدركه، يصحّحها، وهي - عند أئمّة أهل العلم بالحديث - موضوعة، ومنها ما يكون موقوفًا يرفعه. ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يع تمدون على مجرّد تصحيح الحاكم، ونن كان غالب ما يصحّحه، فهو صحيح، لكن هو في المصحّحين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، ونن كان الصواب أغلب عليه. وليس فيمن يصحّح الحديث أضعف من تصحيحه»(1) . 1- الاختلاف في بعض الآراء العق ديّة: قال ابن تيميّة: «وقول من يقول: ننّالروح بمفردها لا ت نع م و لا ت عذ ب، ونّّا الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام، من المعتزلة، وأصحاب أبِ الحسن الأشعريّ ، كالقاضي أبِ بكر، وغيرهم؛ وي نكرون أنّ الروح تبقى بعد فراق البدن، وهذا قول باطل، خالفه الأستاذ أبو المعالي الجوينّ و غيره..».(2) . وقال ابن تيميّة أيضًا«وقد ذكر جْاعة من المنتسبين نلى السنّة: أنّ الأكبياء وصالح البشر أفضل من الملائكة. وذهبت المعتزلة نلى تفضيل الملائكة على البشر، (1) مجموعة الفتاوى1/152-153. (2) مجموعة الفتاوى1/111.

عدد الصفحات ٨٩

89 وأتباع الأشعريّ على قولين: منهم من يفضّل الأكبياء والأولياء، ومنهم من يقف، ولا يقطع فيهما بشيء. و ح كي عن بعض متأخّريهم أكّه مال نلى قول المعتزلة، وربمّا ح كي ذلك عن بعض من يدّعي السنّة ويواليها»(1) . 5- الاختلاف في بعض الآراء الأصوليّة قال الزركشيّ: «مسألة: في جواز تعليل الشيء - جهميع أوصافه - خلاف، حكاه ابن فورك، والقاضي عبد الوهاب في الملخّص، مبنّ على أنّ شرط العلّة التعدّي، فمن شرطه منعها هنا، ومن جوّزه اختلفوا على قولين: أحدهما لا يصحّ؛ لأنّ حقّ العلّة التأةير، ولا بدّ أن يكون المتةّر بعض الأوصاف، دون بعض؛ فتعليله جهميعها لا يصحّ، فلو اتّفق أنّ جْيعها متةّرة، جاز. والثاني يصحّ؛ لأنّ أكثر ما فيه ألاّ يتعدّى، وذلك لا ينع صحّتها»(2) . 6- الاختلاف في بعض الآراء الفقهيّة قال ابن المنذر: «اختلف أهل العلم فيمن بدّل ماشية له قبل الحول، بماشية لآخر؛ فرارًا من الصدقة. فكان الشافعيّ، وأبو ةور، وأصحاب الرأي يقولون: لا زكاة على كلّ واحد منهما، فيما قبض من صاحبه، حتّ يحول على ما اشترى حول، من يوم اشتراه. وقال الثوريّ كذلك، غير أكّه لم يذكر الفرار من الصدقة. وكان مالك، والأوزاعيّ، وعبد الملك، وأحمد، ونسحاق، وأبو عبيد يرون في ذلك الزكاة، نذا كان فرارًا من الصدقة»(3) . (1) مجموعة الفتاوى1/215. (2) البحر المحيط في أصول الفقه9/111. (3) الإشراف على مذاهب العل ماء: 3/21.

عدد الصفحات ٩٠

91 7- الاختلاف في بعض الآراء الخخلخ قيّة: قال أبو حامد الغزاليّ: «اعلم أنّ الناس اختلفوا في ذلك، فقال قائلون الصمت(1) أفضل من الشكر، وقال آخرون: الشكر أفضل، وقال آخرون: هما سيّان، وقال آخرون: يختلف ذلك باختلاف الأحوال؛ واستدلّ كلّ فريق بكلام شديد الاضطراب، بعيد عن التحصيل؛ فلا معنَ للتطويل بالنقل، بل المبادرة نلى نظهار الحقّ أولى، فنقول...»(2) . فهذه الأمثلة المختارة ، وغيرها أكثر منها، بأضعاف مضاعفة، تدلّ دلا لة واضحة، لا ريب فيها، على أنّ المتلّفين القدامى، كاكوا متّفقين على وجود فروق كبيرة، بين الحقائق الإسلاميّة، والمباحث التأليفيّة، ولكنّهم كاكوا يختلفون في التعيين والتحديد. وليس يعنينا من سرد هذه النصوص تصويب بعضها، و لا تخطئة ما خالفها، ولا ترجيح بعضها على بعض؛ لأنّ الغرض - من سردها - ليس بيان وج ه الصواب فيها، بل الاستدلال بها على وجود الاختلاف، الذي يعن بوضوح أنّ المختلفين، كاكوا متنبّهين، على الفروق بين الحقائق الإسلاميّة، والمباحث التأليفيّة. (1) في المطبوع: (الصمت)، والصواب: (الص (2) نحياء علوم الدين1151.

عدد الصفحات ٩١

91 أسباب أخطاء المؤلّفين لأخطاء المتلّفين ةلاةة أسباب، هي: الجهل، والهوى، والخوف. فالجهل يحمل صاحبه على نكتاج تأليف سقيم، وهو يجهل أنّ التأليف الذي أكتجه سقيم؛ كما يحمله الجهل على الاعتماد على المصدر الس قيم، وهو يجهل أنّ المصدر الذي اعتمد عليه سقيم. والجهل وصف ك سبيّ، لا يكاد يخلو منه بشر، والمتلّفون مهما بلغوا من العلم، فإنّ اتّصافهم بالجهل - في بعض أحوالهم وأحيانهم - أمر لا ر يب فيه. والهوى يحمل صاحبه على نكتاج تأليف سقيم، وهو يعلم أنّ التأليف الذي أكتجه سقيم؛ لأنّ هواه يوافق ما أكتجه من تأليف؛ كما يحمله الهوى على الاعتماد على المصدر السقيم، وهو يعلم أنّ المصدر الذي اعتمد عليه سقيم؛ لأنّ هواه يوافق ما اعتمد عليه من تأليف. والهوى وصف موجود - بلا ريب - في بعض المتلّفين المنسوبين نلى الإسلام؛ لكنّ الحكم القاطع - بتعيين ذلك في آحادهم - أمر غير ِكن. والخوف يحمل صاحبه على نكتاج تأليف سقيم، وهو يعلم أنّ التأليف الذي أكتجه سقيم؛ لأكّه يخاف بطش أهل الأهواء، وأهل الجهالات، فيوافقهم فيما يرضوكه من التأليف السقيم؛ كما يحمله الخوف على الاعتماد على المصدر السقيم، وهو يعلم أنّ المصدر الذي اعتمد عليه سقيم؛ لأكّه يخاف بطش أهل الأهواء، وأهل الجهالات، نن أعرض عمّا اعتمدوا عليه. والخوف وصف موجود - بلا ريب - في بعض المتلّفين، المنسوبين نلى الإسلام؛ لكنّ الحكم القاطع - بتعيين ذلك في آحادهم - أمر غير ِكن. ويشمل التأليف السقيم:

عدد الصفحات ٩٢

92 1- نكتاج قراءات سقيمة، مخالفة للقرآن الكر 2- نكتاج تفسيرات سقيمة، مخالفة للقرآن الكر 3- نكتاج أحاديث سقيمة، مخالفة للسنّة النبويّة 1- نكتاج شروح سقيمة، مخالفة للسنّة النبويّة 5- نكتاج روايًت سقيمة، مخالفة للحقائق الإسلاميّة 6- نكتاج آراء سق يمة، مخالفة للحقائق الإسلاميّة. 7- نكتاج أخبار سقيمة، مخالفة للواقع الإسلاميّ مخثلَّث الأخطاء: والأخطاء التي ي نتجها المتلّفون المخطئون ذات ةلاةة أضلاع، هي: أ- الخطأ في التفكرا: هو أن ي نتج المتلّف المخطئ فكرة سقيمة. ب- الخطأ في التعبرا: هو أن ي نتج المت لّف المخطئ عبارة سقيمة، للتعبير عن فكرة معيّنة، سواء أكاكت تلك الفكرة سليمة، أم سقيمة. ج- الخطأ في التفسرا: هو أن ي نتج المتلّف المخطئ تفسيرًا سقيمًا، بعد أن يطّلع على تعبير متلّف آخر، فيخطئ في تفسير ذلك التعبير، ويدّعي أنّ التفسير الذي أكتجه هو التفسير السليم المناسب لذلك التعبير. وباجتماع هذه الأضلاع الثلاةة يتركّب (م ثل ث الأخطاء)، الذي امتلأت بأضلاعه الثلاةة كتب المتلّفين من القدامى والمحدةين، ولا سيّما الكتب الع ق ديّة. ولذلك كان واجبًا على من أراد القضاء على الاختلاف بين المتلّفين المنتسبين نلى (الإسلام) أن ي عنَ عناية كبيرة، بالكشف عن (م ثل ث الأخطاء)، في (كتب المختلفين)، والتمييز بين أضلاعه الثلاةة؛ لأنّ لكلّ ضلع منها علاجًا شافيًا خاصًّا به، يناسبه، ولا يناسب غيره من الأضلاع.

عدد الصفحات ٩٣

93 عبيد التقليد يقوم التقليد الأعمى على ةلاةة أصناف رئيسة من الناس: الأوّل- الـمخ نت ـج: الذي أكتج الرأي السقيم. وهو ةلاةة أصناف: 1- الـمخ ؤسّ س: الذي أسّس الرأي السقيم بصورته البدائيّة. 2- الـمخ طوّ ر: الذي طوّر الرأي السقيم نلى صورته النهائيّة. 3- الـمخ قرّ ر: الذي قرّر الرأي السقيم، بالاستدلال عليه، والمنافحة عنه. الثاني- الـمخ تقبّ ل: الذي تقبّل الرأي السقيم. وهو ةلاةة أصناف: 1- الـجاهل: الذي تقبّل الرأي السقيم؛ لأكّه جهل بطلاكه، فوافق المنتجين. 2- الفاسق الذي تقبّل الرأي السقيم؛ لأكّه وافق هواه، فوافق المنتجين. 3- الـخاائف: الذي تقبّل الرأي السقيم؛ لأكّه ضعف وخاف، فوافق المنتجين. الثالث- الـمخ قلّ د: الذي قلّد أسلافه، فيما ورةه عنهم ، من آراء المنتجين. وللمقلّ د ةلاث درجات رئيسة بارزة: 1- الـمخ قلّ د الجاهل. 2- الـمخ قلّ د المتعلّم. 3- الـمخ قلّ د العال ـم. وقد يستغرب كثيرون من وصف (العال ـم) بالتقليد؛ فكيف يكون عال ـمًا، ويكون مقلّ دًا في الوقت كفسه؟!!! والجواب: ننّ أكثر علماء الأديًن والمذاهب، قديًا وحديثًا، سواء أكاكوا من المنسوبين نلى (الإسلام)، أم من المنسوبين نلى غيره: هم في الحقيقة مقلّ دون، كشأوا مقلّ دين، وكبروا مقلّ دين، وظلّوا مقلّ دين، وماتوا مقلّ دين.

عدد الصفحات ٩٤

91 فالعالـم - الذي تراه اليوم شيخًا كبيرًا - كان في زمن من الأزمان طف لاً صغيرًا، لا يعلم شيئًا عن الأديًن والمذاهب. قال تعالى: ﴿و اللَّ أ خْر ج ك مْ م نْ ب ط ون أ م ه ات ك مْ لا تـ عْل م ون ش يـْئً ا و ج ع ل ل ك م الس مْع و الأْ بْص ار و الأْ فْئ د ة ل ع ل ك مْ ت شْك ر ون ﴾(1). وح بلغ ذلك الطفل عمرًا، يتهّله لتلقّي الاعتقادات، بدأ بتقليد أبويه، أو من يقوم مقامهما؛ ثمّ أرسله أهله؛ ليتعلّم في المدارس الدينيّة، أو المدارس المذهبيّة؛ فكان مقلّ دًا لمعلّميه، الذين هم - في الحقيقة - مقلّ دون لأسلافهم، من الأهل والمعلّمين؛ فتحوّل ذلك الطفل، من درجة ( الـجاهل الـمقلّ د) نلى درجة (الـمتعلّم الـمقلّ د). ثمّ تحوّل - بعد سنوات من التعلّم - نلى درجة (العال ـم المقلّ د)؛ لأنّ نيقاكه بموروثاته: كان نيقاناً عاطفيًّا، وجداكيًّا، قائمًا على (الإلف)؛ وليس نيقاناً علميًّا، عقلاكيًّا، قائمًا على (البرهان)؛ ولذلك جعله هذا (الإلف الطاغي) أسيرً ا من (أسرى التقليد )، لا يستطيع الخروج من (سجن التقليد)، نلى (ساحة الأحرار)، نلاّ نذا تخلّص من ذلك (الإلف الطاغي). وأبرز الفروق - بين الجاهل المقلّ د والمتعلّم المقلّ د والعالـم المقلّ د - ةلاةة: الأوّل- (الجاهل المقلّ د): يقلّد أسلافه في (الآراء) فقط؛ لأكّه لا يستطيع أن يعرف - عمومًا - ما وراء ذلك، من (أدلّة الآراء)، و(أصول الأدلّة). الثاني- (المتعلّم المقلّ د): يقلّد أسلافه في (الآراء)، وفي (أدلّة الآراء) فقط؛ لأكّه يستطيع بتعلّمه أن يعرف الأدلّة، التي يستدلّ بها أسلافه على آرائهم؛ و لكنّ تعلّمه لا يكفيه - عمومًا - لمعرفة (أصول الأدلّة). (1) النحل15.

عدد الصفحات ٩٥

95 الثالث- (العالـم المقلّ د): يقلّد أسلافه في (الآراء)، وفي (أدلّة الآراء)، ويقلّدهم أيضًا في (أصول الأدلّة)؛ لأكّه بلغ من العلم مبلغًا، مكّنه من الإحاطة بالأصو ل التي اعتمد عليها أسلافه، في تصحيح الأدلّة وتضعيفها. و(العالـم المقلّ د) صنفان: 1- عال ـم مقلّ د لم يكفه علمه؛ لمعرفة بطلان آراء أسلافه، وبطلان أدلّتها، وبطلان أصول أدلّتها؛ فنشأ مقلّ دًا، وظلّ مقلّ دًا، ومات مقلّ دًا؛ وهو - في الحقيقة - لا يستحقّ وصف (العال ـم)، ونن سمّاه الناس عالـمًا؛ فلا خير في علم لا يكفي صاحبه؛ للتمييز بين الحقّ والباطل. 2- عال ـم مقلّ د، بلغ من العلم مبلغًا، مكّنه من الإيقان ببطلان آراء أسلافه، وبطلان أدلّتها، وبطلان أصول أدلّتها. ولهذا الصنف من العلماء خياران رئيسان: أ- أن يعمل بمقتضى علمه، في علن براءته من أباطيل أسلافه. ب- أن يبقى - في الظاهر - مستمسكًا، بأباطيل أسلافه؛ نمّا بسبب الهوى، حين يكون الاستمساك - بتلك الأباطيل - موافقًا لهواه؛ أو بسبب الخوف، حين يخاف بطش المبطلين؛ فيوافقهم - في الظاهر - على أباطيلهم. فمن تغلّب على الإلف الطاغي، وخالف الهوى الباغي، واحتكم نلى الدليل العقلانيّ، واعتمد على الإيقان البرهانيّ، وتبرّأ من أباطيل الأسلاف، وتنزّه عن السفاهة والإسفاف؛ فإكّه واحد من (أحرار العلم). ومن استسلم لذلّ (الأسر)، في (سجن التقليد)، واستسهله، واستساغه، واستعذبه، واستحلاه؛ فإكّه واحد من (عبيد التقليد)!!!

عدد الصفحات ٩٦

96 براءة الصورة التنزيليّة من أخطاء المؤلّفين الصورة التنزيليّة بريئة، كلّ البراءة، من أخطاء القرّاء، والرواة، والمحدّةين، والمفسّرين، والشرّاح، والمتكلّمين، والفقهاء، والأصوليّين، والأخلاقيّين، والمترّخين، واللغويّين، و المترجْين. وليس من الحقّ اعتماد الطاعنين في (الإسلام)، على رأي، ذهب نليه بعض المختلفين، ولم يج معوا عليه، فإنّ اختلافهم دليل على كفي بعضهم كسبة ذلك الرأي نلى (الإسلام). فالمطاعن المستمدّة من الآراء الخلافيّة ليست جهديدة؛ فقد سبقهم - نلى الطعن فيها - بعض المتلّفين الرافضين لها، ولكنّهم نّّ ا يوجّ هو نها نلى الآراء العلميّة، ويبـرّئون (الإسلام) منها. فكلّ قراءة، أو حديث، أو خبر، أو رواية، أو تفسير، أو شرح، أو رأي، مختلف فيه، لا ي كن للطاعن، أصلاً، أن يتّخذه مادّة للطعن في (الإسلام)؛ لأكّه لا يلك دليلاً قطعيًّ ا واحدًا، على صحّة كسبته نلى (الإسلام). ولذلك لا يعدو طعن الطاعن - في رأي من الآراء - أن يكون تكرارًا، للطعن الذي وجّهه بعض المتلّفين، من قبل، نلى ذلك الرأي كفسه، فهو طعن في الرأي، وليس طعنًا في الدين. وأخطاء المتلّفين - التي اكتسبت صفة القبول عند مقلّديهم - لا يكن أن ت عدّ جزءًا من (الحقائق الإسلاميّة)؛ لأنهّا في الحقيقة: أخطاء نكساكيّة؛ فالفرق كبير جدًّا بين (الواقع الإسلاميّ الحقيقيّ)، وبين (الاعتقاد الإكسانيّ الذهنّ)، أو (الاستمساك الإكسانيّ المذهبيّ). والباطل - في الواقع - يبقى باطلاً، حتّ لو آمن به الناس كلّ هم.

عدد الصفحات ٩٧

97 معيار القبول والرفض فإن قيل : ننّ كسبة الأخطاء - نلى العلماء - ت وجب الإعراض عن متلّفاتهم، وبالإعراض عنها تنعدم معرفة الحقائق الإسلاميّة! قلت: ليست تبرئة الإسلام - من أخطاء العلماء - طعنًا فيهم، وليست اكتقاصًا، من قدرهم؛ فالمتلّفون الصادقون المخلصون المجتهدون هم الباب الو حيد الصحيح، للإفادة من الوحي الإلهيّ المنزّل. والصحابة، والتابعون، وتابعوهم وسائر العلماء المجتهدين: بشر، ي كن أن يخ طئوا، ولكنّ وقوعهم في بعض الأخطاء لا ي بطل حسناتهم الغالبة، وخ صوصًا حمل رسالة الإسلام. ومن اتخّذ بعض الأخطاء حجّة؛ لترك الاعتماد عليهم، في تحصيل الحقائق الإسلاميّة؛ فإكّه غال طٌ ، أو م غال طٌ ، فمن ذا الذي يسلم من الأخطاء، ليكون بديلاً عنهم؟!!! ومحاكمة العلماء لا تعن نداكتهم، في كلّ رأي من آرائهم؛ فتلك محاكمة ظال مة، قطعًا؛ ولكنّ المراد من محاكمتهم: الفصل بين الحقّ، والباطل، بالاستناد نلى معيار عادل، دقيق؛ للإفادة م ن صواب م ن أصاب منهم، وتجن ب خطإ من أخطأ منهم. والمعيار في ذلك أنّ من غلب صواب ه خطأ ه، فهو من أهل العلم، ومن غلب خطت ه صواب ه، أعرضنا عنه، وأغنانا عنه من سواه، من أهل العلم؛ لأنّ الاعتماد ليس على قول العالـم، بل على الدليل الذي يستند نليه العالـم. وأدلّ ـة (القرآن الكريـم)، و أدلّة (السنّة النبويّة) ليست بـخافية، و ليس لأحـد أن يســتأةــر بـهـا، أو يـ خفيها، عن الناس؛ لكنّ الناس، على درجات، ف ـي نتقـان

عدد الصفحات ٩٨