66 الـمعتمدة الـمشهورة، الت ـي يتم ــن فيهــا - لشـهرت ـها - مــن التغييـر والتحـريف »(1) . وقال ابن تيميّة«فإنّ الموضوع- في اصطلاح أبِ الفرج - هو الذي قام دليل على أكّه باطل، ونن كان المحدّ ث به لم يتعمّد الكذب، بل غلط فيه؛ ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع، وقد نازع ه طائفة من العلماء في كثير ِّا ذكره، وقالوا: نكّه ليس ِّا يقوم دليل على أكّه باطل، بل بيّنوا ةبوت بعض ذلك، لكنّ الغالب على ما ذكره في الموضوعات أكّه باطل، باتّفاق العلماء»(2). وقال الذهبيّ «قلت: لهذا أكثر الأئمّة على التشديد في أحاديث الأحكام، والتر خيص قليلاً - لا كلّ الترخّص - في الفضائل والرقائق، ف يقبلون في ذلك ما ضعف نسناده، لا ما اته م رواته، فإنّ الأحاديث الموضوعة - والأحاديث الشديدة الوهن - لا يلتفتون نليها، بل يروونها للتحذير منها، والهتك لحالها، فمن دلّسها، أو غطّى تبيانها، فهو جان على السنّة، خائن لله ورسوله. فإن كان يجهل ذلك، فقد ي عذ ر بالجهل، ولكن سلوا أهل الذكر ، نن كنتم لا تعلمون»(3). وقال الذهبيّ أيضًا: «وما أبو كعيم بمتّهم، بل هو صدوق عالم بهذا الفنّ، ما أعلم له ذكبًا - والله يعفو عنه - أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه، ثمّ يسكت عن توهيتها»(1). (1) معرفة أكواع علوم الحديث 53. (2) مجموعة الفتاوى1/115. (3) سير أعلام النبلاء5/921. (1) سير أعلام النبلاء11/161.
عدد الصفحات ٦٧67 الفروق بين السنّة النبويّة، وشروح الحديث فليست كلّ الشروح صحيحة، ولا سيّما شروح الغلاة؛ فإنهّم قصدوا نلى شرح الأحاديث الصحيحة، وغير الصحيحة، بطريقة تحريفيّة؛ لتكون على وفق أهوائهم. والاختلاف في الشروح حاصل كثيرًا، حتّ عند غير الغلا ة؛ لأنّ الشرح ليس أكثر من اجتهاد الشارح لفهم الحديث، وبيان المراد منه. قال ابن تيميّة: «وكذلك وقع من الذين صنّفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخّرين، من جنس ما وقع فيما صنّفوه من شرح القرآن وتفسيره»(1). وقال ابن تيميّة أيضًا«وكثير منهم نّّا ينظر من تفسير القر آن والحديث فيما يقوله موافقوه على المذهب، فيتأوّل تأويلاتهم، فالنصوص التي توافقهم يحتجّون بها، والتي تخالفهم يتأوّلونها، وكثير منهم لم يكن عمدتهم في كفس الأمر اتّباع كصّ أصلاً »(2) . (1) مجموعة الفتاوى13/131. (2) مجموعة الفتاوى11/211.
عدد الصفحات ٦٨68 الفروق بين السنّة النبويّة، ومباحث علوم الحديث فليست كلّ مباحث علوم الحديث صحيحة قطعيّة، ولا سيّما في المباحث الخلافيّة. فقد اختلف المتلّفون في مباحث كثيرة من علوم الحديث، أبرزها: صحّة الحديث المعل ق(1)، وصحّة الحديث المعنع ن(2)، وصحّة الحديث المتك ن(3)، وصحّة الحديث المرس ل(1). واختلفوا في الجرح والتعديل، وفي تق ديم أحدهما على الآخر ، عند اجتماعهما في راو واحد(9). واختلفوا في قبول رواية المدلّس(6)، وفي قبول رواية مجهول الحال(1)، و قبول رواية المبتد ع(5). واختلفوا في بعض طرق التحمل، كالوجادة ، والمناولة(3). ولا ريب في أنّ لهذه الاختلافات أةرًا، في اختلاف المتلّفين، في تصحيح الأحاديث، وفي تضعيفها. (1) اكظر: كزهة النظر 33-111. (2) اكظر: كزهة النظر 195-193، وقواعد التحديث113. (3) اكظر: قواعد التحديث151، وشرح المنظومة البيقوكيّة12. (1) اكظر: كزهة النظر 111-112. (9) اكظر: قواعد التحديث151، وشرح المنظومة البيقوكيّة12. (6) اكظر: كزهة النظر 111-119. (1) اكظر: كزهة النظ ر: 126. (5) اكظر: كزهة النظر 121-125. (3) كزهة النظر 193-161.
عدد الصفحات ٦٩69 الفروق بين الأحكام الشرعيّة العَقَديّة، والآراء العَقَديّة فليست كلّ الآراء الع ق ديّة صحيحة، ولا سيّما آراء الغلاة. قال ابن تيميّة: «فكثير من أتباع المتكلّمة والمتفلسفة - بل وبعض المتفقّهة والمتصوّفة، بل وبعض أتباع الملوك والقضاة - يقبل قول متبوعه فيما يخ بر به من الاعتقادات الخبريّة، ومن تصحيح بعض المقالات ، ونفساد بعضها، ومدح بعضها، وبعض القائلين، وذمّ بعض، بلا سلطان من الله»(1) . وقال ابن تيميّة أيضًا «وهذا كما أنّ طائفة من أهل الكلام يسمّي ما وضعه: "أصول الدين" وهذا اسم عظيم، والمسمّى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم. فإذا أككر أهل الحقّ والسنّة ذلك، قال المبطل: قد أككروا أصول الدين. وهم لم ي نكروا ما يستحقّ أن يسمّى أصول الدين، ونّّا أككروا ما سمّاه هذا: "أصول الدين"، وهي أسماء سمّوها هم وآباؤهم بأسماء(2)، ما أكزل الله بها من سلطان، فالدين ما شرعه الله ورسوله ، وقد بينّ أصوله وفروعه، ومن المحال أن يكون الرسول قد بينّ فروع الدين ، دون أصوله»(3) . (1) مجموعة الفتاوى1/16. (2) الراجح أنّ عبارة (بأسماء) زائدة، لا داعي لها هنا (3) مجموعة الفتاوى1/35.
عدد الصفحات ٧٠71 الفروق بين الأحكام الشرعيّة العمليّة، والآراء الأصوليّة فليست كلّ الآراء الأصوليّة صحيحة، ولا سيّما آراء الغلاة. قال ابن تيميّ ة: «وقل طائفة من المتأخّرين، نلاّ وقع - في كلا مها - كوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع؛ ولهذا ي وج د في كثير من المصنّ فات - في أصول الفقه، وأصول الدين، والفقه، والزهد ، والتفسير، والحديث - من يذكر في الأصل العظيم عدّة أقوال، ويحكي من مقالات الناس ألواناً، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره؛ لعدم علمه به؛ لا لكراهته لما عليه الرسول »(1) . وقال ابن تيميّة أيضًا«ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائض أصول الفقه، حيث أككروا تفاضل العقل ، أو الإيجاب ، أو التحريم . ونككار التفاضل في ذلك قول القاضي أبِ بكر، وابن عقيل، وأمثالهما، لكنّ الجمهور على خلاف ذلك، وهو قول أبِ الحسن التميميّ، وأبِ محمّد البربهاريّ، والقاضي أبِ يعلى، وأبِ الخطّاب، وغيرهم»(2). وقال ابن تيميّة أيضًا«الطريق الخامس: القياس على النصّ والإجْاع. وهو حجّة أيضًا، عند جْاهير الفقهاء، لكنّ كثيرًا من أهل الرأي أسرف فيه، حتّ استعمله قبل البحث عن النصّ، وحتّ رد به النصوص، وحتّ استعمل منه الفاسد؛ ومن أهل الكلام وأهل الحديث وأهل القياس من ي نكره رأسًا، وهي مسألة كبيرة، والحقّ فيها متوسّط بين الإسراف والنقص»(3) . وقال ابن تيميّة أيضًا: «ونّّا المقصود هنا التنبيه على الجمل، فإنّ كثيرًا من (1) مجموعة الفتاوى9/255. (2) مجموعة الفتاوى1/311-319. (3) مجموعة الفتاوى11/151.
عدد الصفحات ٧١71 الناس يقرأ كتبًا مصنّفة في أصول الدين وأصول الفقه، بل في تفسير القرآن والحديث، ولا يجد فيها القول الموافق للكتاب والسنّة، الذي عليه سلف الأمّة وأئمّتها، وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول، بل يجد أقوالاً ، كلّ منها فيه كوع من الفساد والتناقض، فيحار: ما الذي يتمن به في هذا الباب؟ وما الذي جاء به الرسول؟ وما هو الحقّ والصدق؟ نذ لم يجد في تلك الأقوال ما يحصّ ل به ذلك. ونّّا الهدى فيما جاء به الرسول...»(1) . (1) مجموعة الفتاوى11/93.
عدد الصفحات ٧٢72 الفروق بين الأحكام الشرعيّة العمليّة ، والآراء الفقهيّة فليست كلّ الآراء الفقهيّة صحيحة، ولا سيّما آراء الغلاة. فهذا ابن تيميّة يفرّق بين ةلاةة استعمالات - في عرف أهل ز ماكه - للفظ (الشرع )، هي: الشرع المنز ل، والشرع المتو ل (المتأو ل)، والشرع المبد ل. فأمّا (الشرع المنز ل)، فيعن به الشريعة الإسلاميّة المنز لة، من لدن الحكيم العليم الخبير، على الرسول الكريم ، الصادق الأمين . وهي شريعة معصومة من الأخطاء، والعمل بمقتضاها واجب على كلّ مكلّف مستطيع. وأمّا الشرع المتو ل، فيعن به اجتهادات العلماء، التي قد ي صيبون فيها، وقد يخ طئون. وليس لأحد أن ي لزم الناس باجتهاد أحد العلماء، بل العمل به جائز ، لمن اعتقد أنّ حجّته هي القويّة، أو لمن ساغ له تقليده؛ والإككار على المخالف فيها غير جائز. وأمّا الشرع المبد ل، فيعن به تحريفات المبطلين، الذين جا ءوا بنصوص وأقوال وتفسيرات وآراء، مخالفة للصورة التن زيليّة. قال ابن تيميّة« :وأيضًا فلفظ (الشرع ) - في هذا الزمان - ي طل ق على ةلاةة معان : شرع منز ل، وشرع متأو ل، وشرع مبد ل. فالمنز ل: الكتاب والسنّة، فهذا الذي يجب اتّباعه، على كلّ واحد، ومن اعتقد أكّه لا يجب اتّباعه، على بعض الناس، فهو كافر. والمتأو ل موارد الاجتهاد ، التي تنازع فيها العل ماء، فاتّباع أحد المجتهدين جائز، لمن اعتقد أنّ حجّته هي القويّة، أو لـمن ساغ له ت قليده، ولا ي ـجب - على عموم المسلمين - اتّباع أحد بعينه، نلاّ رسول الله . فكث من المتفقّهة نذا رأى بعض الناس من المشائخ الصالحين، يرى أكّ ه يكون الصواب مع ذلك، وغيره قد خالف الشرع، ونّّا خالف ما يظنّه هو الشرع، وقد يكون
عدد الصفحات ٧٣73 ظنّه خطأ، فيثاب على اجتهاده، وخطته مغفور له، وقد يكون الآخر مجتهدًا مخطئًا. وأمّا الشرع المبد ل، فمثل الأحاديث الموضوعة، والتأويلات الفاسدة ، والأقيسة الباطلة، والتقليد المحر م، فهذا يح ر م أيضًا. وهذا من مثار النزاع، فإنّ كثيرًا من المتفقّهة والمتكلّمة، قد ي وجب على كثير من المتصوّفة والمتفقّرة اتّ باع مذهبه المعينّ ، وتقليد متبوعه، والتزام حكم حاكمه ، باطنًا وظاهرًا، ويرى خروجه عن ذلك خروجًا عن الشريعة المحمّ ديّة، وهذا جهل منه وظلم، بل دعوى ذلك على الإطلاق كفر وكفاق. كما أنّ كثيرًا من المتصوّفة والمتفقّرة يرى مثل ذلك في شيخه ومتبوعه، وهو في هذا كظير ذلك. وكلّ من هتلاء قد يسوّغ الخروج، عمّا جاء به الكتاب والسنّة، لما يظنّه معارضًا لهما، نمّا لما يسمّيه هذا ذوقًا ووجدًا، ومكاشفات ومخاطبات، ونمّا لما يسمّيه هذا قياسًا ورأيًً وعقليّات وقواطع، وكلّ ذلك من شعب النفاق، بل يجب على كلّ أحد تصديق الرسول ، في جْيع ما أخبر به، وطاعته في جْيع ما أمر به، وليس لأحد أن يعارضه بضرب الأمثال، ولا بِراء الرجال، وكلّ ما عارضه، فهو خطأ وضلال»(1). وقال ابن تيميّة أيضًا: «ولفظ(الشرع ) ي قال في عرف الناس على ة لاةة معان : الشرع المنز ل: وهو ما جاء به الرسول ، وهذا يجب اتّباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته. والثاني: الشرع المتو ل: وهو آراء العلماء المجتهدين فيها ، كمذهب مالك ونحوه. فهذا يسوغ اتّباعه، ولا يجب، ولا يح ر م، وليس لأحد أن ي لزم عموم الناس به، ولا ينع عموم الناس منه. والثالث: الشرع المبد ل: وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور، ونحوها، والظلم البينّ »(2). (1) مجموعة الفتاوى11/239-236. (2) مجموعة الفتاوى3/165.
عدد الصفحات ٧٤71 وبينّ ابن تيميّة أنّ أقوال المجتهدين ليست بمنزلة الأحكام الشرعيّة؛ ولذلك كان العلماء ينهون عن تقليدهم، فقال: «وأحمد بن حنبل نهى عن تقليده، وتقليد غيره من العلماء في الفروع، وقال: لا تقلّد دينك الرجال، فإنهّم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال: لا تقلّدني، ولا مالكًا، ولا الثوريّ، ولا الشافعيّ. وقد جرى في ذلك على سنن غيره من الأئمّة، فكلّ هم نهوا عن تقليدهم، كما نهى الشافعيّ عن تقليده، وتقليد غيره من العلماء ؛ فكيف ي قل د أحمد وغيره في أصول الدين؟ وأصحاب أحمد - مثل أبِ داود السجستانيّ، ونبراهيم الحربِّ، وعثمان بن سعيد الدارميّ، وأبِ زرعة، وأبِ حاتم، والبخاريّ، ومسلم، وبقيّ بن مخلد، وأبِ بكر الأةرم، وابنيه : صالـح وعبد الله، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، ومحمّد بن مسلم بن وارة، وغير هتلاء ، الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين - لا يقبلون كلام أحمد ولا غيره نلاّ بحجّة يبيّنها لهم، وقد سمعوا العلم كما سمعه هو، وشاركوه في كثير من شيوخه، ومن لم يلحقوه أخذوا عن أصحابه الذين هم كظراؤ ه، وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال الإسلام وعلمائه »(1). وقال ابن تيميّة أيضًا «وهتلاء الأئمّة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كلّ ما يقولوكه، وذلك هو الواجب عليهم؛ فقال أبو حنيفة: هذا رأيي وهذا أحسن ما ر أيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه؛ ولهذا ل ـمّا اجتمع أفضل أصحابه - أبو يوسف - بمالك، فسأله عن مسألة الصاع، وصدقة الخضراوات، ومسألة الأجناس، فأخبره مالك بما تدلّ عليه السنّة في ذلك، فقال (2): رجعت نلى قولك، يً أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت ، لرجع نلى قول ك كما (1) مجموعة الفتاوى6/123-131. (2) نذا كان قول أبِ يوسف هو جواب (لـمّا)، فيجب حذف الفاء من عبارة: (فقال
عدد الصفحات ٧٥75 رجعت. ومالك كان يقول: نّّا أنا بشر، أصيب وأ خطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنّة، أو كلامًا هذا معناه. والشافعيّ كان يقول: نذا صحّ الحديث، فاضربوا بقولي الحائط، ونذا رأيت الحجّة موضوعة على الطريق، فهي قولي. وفي مختصر المزنيّ - لـمّا ذكر أكّه اختصره من مذهب الشافعيّ لمن أراد معرفة مذهبه - قال: مع نعلامه نهيه عن تقليده، وتقليد غيره من العلماء. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلّدوني ولا تقلّدوا مالكًا ولا الشافعيّ ولا الثوريّ، وتعلّموا كما تعلّمنا. وكان يقول: من قلّة علم الرجل أن يقلّد دينه الرجال، وقال: لا تقلّد دينك الرجال، فإنهّم لن يسلموا من أن يغلطوا... لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلّة التفصيليّة، في جْيع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته ، لا كلّ ما يعجز عنه من التفقّ ه، ويلزمه ما يقدر عليه... »(1) . وقالابن القيّم: «والفرق بين ال ـحكم الـمنز ل الواجب الاتّباع، والحكم الـمتو ل - الذي غايته أن يكون جائز الاتّباع - أنّ الحكم المنز ل: الذي أكزله الله على رسوله ، وحكم به بين عباده، وهو حكمه الذي لا حكم له سواه. وأمّا الحكم المتو ل، فهو أقوال المجتهدين المختلفة، التي لا يجب اتّباعها، و لا ي كف ر ولا ي فس ق من خالفها، فإنّ أصحابها لم يقولوا: هذا حكم الله ورسوله، بل قالوا: اجتهدنا برأينا، فمن شاء قبله، ومن شاء لم يقبله؛ ولم ي لزموا به الأ مّة. بل قال أبو حنيفة: هذا رأيي، فمن جاءنا بخير منه قبلناه. ولو كان هو عين حكم الله ، لما ساغ لأبِ يوسف ومحمّد وغيرهما مخالفته فيه. وكذلك مالك ، استشاره الرشيد أن يحمل الناس، على ما في الموطّ إ، فمنعه من ذلك، وقال: قد تفرّق أصحاب رسول الله ، في البلاد، وصار عند كلّ قوم علم غير ما عند الآخرين. وهذا (1) مجموعة الفتاوى21/111-115.
عدد الصفحات ٧٦76 الشافعيّ ينهى أصحابه عن تقليده، وي وصيهم بترك قوله، نذا جاء الحديث بخلافه. وهذا الإمام أحمد، ي نكر على من كتب فتاويه ، ودوّنها، ويقول: لا تقلّ دني، ولا تقلّد فلاناً ، ولا فلاناً، وخذ من حيث أخذوا. ولو علموا أنّ أقوالهم وحي، يجب اتّباعه، لحرّموا على أصحابهم مخالفتهم، ولما ساغ لأصحابهم أن ي فتوا بخلافهم في شيء، ولما كان أحدهم يقول ا لقول، ثمّ ي فتي بخلافه، فير وى عنه في المسألة القولان والثلاةة ، وأكثر من ذلك. فالرأي والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتّباعه. والـحكم الـمنز ل لا يـحلّ لـمسلم أن يـخالفه، ولا ي ـخرج عنه. وأمّ ا الـحكم الـمبد ل - وهو الحكم بغير ما أكزل الله - فلا يحلّ تنفيذه، ولا العمل به، ولا يسوغ اتّباعه، وصاحبه بين الكفر والفسوق والظلم»(1) . (1) الروح 111-112.
عدد الصفحات ٧٧77 الفروق بين الأحكام الشرعيّة الخُلُقيّة، والآراء الخُلُقيّة فليست كلّ الآراء الخ ل قيّة صحيحة، ولا سيّما آراء الغلاة. قال ابن تيميّة: «وهكذا هو الواقع في أهل ملّتنا، مثلما نْده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها، وكثير من فروعه، من أهل الأصول والفروع؛ ومثلما نْده بين العلماء وبين العبّاد؛ ِّن يغلب عليه الموسويّة، أو العيسويّ ة، حتّ يبقى فيهم شبه من الأمّتين، اللتين قالت كلّ واحدة: ليست الأخرى على شيء، كما نْد المتفقّه المتمسّك من الدين بالأعمال الظاهرة، والمتصوّف المتمسّك منه بأعمال باطنة، كلّ منهما ينفي طريقة الآخر، ويدّعي أكّ ه ليس من أهل الدين، أو ي عرض عنه نعراض من لا يعدّه من الدين؛ فتقع بينهما العداوة والبغضاء. وذلك: أنّ الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن، وكلا الطهارتين من الدين ال ذي أمر الله به وأوجبه، قال تعالى: ﴿م ا ي ر يد اللَّ ل ي جْع ل ع ل يْك مْ م نْ ح ر ج و ل ك نْ ي ر يد ل ي ط هّ ر ك مْ و ل ي ت م ك عْم ت ه ع ل يْك مْ﴾(1)، وقال: ﴿ف يه ر جـــالٌ ي ـح ب ون أ نْ يـ ت ط ه ـر وا و اللَّ يـ ح ـــب الْم ط هّ ر ين ﴾(2)، وقال : ﴿ن ن اللَّ يح ب التـ و اب ين و يح ب الْم ت ط هّ ر ين ﴾ (3)، وقال ﴿خ ذْ م نْ أ مْو اله مْ ص د ق ةً ت ط هّ ر ه مْ و تـ ز كّ يه مْ به ا﴾(1)، وقال: ﴿أ ول ئ ك ال ذ ين ل ـمْ ي ر د اللَّ أ نْ ي ط هّ ر قـ ل وبـ ه مْ﴾(9)، وقال: ﴿ن ّ ا الْم شْر ك ون نْ سٌ﴾(6)، وقال: ﴿ن ّ ا ي ر يد (1) المائدة 6. (2) التوبة115. (3) البقرة 222. (1) التوبة113. (9) المائدة11. (6) التوبة25.
عدد الصفحات ٧٨78 اللَّ ل ي ذْه ب ع نْك م الرّ جْس أ هْل الْبـ يْت و ي ط هّ ر ك مْ ت طْه يرًا﴾ (1). فنجد كثيرًا من المتفقّهة والمتعبّدة، نّّا همّته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع؛ اهتمامً ا وعملاً. ويترك من طهارة الق لب ما أ مر به نيجاباً، أو استحباباً، ولا يفهم من الطهارة نلاّ ذلك. ونْد كثيرًا من المتصوّفة والمتفقّرة، نّّا همّته طهارة القلب فقط؛ حتّ يزيد فيها على المشروع ، اهتمامًا وعملاً. ويترك من طهارة البدن ما أ مر به نيجاباً، أو استحباباً. فالأوّلون يخرجون نلى الوسوسة المذمومة في كثرة ص بّ الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا ي شر ع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أكواع من الحسد والكبر والغلّ لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بيّنة لليهود. والآخرون يخرجون نلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن ، حتّ يج علوا الجهل بما تجب معرفته من الشرّ - الذي يجب اتّقاؤه - من سلامة الباطن، ولا يفرّقون بين سلامة الباطن من نرادة الشرّ المنهيّ عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشرّ ، المعرفة المأمور بها، ثمّ مع هذا الجهل والغفلة، قد لا يجتنبون النجاسات، وي قيمون الطهارة الواجبة ، مضاهاة للنصارى »(2) . (1) الأحزاب 33. (2) مجموعة الفتاوى1/19-16.
عدد الصفحات ٧٩79 الفروق بين الواقع الإسلاميّ، والأخبار التاريخيّة فليست كلّ الأخبار التاريخيّة صحيحة، ولا سيّما أخبار الغلاة. قال الطبريّ متحدّثاً عن براءته من الأخبار التاريخيّة المستنكرة: «وليعلم الناظر في كتابنا هذا أنّ اعتمادي في كلّ ما أحضرت ذكره فيه ِّا شرطت أكّ ـي راسمه فيه؛ نّّا هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها نلى رواتها فيه، دون ما أ درك بحجج العقول، واست نبط بفكر النفوس، نلاّ اليسير القليل منه، نذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين - وما هو كائ ن من أكباء الحادةين - غير واصل نلى من لم يشاهدهم، ولم ي درك زمانهم، نلاّ بِخبار المخبرين، وكقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس. فما يكن في كتابِ هذا من خبر ذكرناه ، عن بعض الماضين، ِّا يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أكّه لم يعرف له وجهًا في الصحّة، ولا معنَ في الحقيقة، فليعلم أكّه لم يتت في ذلك من ق بلنا، ونّّا أ تي من ق بل بعض ناقليه نلينا؛ وأكّ ـا نّّا أدّينا ذلك على نحو ما أ دّي نلينا»(1). وقال ابن تيميّة «ومن المعلوم أنّ الزبير بن بكّار - صاحب كتا ب "الأكساب"، ومحمّد بن سعد، كاتب الواقديّ ، وصاحب الطبقات، ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطّلاع - أعلم بهذا الباب، وأصدق فيما ينقلوكه من الجاهلين والكذّابين ، ومن بعض أهل التواريخ ، الذين لا يوة ق بعلمه م، ولا صدقهم، بل قد يكون الرجل صادقًا، ولكن لا خبرة له بالأساكيد، حتّ ييّز بين المقبول والمردود، أو يكون سيّ ئ الحفظ، أو متّهمًا بالكذب، أو بالتزيّد في الر واية، (1) تاريخ الرسل والملوك 1/1-5.
عدد الصفحات ٨٠81 كحال كثير من الإخباريّين، والمترّخين، لا سيّما نذا كان مثل أ مخنف لوط بن يحيى، وأمثاله. ومعلوم أنّ الواقديّ كفسه خير عند الناس من مثل هشام بن الكلبيّ ، وأبيه محمّد بن السائب، وأمثالهما، وقد ع لم كلام الناس في الواقديّ، فإنّ ما يذكره هو وأمثاله نّّا ي عتضد به وي ستأكس به، وأمّا الاعتماد عليه بمجرّده في العلم، فهذا لا يصلح»(1). وقال ابن تيميّة أيضًا«ونّّا عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقط عة الإسناد، وكثير منها من وضع المعروفين با لكذب، بل وبالإلحاد، وعلماؤهم يعتمدون على كقل مثل أبِ مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن محمّ د بن السائب، وأمثالهما من المعروفين بالكذب، عند أهل العلم، مع أنّ أمثال هتلاء هم من أ جلّ من يعتمدون عليه في النقل ؛ نذ كاكوا يعتمدون على من هو في غاية الجهل والافتراء، ِّ ن لا ي ذك ر في الكتب، ولا يعرفه أهل العلم بالرجال »(2). وقال ابن تيميّة أيضًا«والجواب: أن ي قال - قبل الأجوبة المفصّ لة، عمّ ا ي ذك ر من المطاعن - ننّ ما ي نق ل عن الصحابة من المثالب، فهو كوعان: أحدهما ما هو كذب ، نمّ ا كذب كلّ ه، ونمّ ا محرّ ف قد دخله من الزيًدة والنقصان ما يخ رجه نلى الذمّ والطعن. وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذّ ابون، المعروفون بالكذب، مثل أبِ مخنف، لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمّ د بن السائب الكلبيّ ، وأمثالهما من الكذّ ابين...»(3). (1) مجموعة الفتاوى21/211. (2) منهاج السنّة النبويّة1/95-93. (3) منهاج السنّة النبويّة 9/51.
عدد الصفحات ٨١81 الفروق بين النصّ الأصيل، وترجمة النصّ فليست كلّ الترجْات صحيحة، ولا سيّما ترجْات الأعداء للنصوص القرآكيّة. قال محمّد رشيد رضا: «وقد ترجم القرآن في هذه القرون الأخيرة بأشهر لغات الشعوب الكبيرة، من غربيّة وشرقيّة، فكاكت ترجْته مثارًا للشبهات، وسببًا للمطاعن، أكثر ِّا كاكت سببًا للاهتداء نلى الإسلام. فإن قيل: ننّ مثار الشبهات لم يكن من الترجْة، بل من الخطإ فيها، وذلك ي تلافى بالترجْة الصحيحة التي كدعو نليها، وننّ سبب الطعن لم يكن نلاّ سوء قصد من أعداء الإسلام ، من دعاة النصراكيّة، أو الملاحدة، وهتلاء يطعنون في القرآن العربِّ المنز ل أيضًا. قلت: ننيّ على علمي بهذا، أقول: ننّ الترجْة أكبر عون على الأمرين، فإنّ الذي يطعن في القرآن المنز ل، نمّا أن يكون ضعيفًا في اللغة العربيّة، أو حاذقًا لها ر اسخًا فيها، فالأوّل شبيه بمن يحاول فهم القرآن من الترجْة، أكثر ما يتتى من جهله باللغة، وأمّا الثاني فهو يتكلّف الطعن تكلّفًا، يكابر به وجداكه، ويغالب ذوقه وبياكه، فيجيء طعنه ضعيفًا سخيفًا، ويكون الردّ عليه سهل المسلك، واضح المنهج، وقلّما يكون الدفاع عن الترجْة كذلك، ونن كاكت صحيحة، ولن تكون صحيحة، نلاّ في بعض الجمل ، أو الآيًت القصيرة، دون السور والآيًت الطويلة. بل بعض المفردات تتعذّر ترجْتها بمفردات من اللغات الأخرى، تتدّي المراد منها، ونكّه لي وج د في كلّ لغة، من هذه الـمفردات ، التي لا ي وج د لـها مرادف ف ـي لغة أخرى. وفـي كلام بعض العارفين باللغة العربيّة، وغيرها من اللغات المشهورة ما يدلّ على أنّ العربيّ ة أغناهنّ بـهذه الـمفردات، دعْ ما لـها من الخصائص فـي فنو ن الـمجاز، والكنايًت... قد تكرّر في كلامنا الجزم بتعذّر ترجْة القرآن، والمسلم الصحيح
عدد الصفحات ٨٢