51 الكتاب»(1). وقال محمّد الغزاليّ «وأكاد أقول: ننّ التفسير الأةريّ أخضع الآيًت للأحاديث. وهذا قد يكون طبيعيًّا في الأساكيد الصحيحة؛ لأنّ الرس ول هو المبينّ عن ربّه؛ لكنّ المشكلة: أنّ بعض الأحاديث التي جاءت في التفسير بالمأةور، تكون ضعيفة السند.. وهذا أيضً ا في تفسير ابن كثير الذي نْد فيه بعضً ا من المتضادّ ات»(2). وقال صلاح الخالديّ«ننّ كتاب الثعلبيّ: "عرائس المجالس في قصص الأكبياء" مرفوض عند العلماء، ولا يصلح أن يكون مرجعًا في كتب التفسير، وقصص الأكبياء، ومعظم الحكايًت والأخبار والروايًت التي فيه موضوعة ومردودة، وهي خرافات وأساطير، مأخوذة عن الإسرائيليّات المردودة الباطلة»(3). وقال صلاح الخالديّ أيضًا«فالواجب علينا أن كبقى مع القرآن في حديثه عن القصّة، وكسكت عمّا سكت عنه، ولا كبينّ بعض المبهمات التي أبهمها القرآن عمدًا! ولكنّ كثيرًا من المفسّرين لم يفعلوا ذلك، وذهبوا نلى الأخبار والروايًت التي لم تثبت، والإسرائيليّات التي تفصّل الكلام، و فسّروا بها كلام الله، وبيّنوا بها المبهمات التي أبهمها القرآن »(1). (1) الإتقان في علوم القرآن 6/2259. (2) كيف كتعامل مع القرآن 135. (3) القرآن وكقض مطاعن الرهبان 1/99. (1) القرآن وكقض مطاعن الرهبان 1/195.
عدد الصفحات ٥١51 الفروق بين القرآن الكريم، وروايات أسباب النزول فليست تلك الروايًت بثابتة، ةبوتاً قطعيًّا، كثبوت القرآن الكريم، والكثير من تلك الروايًت - عند بعض المتلّفين - روايًت مكذوبة موضوعة مفتراة، لا قيمة لها. وتصحيح بعض المتلّفين - لبعض ر وايًت أسباب النزول - ليس أكثر من اجتهاد، قد ي فيد الظنّ عند من يركن نليه، وليس تصحيحًا اتّفاقيًّا قطعيًّا. قال الواحديّ: «ولا يحلّ القول في أسباب كزول الكتاب، نلاّ بالر واية والسماع، ِّن شاهد التنزيل، ووقف على الأسباب، وبحث عن العلم وجدّ في الطلاب. وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار، في هذا العلم بالنار »(1) . ثمّ قال«وأمّا اليوم فكلّ أحد يخترع للآية سببًا، ويختلق نفكًا وكذباً، ملقيًا زمامه نلى الجهالة، غير مفكّر في الوعيد للجاهل بسبب الآية»(2) . وقال محمّد رشيد رضا: «ومن عجيب شأن رواة أسباب النزول أنهّم يزّقون الطائفة الملتئمة من الكلام الإلهيّ، ويجعلون القرآن عضين متفرّقة، بما يفكّكون الآيًت، ويفصلون بعضها من بعض، وبما يفصلون بين الجمل الموة قة في الآية الواحدة، فيجعلون لكلّ جْلة سببًا مستقلاًّ، كما يجعلون لكلّ آية من الآيًت الواردة في مسألة واحدة سب بًا مستقلاًّ . اكظر هذه الآيًت تجد نعجازها في بلا غة الأسلوب، أن مهّدت للأمر بتحويل القبلة، ما ي شعر به في ضمن حكاية شبهة المعترضين، التي ستقع منهم، وبتوهين هذه الشبهة بِسنادها نلى السفهاء من (1) أسباب كزول القرآن 36. (2) أسباب كزول القرآن 35.
عدد الصفحات ٥٢52 الناس، ونيرادها مجملة، وبوصلها بالدليل على فسادها، وبذكر هداية الص ر اط المستقيم، الذي لا التواء فيه، ولا اعوجاج، ولا تفريط عند سالكيه، ولا نفراط، وبذكر مكاكة هذه الأمّة بدينها، واعتدالها في جْيع أمرها، وببيان الحكمة، في جعل القبلة الأولى قبلة، ثمّ التحويل عنها، وبالتلطّف في الإخبار، عمّا سيكون، من ارتداد بعض من يدّعون الإيان، عن دينهم؛ افتتاناً بالتحويل، وجهلاً بالأمر ، نذ أورد الخبر ، في سياق بيان الحكمة؛ حتّ لا يعظم وقعه ، على النبيّ ، والمتمنين، وببيان أنّ المسألة كبيرة، على غير المنع م عليهم، بالهداية الإلهيّة، التي سبق ذكرها، وهي الإيان الكامل، بمعرفة دلائل المسائل، وح كم الأحكام، ثمّ بتبشير المتمنين المهتدين، الثابتين على اتّباع الرسول ، بِثابة الله نيًّهم، برأفته ورحمته، وفضله ونحساكه. وبعد هذا كلّه أمره بالتحوّل أمرًا صريحًا، كما سيأتي في تفسير بقيّة الآيًت. أفيصحّ في مثل هذا السياق - الموة ق بعض جْله وآيًته ببعض - أن كفكّ و ةـ ق ه، ويج ع ل كـ تـ فًا، كـ تـ فًا، وي قال: ننّ كلّ جْلة منه كزلت لحادةة حدةت، أو كلمة قيلت، ونن أدّى ذلك نلى قلب الوضع، وجعل الأوّل آخرًا، والآخر أوّلاً، وجعل آيًت التمهيد متأخّرة في النزول عن آيًت المقصد؟ أتسمح لنا اللغة والدين، بأن نْعل القرآن عضين ؛ لأجل روايًت ر ويت، ونن قيل: ننّ نسناد بعضها قو يّ، بحسب ما ع رف من تاريخ الراوين ؟!»(1) . وقال ابن عاشور «أولع كثير من المفسّرين بتطلّب أسباب كزول آي القرآن، وهي حوادث ي روى أنّ آيًت من القرآن كزلت لأجلها؛ لبيان حكمها أو لحكايتها، أو نككارها، أو نحو ذلك ، وأغربوا في ذلك، وأكثروا ، حتّ كاد ب عضهم، أن ي وهم الناس أنّ كلّ آية من القرآن كزلت على سبب، وحتّ رفعوا الثقة بما (1) تفسير القرآن الحكيم 2/11.
عدد الصفحات ٥٣53 ذكروا. بيد أكّـا نْد في بعض آي القرآن نشارة نلى الأسباب التي دعت نلى كزولها، ونْد لبعض الآي أسباباً ةبتت بالنقل، دون احتمال أن يكون ذلك رأي الناقل، فكان أمر أسباب كزول القرآن دائرًا بين القصد والإسراف، وكان في غضّ النظر عنه - ونرسال حبله على غاربه - خطر عظيم، في فهم القرآن. فذلك الذي دعاني نلى خوض هذا الغرض في مقدّمات التفسير؛ لظهور شدّة الحاجة نلى َحيصه في أةناء التفسير، وللاستغناء عن نعادة الكلام عليه عند عر وض تلك المسائل، غير مدّخر ما أراه في ذلك رأيًً يجمع شتاتها. وأنا عاذر المتقدّمين الذين ألّفوا في أسباب النزول - فاستكثروا منها - بأنّ كلّ من يتصدّى لتأليف كتاب في موضوع غير مشب ع، َتلكه محبّة التوسّع فيه، فلا ينفكّ يستزيد من ملتقطاته؛ لي ذكي قـ ب سه، وي دّ كـ ف سه، فيرضى بما يجد، رضى الصبّ بالوعد، ويقو ل: زدني من حديثك، يً سعد. غير هيّاب لعاذل، ولا متطلّب معذرة عاذر، وكذلك شأن الولع نذا امتلك القلب؛ ولكنّ لا أعذر أساطين المفسّرين، الذين تلقّفوا الروايًت الضعيفة، فأةبتوها في كتبهم، ولم ينبّ هوا على مراتبها، قوّة وضعفًا، حتّ أوهموا كثيرًا من الناس أنّ القرآن لا تنزل آيًته، نلاّ لأجل حوادث تدعو نليها، وبئس هذا الوهم؛ فإنّ القرآن جاء هاديًً نلى ما به صلاح الأمّة، في أصناف الصلاح، فلا يتوقّف كزوله على حدوث الحوادث الداعية نلى تشريع الأحكام. كعم ننّ العلماء توجّسوا منها، فقالوا: ننّ سبب النزول لا يخصّص، نلاّ طائفة شاذّة، ادّعت التخصيص بها، ولو أنّ أسباب النزول كاكت كلّها متعلّقة بِيًت عامّة، لما دخل من ذلك ضرّ على عمومها؛ نذ ق ـد أراحنا أئمّة الأصول، حيـن قالوا: "العبـرة بعموم اللفظ لا بـخصوص السبب"، ولكنّ أســباباً كثيرة، رام روات ـها تعييـن مــراد، من تـخصيص عامّ، أو تقييد مطلق، أو نلـجاء نلى مـحمل، فتلك هي التي قد
عدد الصفحات ٥٤51 تقف عرضة أمام معاني التفسير، قبل التنبيه على ضعفها، أو تأويلها »(1) . وقال صبحيّ الصا «ولو استعرضنا كظائر هذه الأخطاء التاريخيّ ة، التي حم لت حملاً ، على أسباب النزول، وأكطقت القرآن بما لم ينطق، لطال بنا الاستعراض، وامتدّ بنا التجوال، ونّّ ا كنتهزها فرصة ؛ لنضع أيدينا على السرّ الكامن، وراء هذه الأخطاء، فهو - في كظرنا - ظ ن أكثر العلماء أن لا بدّ لكلّ آية من سبب كزول، حتّ في وقائع الأمم الماضية، التي د فنت معها أسبابها وكتائجها، وط ويت في رموسها مقدّ ماتها وعواقبها؛ فإن كان لزامً ا التماس سبب كزول لها، فليكن متعلّ قً ا بالأحياء، على عهد الرسول الكريم، سواء أكاكوا من المتمنين، أم من المشركين ، أم من أهل الكتاب»(2) . وقال صبحيّ الصالح أيضًا «ونذا غضضنا النظر عن بعض هذا الخلط، غير المقصود، الناشئ من مبالغة المفسّ رين ، بِدراج الوقائع الماضية، في أسباب النزول، واجهنا عقبات أخرى ، في صيغ الروايًت، المتعلّ قة بهذه الأسباب، فليست عبارة الراوي الصحيحة كصًّ ا، في بيان سبب النزول، في جْيع الأحوال، بل فيها النصّ الواضح، وفيها ما يحتمل السبب، وسواه»(3). (1) تفسير التحرير والتنوير 1/16. (2) مباحث في علوم القرآن : 133. (3) مباحث في علوم القرآن : 111-112.
عدد الصفحات ٥٥55 الفروق بين القرآن الكريم، وأقوال الناسخ والمنسوخ فليست تلك الأقوال بثابتة ةبوتاً قطعيًّا، كثبوت القرآن الكريم؛ بل ننّ أكثر تلك الأقوال عند بعض المتلّفين: متعارضة، أو ضعيفة، فلا قيمة لها. وتصحيح بعض المتلّفين لبعض الأقوال - في النسخ - قد يكون من قبيل الاجتهاد، فهو ليس تصحيحًا اتّفاقيًّا قطعيًّا، فإنّ اختلاف المتلّفين القدامى - في مسألة النسخ، ومواضعه، وروايًته - واضح كلّ الوضوح. قال ابن الجوزيّ: «قيل: الخطاب لليهود، فالتقدير: من ساءلكم عن بيان محمّد ، فاصدقوه، وقيل: أي: كلّموهم بما تحبّون أن ي قال لكم، فعلى هذا: الآية محكمة. وقيل: المراد بذلك مساهلة المشركين في دعائهم نلى الإسلام، فالآية عند هتلاء منسوخة بِية السيف. وفيه ب عدٌ ؛ لأنّ لفظ (الناس) عامّ، فتخصيصه بالكفّار يحتاج نلى دليل»(1) . وقال ابن الجوزيّ أيضًا: «زعم قوم أنهّا منسوخة بِية السيف، وليس بصحيح؛ لأكّ ه لم يأمر بالعفو، مطلقًا، بل نلى غاية، ومثل هذا لا يدخل في المنسوخ »(2) . وقال ابن الجوزيّ أيضًا«قال بعضهم: هذا يقتضي كوع مساهلة الكفّار، ثمّ ك سخ بِية السيف. وهو بعيد؛ لأنّ من شرطها التنافي، ولا تنافي، وأيضًا فإكّه خبر»(3) . وقال ابن الجوزيّ أيضًا«قيل: المراد بالآية اتّقاء المشركين أن يو قعوا فتنة، (1) المصفّى بأكفّ أهل الرسوخ 19. (2) المصفّى بأكفّ أهل الرسوخ 19-16. (3) المصفّى بأكفّ أهل الرسوخ 16.
عدد الصفحات ٥٦56 أو ما يوجب القتل، فالف رقة، ثمّ ك سخ ذلك بِية السيف. وليس هذا بشيء، و نّّا المراد جواز تقواهم ، نذا أكرهوا المتمنين على الكفر بالقول، الذي لا ي عتقد، وهذا الحكم باق غير منسوخ »(1) . وقال الفخر الرازيّ«المسألة الثاكية: قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بِية السيف، وهذا بعيد؛ لأنّ قوله: ﴿ثم ذ رْه مْ في خ وْض ه مْ يـ لْع ب ون ﴾ (2) مذكور لأجل التهديد، وذلك لا ينافي حصول المقاتلة، فلم يكن ورود الآية الدالّة على وجوب المقاتلة رافعًا لشيء من مدلولات هذه الآية، فلم يحصل النسخ فيه»(3) . وقال الفخر الرازيّ أيضًا«قال مقاتل والكلبيّ: هذه الآية منسوخة بِية السيف، وهذا بعيد؛ لأنّ شرط الناسخ أن يكون رافعًا لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كلّ واحد بأفعاله، وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، فآية القتال ما رفعت شيئًا من مدلولات هذه الآية، فكان القول بالنسخ باطلاً »(1) . وقال ابن تيميّة«ولو كان من أخبار الآحاد ، لـم يـج ـز أن يج ع ل مـجرّد خبر غير معلوم الصحّة ناسخًا للقرآن. وبالـجملة، فلم يثبت أنّ شيئً ا من القرآن ك سخ بسنّة، بلا قرآن»(9). وقال ابن تيميّة أيضًا«وبعض المفسّرين يقول: هذه الآية منسوخة بِية السيف، وهذا يتوجّه نن كان في الآية النهي عن القتال، فيكون هذا النهي (1) المصفّى بأكفّ أهل الرسوخ 22. (2) الأكعام31. (3) التفسير الكب13/51. (1) التفسير الكب11/111. (9) مجموعة الفتاوى21/215.
عدد الصفحات ٥٧57 منسوخًا، ليس جْيع أكواع الصبر منسوخة؛ كيف، والآية لم تتعرّض لذلك هنا، لا بنفي، ولا نةبات؟! بل الصبر واجب لحكم الله، ما زال واجبًا، ونذا أمر بالجهاد، فعليه أيضًا أن يصبر لحكم الله، فإكّه ي بتلى من قتالهم بما هو أعظم من كلامهم، كما ابت لي به يوم أحد والخندق، وعليه حينئذ أن يصبر ويفعل ما أ مر به من الجهاد»(1) . وقال ابن تيميّةأيضًا: «وهذا ضعيف جدًّا؛ لأنّ النسخ لا ي صار نليه، نلاّ بيقين؛ وأمّا بالظنّ، فلا يثبت النسخ»(2) . وقال ابن القيّم«وقد غلط في السورة خلائق، وظنّوا أنهّا منسوخة بِية السيف؛ لاعتقادهم أنّ هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظنّ آخرون أنهّا مخصوصة بمن يـ ق رّون، على دينهم، وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض، فلا كسخ في السورة، ولا تخصيص، بل هي محكمة، عمومها كصّ محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإنّ أحكام التوحيد - التي اتّفقت عليه دعوة الرسل - يستحيل دخول النسخ فيه»(3) . وقال الزركش يّ: «وبـهذا التحقيــق تبيـّ ن ضعــف مــــا لـهـــــج بــــه ك ثيــــر، مــــن الـمفسّرين - في الآيًت الآمرة بالتخفيف - أنهّا منسوخة بِية السيف، و ليست كذلك، بل هي من الـم نْ س ــإ، بمعنَ أنّ كلّ أمر ورد يجب امتثاله، في وقت ما، لعلّة ت وجب ذلك الحكم، ثمّ ينتقل باكتقال تلك العلّة، نلى حكم آخر، وليس بنسخ، نّّا النسخ الإزالة، حتّ لا يجوز امتثاله أبدًا »(1) . (1) مجموعة الفتاوى5/139. (2) مجموعة الفتاوى21/326. (3) بدائع الفوائد1/211-215. (1) البرهان في علوم القرآن 2/12.
عدد الصفحات ٥٨58 وقال الزركشيّ أيضًا«لأنّ القرآن ناسخ مهيمن على كلّ الكتب، وليس يأتي بعده ناسخ له، وما فيه من ناسخ ومنسوخ، فمعلوم، وهو قليل، بينّ الله ناسخه عند منسوخه، كنسخ الصدقة عند مناجاة الرسول، وال عدّة والفرار في الجهاد ونحوه، وأمّا غير ذلك، فمن تحقّق علمًا بالنسخ، علم أنّ غالب ذلك من الـم نْ س إ، ومنه ما يرجع لبيان الحكم المجمل، كالسبيل في حقّ الآتية بالفاحشة، فبيّنته السنّة، وكلّ ما في القرآن ِّا ي دّعى كسخه بالسنّة عند من يراه، فهو بيان لحكم القر آن، وقال سبحاكه: ﴿و أ كـْز لْن ا ن ل يْك الذّ كْر ل تـ بـ ينّ ل لن اس ﴾ (1)، وأمّا بالقرآن على ما ظنّه كثير من المفسّرين، فليس بنسخ؛ ونّّا هو كسأ(2)، وتأخير، أو مجمل أ خّر بياكه لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوّله خطاب غيره، أو مخصوص من عموم، أو حكم عامّ لخاصّ، أو لمداخلة معنَ في معنَ. وأكواع الخطاب كثيرة، فظنّوا ذلك كسخًا، وليس به، وأكّه الكتاب المهيمن على غيره، وهو في كفسه متعاضد، وقد تولىّ الله حفظه »(3) . وقال صبحيّ الصا«لكنّ نساءة الأدب حقًّ ا - مع الله - تجسّ دت في تساه ل أصحاب النسخ، في الإ كثار من القول بالناسخ والمنسوخ ، رغم علمهم اليقينّ بأنّ ما يواجهوكه بالبحث والتأويل هو نلى الإكساء أقرب، و به ألصق. فقد سلكوا في المنسوخ ما أ مر به؛ لسبب، ثمّ زال سببه، كالأمر حين الضعف والقلّة، بالصبر وبالمغفرة ، للذين يرجون لقاء الله(1)، ثمّ كسخه بِية السيف، وليس هذا من (1) النحل11. (2 )كذا في المطبوع، والصواب: (ك سْء)، بهمزة على السطر، بلا ألف؛ لسكون ما قبلها. (3) البرهان في علوم القرآن 2/13-11. (1 )كذا في المطبوع، والصواب: (لا يرجون). قال تعا ﴿ق لْ ل ل ذ ين آم ن وا يـ غْف ر وا ل ل ذ ين لا يـ رْج ون أ يً م اللَّ ل ي جْز ي قـ وْمًا بم ا ك اك وا ي كْس ب ون ﴾. [الجاةية: 11].
عدد الصفحات ٥٩59 النسخ في شيء؛ ونّّا هو ضرب من الن سْء، وتأخير البيان نلى وقت الحاجة»(1). وقال محمّد الغزاليّ«والزعم بأنّ (121) آية من آيًت الدعوة ك سخت بِية السيف هو حماقة غريبة، دلّت على أنّ الجماهير المسلمة - في أيًّم التخلّف العقليّ أو العلميّ في حضارتنا - جهلوا القرآن، وكسوا بهذا الجهل كيف يدعون نلى الله، وكيف يحرّكون الدعوة، وكيف يضعون ّاذج حسنة للعرض الحسن.. ولعلّ هذا من أسباب فشل الدعوة الإسلاميّة، ووقوف هذه الدعوة في أيًّ م كثيرة عن أداء رسالتها، ظ ن أنّ السيف هو الذي يتدّي واجب التبليغ! وهذا باطل باتّفاق العقلاء. فقصّة النسخ - أو الحكم بتحنيط بعض الآيًت، فهي موجودة، ولكن لا تعمل - هذا باطل، وليس في القرآن أبدًا آية، ي كن أن ي قال: ننهّا ع طّلت عن العمل، وح كم عليها بالموت.. هذا باطل.. كلّ آية ي كن أن تعمل، لكنّ الحكيم هو الذي يعرف الظروف التي ي كن أن تعمل فيها الآية، وبذلك ت وز ع آيًت القرآن على أحوال البشر بالحكمة والموعظة الحسنة»(2). وقال مصطفى الزلميّ«بعد مراجعة مئات المراجع المعتمدة، من تفاسير القرآن، والحديث الشريف، وشروحه، وكتب أصول الفقه، والمتلّفات القدية والحديثة، بشأن النسخ في القرآن: لم أجد دليلاً قطعيًّا - من آية قرآ كيّة، أو سنّة كبويّة متواترة، أو نجْاع الصحابة، أو أقوال كتّاب الوحي، البالغ عددهم أكثر من أربعين صحابيًّا - يدلّ على كسخ آية معيّنة بِية أخرى، أو بسنّة متواترة. فكلّ ما ك تب - وقيل - ليس نلاّ دليلاً ظنـّيًّا مختلفً ا فيه، مستنتجًا من أخبار الآحاد، أو الاجتهادات الشخصيّة، أو الدلالات الظنـّيّة للنصوص. فقد أجْع علماء (1) مباحث في علوم القرآن : 263. (2) كيف كتعامل مع القرآن 51.
عدد الصفحات ٦٠61 الإسلام- قديًا وحديثًا - على أنّ ما ةبت باليقين لا يزول نلاّ باليقين »(1). وقال مصطفى الزلميّ أيضًا «وعدد الآيًت المنسوخة في الحكم دون التلاوة، وهي ت قر أ في المصاحف: (211) آية عند ابن الجوزيّ، و213) آية عند ابن سلامة، و(131) آية عند أبِ جعفر النحّاس، و66) آية عند عبد القاهر البغداديّ. وحصرها السيوطيّ في (21) آية، وردّ عليه العالم الأصوليّ الشيخ محمّد الخضريّ، وأةبت عدم كسخ آية واحدة منها، وحصرها مصطفى ز يد في خمس آيًت، وأةبت الأستاذ موسى جواد عفاكة عدم صحّة كسخ تلك الآيًت الخمس. وقد أةبتنا - بالأدلّة العقليّة والنقليّة في كتابنا: "التبيان لرفع غموض النسخ في القرآن " - عدم وجود آية قرآكيّة واحدة منسوخة في القرآن الكريم»(2). (1) التبيان لرفع غموض النسخ في القرآن 19. (2) أصول الفقه في كسيجه الجديد: 123-131.
عدد الصفحات ٦١61 الفروق بين القرآن الكريم، وروايات المكّيّ والمدنيّ فليست تلك الروايًت بثابتة ةبوتاً قطعيًّا، كثبوت القرآن الكريم؛ وليست كلّ آراء المتلّفين في هذه المسألة صحيحة قطعيّة، بل هي اجتهادات، قد ي صيب أصحابها، وقد يخ طئون، ونن كاكت في عمومها صحيحة. قال الزركشيّ: «وهذا القول نن أخذ على نطلاقه، ففيه كظر، فإنّ سو رة البقرة مدكيّة، وفيها: ﴿يً أ يـ ه ا الن اس اعْب د وا ر ب ك م ﴾ (1)، وفيها: ﴿ أ يـ ه ا الن اس ك ل وا ِ ا في الأْ رْض ح لا لاً ط يّ بًا﴾ (2). وسورة النساء مدكيّة، وفيها: ﴿يً أ يـ ه ا الن اس اتـ ق وا ر ب ك م ﴾(3)، وفيها: ﴿ننْ ي ش أْ ي ذْه بْك مْ أ يـ ه ا الن اس ﴾(1). وسورة الحجّ مكّيّة، وفيها: ﴿يً أ يـ ه ا ال ذ ين آم ن وا ارْك ع وا و اسْج د وا﴾(9). فإن أراد المفسّرون أنّ الغالب ذلك، فهو صحيح، ولذا قال مكّيّ: هذا نّّا هو في الأكثر، وليس بعامّ، وفي كثير من السور المكّيّة: ﴿يً أ يـ ه ا ال ذ ين آم ن وا﴾. اكتهى»(6) . وقال الزركشيّ أيضًا «ويقع الستال: أكّه هل كصّ النبيّ ، على بيان ذلك؟ قال القاضي أبو بكر ، في الاكتصار: نّّا هذا يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم، كما أكّه لا بدّ في العادة من معر فة معظّمي العالـم والخطيب، وأهل الحرص على حفظ كلامه ، ومعرفة كتبه ومصنّفاته من أن يعرفوا ما صنّفه أوّلاً (1) البقرة 21. (2) البقرة 165. (3) النساء1. (1) النساء133. (9) الحجّ11. (6) البرهان في علوم القرآن 1/131-131.
عدد الصفحات ٦٢62 وآخرًا، وحال القرآن في ذلك أمثل، والحرص عليه أشدّ، غير أكّه لم يكن من النبيّ ، في ذلك قول، ولا ورد عنه أكّه قال: اعلموا أنّ قدر ما كزل بمكّة كذا، وبالمدينة كذا، وفصّله لهم. ولو كان ذلك منه، لظهر واكتشر، ونّّا لم يفعله؛ لأكّه لم يتم ر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمّة، ونن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ؛ لي عر ف الحكم الذي تضمّنهما، فقد ي عر ف ذلك بغير كصّ الرسول بعينه، وقوله هذا هو الأوّل المكّيّ، وهذا هو الآخر المدنيّ. وكذلك الصحابة، والتابعون من بعدهم، لـمّا لم يعتبروا أنّ من فر ائض الدين تفصيل جْيع المكّيّ والمدنيّ ، ِّا لا يسوغ الجهل به، لم تتوفّ ر الدواعي على نخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته. ونذا كان كذلك ، ساغ أن يخ تلف في بعض القرآن: هل هو مكّيّ ، أو مدنيّ، وأن ي عملوا في القول بذلك ضرباً من الرأي، والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكّيّ والمدنيّ، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كلّ آية، أ كزلت قب ل نسلامه: مكّيّة، أو مدكيّة. فيجوز أن يقف في ذلك، أو يغلب على ظنّه أحد الأمر ين؛ ونذا كان كذلك ، بطل ما توهمّوه من وجوب كقل هذا، أو شهرته في الناس؛ ولزوم العلم به لهم، ووجوب ارتفاع الخلاف فيه »(1) . (1) البرهان في علوم القرآن 1/131-132.
عدد الصفحات ٦٣63 الفروق بين القرآن الكريم، وآراء بعض المؤلّفين في الإعجاز فليست تلك الآراء بثابتة ةبوتاً قطعيًّا، كثبوت القرآن الكريم؛ لأنهّ ا عبارة عن اجتهادات، قد ي صيب أصحابها، وقد يخ طئون، ولا سيّما عند التكلّ ف والتمحّل، والاتّكاء على الظنون. وأصل الإعجاز لا يختلف فيه اةنان من المنسوبين نلى الإسلام؛ ولكنّ آراء المتلّفين في الإعجاز ليست كلّها محلّ اتّفاق. قال ابن عثيمين: «فالإعجاز العلميّ في الحقيقة لا ك نكره، لا ك نكر أنّ في القرآن أشياء ظهر بيانها في الأزمنة المتأخّ رة؛ لكن غالى بعض الناس في الإعجاز العلميّ ، حتّ رأينا من جعل القرآن كأكّ ه كتاب ريًضة، وهذا خطأ. فنقول: ننّ المغالاة في نةبات الإعجاز العلميّ لا تنبغي؛ لأنّ هذه قد تكون مبنيّ ة على كظريًّ ت، والنظريًّ ت تختلف، فإذا جعلنا القرآن دالاًّ على هذه النظريّ ة، ثمّ تبينّ بعد أنّ هذه النظريّ ة خطأ، معنَ ذلك أنّ دلالة القرآن صارت خاطئة، وهذه مسألة خطيرة جدًّا»(1). (1) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمّد بن صالح العثيم26/25 .
عدد الصفحات ٦٤61 الفروق بين السنّة النبويّة، والأحاديث فليست كلّ الأحاديث صحيحة، ولا سيّما الأحاديث الموضوعة. وليس تصحيح بعض المتلّفين لبعض الأحاديث من قبيل التصحيح الاتّفاقيّ القطعيّ؛ فثمّة أحاديث كثيرة، اختلفوا في تصحيحها، وثَّة أحاديث صحّحها بعضهم برواية، وصحّحها آخرون برواية مغايرة، بزيًدة أو بنقيصة، أو بتبديل. وليس تصحيح الحديث دليلاً على أكّ ه مقطوع به، في كفس الأمر. قال ابن الصلاح: «اعلم- علّمك الله ونيًّي - أنّ الحديث عند أهله ينقسم نلى صحيح، وحسن، وضعيف. أمّا الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند الذي يتّصل نسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط نلى منتهاه، ولا يكون شاذًّا، ولا معل لاً. وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسل، والمنقطع، والمعضل، والشاذّ، وما فيه علّة قادحة، وما في راويه كوع جرح. وهذه أكواع يأتي ذكرها، نن شاء الله تبارك وتعالى . فهذا هو الحديث الذي يح ك م له بالصحّة، بلا خلاف بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحّة بعض الأحاديث؛ لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف، كما في المرسل. ومت قالوا: هذا حديث صحيح، فمعناه: أكّه اتّصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعًا به في كفس الأمر، نذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجْعت الأمّة على تلقّيها بالقبول»(1). وقد اكتشرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كلّ ناد ، وفي كلّ واد ، وغفل عن بطلانها - أو تغافل - الكثيرون، فكاكت هذه الغفلة، وذاك التغافل سببين (1 )معرفة أكواع علوم الحديث 13-51.
عدد الصفحات ٦٥65 من أسباب الانحراف عن الحقّ، والإعراض عن هداية القرآن الكريم. قال ابن الجوز يّ: «وقد كان جْاهير أئمّة السلف يعرفون صحيح المنقول من سقيمه، ومعلوله من سليمه، ثمّ يستخرجون حكمه، ويستنبطون علمه، ثمّ طالت طريق البحث على من بعدهم ، فقلّدوهم فيما كقلوا، وأخذوا عنهم ما هذّبوا، فكان الأمر متحاملاً ، نلى أن آلت الحال نلى خلف، لا يفرّقون بين صحيح وسقيم، ولا يعرفون كسرًا من ظليم، ولا يأخذون الشيء من معدكه، فالفقيه منهم يقلّد التعليق في خبر ما غبر خبره، والمتعبّد ينصب لأجل حديث لا يدري من سطّره، والقاصّ يروي للعوامّ الأحاديث المنكرة، ويذكر لهم ما لو شمّ ريح العلم ما ذكره، فخرج العوامّ من عنده يتدارسون الباطل، فإذا أككر علي هم عالم، قالوا: قد سمعنا هذا بـ(أخبرنا)، و(حدّةنا)، فكم قد أفسد القصّاص من الخلق بالأحاديث الموضوعة، كم من لون قد اصفرّ بالجوع، وكم هائم على وجهه بالسياحة، وكم ماكع كفسه ما قد أ بيح، وكم تارك رواية العلم زعمًا منه مخالفة النفس، في هواها، في ذلك، وكم موتم أولاده بالتزهّد، وهو حيّ، وكم معرض عن زوجته لا يوفّيها حقّها، فهي لا أيمّ، ولا ذات بعل »(1). وقال ابـن الص ـلاح: «فقـد تعــذّر - فـي ه ـذه الأعصـار - الاسـتقـلال بِدراك الصحيح ، بـمجرّد اعتبار الأسـاكيد؛ لأكّه ما من نســناد، من ذلك، نلاّ وتـجد فـي رجاله من اعتمد ، فـي روايته، على ما فـي كتابه، عريًًّ عمّا ي شتـرط ف ـي الصحيح، من الحفظ، والضبط، والإتقان. فآل الأمر نذن - فـي معرفة الص حيح والـحسن - نلـى الاعتمــاد على مــا كص عليه أئمّة الـحـديث، فـي تصاكيفهم (1) الموضوعات1/5.
عدد الصفحات ٦٦