المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حقائق مهجورة

برهان الدين القاضي

صفحة ٣ من ٣٠

31 الموازنة بين الصورة التنزيليّة والصور التأليفيّة بالموازكة بين الصورة التنزيليّة، والصور التأليفيّ ة الأربع : يتبينّ أنّ الصورة التأليفيّة - عمومًا - على قسمين، هما: 1- الصورة التأليفيّة الموافقة للصورة التنزيليّة: ومصدرها الوحي د الفريد هو الفهم السليم للوحي الإلهيّ المنزّل، أي: الفهم السليم للوحي القرآنيّ، والفهم السليم للوحي النبويّ. 2- الصورة التأليفيّ ة المخاالفة للصورة التنزيليّة: ولها عدّة مصاد ر سقيمة، أبرزها: القراءات السق يمة، والأحاديث السقيمة، والتفسيرات السقيمة، والشروح السقيمة، والروايًت السقيمة، والأخبار السقيمة، والآراء السقيمة. فأمّا الصورة التأليفيّة الاتّفاقيّة، فإنهّا موافقة للصورة التنزيليّة قطعًا؛ لأنّ المتّفقين فيها قد اختلفوا في آلاف المسائل غيرها، ومنها مسائل يسيرة؛ فلم يكن المتلّفون القدامى يسكتون عن الردّ ، على مخالفيهم، فكان بعضهم حريصًا على كصرة الحقّ، وردّ الباطل؛ وكان بعضهم يتربّص بمخالفيه، ينتظر منهم الزلّة والخطأ؛ ليردّ عليهم. ومن يطّلع على المسائل المختلف فيها، ودرجات الاختلاف، وصور التخطئة والتفسيق والتكفير والطعن في المخالفين، فسيظنّ أنّ المسائل التي اتّفق عليها المتلّفون القدامى: معدومة، أو نادرة. وهذا دليل على أنّ اتّفاق هتلاء المختلفين ما كان ليكون، لولا وجود الأدلّة الشرعيّة القطعيّة، التي لا ي كن أن يرتابوا فيها، أدَ ارتياب؛ فلم يكن اتّ فاقهم من قبيل التواطت على الباطل؛ ونلاّ، فما الذي يدعو نلى أن يتّفق المتلّفون كلّه م، المنتسبون نلى فرق متخالفة متنازعة؟! !!

عدد الصفحات ٣٥

35 فإذا اتّفق المتلّفون، كلّهم، من المذاهب الفقهيّة المختلفة، كلّها، الفرديّة، والجماعيّة، في مسألة فقهيّة، بلا أدَ اختلاف، كان اتّفاقهم هذا دليلاً على موافقة الصورة التأليفيّة الاتّفاقيّة، للصورة التنزيليّة. ونذا اتّفق المتلّفون، كلّهم، من المذاهب الع ق ديّ ة المختلفة، كلّها، في مسألة ع ق ديّة، بلا أدَ اختلاف، كان اتّفاقهم هذا دليلاً على موافقة الصورة التأليفيّة الاتّفاقيّة، للصورة التنزيليّة. ومع ذلك يجب - كلّ الوجوب - التفريق الدقيق بين الصورة التن زيليّة، والصورة التأليفيّ ة الاتّفاقيّ ة؛ فإنّ الصورة التنزيليّ ة هي الصورة ا لأصيلة؛ وما مثل الصورة التأليفيّ ة الاتّفاقيّة، نلاّ كمثل المرآة الصافية النقيّ ة، التي تعكس الصورة الحسنة. والح سن في المرآة ليس أصيلاً، نّّ ا هو ح سن الوجه، المعكوسة صورت ه، ويكفي المرآة الصافية فخرًا أنهّا استطاعت أن تعكس ذلك الح سن، و أن تسلم من الشوائب، التي تشوّه الصورة المعكوسة! وأمّا الصورتان: التأليفيّة التضليليّة، والتأليفيّة التعطيليّة، فإنهّما مخا لفتان للصورة الت نزيليّة، مخالفة قطعيّة، بلا أدَ شكّ؛ فإنّ الغرض منهما تضليل الناس عن الإسلام، وتعطيل حقائقه، والثاكية أشدّ خطرًا من الأولى. والفرق بينهما كالفرق بين كيد الكافر، وكيد المنافق، فكيد المنافق أشدّ خطرًا من كيد الكافر؛ لأنّ المنافق منسوب نلى الإسلام، وحقيقته خافية على الكثيرين، بخلاف الكافر، فإكّه عدوّ، صريح العداوة. قال ابن باز: «كالمنافق؛ فإنهّ م ل ـمّ ا أظهروا الإسلام ، وادّ عوا الإي ان، وصلّ وا مع الناس، وحجّ وا مع الناس، وجاهدوا مع الناس، نلى غير ذلك - ولكنّ هم في الباطن ليسوا مع المسلمين، بل هم في جاكب، والمسلمون في جاكب؛ لأنهّ م

عدد الصفحات ٣٦

36 مكذّبون لله ورسوله، منكرون لما جاءت به الرسل في الباطن، متظاهرون بالإسلام ؛ لحظوظهم العاجلة، ولمقاصد معروفة - أكذبهم الله في ذلك، وصاروا ك فّ ارً ا ض لاّ لاً ، بل صاروا أكفر وأشرّ ِّ ن أعلن كفره، ولهذا صاروا في الدرك الأسفل من النار، وما ذاك نلاّ لأنّ خطرهم أعظم ؛ لأنّ المسلم يظنّ أنهّ م نخوته، وأنهّ م على دينه، وربمّ ا أفشى نليهم بعض الأسرار، فضرّ وا المسلمين وخاكوهم، فصار كفرهم أش دّ ، وضررهم أعظم »(1) . ومثل هذين الصنفين من أعداء الإسلام، كمثل رجلين خبيثين، عمدا ن فتاة عفيفة. أمّا الخبيث الأوّل، فقد هجم عليها؛ ليغتصبها كفسها. وأمّا الخبيث الثاني، فقد دافع عنها، أوّل الأمر، وطرد المهاجم، فلمّا اطمأكّت نليه، راودها عن كفسها؛ ليزني بها. فغاية الخبيثين واحدة، ولكنّهما اختلفا في الوسائل، ووسيلة الثاني أخطر من وسيلة الأوّل، بلا ريب. وأمّا الصورة التأليفيّة الاختلافيّة، فهي قسمان: أ- صورة تأليفيّة اختلافيّة موافقة للصورة التنزيليّة. ب- صورة تأليفيّة اختلافيّة مخالفة للصورة التنزيليّة. ولا ي كن (القطع المطلق)، بمو افقة أيّ صورة من الصور التأليفيّة الاختلافيّة، للصورة التنزيليّة؛ ومن يقطع بذلك، فإ كّ ه نّّا يقطع ب طريقة (القطع النّ سبيّ )، لا بطريقة (القطع المطلق). والمعتبر في القطع: هو القطع المطلق، دون القطع النّ سبيّ ؛ لأنّ الاعتماد على القطع النّ سبيّ : ي فضي نلى القطع بالمتعار ضات، وهو باطل، بلا ريب. (1) مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة3/13-21.

عدد الصفحات ٣٧

37 وبيان ذلك أنّ المتلّفين المختلفين قد يقطع كلّ واحدمنهم، بموافقة صورته التأليفيّة للصورة التنزيليّة، و الكثير من مسائلهم التي اختلفوا فيها مسائل متعارضة، فيكون قبولنا لحكم القطع النّ سبيّ متدّيًً نلى أن نحكم على الآراء المتعارض ة بالصحّة، وهو حكم باطل، بلا خلاف. فكيف نحكم مثلاً على القول بِباحة الشيء، وعلى القول بتحريم الشيء كفسه، بحكم واحد، وهو موافقة الصورة التنزيليّة، موافقة قطعيّة؟!!! فليس لأحد من المختلفين ادّعاء حصول القطع المطلق، بموافقة أيّ صورة، من هاتين الصورتين، أو مخالفتها، للصورة التنزيليّة، ولكنّه ي كن أن يقطع بذلك، بطريقة القطع النّ سبيّ . بمعنَ أكّه يقطع معتمدًا على أدلّة، ارتضاها هو، ولكن خالفه فيها غيره، كأن يعتمد المتلّف في قطعه النّ سبيّ، على حديث، يرى أكّه كاف للقطع بالموافقة، أو القطع بالمخالفة؛ ويرى من يخالفه من المتلّفين أنّ ما اعتمد عليه القاطع لا ي كن الاعتماد عليه في القطع. وقــد تكـون أدلّ ــة مـن يقطــع بالقطــع النّ سبـيّ سليمة، فـي الواقــــــــع؛ فتكــون آراؤه - التي قطع بها - سليمة، موافقة للصورة التنزيليّة. وقــد تكــون أدلّ ـــة من يقطع بالقطع النّ سـبـيّ سقيمة، فـي الواقـــع؛ فتكــون آراؤه - التي قطع بها - سقيمة، مخالفة للصورة التنزيليّة. ومن هنا كان لإلزام المخالف طريق وحيد فريد، هو الاعتماد على أدلّة القطع المطلق؛ فإنّ أدلّة القطع النّ سبيّ السليمة ترجع - في الحقيقة - نلى أدلّة القطع المطلق، ولكنّ بيان رجوعها نليها يحتاج نلى جهد العال ـم المجتهد الألمعيّ، الذي يستطيع الكشف عن هذه العلاقة الخفيّة المفيدة.

عدد الصفحات ٣٨

38 الفروق بين الحقائق الإسلاميّة والمباحث التأليفيّة يجب التنبيه على وجود فروق كثيرة وكبيرة، بين الحقائق الإسلاميّة، والمباحث التأليفيّة، المنسوبة نلى (الإسلام). فالحقائق الإسلاميّة: صحيحة كلّ الصحّ ة، سليمة كلّ السلامة، بريئة كلّ البراءة، من الأخطاء، والأوهام، والأباطيل. بخلاف (المباحث التأليفيّة)، التي تتعلّق ببيان (الحقائق الإسلاميّة)؛ فإنهّا من تأليف المتلّفين، وهم بشرٌ ، ي صيبون، ويخ طئون. ومن هنا، وجبت مراعاة الفروق المهمّة الدقيقة، بين (الحقائق الإسلاميّة)، و(المباحث التأليفيّة). وأبرز تلك الفروق: أوّلاً - الفروق بين القرآن الكريم ، والمباحث التأليفيّة المتعلّقة به، وتشمل: 1- الفروق بين القرآن الكريم، وقراءات القرّاء. 2- الفروق بين القرآن الكريم، وتفسيرات المفسّرين. 3- الفروق بين القرآن الكريم، وروايًت أسباب النزو ل. 1- الفروق بين القرآن الكريم، وأقوال الناسخ والمنسوخ . 5- الفروق بين القرآن الكريم، وروايًت المكّيّ والمدنيّ. 6- الفروق بين القرآن الكريم، وآراء بعض المتلّفين في الإعجاز. ثانيًا- الفروق بين السنّة النبويّة، والمباحث التأليفيّة المتعلّقة بها، وتشمل: 1- الفروق بين السنّة النبويّة، والأحاديث. 2- الفروق بين السنّة النبويّة، وشروح الحديث. 3- الفروق بين السنّة النبويّة، ومباحث علوم الحديث.

عدد الصفحات ٣٩

39 ثالثًا- الفروق بين الشريعة الإسلاميّة، والمباحث التأليفيّة المتعلّقة بها، وتشمل: 1- الفروق بين الأحكام الشرعيّة العق ديّ ة، والآراء الع ق ديّة. 2- الفروق بين الأحكام الشرعيّة العمليّة، والآراء الأصوليّة. 3- الفروق بين الأحكام الشرعيّة العمليّة، والآراء الفقهيّة. 1- الفروق بين الأحكام الشرعيّة ال قيّ ة، والآراء الخ ل قيّة. رابعًا- الفروق بين الواقع الإسلاميّ، والأخبار التاريخيّة. خامسًا- الفروق بين النصّ الأصيل، وترجْة النصّ .

عدد الصفحات ٤٠

11 الفروق بين القرآن الكريم، وقراءات القرّاء فليست كلّ القراءات صحيحة، ولا سيّما القراءات الشاذّة؛ وليست كلّ مباحث علم القراءات صحيحة قطعيّة، ولا سيّما المباحث الخلافيّة. قال الفخر الرازيّ « :المسألة الثاكية عشرة: اتّفقوا على أكّه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذّة مثل قولهم: "الحمد لله"، بكسر الدال من "الحمد"، أو بضمّ اللام من "لله"؛ لأنّ الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقًا؛ لأنهّا لو كاكت من القرآن ، لوجب بلوغها في الشهرة نلى حدّ التواتر، ولـمّا لم يكن كذلك، علمنا أنهّا ليست من القرآن، نلاّ أكّ ـا عدلنا عن هذا الدليل، في جواز القراءة ، خارج الصلاة، فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة ، على أصل المنع»(1) . وقال الفخر الرازيّ أيضًا«المسألة الثالثة عشرة: اتّفق الأكثرون على أنّ القراءات الم شهورة منقولة بالنقل المتواتر، وفيه نشكال: وذلك لأكّ ـا كقول: هذه القراءات المشهورة، نمّا أن تكون منقولة بالنقل المتواتر، أو لا تكون؛ فإن كان الأوّل، فحينئذ قد ةبت بالنقل المتواتر أنّ الله تعالى قد خيرّ المكلّ فين بين هذه القراءات، وسوّى بينها في الجواز، ونذا كان كذلك ، كان ترجيح بعضها على البعض واقعًا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر، فوجب أن يكون الذاهبون نلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق، نن لم يلزمهم التكفير، لكنّا كرى أنّ كلّ واحد من هتلاء القرّاء يختصّ بنوع معينّ من القراءة، ويحمل الناس عل يها، وينعهم من غيرها، فوجب أن يلزم في حقّهم ما ذكرناه. وأمّا نن قلنا: ننّ هذه القراءات ما ةبتت بالتواتر، بل بطريق الآحاد ، فحينئذ يخرج القرآن ع ن كوكه مفيدًا (1) التفسير الكب1/11.

عدد الصفحات ٤١

11 للجزم والقطع واليقين، وذلك باطل بالإجْاع . ولقائل أن يج يب عنه، فيقول: بعضها متواتر، ولا خلاف بين الأمّة فيه، وتجويز القراءة بكلّ واحد منها، و بعضها من باب الآحاد، وكون بعض القراءات من باب الآحاد، لا يقتضي خروج القرآ ن بكلّيّته عن كوكه قطعيًّا»(1) . وقال الفخر الرازيّ أيضًا«والجواب الصحيح أنّ القراءة الشاذّة مردودة؛ لأنّ كلّ ما كان قرآناً وجب أن يثبت بالتواتر، فحيث لم يثبت بالتو اتر، قطعنا أكّه ليس بقرآن »(2) . وقال الفخر الرازيّ أيضًا«القراءة الشاذّة لا تبطل القراءة المتواتر ة، فنحن كتمسّك بالقراءة المتواترة، في نةبات مذهبنا. وأيضًا القراءة الشاذّة ليست بحجّة عندنا؛ لأكّ ـا كقطع أنهّا ليست قرآناً، نذ لو كاكت قرآناً، لكاكت متواترة...»(3) . وقال الفخر الرازيّ أيضًا«فهذه هي القراءات الشاذّة المذكورة في هذه الآية. واعلم أنّ المحقّقين قالوا: هذه القراءات لا يجوز تصحيحها؛ لأنهّا منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولاً بالتواتر؛ نذ لو جوّزنا نةبات زيًدة في القرآن بطريق الآحاد، لما أمكننا القطع بأنّ هذا الذي هو عندنا كلّ القرآن؛ لأكّه لـمّ ا جاز في هذه القراءات، أنهّا - مع كونها من القرآن - ما ك قلت بالتواتر، جاز في غيرها ذلك؛ فثبت أنّ تجويز كون هذه القراءات من القرآن يطرّ ق جواز الزيًدة والنقصان والتغيير نلى الق رآن، وذلك ي ـخـرج القرآن عن كوكه حجّ ـة؛ ولـمّ ـا كان ذلك باطلاً، فكذلك ما أدّى نليه »(1). (1) التفسير الكب1/11-11. (2) التفسير الكب6/31. (3) التفسير الكب11/233. (1) التفسير الكب22/19.

عدد الصفحات ٤٢

12 وقال أبو شامة«واعلم أنّ القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها قد اكتهت نلى السبعة القرّاء المقدّم ذكرهم، واشتهر كقلها عنهم لتصدّيهم لذلك، ونجْاع الناس عليهم، فاشتهرو ا بها، كما اشتهر في كلّ علم من الحديث والفقه والعربيّة أئمّة، اقت دي بهم، وع وّل فيها عليهم. ونحن فإن قلنا(1): ننّ القراءات الصحيحة نليهم ك سبت وعنهم ك قلت، فلسنا ِّن يقول: ننّ جْيع ما ر و ي عنهم يكون بهذه الصفة، بل قد ر وي عنهم ما ي طل ق عليه أكّه ضعيف وشاذّ، بخروجه عن الضابط المذكور، باختلال بعض الأركان الثلاةة، ولهذا ترى كتب المصنّفين في القراءات السبع مختلفة في ذلك، ففي بعضها ذكر ما سقط في غيرها، والصحيح بالاعتبار الذي ذكرناه موجود في جْيعها ، نن شاء الله تعالى. فلا ينبغي أن يغترّ بكلّ قراءة ت عزى نلى وا حد من هتلاء الأئمّة السبعة، وي طل ق عليها لفظ الصحّة، ونن هكذا أكزلت (2)، نلاّ نذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنّف عن غيره، ولا يختصّ ذلك بنقلها عنهم، بل نن ك قلت عن غير هم من القرّاء، فذلك لا يخ رجها عن الصحّة. فإنّ الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا عمّن ت نس ب نليه. فإنّ القراءات المنسوبة نلى كلّ قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة نلى المجمع عليه والشاذّ، غير أنّ هتلاء السبعة - لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم - تركن النفس نلى ما ك قل عنهم، فوق ما ي نق ل عن غيرهم»(3) . وقال أبو شامة أيضًا: «وقد شاع على ألسنة جْاعة من المقرئين المتأخّرين وغيرهم من المقلّدين أنّ القراءات السبع كلّها متواترة، أي: كلّ فرد، فرد، ِّا ر وي (1) في المطبوع: (فإن قلنا)، والصواب: (ونن قلنا (2) في المطبوع: (ونن هكذا أكزلت)، والصواب: (وأنهّا هكذا أ كز لت (3) المرشد الوجيز 131-139.

عدد الصفحات ٤٣

13 عن هتلاء الأئمّة السبعة، قالوا: والقطع بأنهّا منزّ لة - من عند الله - واجب. ونحن بهذا كقول، ولكن فيما اجتمعت على كقله عنهم الطرق، واتّفقت عليه الفرق، من غير ككير له، مع أكّه شاع واشتهر واستفاض، فلا أقلّ من اشتراط ذلك، نذا لم يتّفق التواتر في بعضها. فإنّ القراءات السبع المراد بها ما ر وي عن الأئمّة السبعة القرّاء المشهورين، وذلك المرويّ عنهم منقسم نلى ما أ جْع عليه عنهم، لم يختلف فيه الطرق، ونلى ما اخت لف فيه، بمعنَ أكّه ك فيت كسبته نليهم في بعض الطرق. فالمصنّفون لكتب القراءات يختلفون في ذلك، اختلافًا كثيرًا، ومن تصفّح كتبهم في ذلك، ووقف على كلامهم فيه، عرف صحّة ما ذكرناه. وأمّا من يهوّل في عبارته قائلاً: ننّ القراءات السبع متواترة، لأنّ القرآن أ كزل على سبعة أحرف، فخطته ظاهر؛ لأنّ الأحرف السبعة المراد بها غير القراءات السبع، على ما سبق تقريره في الأبواب المتقدّمة. ولو سئل هذا القائل عن القراءات السبع التي ذكرها، لم يعرفها ، ولم يهتد نلى حصرها، ونّّا هي شيء طرق سمعه، فقاله غير مفكّر في صحّته، وغايته - نن كان من أهل هذا العلم - أن يج يب بما في الكتاب الذي حفظه. والكتب في ذلك كما ذكرنا مختلفة، ولا سيّما كتب المغارب ة والمشارقة، فبين كتب الفريقين تباين في مواضع كثيرة، فكم في كتابه من قراءة ق د أ ككرت، وكم فات كتابه من قراءة صحيحة فيه ما س طرت، على أكّه لو عر ف شروط التواتر، لم يجسر على نطلاق هذه العبارة في كلّ حرف من حروف القراءة. فالحاصل: نكّ ـا لسنا ِّن يلتزم التواتر في جْيع الألفاظ المختلف فيها بين القرّاء، بل القراءات كلّها منقسمة نلى متواتر وغير متواتر، وذلك بين ّ لمن أكصف وعر ف وتصفّح القراءات وطرقها. وغاية ما ي بديه مدّعي تواتر المشهور منها - كإدغام أبِ عمرو، وكقل الحركة لورش، وصلة ميم الجمع، وهاء الكناية لابن كثير - أكّه متواتر عن ذلك الإمام، الذي ك سبت تلك القراءة نليه، بعد أن يج هد كفسه في

عدد الصفحات ٤٤

11 استواء الطرفين والواسطة، نلاّ أكّه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام نلى النبيّ ، في كلّ فرد، فرد، من ذلك، وهنالك ت سك ب العبرات، فإنهّا من ثمّ لم ت نق ل نلاّ آحادًا، نلاّ اليسير منها. وقد حقّقنا هذا الفصل أيضًا في "كتاب البسملة الكبير"، وكقلنا فيه من كلام الحذّاق من الأئمّة المتقنين ما تلاشى عنده ش ب ه المشنّعين، وبالله التوفيق»(1) . وقال الزركشيّ«واعلم أنّ القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزّل على محمّد ، للبيان والإعجاز؛ والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيّتها؛ من تخفيف وتثقيل وغيرهما، ثمّ ههنا أمور: أحدها أنّ القراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل: بل مشهورة، ولا عبرة بِككار المبرّد قراءة حمزة: "والأرحام " و"مصرخيّ "، ولا بِككار مغاربة ال نحاة كابن عصفور قراءة ابن عامر: "قتل أولاد هم شركائهم". والتحقيق : أنهّ ا متواترة ، عن الأئمّة السبعة؛ أمّ ا تواترها عن النبيّ ، ففيه كظر؛ فإنّ نسناد الأئمّة السبعة بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات، وهي كقل الواحد عن الواحد ، لم تكمل شروط التواتر ، في استواء الطرفين والواسطة، وهذا شيء موجود في كتبهم، وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الم رشد الوج يز" نلى شيء من ذلك»(2). وقال الزركشيّ أيضًا«قلت: وما أفت به الشيخان كقله النوويّ في شرح المهذّب عن أصحاب الشافعيّ، فقال: قال أصحابنا وغيرهم: لا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذّة؛ لأنهّا ليست قرآناً، لأنّ القرآن لا يثبت (1) المرشد الوجيز 139-136. (2) البرهان في علوم القرآن 1/315-313.

عدد الصفحات ٤٥

15 نلاّ بالتواتر، والقراءة الشاذّة ليست متواترة؛ ومن قال غيره، فغال طٌ أو جاه لٌ ، فلو خالف وقرأ بالشاذّ، أ ككر عليه قراءتها في الصلاة وغيرها، وقد اتّفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذّ. وكقل ابن عبد البرّ نجْاع المسلمين على أكّه لا تجوز القراءة بالشواذّ، ولا ي صلّى خلف من يقرأ بها»(1). وقال الزركشيّ أيضًا «الثالث: أنّ القراءات توقيفيّ ة، وليست اختياريّة، خلافًا لجماعة منهم الزمخشريّ، حيث ظنّوا أنهّا اختياريّة، تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء. وردّ على حمزة قراءة: "والأرحام " بالخفض؛ ومث ل ما ح كي عن أبِ زي د والأصمعيّ ويعقوب الحضرميّ أن خطّ أوا حمزة في قر اءته: "وما أكتم بمصرخيّ " بكسر الياء المشدّدة، وكذا أككروا على أبِ عمرو ندغامه الراء عند اللام في: "يغفل كم". وقال الزجّاج: نكّه خطأ فاحش؛ ولا ت دغ م الراء في اللام نذا قلت : "م رْ لي " بكذا؛ لأنّ الراء حرف مكرّر، ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به؛ فأمّا اللام فيجوز ندغامه في الراء، ولو أ دغمت اللام في الراء ، لزم التكرير من الراء. وهذا نجْاع النحويّين. اكتهى. وهذا تحام لٌ...»(2) . وقال الزركشيّ أيضًا«وعن الإمام أحمد بن حنبل أكّه كره قراءة حمزة؛ ل ما فيها من طول المدّ وغيره، فقال: لا تعجبن، ولو كاكت متواترة، ل ما كرهها »(3). (1) البرهان في علوم القرآن 1/333. (2) البرهان في علوم القرآن 1/321-322. (3) البرهان في علوم القرآن 1/321.

عدد الصفحات ٤٦

16 الفروق بين القرآن الكريم، وتفسيرات المفسّرين فليست كلّ تفسيراتهم صحيحة، ولا سيّما تفسيرات الغلاة؛ وليست كلّ مباحث علم التفسير صحيحة قطعيّة، ولا سيّما المباحث الخلافيّة. قال ابن تيميّ ة: «والمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفس، وأنّ من أعظم أسبابه البدع الباطلة، التي دعت أهلها نلى أن حرّفوا الكلم عن مواضعه، وفسّروا كلام الله ورسوله ، بغير ما أ ريد به، وتأوّلوه على غير تأويله، فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإكسان القول الذي خالفوه، وأكّه الحقّ ، وأن يعرف أنّ تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف أنّ تفسيرهم محد ث مبتد ع، ثمّ أن يعرف بالطرق المفصّلة فساد تفسيرهم، بما كصبه الله من الأدلّة على بيان الحقّ »(1). وقال ابن تيميّة أيضًا«ولا بدّ في تفسير القرآن والحديث من أن يعر ف ما يدلّ على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف ي فه م كلامه، فمعرفة الع ربيّة التي خوطبنا بها ِّا ي عين على أن كفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإنّ عامّة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب؛ فإنهّم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدّعون أكّه دالّ عليه، ولا يكون الأمر كذلك، ويجعلون هذه الدلالة حقيقة، وهذه مجازًا»(2) . وقال ابن تيميّة أيضًا«نحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثمّ أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. والثاكية: قوم فسّروا القرآن بمجرّد ما يسوغ أن ي ريده بكلامه من (1) مجموعة الفتاوى13/131. (2) مجموعة الفتاوى1/15.

عدد الصفحات ٤٧

17 كان من الناطق بلغة العرب، من غير كظر نلى المتكلّم بالقرآن، والمنز ل عليه، والمخاط ب به. فالأوّلون راعوا المعنَ الذي رأوه، من غير كظر نلى ما تستحقّه ألفاظ القرآن ، من الدلالة والبيان. والآخرون راعوا مجرّد اللفظ، وما يجو ز عندهم أن ي ريد به العربِّ، من غير كظر نلى ما يصلح للمتكلّم به ولسياق الكلام. ثمّ هتلاء كثيرًا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنَ في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أنّ الأوّلين كثيرًا ما يغلطون في صحّة المعنَ الذي فسّروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، ونن كان كظر الأوّلين نلى المعنَ أسبق، وكظر الآخرين نلى اللفظ أسبق. والأوّلون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دلّ عليه، وأ ريد به، وتارة يحملوكه على ما لم يدلّ عليه ، ولم يـ ر د به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا كفيه أو نةباته من المعنَ باطلاً، فيكون خطتهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقًّا، فيكون خطتهم في الدليل، لا في المدلول»(1) . وقال ابن تيميّة أيضًا: «فما قاله الناس من الأقوال المختلفة في تفس القرآن وتأويله ليس لأحد أن يصدّق بقول، دون قول، بلا علم، ولا يكذّب بشيء منها، نلاّ أن يح يط بعلمه، وهذا لا ي كن نلاّ نذا عرف الحقّ الذي أ ر يد بالآية، فيعلم أنّ ما سواه باطل، فيكذّب بالباطل الذي أحاط بعلمه، وأمّا نذا لم يعرف معناها، ولم يح ط بشيء منها علمًا، فلا يجوز له التكذيب بشيء منها، مع أنّ الأقوال المتناقضة بعضها باطل قطعًا، ويكون حينئذ المكذّب بالقرآن كالمكذّب بالأقوال المتناقضة، والمكذّب بالحقّ كالمكذّب بالباطل، وفساد اللازم يدلّ عل ى فساد الملزوم»(2) . (1) مجموعة الفتاوى13/131-131. (2) مجموعة الفتاوى11/215.

عدد الصفحات ٤٨

18 وقال ابن تيميّة أيضًا«وكثير منهم نّّا ينظر من تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقوه على المذهب ، فيتأوّل تأويلاتهم، فالنصوص التي ت وافقهم يحتجّون بها، والتي تخالفهم يتأوّلونها، وكثير منهم لم يكن عمدتهم في كفس الأمر اتّباع كصّ أصلاً »(1) . وقال ابن تيميّة أيضًا«وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة، مثل الحديث الذي يرويه الثعلبيّ والواحديّ والزمخشريّ ، في فضائل سور القرآن ، سورة، سورة؛ فإكّه موضوع باتّفاق أهل العلم. والثعلبيّ هو في كفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع ؛ والواحديّ صاحبه كان أبصر منه بالعربيّة؛ لكن هو أبعد عن السلامة واتّباع السلف، والبغويّ تفسيره مختصر من الثعلبيّ، لكنّه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة، والآراء المبتدعة. والموض وعات في كتب التفسير كثيرة... »(2) . وقال أبو حيّان الأكدلسيّ«وكثيرًا ما يشحن المفسّرون تفاسيرهم من ذلك الإعراب، بعلل النحو، ودلائل أصول الفقه، ودلائل أصول الدين، وكلّ هذا مقرّر في تآليف هذه العلوم، ونّّا يتخ ذ ذلك مسل مًا في علم التفسير، دون استدلال عليه، وكذلك أيضًا ذكروا ما لا يصحّ من أسباب كزول، وأحاديث في الفضائل، وحكايًت لا تناسب، وتواريخ نسرائيليّة، ولا ينبغي ذكر هذا في علم التفسير. ومن أحاط بمعرفة مدلول الكلمة وأحكامها قبل التركيب، وعلم كيفيّة تركيبها في تلك اللغة، وارتقى نلى َييز حسن تركيبها وقب حه، فلن يحتاج في فهم ما تركّب من تلك الألفاظ نلى مفهّم ولا معلّم، ونّّا تفاوت الناس في ندراك هذا الذي (1) مجموعة الفتاوى11/211. (2) مجموعة الفتاوى13/131.

عدد الصفحات ٤٩

19 ذكرناه، فلذلك اختلفت أفهامهم، وتباينت أقوالهم . وقد جرّ ينا الكلام يومًا مع بعض من عاصرنا، فكان يزعم أنّ علم التفسير مضطرّ نلى النقل في فهم معاني تراكيبه، بالإسناد نلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم، وأنّ فهم الآيًت متوقّف على ذلك، والعجب له أكّه يرى أقوال هتلاء كثيرة الاختلاف، متباينة الأوصاف، متعارضة ينقض بعضها بعضًا. وكظير ما ذكره هذا المعاصر أكّه لو تعلّم أحدنا مثلاً لغة الترك، نفرادًا وتركيبًا، حتّ صار يتكلّم بتلك اللغة، ويتصرّف فيها كثرًا وكظمًا، ويعرض ما تعلّمه على كلامهم، فيجده مطابقًا للغتهم، قد شارك فيها فصحاءهم، ثمّ جاءه كتاب بلسان الترك، في حجم عن تدبّره، وعن فهم ما تضمّنه من المعاني، حتّ يسأل عن ذلك سنقرً ا التركيّ، أو سنجرً ا، ترى مثل هذا ي عدّ من العقلاء؟ وكان هذا المعاصر يزعم أنّ كلّ آية كقل فيها التفسير خلفٌ ، عن سلف، بالسند، نلى أن وصل ذلك، نلى الصحابة...»(1). وقال الزركشيّ«لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمّهاتها أربعة : الأوّل: النقل عن رسول الله ، وهذا هو الطراز الأوّل؛ لكن يجب الحذر من الضعيف فيه، والموضوع؛ فإكّه كثير. وننّ سواد الأوراق سواد في القلب. قال الميمونيّ : سمعت أحمد بن حنبل يقول: ةلاث كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير. قال المحقّقون من أصحابه: ومراده أنّ الغالب أنهّا ليس لها أساكيد صحاح متّصلة، ونلاّ فقد صحّ من ذلك كثير...»(2). وقال السيوطيّ معقّبًا على كلام الزركشيّ «قلت: الذي صحّ من ذلك قليل جدًّا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلّة، وسأسردها كلّها، آخر (1) تفسير البحر المحيط1/111. (2) البرهان في علوم القرآن 2/196.

عدد الصفحات ٥٠