المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حقائق مهجورة

برهان الدين القاضي

صفحة ٢٨ من ٣٠

131 الجهة الثالثة- الروايًت التي استدلّ بها (أحبار المتعة) ليست بثابتة ةبوتاً قطعيًّا، فكلّها من روايًت الآحاد، وهي على عدّة أقسام، أبرزها: 1- روايًت موضوعة مكذوبة منسوبة نلى النبيّ  . ومن أمثلتها«ل ـمـا أ سْر ي بِ ن لى الس م اء ، لح ق ن ج بـْر ئ يل ، فـ ق ال : يً مح م د ، ن ن اللَّ  يـ ق ول : ن نيّ ق دْ غ ف رْت ل لْم ت م تّ ع ين م ن النّ س اء »(1). 2- روايًت تتعلّق بمتعة الحجّ(2)؛ لكنّ(أحبار المتعة) حرّفوا دلالاتها نلى المتعة المزعومة. ومن أمثلة ذلك: عن عمران بن حصين، قال: «أ كْز ل تْ آي ة الْم تـْع ة ، في ك ت اب اللَّ ، فـ ف ع لْن اه ا م ع ر س ول اللَّ ، و لم ْ يـ نـْز لْ قـ رْآنٌ يح رّ م ه ، و لم ْ يـ نْه ع نـْه ا، ح ت م ات ، ق ال ر ج لٌ ب ر أْي ه م ا ش اء »(3). فهذه الرواية- وأمثالها من الروايًت - نّّا تتعلّق بموضوع متعة الحجّ؛ ولكنّ (أحبار المتعة) يخدعون أتباعهم، ويدّعون أنّ لفظة (المتعة) في هذه الروايًت ي راد بها المتعة المزعومة. وقد بيّنا بالتفسير القطعيّ العربِّ الصحيح عدم وجود آية تدلّ على تلك المتعة المزعومة. أمّا المقصود بعبارة (آية المتعة)، الواردة في هذه الرواية، فهو قوله تعالى: ﴿و أ َ وا الحْ ج و الْع مْر ة للَّ ف إ نْ أ حْص رْتم ْ ف م ا اسْتـ يْس ر م ن الهْ دْي و لا تح ْل ق وا ر ء وس ك مْ ح ت يـ بـْل غ الهْ دْي مح ل ه ف م نْ ك ان م نْك مْ م ر يضًا أ وْ ب ه أ ذًى م نْ ر أْس ه ف ف دْي ةٌ م نْ ص ي ام أ وْ ص د ق ة أ وْ ك س ك ف إ ذ ا أ م نـْت مْ ف م نْ َ ت ع با لْع مْر ة ن لى الحْ جّ ف م ا اسْتـ يْس ر م ن (1) بحار الأكوار111/316، رقم 21. (2) اكظر: كشف المشكل 1/111، وفتح الباري 3/132-133، و5/156، وككاح المتعة دراسة وتحقيق: 316-315. (3) صحيح البخاريّ1/1612، رقم 1216.

عدد الصفحات ٤٣٥

135 الهْ دْي ف م نْ لم ْ يج دْ ف ص ي ام ة لا ة ة أ يً م في الحْ جّ و س بـْع ة ن ذ ا ر ج عْت مْ ت لْك ع ش ر ةٌ ك ام ل ةٌ ذ ل ك ل م نْ لم ْ ي ك نْ أ هْل ه ح اض ر ي الْم سْج د الحْ ر ام و اتـ ق وا اللَّ و اعْل م وا أ ن اللَّ ش د يد الْع ق اب ﴾(1). ومثل (أحبار المتعة) - في استدلالهم بهذه اللفظة من هذه الرواية، بالاعتماد على (الاشتراك اللفظيّ) - كمثل م غال ط يحاول أن يستدلّ على تحريم (التمتّ ع) بقوله تعالى: ﴿ق لْ َ تـ ع وا ف إ ن م ص ير ك مْ ن لى الن ار ﴾(2). فالمغالط يستطيع أيضًا أن يعتمد على الاشتراك اللفظيّ للف عل (َتّع)، ويقطع النصّ عن سياقه الكامل؛ فيدّعي تحريم (التمتّع)، بالاستناد نلى هذا التفسير السقيم، المخالف للدلالة القرآكيّة، كلّ المخالفة!!! 3- روايًت دلّت على الترخيص المتقت، مع الدلالة على التحريم المتب د؛ فكيف يصحّ الاعتماد على الجزء المرخّ ص، والإعراض عن الجزء المحرّ م(3). ومن أمثلة ذلك: عنسبرة الج هنّ «أ ك ه ك ان م ع ر س ول اللَّ ، فـ ق ال يً أ يـ ه ا الن اس ، ن نيّ ق دْ ك نْت أ ذ كْت ل ك مْ، في الا سْت مْت اع ، م ن النّ س اء ، و ن ن اللَّ ق دْ ح ر م ذ ل ك ، ن لى يـ وْم الْق ي ام ة ، ف م نْ ك ان ع نْد ه م نـْه ن ش يْءٌ ، فـ لْي خ لّ س ب يل ه ، و لا تأ ْخ ذ وا ِ ا آتـ يـْت م وه ن ش يـْئًا»(1). فإمّا أن يعتمد (أحبار المتعة) على المتن كلّه، فيقولوا بوجود الترخيص المتق ت، فالتحريم المتب د؛ ونمّا أن ي عرضوا عن المتن كلّ ه؛ فلا يكو ن دليلاً على مرادهم، في الحالتين. (1) البقرة 136. (2) نبراهيم 31. (3) اكظر: تحريم ككاح المتعة111،123. (1) صحيح مسلم2/1129، رقم 1116/21.

عدد الصفحات ٤٣٦

136 ولكنّ (أحبار المتعة) عمدوا نلى الجزء المرخّ ص، فاعتمدوا عليه؛ وأعرضوا كلّ الإعراض، عن الجزء المحرّ م؛ وهي مغالطة كبيرة مفضوحة، بلا ريب!!! قال تعالى: ﴿أ فـ تـ تْم ن ون ب بـ عْض الْك ت اب و ت كْف ر ون ب بـ عْض ﴾(1). ودعوى الترخيص المتق ت ليست قطعيّة التصدير، ولا قطعيّة التفسير؛ فإنّ الروايًت التي تضمّنت ذلك الترخيص ليست نلاّ روايًت آحاد؛ ولذلك لا ي كن القطع بصحّة كسبة ما فيها من ترخيص متق ت نلى النبيّ . وكذلك لا ي كن القطع بصحّة الفهم الذي اختاره بعض الرواة، و بعض المتلّفين، من بعدهم؛ فليس ثَّة دليل قطعيّ على صحّة ذلك الفهم؛ لأكّه مستن د نلى ما لا ي كن القطع بصحّة صدوره. ولا ي كن تحقيق التفسير القطعيّ، نلاّ بعد التحقّق من قطعيّة التصدير؛ لأ نّ التفسير عبارة عن بيان دلالة الدليل، والدلالات تختلف باختلاف الع ناصر المقاليّة والمقاميّة للنصّ؛ فيكون كلّ تغيير في عناصر الدلالة متدّيًً نلى تغيير في صحّة التفسير، وقطعيّته. وثَّة فرق كبير بين كسبة الترخيص المتق ت نلى النبيّ ، وبين كسبة التمتّع نلى بعض الصحابة، في العهد النبويّ. فجائز أن يكون بعض الصحابة قد مارسو ا المتعة، كما مارسوا غيرها، من العادات الجاهليّة، التي ح رّمت بالتدريج؛ ثمّ جاء التحريم القطعيّ، بالبيان النبويّ الصريح، فاكتهوا عنها؛ طاعة لله تعالى. وقد شرب بعض الصحابة الخمر، في العهد النبويّ، قبل تحريها؛ وليس ذلك الشرب دليلاً على نباحتها، أو على وجود الترخيص فيها؛ ونّّا شربو ها لعدم (1) البقرة 59.

عدد الصفحات ٤٣٧

137 وجود التحريم القطعيّ؛ فلمّا ح رّمت، اكتهوا عنها؛ طاعة لله تعا ولذلك لا يجوز القطع بنسبة الترخيص المتق ت نلى النبيّ ، بالاعتماد على روايًت ظنـّيّة الثبوت، وظنـّيّة الدلالة؛ ولا سيّما مع التعارض القطعيّ، بين ذلك الترخيص الم زعوم، وبين القطعيّات الإسلاميّة. ولو سلّمنا جدلاً وجود ذلك الترخيص؛ فإنّ روايًت الترخيص تدلّ على أنّ الترخيص كان متقـ تًا، وليس متب دًا، وأكّه كان لغ زاة الصحابة، في بعض الغزوات، وأكّه كان لأسباب خاصّة، وأنّ النساء اللاتي ارتبطوا بهنّ متق ــتًا ك نّ من الكافرات، لا من المتمنات، كما توهّم بعض المتلّفين. فمن أين جاء (أحبار المتعة) - في فتاواهم الأةيمة - باستحباب التمتّع بالمتمنة العفيفة؛ وجواز التمتّع بالرضيعة تفخيذًا؛ وجواز التمتّع ببنت التاسعة تفخيذًا، من دون نذن وليّها؛ وجواز التمتّع وطئًا، بالبكر، التي ليس لها أب؛ وجواز التمتّع وطئًا، بالبكر، من دون نذن وليّها، نذا منعها ولي ها من التمتّع بالكفت، الذي ترغب نليه؛ وجواز التمتّع وطئًا، بالبكر، البالغة الر شيدة، من دون نذن وليّها؛ وجواز التمتّع وطئًا، مع عدم التحقّق من ارتباط الموطوءة برج ل آخر؛ وجواز التمتّ ع وطئًا، بعدد غير محصور، من النساء... نلخ؟!!! 1- روايًت تنسب القول بِباحة المتعة المزعومة، نلى بعض الصحابة ومن أمثلة ذلك: عن أبِ جْرة قال: «سم عْت ابْن ع ب اس ، ي سْأ ل ع نْ م تـْع ة النّ س اء ، فـ ر خ ص ، فـ ق ال ل ه م وْلىً ل ه : ن ّ ا ذ ل ك في الحْ ال الش د يد ، و في النّ س اء ق ل ةٌ، أ وْ نح ْو ه ، فـ ق ال ابْن ع ب اس : كـ ع مْ »(1). والرأي الذي يذهب نليه بعض الصحابة - نن صحّ صدوره منهم - ليس (1) صحيح البخاريّ9/1361، رقم 1526.

عدد الصفحات ٤٣٨

138 حجّة شرعيّة، و سيّما حين يـخالفون - في رأيهم - جْهور الصحابة(1) . 1- روايًت تنسب القول بِباحة المتعة المزعومة، نلى بعض التابعين، وتابع يهم. ومن أمثلة ذلك: ما ي نس ب نلى جعفر بن محمّ د بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبِ طالب، الملقّب بالصادق، أكّه قال: «م ا م نْ ر ج ل َ ت ع ، ثم اغْت س ل ، ن لا خ ل ق اللَّ م نْ ك لّ ق طْر ة ، تـ قْط ر م نْ ه س بْع ين م ل كًا، ي سْتـ غْف ر ون ل ه ، ن لى يـ وْم الْق ي ام ة ، و يـ لْع ن ون م ت ج نّ بـ ه ا، ن لى أ نْ تـ ق وم الس اع ة »(2) . وأقوال التابعين وتابعيهم ليست حجّة شرعيّة، بلا ريب، حتّ لو صحّت كسبة تلك الأقوال نليهم. بل في حالة صحّة هذا القول المنك ر عن (جعفر بن محمّد)؛ فإنّ هذا القول سيكون سببًا في اكتقاد هذا الرجل، والطعن في علمه وصدقه ودينه!!! ولذلك تجد العلماء - الذين يقولون بفضل هذا الرجل - ينفون صحّة صدور أمثال هذه العبارات منه، ويتّهمون الرواة عنه بالكذب، والافتراء عليه. قال ابن تيميّة: «وكذلك جعفر الصادق: قد ك ذب عليه من الأكاذيب، ما لا يعلمه نلاّ الله...»(3) . فالحاصل أنّ استدلالات(أحبار الـمتعة) سقيمة، كلّ السقامة، لا يـ مكن أن تكون كافية ، للقول بِباحة (الـمتعة المزعومة )؛ وسقامتها كافية ، لإبطال هذا (القول الأةيم). وكزداد يقينًا ببطلان هذا القول، نذا تذكّرنا تلك (الفتاوى الأةيمة)، التي تعارض (القطعيّات الإسلاميّة)، كلّ المعارضة. (1) اكظر: أحكام القرآن 3/111-112. (2) بحار الأكوار111/311، رقم 22. (3) منهاج السنّة النبويّة5/11.

عدد الصفحات ٤٣٩

139 وما قيل في (المتعة) ي قال أيضًا في الصور المشابهة، أو المقاربة لها، وأبرزها أ- ما يسمّى: (الزواج بنيّة الطلاق). ب- ما يسمّى: (زواج التحليل). ج- ما يسمّى: (الز واج العرفيّ). د- ما يسمّى: (زواج المسيار). هـ- ما يسمّى: (زواج المسفار). و- ما يسمّى: (زواج الكاسيت). ز- ما يسمّى: (زواج الطابع). ح- ما يسمّى: (زواج البصمة). ط- ما يسمّى: (زواج الوشم). ي- ما يسمّى: (زواج الدم). ك- ما يسمّى: (زواج الهبة). ل- ما يسمّى: (زو اج الشفاه). م- ما يسمّى: (زواج الوردة). ن- ما يسمّى: (زواج المحمول). س- ما يسمّى: (زواج الرمل). فالثمار الناتجة من هذه الصور ثَار شيطاكيّة فاسدة، والإسلام بريء منها، كلّ البراءة؛ ومن أفت جهوازها من المتلّفين، وأشباه المتلّفين، فقد أخطأ، كما أخطأ من أفت بِباحة المتعة. وكذلك من أفت بِباحة (الممارسات الشاذّة)، مع (الزوجة)، ولا سيّما الممارسة الشرجيّة الشاذّة القذرة، والممارسة الفمويّة الشاذّة القذرة؛ فإنّ هذه

عدد الصفحات ٤٤٠

111 الممارسات نّّا يارسها الزناة مع الزواني، ولا سيّما (العواهر) منهنّ، ال يبالين بارتكا ب أقبح القذارات؛ من أجل حفنة من الدولارات؟!!! فهل يرضى من أفتوا بِباحة (الممارسة الشرجيّة الشاذّة القذرة) أن يفعل أصهارهم ذلك في بناتهم وأخواتهم؟!!! وهل يرضى من أفتوا بِباحة (الممارسة الفمويّة الشاذّة القذرة) أن يفعل أصهارهم ذلك في بناتهم وأخواتهم؟!!! وهل يرضى من أفتوا بِباحة هاتين (الممارستين الشاذّتين القذرتين) أن ت عام ل بناتهم وأخواتهم، كما ت عام ل العواهر؟!!! نذا كان هتلاء يرضون بهاتين القذارتين، لبناتهم وأخواتهم؛ فإنّ (الإسلام) لا يرضى بذلك أبدًا، وهو بريء كلّ البراءة، من كلّ فتوى من الفتاوى الشيطاكيّ ة الأةيمة الشاذّة القذرة!!! قال سيّد قطب: «و المجتمعات الجاهليّة الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقيّ، بحيث يتخلّى عن كلّ ما له علاقة بالتميّز الإكسانيّ عن الحيوان. ففي هذه المجتمعات لا ت عتبر العلاقات الجنسيّة غير الشرعيّة - ولا حتّ العلاقات الجنسيّة الشاذّة - رذيلة أخلاقيّة! ننّ المفهوم الأخلاقيّ ينحصر في المعاملات الشخصيّة والاقتصاديّة والسياسيّة - أحياناً في حدود مصلحة الدولة - والك تّاب والصحفيّون والروائيّون وكلّ أجهزة التوجيه والإعلام في هذه المجتمعات الجاهليّة تقولها صريحة للفتيات والزوجات والفتيان والشبّان: ننّ الاتّصالات الجنسيّة الحرّة ليست رذائل أخلاقيّة! مثل هذه المجتمعات مجتمعات متخلّفة غير متحضّرة، من وجهة النظر الإكساكيّة، وبمقياس خطّ التقدّم الإكسانيّ .. وهي كذلك غير نسلاميّة؛ لأنّ خطّ الإسلام هو خطّ تحرير الإكسان من شهواته، وتنمية خصائصه

عدد الصفحات ٤٤١

111 اكساكيّة، وتغليبها على كزعاته الحيواكيّة»(1). لقد انحدرت البشريّة اليوم نلى (أسفل الس فل يات)، و(أهلك المهل كات)، ولا سيّما في الـممارسات الجنسيّة، الشاذّة، القذرة. ويكفي أن تقرأ شيئًا عن (الد مى الجنسيّة)؛ لت درك هذا الانحدار السريع الفظيع الـم ريع!!! لقد بدأت (المرأة الآدميّة) تتحوّل جههود شيطاكيّة، ونلحاديّة، وصهيوكيّة، وصليبيّة، وبوذيّة، نلى (د مية جنسيّة)، خاوية كلّ الخواء، من كلّ المقوّمات الإكساكيّة، فلا مشاعر، ولا قيم، ولا كرامة، ولا عفّة، ولا حياء، ولا ِاكعة، ولا نباء؛ بل أصبحت آلة جنسيّة، خاضعة كلّ الخضوع للزناة، كما تخضع سائر الآلات، التي يصنعها الإكسان!!! وقد بدأت (الد مية الجنسيّة) - المصنوعة من الموادّ الصناعيّة - تتحوّل نلى (بديل صناعيّ)، عن (المرأة الآدميّة)؛ لي دمن الرجال على (الممارسة الآليّة)، الخالية كلّ الخلوّ، من المشاعر؛ في قت ل ما تبقّى من (قيم نكساكيّة)، عند الرجال؛ لي صبحوا (آلات بشريّة)، خاضعة كلّ الخضوع، لأولياء الشيطان!!! لقد انحدرت (البشريّة) - قديًا وحديثًا - من (الإكساكيّة) نلى (الحيواكيّة)؛ ثمّ انحدرت اليوم من (الحيواكيّة) نلى (الآليّة)؛ فأصبحت ألعوبة بيد الشيطان. ولم يسلم من هذين الانحدارين، نلاّ (أولياء الرحمن)؛ فإنهّم قد استمسكوا بحبل الله، واعتصموا به؛ فنجوا من السقوط في (الوادي السحيق)، الذي سقط فيه غير هم، من (أحبار المتعة)، و(أحبار الشذوذ)، و(أحبار الفضائيّات)!!! (1) في ظلال القرآن 3/1295-1293.

عدد الصفحات ٤٤٢

112 السلفيّة الواجبة الأصل في اتّفاق المتلّفين القدامى هو (اتّفاق الجيل الأوّل)، من ح ـم لة (الشريعة الإسلاميّة)، وهو جيل (الصحابة). فلولا اتّفاق الصحابة، لما اتّفق الذين من بعدهم، من التابعين، وتابعيهم، وسائر العلماء المجتهدين، وتلاميذهم. و ما اتّفق عليه السلف الصالح - اتّفاقًا قطعيًّا - هو الأساس، الذي قام عليه اتّفاق كلّ من جاء بعدهم من المتلّفين، الذين لم يختلفوا أدَ اختلاف، في (القطعيّات الإسلاميّة)؛ ولذلك كاكت الطريقة (السلفيّة القطعيّة) هي الطريقة (السلفيّة الواجبة)، دون ما سواها من الطرائق الاختلافيّة، المنسوبة نلى السلف. فليس كلّ ما ك سب نلى السلف ي عدّ جزءًا من (السلفيّة الواجبة)؛ بل ثَّ ة منسوبات كثيرة سقيمة، لا علاقة للسلف بها، لا من قريب، ولا من بعيد، وما هي نلاّ أكاذيب وأوهام. وكذلك ليس كلّ ما صحّت كسبته نلى (بعض السلف) ي عدّ جزءًا من (السلفيّة الواجبة)؛ لأنّ العصمة ليست ثابتة، لأحد من السلف؛ ونّّ ا هي ثابتة لإجْاعهم، حين يج معون على الدليل الشرعيّ، روايةً ودرايةً . ومن باب أولى، ليست أقوال بعض المتلّفين المنسوبين نلى (السلفيّة) جزءًا من (السلفيّة الواجبة)؛ فإنّ المتلّفين بشر، ي صيبون ويخ طئون. ننّ (وجوب السلفيّة) يعتمد اعتمادًا تامًّا، على صفة (ال قطعيّة)؛ فإذا تحقّقت (السلفيّة القطعيّة)، تحقّقت (السلفيّة الواجبة)، التي يجب على كلّ صادق، ينتسب نلى (الإسلام)، أن يتّخذها منهجًا لفهم (الحقائق الإسلاميّة)، وتطبيقها، وتعليمها، والدعوة نليها. أمّا سائر الطرائق المنسوبة نلى (السلفيّة)، فإنهّا كلّها تجتمع في أصول

عدد الصفحات ٤٤٣

113 (السلفيّة القطعيّة)؛ لكنّها تفترق في آراء اختلافيّة، وأدلّة اختلافيّة، وشخصيّات اختلافيّة؛ فتستمسك بتلك العناصر الاختلافيّة نلى درجة، ينسى فيها أصحابها المختلفون تلك الأصول القطعيّة، التي يجتمعون فيها. قال ابن تيميّة: «وأمّا ما صحّ عن السلف أنهّم اخ تلفوا فيه اختلا ف تناقض، فهذا قليل بالنسبة نلى ما لم يختلفوا فيه، كما أنّ تنازعهم في بعض مسائل السنّة - كبعض مسائل الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والفرائض والطلاق ونحو ذلك - لا ينع أن يكون أصل هذه السنن مأخوذًا عن النبيّ ؛ وجْلها منقولة عنه بالتواتر... فما ةبت عنه من السنّة، فعلينا اتّباعه، سواء قيل: نكّه في القرآن، ولم كفهمه نحن، أو قيل: ليس في القرآن ؛ كما أنّ ما اتّفق عليه السابقون الأوّلون، والذين اتّبعوهم بِحسان، فعلينا أن كتّبعهم فيه، سواء قيل: نكّه كان منصوصًا في السنّ ة، ولم يبلغنا ذلك، أو قيل: نكّه ِّ ا استنبطوه واستخرجوه ، باجتهادهم، من الكتاب والسنّة»(1). فمن قوله«كما أنّ ما اتّفق عليه السابقون الأوّلون، والذين اتّبعوهم بِحسان، فعلينا أن كتّبعهم فيه...»،كستنبط الخصائص الثلاث، التي تختصّ بها (السلفيّة الواجبة)، وهي: الكلّيّة، والقطعيّة، والإلزاميّة. فمن لفـظ الفعـل (اتّفـق)، كسـتنبط خصيصة (الكلّ ـيّة)، أي: كـون الاتّفاق حاصلاً من (السلف)، كلّهم، بحيث لا يوجد مخالفون منهم. فهو لـم يقل: «ما اتّفق عليهبعض السابقين الأوّلين...»، أو نحوها من العبارات، بل قال: «ما اتّفق عليه السابقون الأوّلون...». والفرق بينهما كبير، كالفرق بين قولك ، مثلاً: (1) مجموعة الفتاوى9/113-111.

عدد الصفحات ٤٤٤

111 أ- «قرأت كتب الزمخشريّ». ب- «قرأت بعض كتب الزمخشريّ ». فمن الجملة الأولى ي فه م معنَ (الكلّيّة)، أي: أكّك قرأت كتب الزمخشريّ ، كلّها؛ بخلاف الجملة الثاكية، فلا تدلّ على (الكلّيّة). ووجود (المخالف الضعيف) لا يقدح في (الكلّ يّ ة)، من جهتين: أ- الضعف العدديّ، بأن يكون المخالف واحدًا، أو آحادًا معدودين، لا يكن أن يكون لمخالفتهم قوّة، تتةّر في هدم (الاتّفاق السلفيّ). ب- الضعف الثبوتـيّ، بأن تكون الرواية، التي كسبت الـمخالفة - نلى بعضهم - غير ثابتة، ةبوتاً قطعيًّا؛ فلا يكون لها قوّة، تتةّر في هدم (الاتّفاق السلفيّ). و مـن لفــظ الفعـل (اتّفـق) أيضًا، كسـتنبط خصيصة (القطعيّة)، أي: كــون الاتّفاق قد صحّ وقوعه منهم؛ فهو لم يقل: «ما روي أنهّ م اتّ فقوا عليه»، أو نحوها من العبارات ، بل قال: «ما اتّفق عليه» . والفرق كبير بين قولك ، مثلاً : أ- «سأشتري الكتاب الذي ألّفه الزمخشريّ». ب- «سأشتري الكتاب الذي ي روى أنّ الزمخشريّ ألّفه». ففي الجملة الأولى تكون كسبة تأليف الكتاب نلى الزمخشريّ قطعيّة؛ ولكنّها في الجملة الثاكية تكون غير قطعيّة. أمّا خصيصة (الإلزاميّة)، فت فه م من قوله: «فعلينا أنكتّبعهم فيه». فالحاصلِّ ا تقدّم أنّ اتّفاق السابقين الأوّلين، والذين اتّبعوهم بِحسان، الثابت وقوعه، منهم، من دون خلاف، من بعضهم: هو اتّ فاق م لز م، يجب علينا اتّ باعه، سواء أكان هذا الاتّ فاق راجعً ا نلى اطّلاعهم، على كصّ كبويّ ، لـم يبلغنا،

عدد الصفحات ٤٤٥

115 أم كان راجعًا، نلى اجتهادهم، فـي الاستنباط، من الكتاب، والسنّة. ومعظم الصحابة من العرب؛ ولذلك كاكوا خير واسطة، لنقل الوحي المنز ل، نلى من جاء بعدهم، روايةً ، ودرايةً . وهذا ما عناه بقوله: «سواء قيل: نكّه كان منصوصًا في السنّة، و لم يبلغنا ذلك، أو قيل: نكّه ِّا استنبطوه واستخرجوه ، باجتهادهم، من الكتاب و السنّة». وواضــح أنّ خصيصة (الكلّ ـيّة)، وخصيصة (القطعـيّة) شـــــرطـان أكيــدان، لـخصيصة (الإلزاميّة)؛ فإذا اكتفى الشرطان معًا، أو اكتفى أحدهما، اكتفت - بذلك الاكتفاء - خصيصة (الإلزاميّة). ومن هنا، كان واجبًا على العلماء النظر الدقيق في (المنسوبات السلفيّ ة)؛ للتمييز بين ما هو جزء من (السلفيّة الواجبة)، وما ليس جهزء منها. ويكون هذان الشرطان - (الكلّيّة)، و(القطعيّة) - هما المسبار ين الدقيقين، لهذا النظر الدقيق الواجب الأكيد. ولا يجوز - بأيّ حال من الأحوال - التساهل، في هذا المقام؛ لأنّ القيمة الكبرى التي تختصّ بها (السلفيّة الواجبة) ت وج ب علينا العناية الأكيدة، بالتمييز بين ما هو جزء من ها، وبين ما ليس جهزء منها. ومث ـل هذه العناية، كمث ـل عنـاية الصائغ الألـمعيّ ال ـحريص، بالت مييز بين (الجوهرة القيّمة النادرة)، وبين (المصوغات المزي فة)، أو (المصوغات الرديئ ة)، أو (المصوغات الرخيصة). فالقيمة الكبرى للجوهرة النادرة تدعوه نلى الحرص الشديد الأكيد ، على تجن ب التساهل، في فحص المصوغات؛ لكيلا يلتبس النادر بالتافه. وهكذا كان لاتّفاق السلف قيمة، لا تضاهيها قيمة أيّ اتّفاق آخر مخالف؛ ولذلك يكون الـمتساهل في هذا الأمر غالطًا، أو مغالطًا.

عدد الصفحات ٤٤٦

116 وأبرز الـمجالات التي تنتمي نليها (المنسوبات السلفيّة): 1- مـجال قراءات القرّاء: ثَّ ة قراءات ت نس ب نلى بعض السلف، من الصحابة، والتابعين، ومن جاء بعدهم، وهي مخالفة للقرآن الكريم، وت سمّى (القراءات الشاذّة)، منها: أ- قراءة منسوبة نلى أ بِّ بن كعب. ب- قراءة منسوبة نلى عبد الله بن مسعود. ج- قراءة منسوبة نلى أبِ الدرداء. د- قراءة منسوبة نلى عليّ بن أبِ طالب. ه- قراءة منسوبة نلى سعد بن أبِ وقّاص. و- قراءة منسوبة نلى عبد الله بن عبّاس. ز- قراءة منسوبة نلى الحسن البصريّ. ح- قراءة منسوبة نلى ابن محيصن. ط- قراءة منسوبة نلى الأعمش. ي- قراءة منسوبة نلى اليزيديّ. فإذا كاكت كسبة هذه القراءات الشاذّة نلى من ك سبت نليهم قطعيّة الثبوت؛ فإكّ ـها مـخالفة للقرآن الكري ـم، فـي بعض الألفاظ؛ ولذلك تكون - بهذه المخالفات الجزئيّة - شاذّ ة مردودة؛ فلا ت عدّ جزءًا من (القرآن الكريم). أمّا ما اتّفق السلف، على القراءة به، اتّفاقًا كلّـيًّا قطعيًّا؛ فلا ريب في كوكه من (القرآن الكريم). ووجود هذه (الـمخالفات الـجزئيّة) لا يقدح في كلّيّة (الاتّ فاق السلفيّ)؛ من جهتين: الضعف العدديّ، والضعف الثبوتـيّ.

عدد الصفحات ٤٤٧

117 2- مـجال تفسراات الـمفسّرين: اشـتملت (كتـب التفسيـر)، على (منسوبات سـلفيّة)، كثيرة، لا تنتمي نلـى (السلفيّة الواجبة)، وأبرزها: أ- المنسوبات التي ي فه م منها وجود اختلاف، بين السلف أكفسهم، في التفسير؛ فتنتفي بذلك خصيصة (الكلّيّة). ب- المنسوبات التي تنسب بعض التفسيرات، نلى بعض السلف، وليس ةـمّة دليل قطعيّ، على كون هذه التفسيرات جزءًا من (الاتّفاقات التفسيريّة السلفيّة)؛ فتنتفي بذلك خصيصة (الكلّيّة). ج- المنسوبات التـي لـم تثبت، ةبوتاً قطعيًّا، ولا سـيّما مـا ر وي بأسـاكيـد ضعيفة؛ فتنتفي بذلك خصيصة (القطعيّة). 3- مـجال روايات أسباب النزول: تخرج من (السلفيّة الواجبة) كل روايًت (أسباب النزول)، التي فقدت شرط (الكلّيّة)، أو فقدت شرط (القطعيّة)، أو فقدت الشرطين معًا. فالروايًت التي ي فه م منها وجود اختلاف، في تعيين (سبب النز ول) لا يكن أن تكون جزءًا من (السلفيّة الواجبة). والروايًت التي لم تثبت، ةبوتاً قطعيًّا - ولا سيّما ذات الأساكيد الضعيفة - لا يكن أن تكون جزءًا من (السلفيّة الواجبة). وتخرج من (السلفيّة الواجبة) أيضًا تلك الروايًت، التي كسبت نلى بعض السلف قولاً ، لا يدلّ دلالة قطعيّة ، على أنّ المرا د بيان سبب النزول؛ فقد يكون المراد المنسوب : هو بيان الحكم الشرعيّ. قال الزركشيّ: «وما يذكره المفسّ رون من أسباب متعدّ دة لنزول الآية، قد

عدد الصفحات ٤٤٨

118 يكون من هذا الباب، لا سيّ ما وقد ع رف من عادة الصحابة والتابعين أنّ أحدهم نذا قال: كزلت هذه الآية في كذا؛ فإكّ ه ي ريد بذلك أنّ هذه الآية تتضمّ ن هذا الحكم، لا أنّ هذا كان السبب في كزولها»(1). 1- مـجال أقوال الناسخ والمنسوخ : وكذلك تخرج من (السلفيّة الواجبة) كل الأقوال المنسوبة نلى السلف، التي لها علاقة بموضوع (الناسخ والمنسوخ)، نذا فقدت شرط الكلّيّة، أو شرط القطعيّة، أو الشرطين معًا. فالروايًت التي ي فه م منها وجود اختلاف، في تعيين (الناسخ والمنسوخ) لا يكن أن تكون جزءًا من (السلفيّة الواجبة). والروايًت التي لم تثبت، ةبوتاً قطعيًّا - ولا سيّما ذات الأساكيد الضعيفة - لا يكن أن تكون جزءًا من (السلفيّة الواجبة). وتخرج من (ا لسلفيّة الواجبة) أيضًا، تلك الروايًت التي كسبت نلى بعض السلف قولاً ، لا يدلّ دلالة قطعيّة ، على أنّ المراد بيان الناسخ والمنسوخ؛ ف قد يكون المراد المنسوب : هو التخصيص، أو نحو ذلك. قال ابن القيّم: «قلتومراده ، ومراد عامّ ة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم جهملته تارة - وهو اصطلاح المتأخّ رين - ورفع دلالة العامّ والمطلق والظاهر وغيرها تارة، نمّ ا بتخصيص، أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيّ د، وتفسيره وتبيينه، حتّ ننهّ م ليسمّ ون الاستثناء، والشرط والصفة كسخًا؛ لتضم ن ذلك رفع دلالة الظاهر، وبيان المراد، فالنسخ عندهم، وفي لسانهم: هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمّ ل كلامهم، رأى من ذلك فيه ما لا يح صى، و زال (1) البرهان في علوم القرآن 1/31-32.

عدد الصفحات ٤٤٩

119 عنه به نشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخّ ر»(1). 5- مـجال روايات المكّيّ والمدنيّ : وكذلك تخرج من (السلفيّة الواجبة) كل الأقوال المنسوبة نلى السلف، التي لها علاقة بموضوع (المكّيّ والمدنيّ)، نذا فقدت شرط الكلّيّة، أو شرط القطعيّة، أو الشرطين معًا. قال الزركشيّ: «وكذلك الصحابة ، والتابعون من بعدهم، لـمّا لم يعتبروا أنّ من فرائض الدين تفصيل جْيع المكّيّ والمدنيّ ، ِّا لا يسوغ الجهل به، لم تتوفّ ر الدواعي على نخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته. ونذا كان كذلك ، ساغ أن يخ تلف في بعض القرآن: هل هو مكّيّ ، أو مدنيّ، وأن ي عملوا في القول بذلك ضرباً من الرأي ، والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكّيّ والمدنيّ، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كلّ آية، أ كزلت قبل نسلامه: مكّيّة، أو مدكيّة. فيجوز أن يقف في ذلك، أو يغلب على ظنّه أحد الأمرين؛ ونذا كان كذلك، بطل ما توهمّوه من وجوب كقل هذا، أو شهرته في الناس؛ ولزوم العلم به لهم ، ووجوب ارتفاع الخلاف فيه »(2). 6- مـجال رواية الأحاديث: تخرج من (السلفيّة الواجبة) الكثير من الروايًت الحديثيّة، وأبرزها: أ- الروايًت ذات الأساكيد الضعيفة، ولا سيّما روايًت الضعفاء والمتـّه مين. ب- الروايًت التي اختلف العلماء، في تصحيحها، و في تضعيفها. ج- الروايًت التي ت نس ب فيها أقوالٌ ، نلى النبيّ ، بصفته البشريّة، غير التبليغيّة. (1) نعلام الموقّع2/66. (2) البرهان في علوم القرآن 1/132.

عدد الصفحات ٤٥٠