المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حقائق مهجورة

برهان الدين القاضي

صفحة ٢٢ من ٣٠

338 وكذلك نذا كان الرأي لعدد من الصحابة، فإنهّم ليسوا بمعصومين من الخطإ، نلاّ نذا أجْعوا كلّهم نجْاعًا اتّ فاقيًّا قطعيًّا؛ فتكون العصمة لإجْاعهم، لا لأفرادهم، ويكون نجْاعهم هذا دليلاً قطعيًّا كاشفًا عن الحكم الشرعيّ، وليس دليلاً م نشئًا للحكم الشرعيّ. قال ابن تيميّة: «وأمّا الغلط، فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحياناً ، وفيمن بعدهم»(1). وقال ابن تيميّة أيضًا: «وهم مع ذلك، لا يعتقدون أنّ كلّ واحد من الصحابة معصوم، عن كبائر الإةـم، وصغائره؛ بل تـجوز عليهم الذكوب، فـي الجملة...»(2). ومن باب أولى، ليس لرأي أيّ متلّف - كائنً ا من كان - أدَ قيمة احتجاجيّة، في نكشاء الحكم الشرعيّ، ولا في الكشف عنه. ونّّ ا تكون قيمة المتلّف، في تعليم الناس الأدلّة الشرعيّة القطعيّة، من القرآن الكريم، والسنّة النبويّة، فمن وفّقه الله ، نلى ذلك، فهو باب من أبواب المعرفة الإسلاميّة، ومدخل من مداخل الكنوز الإسلاميّة. قـال ابن تيميّة: «وأمّا أقوال بعض الأئمّة، كالفقهاء الأربعـة، وغيـرهم؛ فليـس حجّ ــة لازم ـــة، ولا نج ـماعـً ا، باتّ ـفـاق الـمسلميـن؛ بـل قـــد ةـبـت عنهـم ، أكّ ـهم كـهـــوا الناس، عــن تقليدهـم؛ وأمــروا - نذا رأوا ق ــولاً ، فـي الكتاب، والســـنّ ـة، أقـوى مــن قولـهم - أن يأخـذوا، بـمـا دلّ علي ـه الكتـاب، والسنّة، و يدعـوا أقوالـهم. ولـهذا كان الأك ـابــر، مــن أتبــاع الأئمّ ـــة الأربع ــة، لا يــزال ــون، نذا ظهــر لـهم دلالـة (1) مجموعة الفتاوى1/113. (2) مجموعة الفتاوى3/112 .

عدد الصفحات ٣٣٩

339 الكتاب، أو السـنّة، على مــا يـخالف قــول متبوعهم، اتّبعوا ذلك»(1). 2- التصدير القطعيّ التصدير بمعنَ كسبة صدور الدليل، نلى من ك سب نليه. وهو عمومًا على قسمين: تصدير قطعيّ، وتصدير غير قطعيّ. ويعنينا من الأدلّة في هذا المقام: 1- الدليل القرآنيّ. 2- الدليل النبويّ فأمّا الدليل القرآنيّ، فهو قطعيّ التصدير (قطعيّ الثبوت)، بلا خلاف. ويجب الاحتراز من القراءات المنسوبة، نلى قرّاء القرآن الكريم؛ فليست كلّها قطعيّة التصدير، ولا سيّما القراءات الشاذّة. وأمّا الدليل النبويّ، فالمنسوب نليه قسمان: أ- منسوب قطعيّ التصدير، وهو الذي يستحقّ اسم (السنّة النبويّة)، قطعًا. ب- منسوب غير قطعيّ التصدير، وهو ما يسمّى: حديث الآحاد، أو حديث الواحد، أو أخبار الآحاد، أو خبر الواحد. ويجب الـحذر - فـي هذا القسم - من القطع بنسبته، نلى السنّة النبويّة، ولا سيّما عند معارضة المتون الآحاديّة، للقطعيّات الإسلاميّة، أو عند حصول التعارض، بين المتون الآحاديّة، أكفسها. 3- التفسرا القطعيّ التفسير هو بيان دلالة الدليل، وهو عمومًا على قسمين: تفسير قطعيّ، وتفسير غير قطعيّ. (1) مجموعة الفتاوى21/11.

عدد الصفحات ٣٤٠

311 وليست كلّ تفسيرات المفسّرين للنصوص القرآكيّة صحيحة قطعيّة، بل ثَّة تفسيرات لا تستحقّ اسم التفسير؛ فما هي نلاّ تحريفات شيطاكيّة. وكذلك تفسيرات المتون الحديثيّة، التي تسمّى (شروح الحديث )؛ فليست كلّها شروحًا صحيحة قطعيّة. ولا يكون التفسير قطعيًّا، نلاّ نذا حقّق المفسّ ر شرطين رئيسين: أ- أن يعتمد المفسّر، اعتمادًا تامًّا، على القطعيّات: الشرعيّة، والعقليّة، والحسّيّة، والتاريخيّة، والعلميّة، واللغويّة. ب- أن يبتعد المفسّر، ابتعادًا تامًّا، عن الظنـّيّات، وما دون الظنـّيّ ات، التي ت نس ب نلى الشرع، والعقل، والحسّ، والتاريخ، والعلم، واللغة. وبتحقيق هذين الشرطين يكون المفسّ ر قد سلم من مخالفة الحقّ؛ لأكّه قد أكتج تفسيرين سليمين، لا ثالث لهما: أ- التفسرا الواجب: هو التفسير الذي يجب على العلماء بياكه؛ لأنّ الناس يحتاجون نليه؛ من أجل الفهم السليم للوحي المنزّل. ب- التفسرا الممكن: هو التفسير الذي يستطيع العلماء نكتاجه، بالاعتماد على الأدلّة القطعيّة المتاحة (الممكنة)؛ ولذلك يكتفون به، ويتجنّبون الخوض فيما لا ي كنهم الوصول نليه. فإن خاض بعض المتلّفين، فيما وراء هذين التفسير ين؛ فلا ريب في أنهّم سي خطئون، في معظم تفسيراتهم؛ ولا سيّما حين يخوضون، فيما لا طاقة لهم، بمعرفته، وحين يعتمدون، على الأدلّة الواهية، وحين يتّبعون أهواءهم؛ لنصرة مذاهبهم، وحين يشغلون الناس بتفسيراتهم السقيمة، وتحريفاتهم العقيمة. فعلى المفسّر أن يحتاط كلّ الاحتياط، وهو يحاول أن يفسّر الوحي المنزّل،

عدد الصفحات ٣٤١

311 و سيّما القرآن الكريم؛ وذلك بأن يتجنّب المشكوك فيه، والمطعون فيه، والمظنون، والموهوم، والمجهول. وعليه أن يتجنّب التقح م، فلا يخوض في محاولة تفسير ما لا طاقة له به، فليس كلام الخالق ككلام المخلوق؛ ولا سيّما نذا كان التعصّب هو الذي دعاه نلى التقح م؛ كصرة لمذهبه. فإن اضط رّ اضطرارًا شديدًا، نلى التفسير بالظنّ، فليكن ذلك بما لا يتدّي نلى مخالفة القطعيّات، وليصرّح في تفسيره، بأنّ ذلك ظنٌّ منه، يحتمل الخطأ، وليس بالتفسير القطعيّ، الذي لا ريب فيه، وأكّه مستعدّ للاعتراف بخطئه، نذا تبينّ له الصواب، ولو كان الصواب بخلاف مذهبه. ومن هنا، كان العمل بحديث الآحاد - في الفروع العمليّة - واجبً ا، لكن بعد تحقّق ستّة شروط واجبة، كلّ الوجوب، هي: 1- أن تكون الحاجة- نلى العمل بحديث الآحاد - ماسّة مشروعة، بحيث تتعطّل بعض المصالح المشروعة، في حالة عدم تحقيق تلك الحاجة. 2- أن يكون تحقيق الحاجة الماسّة المشروعة محصورًا، في العمل بحديث الآحاد؛ بحيث لا يجد المسلم بديلاً، عن ذلك الحديث، في القطعيّات الإسلاميّة. 3- أن يسلم الحديث من معارضة القطعيّات الثابتة بالأدلّة القطعيّة، وهي أ- القطعيّات الشرعيّة، وتشمل النصوص القرآكيّة، المفس رة تفس يرًا قطعيًّا، والسنّة النبويّة المتواترة، الثابتة ةبوتاً قطعيًّا، والمفس رة تفسيرًا قطعيًّا. قال الزركشيّ: «فأمّا التعارض بين الكتاب والسنّة، فإن كان الخبر متواترًا، فالقول فيه كتعارض الآيتين، ونن لم يكن متواترًا، فالكتاب مقد م»...(1). (1) البحر المحيط في أصول الفقه6/111.

عدد الصفحات ٣٤٢

312 وقال الزركشيّ أيضًا« :وأمّا تعارض السنّتين، فإن كاكتا متواترين، فكالكتاب، بعضه ببعض، ونن كاكتا آحادًا، ط لب ترجيح نحداهما، على الأ خرى، بطريقة؛ فإن تعذّر، فالخلاف في التخيير، أو التساقط، ونن كان نحداهما متواترًا، والأخرى آحادًا، فالمتواتر»(1). ب- القطعيّات العقليّة، التي اتّفقت عليها العقول، في كلّ زمان ومكان؛ بخلاف العقليّات النّ سبيّة؛ فليست أدلّة قطعيّة؛ لأنهّا تتأةّر باختلاف عقول الأفر اد، واختلاف أهوائهم، واختلاف الزمان، واختلاف المكان. قال ابن الجوزيّ: «فكلّ حديث ر أيته يخالف المعقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أكّه موضوع، فلا تتكلّف اعتباره »(2). وقال ابن تيميّة «فيأخذ المسلمون جْيع دينهم، من الاعتقادات، والعبادات، وغير ذلك، من كتاب الله، وسنّة رسوله، وما اتّفق عليه سلف الأمّة، وأئمّتها، وليس ذلك مخالفًا للعقل الصريح؛ فإنّ ما خالف العقل الصريح، فهو باطل، وليس في الكتاب والسنّة والإجْاع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنَ باطلاً؛ فالآفة منهم، لا من الكتاب، والسنّة»(3). وقال ابن القيّم«والتقسيم الصحيح أن يقال: نذا تعارض دليلان: سمعيّ ان، أو عقليّ ان، أو سمعيّ وعقليّ ؛ فإمّ ا أن يكونا قطعيّ ين، ونمّ ا أن يكونا ظنـّ يّ ين، ونمّ ا أن يكون أحدهما قطعيًّ ا، والآخر ظنـّ يًّ ا. فأمّ ا القطعيّ ان، فلا ي كن تعارضهما في الأقسام الثلاةة؛ لأنّ الدليل القطعيّ : هو الذي يستلزم مدلوله ، قطعً ا؛ فلو تعارضا ، (1) البحر المحيط في أصول الفقه6/111. (2) الموضوعات: 1/191. (3) مجموعة الفتاوى11/261.

عدد الصفحات ٣٤٣

313 لزم الجمع بين النق يضين، وهذا لا يشكّ فيه أحد من العقلاء. ونن كان أحدهما قطعيًّ ا، والآخر ظنـّ يًّ ا، تعينّ تقديم القطعيّ ، سواء كان عقليًّا، أو سمعيًّا. ونن كانا جْيعً ا ظنـّ يّ ين، صرنا نلى الترجيح ، ووجب تقديم الراجح منهما ، سمعيًّ ا كان ، أو عقليًّ ا. فهذا تقسيم واضح، متّ فق على مضموكه، بين العقلاء»(1). وقال ابن القيّم أيضًا«ف يعارض السمع الصحيح الصريح نلاّ معقولاً فاسدًا، تنتهي مقدّماته نلى المكابرة، أو التقليد، أو التلبيس، والإجْال. وقد تدبّر أكصار الله ورسوله وسنّته هذا؛ فما وجدوا - بحمد الله - العقل الصر يح يفارق النقل الصحيح، أصلاً؛ بل هو خادمه، وصاحبه، والشاهد له؛ وما وجدوا العقل المعارض له نلاّ من أفسد العقول، وأسخفها، وأشدّها منافاة، لصريح العقل، وصحيحه»(2). ج- القطعيّات الحسّيّة، التي اتّفقت عليها الحواسّ، في كلّ زمان ومكان؛ بخلاف الحسّيّات النّ سبيّة؛ فليست أدلّة قطعيّة؛ لأنهّ ا تتأةّر باختلاف ح واسّ الأفراد، واختلاف أهوائهم، واختلاف الزمان، واختلاف المكان. د- القطعيّات التاريخيّة، التي ك قلت بطريق التواتر، في كلّ طبقة من الطبقات، بخلاف التاريخيّات النّ سبيّة؛ فليست أدلّة قطعيّة؛ بل هي أخبار اختلافيّ ة، يغلب عليها الكذب والوهم، ويقلّ فيها الصدق والفهم. ه- القطعيّات العلميّة، الثابتة بالأدلّة العلميّة التجريبيّة القطعيّة، بخ لاف النظريًّت العلميّة؛ فليست أدلّة قطعيّة؛ بل هي تخمينات ظنـّيّة، والكثير منها يتّضح بطلاكه، بمرور الزمان، وتقدّم الإكسان في العلوم التجريبيّة. (1) الصواعق المرسلة 3/131. (2) الصواعق المرسلة 2/613.

عدد الصفحات ٣٤٤

311 و- القطعيّات اللغويّة، وهي أصول اللغة العربيّة، الثابتة ةبوتاً قطعيًّا؛ بخ لاف الآراء اللغويّة الاختلافيّة؛ فإنهّا ليست من القطعيّات اللغويّة. 1- أن يسلم الحديث من معارضة حديث آخر، أقوى منه، أو بدرجة قوّته و في هذه الحالة يلجأ المتلّفون نلى الترجيح. ولا ريب في أنّ ترجيح أحد الحديثين على الآخر، يلزم منه الدعوة نلى ترك العمل بالحديث المرجوح منهما. ومن وجوه الترجيح أن يدّعي المرجّ ح أنّ أحد الحديثين منسوخ بالآخر، ولذلك لا ي عم ل بمقتضاه. قال ابن تيميّة: «والخبر الواحد، نذا خالف المشهور المستفيض، كان شاذًّا، وقد يكون منسوخًا»(1). وقال الزركشيّ«قال سليم: نن تعارض كصّان، فإن كانا من أخبار الآحاد ، وع لم تقدّ م أحدهما، كسخه المتأخّ ر، ونلاّ ق دّ م أحدهما على الآخر، بضر ب من الترجيح ...»(2). 5- أن يكون حديث الآحاد منسوباً نلى النبيّ ، بصفته النبويّة التبليغيّة، حصرًا، لا بصفته البشريّة. أمّا نذا كان منسوباً نلى النبيّ ، بصفته البشريّة، أو كان منسوباً نلى غيره، من الصحابة، أو التابعين، فلا يجب العمل به. قال ابن باز: «أمّا من أمور الدكيا، فقد يقع الخطأ، ثمّ ي نب ه على ذلك؛ كما وقع من النبيّ ، لـمّا مرّ على جْاعة يلقّحون النخل، فقال: "ما أظنّه يضرّه لو تركتموه"، فلمّا تركوه، صار شيصًا، فأخبروه ، فقال  :"نّّا قلت ذلك ظنًّا منّ، وأكتم أعلم بأمر دكياكم، أمّا ما أخبركم به عن الله ، فإنيّ لم (1) مجموعة الفتاوى22/61. (2) البحر المحيط في أصول الفقه6/112.

عدد الصفحات ٣٤٥

315 أكذب على الله". رواه مسلم في الصحيح. فبينّ  أنّ الناس أعلم بأمور دكياهم، كيف يلقّحون النخل، وكيف يغرسون، وكيف يبذرون، ويحصدون. أمّا ما يخ بر به الأكبياء عن الله ، فإنهّم معصومون من ذلك. فقول من قال: ننّ النبيّ  يخ طئ، فهذا قول باطل، ولا بدّ من التفصيل، كما ذكرنا »(1). 6- أن يتّفق المتلّفون، كلّهم، أو معظمهم، على تصحيح متن الحديث، والدعوة نلى العمل به، بعد شرحه شرحًا صحيحًا، سليمًا من الأوهام والأهواء، ولا سيّما نذا اتّفقوا كلّهم، أو معظمهم، على تصحيح نسناده أيضًا. أمّا أحاديث الآحاد، التي اتّفق المتلّفون، كلّهم أو معظمهم، على تضعيفها، فلا ي كن العمل بها؛ لأنهّا نمّا أن تكون مقطوعًا بضعفها، ونمّ ا أن يكون الراجح ضعفها؛ فيكون العمل بها مخالفًا للمنهج السليم. أمّا تجويز بعض المتلّفين الاستشهاد ببعض الأحاديث الضعيفة، فليس على نطلاقه؛ فلا يكون ذلك، في العقائد، والأعمال، ونّّا يكون ذلك - عندهم - في فضائل الأعمال، حصرًا، وبشروط، منها: ألاّ يكون مقطوعً ا، بوضعه ، ولا مظنوناً به الوضع، وألاّ يكون شديد الضعف، وألاّ ي عتقد فيه أكّه دليل شرعيّ، وأن يكون مندرجًا تحت أصل معروف في الشرع. قال ابن تيميّة: «وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف، في فضائل الأعمال: ليس معناه نةبات الاستحباب بالحديث الذي لا يح تجّ به؛ فإنّ الاستحباب حكم شرعيّ، فلا يثبت نلاّ بدليل شرعيّ. ومن أخبر عن الله أكّه يح بّ عملاً من الأعمال، من غير دليل شرعيّ، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أةبت الإيجاب، أو التحريم؛ ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب، (1) مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة6/231-231.

عدد الصفحات ٣٤٦

316 كما يختلفون في غيره، بل هو أصل الدين المشروع . ونّّا مرادهم بذلك: أن يكون العمل ِّا قد ةبت أكّه ِّا يح بّه الله، أو ِّا يكرهه الله، بنصّ، أو نجْاع، كتلاوة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والصدقة والعتق، والإحسان نلى الناس، وكراهة الكذب والخياكة، ونحو ذلك. فإذا ر وي حديث في فضل بعض الأعمال المستحبّة، وةوابها، وكراهة بعض الأعمال، وعقابها، فمقادير الثواب والعقاب وأكواعه، نذا ر وي فيها حديث لا كعلم أكّه موضوع، جازت روايته، والعمل به، بمعنَ: أنّ النفس ترجو ذلك الثواب، أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أنّ التجارة ت ربــح، لكن بلغه أنهّا ت ربــح ربحًا كثيرًا، فهذا نن صدق، كفعه، ونن كذب، لم يضرّه»(1). وقال ابن تيميّة أيضًا«و يجوز أن ي عتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة، التي ليست صحيحة، ولا حسنة؛ لكنّ أحمد بن حنبل وغير ه - من العلماء - جوّزوا أن ي روى في فضائل الأعمال ما لم ي عل م أكّه ثابت، نذا لم ي عل م أكّه كذب؛ وذلك أنّ العمل نذا ع لم أكّه مشروع، بدليل شرعيّ، ور وي في فضله حديث، لا ي عل م أكّه كذب، جاز أن يكون الثواب حقًّا، ولم يقل أحد من الأئمّة: نكّه يجوز أن يج ع ل الشيء واجبًا، أو مستحبًّا، بحديث ضعيف، ومن قال هذا، فقد خالف الإجْاع . وهذا كما أكّه لا يجوز أن يح ر م شيء، نلاّ بدليل شرعيّ، لكن نذا ع لم تحريه، ور وي حديث في وعيد الفاعل له، ولم ي عل م أكّه كذب، جاز أن يرويه؛ فيجوز أن ي روى في الترغيب والترهيب ما لم ي عل م أكّ ه كذب، لكن فيما ع لم أنّ الله رغّب فيه، أو رهّب منه، بدليل آخر، غير هذا الحديث المجهول حاله»(2). (1) مجموعة الفتاوى15/11. (2) مجموعة الفتاوى1/151.

عدد الصفحات ٣٤٧

317 ومنع متلّفون آخـرون، من العمـل بالـحديث الضعيف، حتّ ـى فـي بـاب (الترغيب والترهيب)؛ لكيلا يتوهّم العامّة صحّة تلك الأحاديث الضعيفة. قال ابن عثيمين: «ولكنّ الذي يظهر لي: أنّ الحديث الضعيف لا تجوز روايته، نلاّ مبيـ نًا ضعفه مطلقًا، لاسيّما بين العامّة، لأنّ العامّة مت ما قلت لهم حديثًا، فإنهّم سوف يعتقدون أكّه حديث صحيح، وأنّ النبيّ  قاله. ولهذا من القواعد المقر رة عندهم هو: أنّ ما قيل في المحراب، فهو صواب. وهذه القاعدة مقر رة عند العامّة، فلو تأتي لهم بأكذب حديث، على وجه الأرض، لصدّقوك، ولهذا، فالعامّة سيصدّقوكك، حتّ لو بيّنت لهم ضعفه، لاسيّما في الترغيب والترهيب، فإنّ العامّيّ لو سمع أيّ حديث، لحفظه، دون الاكتباه لدرجته، وصحّته. والحمد لله، فإنّ في القرآن الكريم، والسنّة النبويّة المطهّرة الصحيحة، ما ي غن عن هذه الأحاديث»(1). وليس تصحيح آحاد من المتلّف- لحديث من أحاديث الآحاد - كافيًا للعمل بالحديث، الذي صحّحوه، ولا سيّما عند اختلاف المتلّفين، في هذا الحديث، بين مصحّح، ومضعّف، ومتوقّف. فمثلاً: تصحيحات (الحاكم النيسابوريّ) ت عدّ أضعف التصحيحات، ولا سيّما حين ينفرد بتصحيح الحديث. قال ابن تيميّة: «وأمّا تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا ِّا أككره عليه أئمّة العلم بالحديث ، وقالوا: ننّ الحاكم يصحّح أحاديث ، وهي موضوعة مكذوبة ، عند أهل المعرفة بالحديث، كما صحّح حديث زريب بن برثَلي: الذي فيه ذكر وصيّ المسيح، وهو كذب باتّفاق أهل المعرفة، كما بينّ (1) شرح المنظومة البيقوكيّة11.

عدد الصفحات ٣٤٨

318 ذلك البيهقيّ وابن الجوزيّ وغيرهما، وكذا أحاديث كثيرة في مستدركه، يصحّحها، وهي - عند أئمّة أهل العلم بالحديث - موضوعة، ومنها ما يكون موقوفًا يرفعه. ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرّد تصحيح الحاكم، ونن كان غالب ما يصحّحه، فهو صحيح، لكن هو في المصحّحين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، ونن كان الصواب أغلب عليه. وليس فيمن يصحّح الحديث أضعف من تصحيحه»(1) . فإذا اتّصف حديث الآحاد، بهذه الصفات الستّ ، فإنّ العمل به - في الفروع العمليّة - يكون واجبً ا، بلا ريب؛ لأنّ ما لا يتدّ ى الواجب، نلاّ به، يكون واجبً ا، قطعًا. ومع وجوب العمل بحديث الآحاد، الذي اجتمعت فيه الشروط الستّة؛ فإنّ العامل به لا ي كن أن يقطع بكوكه صادرًا من الرسول ، كما يقطع بصدور السنّة النبويّة المتواترة؛ ونّّا يرجّح ذلك، ويعمل بما يستطيع، فلا يترك العمل؛ لأكّ ه لم يصل نلى درجة اليقين. قال أبو حامد ا لغزاليّ : «وافهم أوّ لاً أناّ لسنا كعن بالقبول : التصديق، ولا بالردّ : التكذيب؛ بل يجب علينا قبول قول العدل، وربمّ ا كان كاذ باً ، أو غالطً ا؛ ولا يجوز قبول قول الفاسق، وربمّ ا كان صادقً ا؛ بل كعن بالمقبول: ما يجب العمل به، وبالمردود : ما لا تكليف علينا في العمل به»(2). (1) مجموعة الفتاوى1/152-153. (2) المستصفى1/231.

عدد الصفحات ٣٤٩

319 الاحتجاج بحديث الآحاد في الأصول الاعتقاديّة أمّا الاحتجاج، بحديث الآحاد، في باب الأصول؛ فإنّ أكثر المتلّفين - قديًا، وحديثًا - يرفضون هذا الاحتجاج، ويفرّقون بين مقامين: مقام الأصول الاعتقاديّة، ومقام الفروع العمليّة. فالعناية بالأصول مقد مة على العناية بالفروع؛ لأنّ الفرع نذا انهدم، فإنّ انهدامه لن يتةّر في ةبوت الأصل؛ بخلاف الأصل، فإكّه نذا انهدم، انهدمت - بانهدامه - كلّ الفروع، التي تقوم عليه. فمثلاً: (تحريم الزَ) هو فرع من الفروع، وهذا الفرع قائم على جْلة من الأصول، أبرزها: 1- الإيان بمن حرّم الزَ، وهو الله تعا 2- الإيان بالكتاب المنز ل، المشتمل على تحريم الزَ، وهو القرآن الكر 3- الإيان بالرسول، الذي بلّغ الناس تحريم الزَ، بالقرآن، وهو النبيّ. 1- الإيان باليوم الآخر، الذي سي ثاب فيه من تجنّب الزَ؛ طاعة لله، وسي عاق ب فيه من ارتكب الزَ؛ اتّباعًا لهواه. ومع أنّ تحريم الزَ من أكبر الأحكام الإسلاميّة الشرعيّة، لكنّه مع ذلك يبقى فرعًا من الفروع الشرعيّة، نذا وازناّه بهذه الأصول الأربعة؛ ولا سيّما الإيان بالله تعالى، فهو أصل كلّ الأصول، وكلّ الفروع. ولذلك وجب اشتراط (القطعيّة)، في كلّ دليل من الأدلّة: الشرعيّة، والعقليّة، والحسّيّة، والتاريخيّة، والعلميّة، واللغويّة، التي تتعلّق بهذه الأصول، نةباتاً، أو كفيًا؛ ولا سيّما الغيبيّات، التي يجب الحذر فيها، كلّ الوجوب. ومن هنا اشترطوا أن تكون الأحاديث المرويّة قطعيّة الثبوت؛ لت فيد العلم،

عدد الصفحات ٣٥٠

351 أي: القطع واليقين. فإذا كاكت آحادًا، فإنهّا لا ت فيد نلاّ الظنّ؛ ولا سيّما نذا كاكت المتون مرويّة بالمعاني الإجْاليّة، لا بالألفاظ القطعيّة، مع كون الخلاف - في أكثر المسائل الاعتقاديّة - قائمًا على اللفظ، لا على المعنَ. قال الخطّابِّ: «قلت: الأصل في هذا - وما أشبهه من أحداث الصفات والأسماء - أكّه لا يجوز ذلك، نلاّ أن يكون بكتاب ناطق، أو خبر مقطوع بصحّته، فإن لم يكونا، فبما يثبت من أخبار الآحاد، المستندة نلى أصل في الكتاب، أو في السنّة المقطوع بصحّتها، أو بموافقة معاكيها، وما كان بخلاف ذلك، فالتوقّف عن نطلاق الاسم به هو الواجب، وي تأوّل حينئذ، على ما يليق بمعاني الأصول المتّفق عليها، من أقاويل أهل الدين والعلم، مع كفي التشبيه فيه. هذا هو الأصل الذي كبن عليه الكلام، وكعتمده في هذا الباب. وذكر الأصابع لم ي وج د في شيء من الكتاب، ولا من السنّة، التي شرطها في الثبوت ما وصفناه. وليس معنَ اليد في الصفات بمعنَ الجارحة، حتّ ي توهّم - بثبوتها - ةبوت الأصابع؛ بل هو توقيف شرعيّ، أطلقنا الاسم فيه على ما جاء به الكتاب، من غير تكييف، و لا تشبيه؛ فخرج بذلك عن أن يكون له أصل في الكتاب، أو في السنّة، أو أن يكون على شيء من معاكيها»(1). وقال أبو منصور البغداديّ«وأخبار الآحاد مت صحّ نسنادها، وكاكت متونها غير مستحيلة، في العقل، كاكت موج بة للعمل بها، دون العلم؛ وكاكت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم، يلزمه الحكم بها في الظاهر، ونن لم يعلم صدقهم، في الشهادة»(2). (1) أعلام الحديث3/1535-1533. (2) أصول الدين12.

عدد الصفحات ٣٥١

351 وقال البيهقيّ«ولـهذا الوج ـــه، مـــن الاحتمال، تــرك أهـل النظـــــر - مــن أصحابنا - الاحتجاج بأخبار الآحاد، في صفات الله تعالى، نذا لم يكن لما اكفرد منها أصل في الكتاب، أو الإجْاع، واشتغلوا بتأويله»(1). وقال ابن عبد البرّ: «واختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل: هل ي وجب العلم والعمل جْيعًا، أم ي وجب العمل، دون العلم؟ والذي عليه أكثر أهل العلم منهم: أكّه ي وجب العمل، دون العلم، وهو قول الشافعيّ، وجْهور أهل الفقه والنظر، ولا ي وجب العلم عندهم نلاّ ما ش هد به على الله، وق طع العذر بمجيئه قطعًا، ولا خلاف فيه. وقال قوم كثير من أهل الأةر، وبعض أهل النظر: نكّه ي وجب العلم الظاهر والعمل جْيعًا، منهم الحسين الكرابيسيّ، وغيره وذكر ابن خوازبنداذ أنّ هذا القول يخرج على مذهب مالك...»(2). وقال الخطيب البغداديّ: «خ الواحد لا ي قب ل في شيء من أبواب الدين، المأخوذ على المكل فين العلم بها، والقطع عليها، والعلّة في ذلك أكّه نذا لم يعلم أنّ الخبر قول رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلّم - كان أبعد من العلم بمضموكه، فأمّا ما عدا ذلك من الأحكام، التي لم ي وج ب علينا العلم، بأنّ النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلّم - قرّرها، وأخبر عن الله  بها، فإنّ خبر الواحد فيها مقبول، والعمل به واجب، ويكون ما ورد فيه شرعًا لسائر المكل فين أن يعمل به، وذلك نحو: ما ورد في الحدود والكفّارات وهلال رمضان وشوّال وأحكام الطلاق والعتاق والحجّ والزكاة والمواري ث والبياعات والطهارة والصلاة وتحريم المحظورات »(3). وقال الخطيب البغداديّ أيضًا: «و ي قب ل خبر الواحد في منافاة حكم (1) الأسماء والصفات2/211. (2) التمهيد1/1-5. (3) الكفاية في علم الرواية132.

عدد الصفحات ٣٥٢

352 العقل، وحكم القرآن، الثابت المحك م، والسنّة المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنّة، وكلّ دليل مقطوع به، ونّّا ي قب ل به فيما لا ي قط ع به، ِّ ا يجوز ورود التعبّد به، كالأحكام التي تقدّم ذكرنا لها، وما أشبهها ِّا لم كذكره »(1). وقال أبو الوليد الباجيّ«وأمّا خبر الآحاد: فما قصر عن التواتر، وذلك لا يقع به العلم، ونّّا يغلب على ظنّ السامع له صحّته؛ لثقة المخبر به، لأنّ المخبر - ونن كان ةقة - يجوز عليه الغلط والسهو، كالشاهد. وقال محمّد بن خويز منداد: "يقع العلم بخبر الواحد". والأوّل عليه جْيع الفقهاء»(2). وقال أبو المعالي الجوينّ«ذهبت الح شْويّة من الحنابلة، وك ت بة الحديث، نلى أنّ خبر الواحد العدل ي وجب العلم. وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لبّ. فنقول لهتلاء: أتجوّزون أن يزلّ العدل الذي وصفتموه، ويخ طئ؛ فإن قالوا: "لا"، كان ذلك بهتًا وهتكًا، وخرقًا لحجاب الهيبة، ولا حاجة نلى مزيد البيان فيه. والقول القريب فيه أن قد زلّ من الرواة والأةبات جْعٌ لا ي عدّون كثرة، ولو لم يكن الغلط متصو رًا، لما رجع راو عن روايته. والأمر بخلاف ما تخيّلوه. فإذا تبينّ نمكان الخطإ، فالقطع بالصدق - مع ذلك - محال. ثمّ هذا في العدل في علم الله تعالى، ونحن لا كقطع بعدالة واحد، بل يجوز أن ي ضمر خلاف ما ي ظهر. ولا متعلّق لهم نلاّ ظنّهم أنّ خبر الواحد ي وجب العمل. وقد تكلّمنا عليه بما فيه مقنع»(3). وقال أبو المعالي الجوينّ أيضًا«وأمّا الأخبار، فالخبر ما يدخله الصدق والكذب. والخبر ينقسم نلى قسمين: آحاد ومتواتر. فالمتواتر ما ي وجب العلم، وهو أن يروي جْاعة لا يقع التواطت على الكذب من مثلهم، نلى أن ينتهي نلى المخبر (1) الكفاية في علم الرواية132. (2) الإشارة في معرفة الأصول 231. (3) البرهان في أصول الفقه1/616-611.

عدد الصفحات ٣٥٣

353 عنه، ويكون في الأصل عن مشاهدة، أو سماع، لا عن اجتهاد. والآحاد هو الذي ي وجب العمل، ولا ي وجب العلم»(1). وقال أبو حامد الغزاليّ«ونذا عرفت هذا، فنقول: خبر الواحد لا ي فيد العلم، وهو معلوم بالضرورة، فإناّ لا كصدّق بكلّ ما كسمع. ولو صدّقنا وقدّرنا تعارض خبرين، فكيف كصدّق بالضدّين؟ وما ح كي عن المحدّةين، من أنّ ذلك ي وجب العلم، فلعلّهم أرادوا أكّه ي فيد العلم، بوجوب العمل، أو سمّوا الظنّ علمًا؛ ولهذا قال بعضهم: "ي ورث العلم الظاهر"، والعلم ليس له ظاهر وباطن، ونّّا هو الظنّ...»(2). وقال ابن الجوزيّ«ورأيت من أصحابنا من تكلّم في الأصول، بما لا يصلح، واكتدب للتصنيف ةلاةة: أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغونيّ؛ فصنّفوا كتبًا شاكوا بها المذهب. ورأيتهم قد كزلو ا نلى مرتبة العوامّ؛ فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ، فسمعوا أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته؛ فأةبتوا له صورة، ووجهًا زائدًا على الذات، وعينين، وفمًا، ولهوات، و أضراسًا، وأضواء لوجهه، هي السبحات، ويدين، وأصابع، وكفًّا، وخنصرًا، ونبهامًا، وصدرًا، وفخذًا، وساقين، ورجلين. وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا: يجوز أن ي سّ، وي سّ، وي دني العبد، من ذاته. وقال بعضهم: ويتنفّس. ثمّ ي رضون العوامّ، بقولهم: لا كما ي عق ل»(3). وقال ابن الجوزيّ أيضًا«الثالث أنهّم أةبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحقّ لا تثبت نلاّ بما يثبت به الذات من الأدلّة القطعيّة. وقال ابن حامد المجسّم: (1) متن الورقات 19. (2) المستصفى1/212. (3) دفع شبه التشبيه31-111.

عدد الصفحات ٣٥٤