المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حقائق مهجورة

برهان الدين القاضي

صفحة ٢١ من ٣٠

322 قاله آدم بن أبِ نيًس، عنه، ووقفه هدبة، عن مهديّ، قاله ابن منيع، عنه. ورواه سعيد بن عبد الرحمن أخو أبِ حرّة، وأبو هلال الراسبيّ، عن ابن سير ين، عن أبِ هريرة موقوفًا، وكان أبو هلال كثيرًا ما يتوقّى رفع الحديث»(1). فمن صحّح وقف هذا المتن، فقد كفى كسبته نلى النبيّ. - قال ابن تيميّة«وقد ظنّ كثير من الناس أنّ آدم احتجّ بالقدر السابق على كفي الملام على الذكب، ثمّ صاروا لأجل هذا الظنّ ةلاةة أحزاب : فريق كذّبوا بهذا الحديث، كأبِ عليّ الجبّائيّ وغيره؛ لأكّه من المعلوم بالاضطرار أنّ هذا خلاف ما جاءت به الرسل، ولا ريب أكّه يتنع أن يكون هذا مراد الحديث، ويجب تنزيه النبيّ ، بل وجْيع الأكبياء وأتباع الأكبياء أن يجعلوا القدر حجّة لمن عصى الله ورسوله ....»(2). - قال ابن كث «وقد اختلفت مسالك الناس في هذا الحديث، فردّه قوم من القدريّة؛ لما تضمّن من نةبات القدر السابق. واحتجّ به قوم من الجبر يّة، وهو ظاهر لهم بادي الرأي؛ حيث قال: "فحجّ آدم موسى"، لـمّا احتجّ عليه بتقديم كتابه، وسيأتي الجواب عن هذا...»(3). * في حديث الفأر - قال ابن قتيبة، حاكيًا قول الطاعنين: «وكروايتهم في الفأرة: ننهّ ا يهوديّة، وننهّا لا تشرب ألبان الإبل، كما أنّ اليهود لا تشربه...»(1) . - قال الدارقطنّ«اخت لف في رفعه، فرفعه خالد الحذّاء، وهشام بن حسّان، (1) العلل الواردة في الأحاديث النبويّة5/119-116. (2) مجموعة الفتاوى5/153-151. (3) البداية والنهاية1/131. (1) تأويل مختلف الحديث91.

عدد الصفحات ٣٢٣

323 وأشعث، عن ابن سيرين، عن أبِ هريرة . واخت لف عن أيّوب، فر وي عن عبد الأعلى بن حمّاد، عن حمّاد بن سلمة، عن أيّوب وحبيب وهشام، عن ابن سيرين، عن أبِ هريرة مرفوعًا. ورواه الحسن بن موسى، عن حمّاد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد وهشام، عن ابن سيرين، عن أبِ هريرة موقوفًا»(1). فمن صحّح وقف هذا المتن، فقد كفى كسبته نلى النبيّ. - قال ابن عطيّة: «ووقع في كتاب مسلم عنه : أنّ أمّة من الأمم ف قدت، وأ راها الفأر، وظاهر هذا أنّ الممسوخ ي نسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظنٌّ منه ، في أمر لا مدخل له في التبليغ، ثمّ أ وحي نليه بعد ذلك أنّ الممسوخ لا ي نسل، وكظير ما قلناه كزوله ، على مياه بدر، وأمره باطّراح تذكير النخل»(2). - قال ابن الجوزيّ«أي لا أظنّها، والظاهر أكّه قال هذا بظنّه، ثمّ أ علم بعد ذلك»(3). - قال أبو عبد الله القرط بيّ: «فإّّا كان ظنًّا وخوفًا لأن يكون الضبّ والفأر وغيرهما ِّا م سخ ، فكان هذا حدسًا منه ، قبل أن ي وحى نليه أنّ الله لم يجعل لمسخ كسلاً، فلمّا أ وحي نليه بذلك، زال عنه ذلك التخوّف، وعلم أنّ الضبّ والفأر ليسا ِّا م سخ»(1). فالـمتلّفون الذين قالــوا: "ننّ مت ـن الفـــأر مبنـيّ ، على الظــنّ ، والـحــدس" لا ينفون صدوره ، من النبيّ ، بصفته البشـريّة؛ ونكّ ـمـا ينفون صدوره منه ، (1) العلل الواردة في الأحاديث النب ويّة: 11/36-31. (2) المحرّر الوجيز1/161-161. (3) كشف المشكل 3/156. (1) الجامع لأحكام القرآن 2/113.

عدد الصفحات ٣٢٤

321 بصفته النبويّة(التبليغيّة)؛ بمعنَ أكّ ـهم ينفون كسبته نلـى (الوحي ال ـمنز ل). * في حديث الأبرص: - قال العقيليّ: «حدّةنا محمّ د بن ندريس ، قال: حدّ ةنا الحميديّ ، حدّ ةنا سفيان، حدّ ةنا عمرو بن دينار أكّ ه سمع عبيد بن عمير، يقول: كان ةلاةة: أعمى، وم قع د، وآخر به زماكة - قد ذكر لنا عمرو، فنسيتها - وكاكوا محتاجين ، فأعطى هذا بقرة ، وهذا شاة ، وذكر الحديث . قال أبو جعفر العقيليّ : وهذا أصل الحديث، من كلام عبيد بن عمير ، وقصصه، كان يقصّ به»(1). - قال الخطّابِّ«قوله: "بدا الله أن يبتليهم"، معناه: قضى الله أن يبتليهم، وهو معنَ البدء؛ لأنّ القضاء سابق، وليس ذلك من البداء في شيء، والبداء على الله غير جائز. وقد رواه بعضهم: "بدا لله"، وهو غلط»(2). - قالابن الجوزيّ: «وقد جاء في بعض ألفاظ الصحيح، ولم يذكره الحميديّ : "أنّ ةلاةة بدأ الله أن يبتليهم"، كذلك رواه الخطّابِّ، وقال: معناه: قضى الله، وهو معنَ البدء، لأنّ القضاء سابق. قال: وقد رواه بعضهم: "بدا لله أن يبتليهم"، وهو غلط؛ لأنّ البداء على الله غير جائز»(3). - قال الألبانيّ«أعود نلى أحاديث هذا(الصحيح)، فأقول: لا بدّ لي من كلمة حقّ ، أ بديها أداء للأماكة العلميّ ة، وتبرئة للذمّ ة، وهي أنّ الباحث الفقيه لا يسعه نلاّ أن يعترف بحقيقة علميّ ة، عبرّ عنها الإمام الشافعيّ ،فيما ر وي عنه من قوله: "أَ الله أن يتمّ نلاّ كتابه". ولذلك أككر العلماء بعض الكلمات، وقعت خطأ من أحد الرواة، في بعض الأحاديث الصحيحة، فلا بأس من التذكير ببعضها (1) الضعفاء الكب1/311. (2) أعلام الحديث3/1963. (3) كشف المشكل 3/111.

عدد الصفحات ٣٢٥

325 على سبيل المثال 1- قوله في حديث الأبرص والأقرع والأعمى الآتي برقم (1111): "بدا" مكان الرواية الصحيحة: "أراد الله"؛ فإنّ كسبة البداء لله تعالى لا يجوز؛ كما سيأتي في التعليق على الحديث هناك، كيف لا ، وهي من عقائد اليهود، عليهم لعائن الله...»(1). * في حديث الهرولة - قال ابن قتيبة، حاكيًا قول الطاعنين: «قالوا: رويتم عن أبِ ذرّ و أبِ هريرة عن النبيّ  أكّه قال: يقول الله " :من تقرّب نليّ شبرًا، تقرّبت منه ذراعًا، و من تقرّب منّ ذراعًا، تقرّبت منه باعًا، ومن أتاني يشي، أتيته هرو لة". قال أبو محمّد: ونحن كقول: ننّ هذا َثيل وتشبيه..».(2). * في حديث التردّد - قال الذهبيّ: «فهذا حديث غريب جدًّا، لولا هيبة الجامع الصحيح، لعدّوه في منك رات خالد بن مخلد؛ وذلك لغرابة لفظه، ولأكّه ِّا ينفرد به شر يك، وليس بالحافظ، ولم ي رو هذا المتن، نلاّ بهذا الإسناد، ولا خرّجه من عدا البخاريّ، ولا أظنّه في مسند أحمد...»(3). - قال ابن رجب الحنبليّ«هذا الحديث تفرّد بِخراجه البخاريّ ، من دون بقيّ ة أصحاب الكتب، خرّ جه عن محمّ د بن عثمان بن كرامة، حدّ ةنا خالد بن مخلد، حدّ ةنا سليمان بن بلال، حدّ ةن شريك بن عبد الله بن أبِ ّر، عن عطاء، عن أبِ هريرة، عن النبيّ ، فذكر الحديث بطوله، وزاد في آخره: "وما تردّ دت عن (1) مختصر صحيح الإمام البخاريّ2/9-6. (2) تأويل مختلف الحديث321. (3) ميزان الاعتدال: 1/611-612، واكظر: فتح الباري 11/311، ونرشاد الساري 3/231.

عدد الصفحات ٣٢٦

326 شيء، أنا فاعله، تردّ دي عن كفس المتمن، يكره الموت ، وأنا أكر ه مساءته". وهو من غرائب الصحيح، تفرّ د به ابن كرامة عن خالد، وليس هو في مسند أحمد، مع أنّ خالد بن مخلد القطوانيّ تكلّ م فيه أحمد وغيره، وقالوا: له مناكير، وعطاء الذي في نسناده قيل: نكّ ه ابن أبِ رباح، وقيل: نكّ ه ابن يسار، ونكّ ه وقع في بعض كسخ الصحيح منسوباً كذلك. وقد ر وي هذا الحديث من وجوه أ خ ر، لا تخلو ك لّ ها عن مقال...»(1). * في حديث النزول - قال ابن قتيبة، حاكيًا قول الطاعنين: «قالوا: رويتم أنّ الله - تبارك وتعالى - ينزل نلى السماء الدكيا، في الثلث الأخير، من الليل، فيقول: " هل من داع فأستجيب له؟ أو مستغفر فأغفر له"؟ وينزل عشيّة عرفة، نلى أهل عرفة، وينزل في ليلة النصف من شعبان. وهذا خلاف لقوله تعالى: ﴿م ا ي ك ون م نْ نْ ْو ى ة لا ة ة ن لا ه و ر اب ع ه مْ و لا خم ْس ة ن لا ه و س اد س ه مْ و لا أ دَْ م نْ ذ ل ك و لا أ كْثـ ر ن لا ه و م ع ه مْ أ يْن م ا ك اك وا﴾(2)، وقوله جلّ وعزّ : ﴿ و ه و ال ذ ي في الس م اء ن ل هٌ و في الأْ رْض ن ل هٌ ﴾(3). وقد أجْع الناس على أكّه بكلّ مكان، ولا يشغله شأن عن شأن. قال أبو محمّد: ونحن كقول: ...»(1). * في حديث الرؤية - قال ابن قتيبة، حاكيًا قول الطاعنين: «قالوا: رويتم أنّ النبيّ  قال: "ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامّون في رؤيته". والله تعالى (1) جامع العلوم والحكم111. (2) المجادلة1. (3) الزخرف 51. (1) تأويل مختلف الحديث333.

عدد الصفحات ٣٢٧

327 يقول: ﴿ لا ت دْر ك ه الأْ بْص ار و ه و ي دْر ك الأْ بْص ار ﴾(1)، ويقول: ﴿ ل يْس ك م ثْل ه ش يْءٌ ﴾(2). قالوا: وليس يجوز في حجّة العقل أن يكون الخالق ي شبه المخلوق، في شيء من الصفات، وقد قال موسى : ﴿ ر بّ أ ر ني أ كْظ رْ ن ل يْك ق ال ل نْ تـ ر اني ﴾(3). قالوا: فإن كان هذا الحديث صحيحًا، فالرؤية فيه بمعنَ العلم، كما قال تعالى: ﴿أ لم ْ تـ ر ن لى ر بّ ك ك يْف م د الظّ ل ﴾(1)، وقال: ﴿أ لم ْ تـ عْل مْ أ ن اللَّ ع ل ى ك لّ ش يْء ق د يرٌ ﴾(9). قال أبو محمّد: ونحن كقول: ننّ هذا الحديث صحيح، لا يجوز على مثله الكذب؛ لتتابع الروايًت عن الثقات به، من وجوه كثيرة..».(6). * في حديث الدهر - قال ابن قتيبة، حاكيًا قول الطاعنين: «قالوا: رويتم أنّ النبيّ  قال: "لا تسبّوا الدهر، فإنّ الله تعالى هو الدهر"، فوافقتم - في هذه الرواية - الدهريّة. قال أبو محمّد: ونحن كقول: ننّ العرب في الجاهليّة...»(1). * في حديث القدم - قال ابن تيميّة: «وأنّ ما وقع في بعض طرق البخاريّ "أنّ النار لا َتلئ، حتّ ي نشئ الله لها خلقًا آخر" ِّا وقع فيه الغلط، وهذا كثير. والناس في هذا الباب طرفان : طرف من أهل الكلام ونحوهم، ِّن هو بعيد عن معرفة الحديث و أهله، (1) الأكعام113. (2) الشورى 11. (3) الأعراف 113. (1) الفرقان 19. (9) البقرة 116. (6) تأويل مختلف الحديث: 231-235. (1) تأويل مختلف الحديث321.

عدد الصفحات ٣٢٨

328 لا ييّز بين الصحيح والضعيف، فيشكّ في صحّة أحاديث، أو في القطع بها، مع كونها معلومة، مقطوعًا بها، عند أهل العلم به. وطرف ِّن يدّعي اتّباع الحديث والعمل به، كلّما وجد لفظًا في حديث، قد رواه ةقة، أو رأى حديثًا بِسناد، ظاهره الصحّة، ي ريد أن يجعل ذلك، من جنس ما جزم أهل العلم، بصحّته، حتّ نذا عارض الصحيح المعروف، أخذ يتكلّف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلاً له في مسائل العلم، مع أنّ أهل العلم بالحديث يعرفون أنّ مثل هذا غلط»(1). - قالابن القيّم: «وأمّا اللفظ الذي وقع في صحيح البخاريّ في حديث أ هريرة: "و نكّه ي نشئ للنار من يشاء، في لقى فيها، فتقول: هل من مزيد"، فغلط ، من بعض الرواة، اكقلب عليه لفظه، والروايًت الصحيحة ، وكصّ الق ـرآن يردّه، ف إنّ الله سبحاكه، أخبر أكّه يلأ جهنّم من نبليس، وأتباعه، وأكّه لا يعذّب، نلاّ من قامت عليه حجّته، وكذّب رسله...»(2) . - قال ابن عثيم«ومن الشذوذ: أن يخالف ما علم بالضرورة ، من الدين. مثاله: في صحيح البخاريّ رواية: "أكّه يبقى في النار فضل عمّن دخلها من أهل الدكيا، في نشئ الله لها أقوامًا، في دخلهم النار". فهذا الحديث ونن كان متّصل السند، فهو شاذّ؛ لأكّه مخالف لما ع لم بالضرورة من الدين، وهو أنّ الله تعالى لا يظلم أحدًا، وهذه الرواية في الحقيقة قد اكقلبت على الراوي، والصواب أكّه يبقى في الجنّ ة فضل عمّن دخلها، من أهل الدكيا، في نشئ الله أقوامًا، في دخلهم الجنّ ة، وهذا فضل ليس فيه ظلم، أمّا الأوّل، ففيه ظلم»(3) . (1) مجموعة الفتاوى: 13/153-131. (2) حادي الأرواح2/511. (3) شرح المنظومة البيقوكيّة31.

عدد الصفحات ٣٢٩

329 * في حديث الضرس - قال ابن قتيبة، حاكيًا قول الطاعنين: «قالوا: رويتم أنّ النبيّ  قال: "ضرس الكافر في النار، مثل أحد، وكثافة جلده أربعون ذراعًا بذراع الجبّار". قال أبو محمّد: ونحن كقول: ننّ لهذا الحديث مخرجًا حسنًا، نن كان النبيّ  أراده »(1). وذهب (أهل الحديث) قديًا وحديثًا، نلى تصحيح أكثر هذه الأحاديث، ولا سيّما من كان من (غلاة الصحيحين)؛ وذكروا الكثير من التأويلات المختلفة لها؛ ووصفوا من أككروها بالابتداع، والضلال، واتهّموهم بردّ السنّة. ومن أمثلة ذلك ردودهم على من أككر (حديث اللطمة): قال ابن قتيبة: «قالوا: رويتم عنحمّ اد بن سلمة، عن عمّار بن أبِ عمّار، عن أبِ هريرة، عن النبيّ : "أنّ موسى  لطم عين ملك الموت، فأعوره"، فإن كان ي ـجـوز على ملك الـموت العور، جـاز عليه العمى. ولعلّ عيسى ابن مريم  قد لطم الأخرى، فأعماه؛ لأنّ عيسى  كان أشدّ للموت كراهية من موسى ، وكان يقول: "اللهمّ نن كنت صارفًا هذه الكأس، عن أحد من الناس، فاصرفها عنّ ". قال أبو محمّ د: و نحن كقول: ننّ هذا الحديث حسن الطريق ، عند أصحاب الحديث، وأحسب له أصلاً في الأخبار القدية، وله تأويل صحيح، لا يدفعه النظر...»(2) . وقال الخطّابِّ «هذا حديث يطعن فيه الملحدون وأهل الزيغ والبدع ، ويغمزون به في رواته وكـ ق ل ته، ويقولون: كيف يجوز أن يفعل كبيّ الله، موسى، هذا (1) تأويل مختلف الحديث312. (2) تأويل مختلف الحديث111.

عدد الصفحات ٣٣٠

331 الصنيعبملك من ملائكة الله، جاءه بأمر، من أمره ، فيستعصي عليه، ولا يأَر له؟ وكيف تصل يده نلى الملك ، ويخلص نليه صكّه ولطمه؟ وكيف ينهنهه الملك المأمور بقبض روحه ، فلا ي ضي أمر الله فيه؟ هذه أمور خارجة عن المعقول ، سالكة طريق الاستحالة من كلّ وجه »(1). وقال عبد الغنّ المقدسيّ: «وكتمن بأنّ ملك الموت أرسل نلى موسى ، فصكّه، ففقأ عينه، كما صحّ عن رسول الله ، ي نكره نلاّ ضالّ، مبتدع، رادّ، على الله ورسوله »(2). وقال ابن حجر العسقلانيّ«قال ابن خزية: أككر بعض المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: نن كان موسى عرفه، فقد استخفّ به، ونن كان لم يعرفه ، فكيف لم يقتصّ له من فقء عينه...»(3). وليس بعيدًا أن يكون الداعي، الذي دعا بعض المنكرين- نلى نككار هذه الأحاديث - هو الداعي كفسه، الذي دعا بعض المصحّحين، نلى تصحيح هذه الأحاديث أكفسها. فقد يكون سبب الإككار - عند بعض المنكرين - هو الرغبة في خ دمة السنّة النبويّة، برفض ما يقطعون، أو يرجّحون أكّه دخيل عليها؛ ويكون سبب التصحيح - عند بعض المصحّحين - هو الرغبة في خدمة السنّة النبويّة، بقبول ما يقطعون، أو يرجّحون أكّه جزء منها. فالرغبة الصادقة - في الدفاع عن السنّة النبويّة - هي الداعي الذي اشترك فيه بعض المنكرين، وبعض المصحّحين؛ ولكنّهم اختلفوا في المنهج. (1) أعلام الحديث1/636-631. (2) الاقتصاد في الاعتقاد 133-131. (3) فتح الباري 6/112.

عدد الصفحات ٣٣١

331 فبعض المنكرين يخشون - نن قبلوها - أن تكون تلك الأحاديث دخيلة على السنّة النبويّة؛ فيرفضونها لذلك، كما يرفض الحارس دخول من يقطع، أو يرجّح كوكه غريبًا عن أهل الدار، فيجابهه بالطرد والمنع والإقصاء. وبعض المصحّحين يخشون - نن ردّوها - أن تكون تلك الأحاديث جزءًا من السنّة النبويّة، فيقبلونها لذلك، كما يقبل الحارس دخول من يقطع، أو يرجّح كوكه واحدًا من أهل الدار، فيستقبله بالترحيب والحفاوة. و هذه الأحاديث، نن لم تكن مخال فة، للأدلّة القطعيّة، مخال فة قطعيّة، بحيث ي دخلها المتلّفون في شعبة الحديث المردود؛ فلا أقلّ من كونها مخال فة لها، مخال فة ظنـّيّة، ولو عند بعضهم. وهذه المخال فة الظنـّيّة النّ سبيّة كفيلة باكتفاء القطع المطلق، واكتفاء الظنّ المطلق، فلا يستطيع المصحّحون أن ي دخلوا هذه الأحاديث المختل ف فيها، في شعبة الحديث المقبول، بطريقة القطع المطلق، أو بطريقة الظنّ المطلق؛ ونّّا يفعلون ذلك بطريقة القطع النّ سبيّ، أو بطريقة الظنّ النّ سبيّ؛ بسبب الاختلاف. ولذلك عمد بعض المتلّفين، نلى نخراج هذه الأحاديث الاختلافيّة، من شعبة الحديث المقبول، وأدخلوها في شعبة الحديث المتج ل، وهو الحديث الذي يتعذّر فيه القطع المطلق، ويتعذّر فيه الظنّ المطلق، نةباتاً، أو نككارًا؛ فاختاروا التوقّف، والتأجيل فيه. قال ابن حجر العسقلانيّ ، متحدّثاً عن حالات قبول الحديث، وردّه، والتوقّف فيه« :نّّا وجب العمل بالمقبول منها؛ لأنهّا نمّا أن ي وج د فيها أصل صفة القبول، وهو ةبوت صدق الناقل، أو أصل صفة الردّ، وهو ةبوت كذب الناقل، أو لا. فالأوّل: يغلب على الظنّ صدق الخبر؛ لثبوت صدق ناقله؛ فيتخ ذ به. والثاني: يغلب على الظنّ كذب الخبر؛ لثبوت كذب ناقله؛ في طر ح. والثالث: نن

عدد الصفحات ٣٣٢

332 وجدت قرينة ت لحقه بأحد القسمين التحق، ونلاّ في توقّف فيه، فإذا ت وقّ ف عن العمل به، صار كالمردود، لا لثبوت صفة الردّ، بل لكوكه لم ت وج د فيه صفة ت وجب القبول»(1). وليس الغرض- من سرد هذه الأحاديث - بيان رأيي الخاصّ فيها، فما قيمة رأيي، وقد اختلف - فيها، وفي أمثالها - القدامى والمحدةون؟!!! ونّّا الغرض من ذلك: هو الردّ على الشبهة الرئيسة. فهذه الشبهة باطلة؛ لأنهّا قائمة على مقدّمتين: الأولى- باطلة، بلا ريب، بالاعتماد على الحقائق الستّ، المذكورة آكفًا. الثانية- مختل ف فيها، وما اخت لف فيه لا ي كن فيه القطع المطلق، لأنّ القطع المطلق لا يكون في مواطن الاختلاف، ونّّا يقطع القاطع - عند الاختلاف - بالقطع النّ سبيّ؛ لاعتماده على أدلّة يراها كافية للقطع، ويخالفه فيها آخرون. وسواء أصحّت المقدّمة الثاكية، أم لم تصحّ؛ فإنّ بطلان المقدّمة الأولى كفيل بِبطال النتيجة المزعومة. و باشتراط (قطعيّة الأدلّة) يتبينّ بوضوح أنّ كلتا المقدّمتين لا تصلح أن تكون دليلاً قطعيًّا على صحّة النتيجة المزعومة. فالحاصل ِّا تقدّ م أنّ (الإسلام) بريء كلّ البراءة من (الإسرائيليّات)، وأنّ (القرآن الكريم) بريء كلّ البراءة من (الإسرائيليّات)، وأنّ (السنّة النبويّة) بريئة كلّ البراءة من (الإسرائيليّات)، وأنّ اشتمال بعض متلّفات المنتسبين نلى (الإسلام) على الكثير من (الإسرائيليّات) لن يغيرّ الحقيقة؛ فإنّ (الصورة التنزيليّة) هي وحده ا الصورة الإسلاميّة الأصيلة الصحيحة السليمة، البريئة من الأباطيل والأوهام. (1) كزهة النظر 211.

عدد الصفحات ٣٣٣

333 الاح تجاج بحديث الآحاد في الفروع العمليّة فإن قيل: نذا كاكت أحاديث الآحاد ظنـّيّة الثبوت، لا ي كن القطع بصحّة صدورها، من النبيّ ، في الواقع، وكفس الأمر، فكيف يعمل بمقتضاها أكثر المنتسبين نلى الإسلام، قديً ا وحديثًا؟! قلت: نذا كان أحدنا يسافر في طريق مستقيم، مدّة طويلة، آمنًا مطمئنًّا، ثمّ وجد كفسه مخيـ رًا، بين طريقين فرعيّين: أ- طريق اليقين: وهو طريق عامّ، يسلكه المسافرون كلّهم، وقد علموا علم اليقين استقامته، وسهولته، وتنعّموا فيه بالأمان والراحة. ب- طريق الظنّ: وهو طريق خاصّ، لا يسلكه نلاّ القليل من المساف ر ين، ومن يسلكه منهم، فإكّه ينجو في الغالب، من المهالك، نن توخّى الحذر، ولم يفارق جْاعة المسافرين، لكنّ فيه - مع ذلك - بعض المتاعب، والمخاوف. لا ريب في أنّ المسافر العاقل سيسلك طريق اليقين، ما دام ي غنيه عن طريق الظنّ؛ ليتنعّم بالراحة والأمان، وينجو من المتاعب والمخاوف. ولكنّ هذا المسافر العاقل كفسه، حين يحتاج نلى أشياء، لا ي كن أن يجدها، في طريق اليقين؛ فإكّه - في هذه الحال - سيسلك طريق الظنّ، لأكّه يتوقّع النجاة غالبًا، فيحتمل المتاعب والمخاوف؛ من أجل أن ينال مبتغاه. وليس من الحكمة أن يحمله الخوف على تجنّب سلوك طريق الظنّ؛ لأكّ ه نذا تجنّب سلوكه، فقد خسر ما يحتاج نليه، ِّا لا ي كنه الاستغناء عنه، ولا ي كنه أن يجده في طريق اليقين. فسلوك المسافر العاقل لطريق الظنّ، نّّا يكون في حالة اكعدام البديل الأفضل، وهو طريق اليقين؛ فإكّه - لكي يصل نلى غايته من سفر ه - لا بدّ أن

عدد الصفحات ٣٣٤

331 يسلك طريقًا يوصله، فإن لم يجد طريقًا يقينيًّا، وجب عليه أن يبحث عن أفضل طريق ِكن، وهو الطريق الظنّّ، وبخلافه لن يصل نلى غايته. وهذا ما نْده واضحًا في حياتنا، بصورها المختلفة، ومنها الحياة العمليّة؛ فكثيرون هم أصحاب الح ر ف، الذين هلكوا بسبب ح ر فهم؛ لكنّ هذا لم ينع الأعمّ الأغلب منهم، من الاستمرار في تلك الح ر ف، بعد أن علموا بهلاك أقر انهم؛ لأنهّم يرجّحون النجاة على الهلاك، حين يجدون أنّ كسبة الهالكين - بسبب تلك الح ر ف - أقلّ بكثير من كسبة الناجين؛ والحاجة تدعوهم نلى العمل؛ من أجل المعاش؛ ولا سيّما حين لا يجدون بديلاً عن ح ر فهم. وكذلك في الحياة الاجتماعيّة، تجد الرجل يرغب في الزواج، ويسعى نليه، وربمّا رغب في امرأة معيّنة، لتكون زوجًا له، فيبذل الأموال من أجلها، ويرجو أن تلد له الأبناء الذكور. وهو في كلّ ذلك، يرجّح كيل السعادة، في حياته الاجتماعيّة، ويستبعد الشقاء والأذى؛ ولكنّه مع ذلك، لا ي كن أن يقطع بنيل السعادة، نن كان من العاقلين، ولا سيّما نن كان قد سمع بما جرى للكثير من الرجال، من المهالك، والمصائب، والمتاعب؛ بسبب أزواجهم، أو أبنائهم الذكور. وهكذا في الحياة الدينيّة، يختار الإكسان العاقل طريق اليقين، فيتّ خذه زادًا، لكلّ ما ي كن أن ينتفع به، فإن لم يجد بعض ما يحتاج نليه، في طريق اليقين؛ ف إكّه م لز م بسلوك طريق الظنّ، لكن بشرط واجب أكيد، هو ألاّ يتدّي سلوك طريق الظنّ نلى معارضة بعض ما وجده في طريق اليقين. فإن وقع التعارض بين الطريقين، كان على الإكسان العاقل أن يختار طريق اليقين؛ كالمسافر الذي قد ي ضطرّ أحياناً، نلى سلوك طريق الظنّ؛ للوصول نلى بعض حاجاته، فإن وجد في طريق الظنّ ما يعارض بعض ما وجده ، من قبل،

عدد الصفحات ٣٣٥

335 في طريق اليقين، وجب عليه أن يحيد عن طريق الظنّ، نلى طريق اليقين؛ ليسلم من المهالك. ولذلك كان واجبًا على المسلم أن يجعل (القطعيّات الإسلاميّة) هي الطريق الأوّل والأفضل؛ فإن احتاج نلى بعض ما لا يستطيع أن يجده في طريق (القطعيّات)، وجب عليه الاعتماد على (الظنـّيّات)، بشرط ألاّ يتدّي اعت ماده عليها نلى مخالفة (القطعيّات الإسلاميّة). ولمعرفة (القطعيّات الإسلاميّة) يجب الاعتماد على (م ثل ث اليقين)، وهو م ثل ث مرك ب من ةلاةة أضلاع، كلّ ضلع منها عبارة عن صفة واجبة أكيدة، من صفات الدليل الكافي، فإن فقد الدليل واحدًا، أو أكثر، من هذه الأضلاع، فإكّه لا ي كن أن يكون كافيًا. وأضلاع (م ثل ث اليقين) هي: 1- التقدير القطعيّ التقدير بمعنَ بيان قدر الدليل، أي: بيان قيمته الاحتجاجيّة؛ فليس كلّ دليل - يستدلّ به المستدلّون - يكون صالحًا للاحتجاج به، في كلّ مسألة. ففي نكشاء الحكم الشرعيّ لا ي كن قبول أيّ دليل، ما عدا دليلين اةنين، راجعين نلى الوحي المنزّل، هما: القرآن الكريم، والسنّة النبويّة؛ فهما دليلان شرعيّان قطعيّان م نش ئان للحكم الشرعيّ، بلا ريب. أمّا سائر الأدلّة، التي يعتمد عليها المتلّفون، قديًا وحديثًا، فهي ليست م نش ئة للحكم الشرعيّ، ونّّا ي كن أن يكون بعضها - بشروط معيّنة - دليلاً قطعيًّا كاشفًا عن الحكم الشرعيّ، وهو الإجْاع الاتّفاقيّ القطعيّ، دون ما سواه من الإجْاعات المزعومة. فإجْاع السلف على أعداد ركعات الصلوات الخمس ليس هو الذي أكشأ

عدد الصفحات ٣٣٦

336 الحكم الشرعيّ، بل ننّ السنّة النبويّة الراجعة نلى الوحي المنزّل هي التي أكشأت هذا الحكم (أعداد الركعات ). وما نجْاع السلف على هذه الأعداد، نلاّ دليل قطعيّ، كاشف عن الحكم الشرعيّ؛ فإنهّم ما كاكوا لي جمعوا على أعداد الركعات، لو لم تكن حقيقة شرعيّة ثابتة - عندهم - ةبوتاً قطعيًّا، ينع اختلافهم فيها. قال الزركشيّ: «ولا بدّ له من مستند؛ لأنّ أهلالإجْاع ليست لهم رت بة الاستقلال، بِةبات الأحكام، ونّّا ي ثبتونها كظرًا نلى أدلّتها ومأخذها، فوجب أن يكون عن مستند؛ لأكّه لو اكعقد من غير مستند، لاقتضى نةبات الشرع، بعد النبيّ ، وهو باطل»(1) . وقال مصطفى الزلميّ: «ومن الجدير بالإشارة في هذا المقام : أنّ ف ائدة الإجْاع - في حالة كون السند كصًّا - هي أنّ النصّ ي صبح بوساطة الإجْاع دليلاً قطعيًّا على حكمه، ونن كان ظنّّ الدلالة، أو ظنّّ الثبوت، في أصله»(2) . ورأي الصحابِّ الواحد ليس دليلاً م نشئًا للحكم الشرعيّ، وليس دليلاً قطعيًّا، كاشفًا عن الحكم الشرعيّ؛ و لا سيّما عند اختلاف الصحابة. ونّّا يعدّه بعض المتلّفين دليلاً ظنـّ يًّا كاشفًا، ولا يعدّه آخرون دليلاً كاشفًا. قال أبو الوفاء ابن عقيل: «ولنا في قول الصحابِّ، هل هو حجّة؟ روايتان، أصحّهما: أكّه ليس بحجّة؛ لأكّه مجتهد، وليس بمعصوم، ولا ِنوع من خلافه، فهو كسائر المجتهدين»(3). وقال ابن تيميّة«ومن قال من العلماء: "ننّ قول الصحابِّ حجّة"، فإّّا (1) البحر المحيط في أصول الفقه1/191. (2) أصول الفقه في كسيجه الجديد123. (3) الواضح في أصول الفقه9/35.

عدد الصفحات ٣٣٧

337 قاله، نذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عرف كصّ يخالفه؛ ثمّ نذا اشت هر، ولم ي نكروه، كان نقرارًا على القول. فقد ي قال: "هذا نجْاع نقراريّ"، نذا ع ر ف أنهّم أقرّوه، ولم ي نكره أحد منهم، وهم لا ي قرّون على باطل. وأمّا نذا لم يشتهر، فهذا نن ع رف أنّ غيره لم يخالفه، فقد ي قال: "حجّة". وأمّا نذا ع رف أكّه خالفه، فليس بحجّة، بالاتّفاق. وأمّا نذا لم ي عر ف هل وافقه غيره، أو خالفه، لم يج ز م بأحدهما. ومت كاكت السنّة تدلّ على خلافه، كاكت الحجّة في سنّة رسول الله ، لا فيما يخالفها، بلا ريب، عند أهل العلم »(1). وقال مصطفى الزلميّ«الآراء الخلافيّة المذكورة وأمثالها، التي ذهب نليها بعض الأصوليّين والفقهاء، منها شكليّة (لفظيّة)، كالخلاف بين الرأيين الأوّل والثاني؛ لأنّ من قال: "نكّ ه ليس بحجّة مطلقًا" أراد الحجّة الملز مة لغير ه، والمنشأة(2) للحكم الشرعيّ، باعتباره دليلاً شرعيًّا، ومصدرًا للحكم، والحجّيّة بهذا المعنَ، نْدها نلاّ في الكتاب، والسنّة الثابتة. أمّا الذي قال: "نكّه حجّة مطلقًا"، قصد (3) بالحجّيّة شرعيّة الاستناد نليه، والتمسّك به، في حالة عدم وجود النصّ، َسّكًا اختياريًًّ، فهو ليس حجّة م لز مة، كالقرآن والسنّة، والإجْاع، نّّا هو مصدر كاشف لحكم مصدره الحقيقيّ، غيره، شأكه شأن بقيّة المصادر الكاشفة المختل ف فيها. ومنها ما مضى عليه الزمن، واكتهى وقته، وأصبح مجرّد تأريخ، لا ي وجب المناقشة، كالرأي الأخير. ومنها ما يدلّ على أنّ الحجّيّة ليست في قول الصحابِّ ذاته، بل في النصّ الذي اطّلع عليه الصحابِّ، كما في الرأي الثالث»(1) . (1) مجموعة الفتاوى1/211. (2) كذا في المطبوع، والصواب: (المنشئة (3) كذا في المطبوع، والصواب أن يبدأ جواب (أمّا) بالفاء، في قال مثلاً: (فقصد). (1) أصول الفقه في كسيجه الجديد123.

عدد الصفحات ٣٣٨