258 قال البخاريّ«ح د ةـ ن ا كـ ع يْم بْن حم اد ، ح د ةـ ن ا ه ش يْمٌ، ع نْ ح ص ينْ ، ع نْ ع مْر و بْن م يْم ون ، ق ال : ر أ يْت في الجْ اه ل ي ة ق رْد ةً، اجْت م ع ع ل يـْه ا ق ر د ةٌ، ق دْ ز ك تْ، فـ ر جْ وه ا، فـ ر جْ ْتـ ه ا م ع ه مْ »(1) . وقد اكتقد بعض المتلّفين هذا الحديث، فمنهم من اكتقد السند، وكفى صحّة صدور المتن من عمرو بن ميمون؛ ومنهم من اكتقد المتن، ووصفه بالنكارة؛ لغرابته عن الواقع. قال ابن قتيبة: «قالوا: رويتم : "أنّ قرودً ا رجْ تْ ق رْ دة في زَ ". فإن كاكت القرود نّّ ا رجْتها في الإحصان، فذلك أ طرف الحديث. وعلى هذا القياس، فإكّ كم لا تدرون، لعلّ القرود ت قيم من أحكام التوراة أمورً ا كثيرة، ولعلّ دينها اليهوديّ ة بعد. ونن كاكت القرود يهودً ا، فلعلّ الخنازير كصارى. قال أبو محمّ د: ونحن كقول، في جواب هذا الاستهزاء : ننّ حديث القرود ليس عن رسول الله ، ولا عن أصحابه، ونّّ ا هو شيء ذ كر عن عمرو بن ميمون»(2). وقال ابن الجوزيّ« :وهذا في بعض النسخ بالبخاريّ، لا في كلّ ها، وليس في رواية النعيميّ عن الفربريّ . قال الحميديّ : ولعلّ هذا من المقح مات التي أ قحمت في كتاب البخاريّ . وقد أوهم أبو مسعود بترجْة عمرو بن ميمون أكّ ه من الصحابة الذين اكفرد بالإخراج عنهم البخاريّ ، وليس كذلك، فإكّ ه لي س من الصحابة، ولا له في الصحيح مسند »(3). وقال أبو عبد الله القرطبيّ: «وأمّا ما ذكره من قصّة عمرو، فذكر الحميديّ في جْع الصحيحين: حكى أبو مسعود الدمشقيّ أنّ لعمرو بن ميمون الأوديّ (1) صحيح البخاريّ3/1331-1335، رقم 3636 . (2) تأويل مختلف الحديث312. (3) كشف ا شكل: 1/119.
عدد الصفحات ٢٥٩259 في الصحيحين حكاية من رواية حصين عنه، قال"رأيت في الجاهليّة ق رْ دة، اجتمع عليها ق ر دة، فرجْوها، فرجْتها معهم ". كذا حكى أبو مسعود، ولم يذ كر في أيّ موضع أخرجه البخاريّ من كتابه، فبحثنا عن ذلك، فوجدناه في بعض النسخ، لا في كلّها، فذ كر في كتاب أيًّم الجاهليّة، وليس في رواية النعيميّ عن الفربريّ - أصلاً - شيء من هذا الخبر ، في القر دة، ولعلّها من المقح مات، في كتاب البخاريّ »(1) . وقال الألبانيّ«قلت: هذا أةر منكر؛ نذ كيف يكن لإكسان أن يعلم أن القردة تتزوّ ج، وأنّ من خلقهم المحافظة على العرض، فمن خان قتلوه؟ ثمّ هب أنّ ذلك أمر واقع بينها، فمن أين علم عمرو بن ميمون أنّ رجم القردة نّّ ا ك ان لأنهّ ا زكت؟! وأنا أظنّ أنّ الآفة من شيخ المصنّ ف كعيم بن حمّ اد؛ فإكّ ه ضعيف متّ هم، أو من عنعنة هشيم؛ فإكّ ه كان مدلّ سًا، لكن ذكر ابن عبد البرّ في "الاستيعاب".. أكّ ه رواه عبّ اد بن العوّ ام أيضً ا، عن حصين، كما رواه هشيم، مختصرً ا. قلت: وعبّ اد هذا ةقة، من رجال الشيخين، وتابعه عيسى بن حطّ ان، عن عمرو بن ميمو ن به، مطوّ لاً . أخرجه الإسماعيليّ . وعيسى هذا وةّ قه العجليّ ، وابن حبّ ان، وروايته مفص لة، ت بعد النكارة الظاهرة ، من رواية كعيم المختصرة، وقد مال الحافظ نلى تقويتها؛ خلافً ا لابن عبد البرّ »(2). فسواء أصحّ صدور هذا المتن من عمرو بن ميمون، أم لم يصحّ؛ وسواء أصحّت مطابقة هذا المتن للواقع، أم لم تصحّ؛ فإكّه ليس كصًّا شرعيًّا، فليس من كلام الله تعالى، ولا من كلام رسوله . (1) الجامع لأحكام القرآن 2/112. (2) مختصر صحيح الإمام البخاريّ2/939-936.
عدد الصفحات ٢٦٠261 فالطعن في الصحّة المطاب قيّة لهذا المتن ليس طعنًا في السنّة النبويّة، وليس طعنًا فيما ي نس ب نلى السنّة النبويّة؛ لأنّ عمرو بن ميمون واحد من عامّة الناس، فهو غير معصوم، لذلك ي كن أن يخ طئ، سهوًا، أو وهمًا. وي كن أن تكون القصّة مفتراة عليه، ومنسوبة نليه كذباً . ولذلك لا ي عدّ منك ـر هذه القصّة منك رًا لشيء من السنّة النبويّة. الواقع القطعيّ الشر عيّ: الواقع القطعيّ قد يكون شرعيًّا، وهو القرآن الكريم، والسنّة النبويّة، الثابتة ةبوتا قطعيًّا؛ فكلّ حديث غير قطعيّ الثبوت، نذا ةبت بالدليل القطعيّ مخالفته للدليل الشرعيّ القطعيّ، ولا سيّما الدليل القرآنيّ القطعيّ، فإكّه حديث غير صحيح واقعيًّا، ونن عدّه بعض المتلّفين صحيحًا، من جهة الصناعة الحديثيّة. ومن أمثلة الاعتماد على الدليل القرآنيّ: قول ابن القيّم: «وأمّا اللفظ الذي وقع في صحيح البخاريّ في حديث أبِ هريرة: "و نكّه ي نشئ للنار من يشاء، في لقى فيها، فتقول: هل من مزيد"، فغلط من بعض الرواة، اكقلب عليه لفظ ه، والروايًت الصحيحة، وكصّ القرآن يردّه، فإنّ الله سبحاكه، أخبر أكّه يلأ جهنّم من نبليس، وأتباعه، وأكّه لا يعذّب، نلاّ من قامت عليه حجّته ، وكذّب رسله...»(1) . وقال ابن عثيمين: «ومن الشذوذ: أن يخالف ما علم بالضرورة من الدي ن. مثاله: في صحيح البخاريّ رواية: "أكّه يبقى في النار فضل عمّن دخلها من أهل الدكيا، في نشئ الله لها أقوامًا، في دخلهم النار". فهذا الحديث ونن كان متّصل السند، فهو شاذّ؛ لأكّه مخالف لما ع لم بالضرورة من الدين، وهو أنّ الله تعالى لا يظلم أحدًا، وهذه الرواية في الحقيقة قد اكقلبت على الراوي، والصواب أكّه يبقى (1) حادي الأرواح2/511.
عدد الصفحات ٢٦١261 في الجنّة فضل عمّن دخلها، من أهل الدكيا، في نشئ الله أقوامًا، في دخلهم الجنّ ة، وهذا فضل ليس فيه ظلم، أمّا الأوّل، ففيه ظلم»(1) . ومن أمثلة الاعتماد على الدليل القرآنيّ أيضًا: قول الجصّاص «وقد أجازوا من فعل الساحر، ما هو أطمّ من هذا، وأفظع، وذلك أنهّ م زعموا أنّ النبيّ سحر، وأنّ السحر عمل فيه، حتّ قال فيه: نكّ ه يتخيّ ل لي أنيّ أقول الشيء وأفعله، ولم أقله، ولم أفعله، وأنّ امرأة يهوديّ ة سحرته ، في ج فّ طلعة، وم شط، وم شاقة، حتّ أتاه جبريل ، فأخبره أنهّ ا سحرته في ج فّ طلعة، وهو تحت راعو فة البئر، فاست خرج ، وزال عن النبيّ ، ذلك العارض ؛ وقد قال الله تعالى ، مكذّ باً للكفّ ار، فيما ادّ عوه من ذلك، للنبيّ ، فقال جلّ من قائل: ﴿و ق ال الظ ال م ون ن نْ تـ ت ب ع ون ن لا ر ج لاً م سْح ورًا﴾ (2). ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين؛ تعلبً ا بالحشوا(3) الطغام، و استجرارً ا لهم، نلى القول، بِبطال معجزات الأكبياء ، والقدح فيها، وأكّ ه لا فرق بين معجزات الأكبياء ، وفعل السحرة ، وأنّ جْيعه من كوع واحد . والعجب ِّ ن يجمع بين تصديق الأكبياء ، ونةبات معجزاتهم ، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة ، مع قوله تعالى: ﴿و لا يـ فْل ح الس اح ر ح يْث أ ت ى﴾ (1). فصدّق هتلاء من كذّ به الله، وأخبر ببطلان دعواه، واكتحاله. وجائز أن تكون المرأة اليهوديّ ة جههلها فعلت ذلك؛ ظنًّ ا منها بأنّ ذلك يعمل في الأجساد، وقصدت به النبيّ ، فأطلع الله كبيّ ه على موضع سرّ ها، وأظهر جهلها، فيما ارتكبت ، وظنّ ت؛ ليكون ذلك من دلائل كبوّ ته، لا أن ذلك ضرّ ه، (1) شرح المنظومة البيقوكيّة31. (2) الفرقان 5. (3) في المطبوع: (تعلبًا بالحشوا)، والصواب: (تلعّبًا بالحشو (1) طه63.
عدد الصفحات ٢٦٢262 وخلط عليه أمره ، ولم يقل كلّ الرواة: نكّ ه اختلط عليه أمره ، ونّّ ا هذا اللفظ زيد في الحديث، ولا أصل له »(1). وقال سيّد قطب«وقد وردت روايًت - بعضها صحيح، ولكنّ ه غير متواتر - أنّ لبيد بن الأعصم اليهوديّ سحر النبيّ في المدينة.. قيل: أيًّ مً ا، وقيل: أشهرً ا.. حتّ كان يخ ي ل نليه أكّ ه يأتي النساء، وهو لا يأتيهنّ ، في رواية، وحتّ كان يخ ي ل نليه أكّ ه فعل الشيء، ولم يفعله، في رواية، وأنّ السورتين كزلتا رقية لرسول الله ؛فلمّ ا استحضر السحر المقصود - كما أخبر في رؤيًه - و قرأ السورتين انحلّ ت العقد، وذهب عنه السوء. ولكنّ هذه الروايًت تخالف أصل العصمة النبويّ ة، في الفعل والتبليغ، ولا تستقيم مع الاعتقاد بأنّ كلّ فعل من أفعاله ، وكلّ قول من أقواله: سنّ ة وشريعة، كما أنهّ ا تصطدم بنفي القرآن ع ن الرسول أكّه مسحور، وتكذيب المشركين فيما كاكوا يدّ عوكه من هذا الإفك. ومن ثمّ ت ستبعد هذه الروايًت.. وأحاديث الآحاد لا يتخ ذ بها في أمر العقيدة. والمرجع هو القرآن. والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد. وهذه الروايًت ليست من المتواتر»(2). الواقع القطعيّ التاريخيّ وقد يكون الواقع القطعيّ تاريخيًّا، فيأتي متن الحديث دالاًّ دلالة قطعيّة، على ما يخالف نحدى القطعيّات التاريخيّة. ومن أمثلة ذلك: ما رواه مسلم عن ابن عبّ اس، قال: «ك ان الْم سْل م ون لا يـ نْظ ر ون ن لى أ بِ س فْي ان ، و لا يـ ق اع د وك ه ، فـ ق ال ل لن بي ّ يً : ك اللَّ ، ة لا ثٌ (1) أحكام القرآن 1/61. (2) في ظلال القرآن 6/1115.
عدد الصفحات ٢٦٣263 أ عْط ن يه ن ، ق ال : كـ ع مْ، ق ال : ع نْد ي أ حْس ن الْع ر ب ، و أ جْْ ل ه ، أ م ح ب يب ة ب نْت أ بِ س فْي ان ، أ ز وّ ج ك ه ا، ق ال : كـ ع مْ، ق ال : و م ع او ي ة تج ْع ل ه ك ات بًا، بـ ينْ ي د يْك ، ق ال : كـ ع مْ، ق ال : و تـ ت مّ ر ني ، ح ت أ ق ات ل الْك ف ار ، ك م ا ك نْت أ ق ات ل الْم سْل م ين ، ق ال : كـ ع مْ. ق ال أ ب و ز م يْل : و ل وْلا أ ك ه ط ل ب ذ ل ك م ن الن بي ّ ،م ا أ عْط اه ذ ل ك ؛ لأ ك ه لم ْ ي ك نْ ي سْأ ل ش يـْئًا، ن لا ق ال : كـ ع مْ »(1). فإذا كاكت روايته لهذا الحديث في صحيحه دليلاً على تصحيحه له؛ فإنّ كثيرًا من المتلّفين، قديًا وحديثًا، رفضوا هذا التصحيح، وضعّفوا الحديث، مستندين نلى الدليل التاريخيّ. قال ابن حزم « :وهذا الحديث، الذي فيه: أنّ أبا سفيان بن حرب ، بعد نسلامه، كان المسلمون يجتنبوكه، وأكّ ه سأل النبيّ أن يتزوّج ابنته، أمّ حبيبة، وأن يستكتب ابنه معاوية، وأن يستعمله، يعن كفسه، ويولّ يه. قال أبو محمّ د: وهذا هو الكذب البحت؛ لأنّ ككاح رسول الله أمّ حبيبة، كان وهي بأرض الحبشة، مهاجرة ، وأبو سفيان كان بمكّ ة، قبل الفتح، بمدّ ة طويلة، ولم ي سلم أبو سفيان، نلاّ ليلة يوم الفتح»(2). وقال ابن حزم أيضًا«وعكرمة ساقط ؛ وقد وجدنا عنه حديثً ا موضوعً ا في ككاح رسول الله أمّ حبيبة، بعد فتح مكّ ة»(3). وقال ابن الجوزيّ«وفي هذا الحديث وهمٌ من بعض الرواة، لا شكّ فيه، ولا تردّ د، وقد اتهّ موا به عكرمة بن عمّ ار، راوي الحديث، وقد ضعّ ف أحاديثه يحيى بن سعيد، وقال: ليست بصحاح، وكذلك قال أحمد بن حنبل: هي أحاديث (1) صحيح مسلم1/1319، رقم 2911/165. (2) الإحكام في أصول الأحكام6/23. (3) المحلّى بالآثار1/215.
عدد الصفحات ٢٦٤261 ضعاف، ولذلكرج عنه البخاريّ ، ونكّ ـما أخرج عنه مسلم، لأكّ ه قـــد قال يـحيى بن معين: هو ةقة. ونّّ ا قلنا: ننّ هذا وهمٌ ؛ لأنّ أهل التاريخ أجْع وا على أنّ أمّ حبيبة كـاكت، عند عبد الله بن جحش، وول ـدت ل ـه، وهاج ــر ب ـها، وهما مسلمان، نلى أرض الحبشة، ثمّ تنصّ ر، وةبتت هي ، على دينها، ف بعث رسول الله ، نلـى النجاشيّ ؛ ليخطبها عليها، فزوّ جـــه نيًّ ها، و أصدقها عـــن رسول الله ،وذلك سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان، في زمن الهدكة ، فدخل عليها، فتلّ ت بساط رسول الله ؛ حتّ لا يجلس عليه. ولا خلاف أنّ أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكّ ة، سنة ثَان ، ولا كعرف أنّ رسو ل الله أمّر أبا سفيان. وقد أكبأنا ابن ناصر، عن أبِ عبد الله الحميديّ ، قال: حدّ ةنا أبو محمّ د عليّ بن أحمد بن سعيد الحافظ، قال: هذا حديث موضوع ، لا شكّ ، في وضعه، والآفة فيه، من عكرمة بن عمّ ار، ولم يخ تلف أنّ رسول الله تزوّجها، قبل الفتح بدهر، وأبوها كافر »(1) . وقال ابن القيّم: «الثاني أنّ قصّ ة تزوّ ج أمّ حبيبة، وهي بأرض الحبشة، قد جرت مجرى التواتر، كتزويجه خديجة بمكّة، وعائشة بمكّ ة، وبنائه بعائشة بالمدينة، وتزويجه حفصة بالمدينة، وصفيّ ة عام خي، وميموكة في عمرة القضيّ ة؛ ومثل هذه الوقائع شهرتها عند أهل العلم موج بة لقطعهم بها، فلو جاء سند ظاهر الصحّ ة، يخالفها، عدّ وه غلطً ا، ولم يلتفتوا نليه، ولا ي كنهم مكابرة كفوسهم في ذلك»(2) . ومن أمثلة الاعتماد على الواقع التاريخيّ أيضًا: قول ابن تيميّة «وكما أنهّم (1) كشف المشكل 2/163-161. (2) جلاء الأفهام219، واكظر: زاد المعاد 1/113-112.
عدد الصفحات ٢٦٥265 يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ، فإنهّم أيضًا يضعّفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبينّ لهم أكّه غلط فيها، بأمور يستدلّون بها، ويسمّون هذا "علم علل الحديث". وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ةقة ضابط، وغلط فيه، وغلطه فيه ع رف؛ نمّا بسبب ظاهر، كما عرفوا أنّ النبيّ تزوّج ميموكة، وهو حلال، وأكّه صلّى في البيت ركعتين، وجعلوا رواية ابن عبّاس، لتزوّجها حرامًا؛ ولكوكه لم يصلّ ، ِّا وقع فيه الغلط، وكذلك أكّه اعتمر أربع عمر ، وعلموا أنّ قول ابن عمر: نكّه اعتمر في رجب، ِّا وقع فيه الغلط، وعلموا أكّه َتّع، وهو آمن في حجّة الوداع، وأنّ قول عثمان لعليّ: كنّ ا يومئذ خائفين، ِّا وقع فيه الغلط»(1) . الواقع القطعيّ العقليّ وقد يكون الواقع القطعيّ عقليًّا، فيأتي متن الحديث دالاًّ دلالة قطعيّة على ما يخالف نحدى القطعيّات العقليّة (صريح العقل). قال ابن حجر العسقلانيّ: «ومنها ما يتخذ من حال المرويّ ، كأن يكو ن مناقضً ا لنصّ القرآن، أو السنّ ة المتواترة، أو الإجْاع القطعيّ ، أو صري ح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل»(2). ولمخالفة الدليل العقليّ القطعيّ عدّة صور، منها: التخالف القطعيّ، بمع أنّ العقل الصريح ينع تصحيح المتنين المتخالفين، تخالفًا قطعيًّا، بحيث لا ي كن الجمع بينهما، فإن كان أحدهما مطابقًا للواقع، فإنّ الثاني مخالف للواقع، بلا ريب. قال ابن تيميّة: «ومثل هذا يوج د في غالب كتب الإسلام، فلا يسلم كتاب (1) مجموعة الفتاوى13/153. (2) كزهة النظر 111.
عدد الصفحات ٢٦٦266 من الغلط نلاّ القرآن . وأجلّ ما ي وج د في الصحّ ة "كتاب البخاريّ "، وما فيه متن ي عر ف أكّ ه غلط على الصاحب، لكن في بعض ألفاظ الحديث، ما هو غلط، وقد بينّ البخاريّ في كفس صحيحه ما بينّ غلط ذلك الراوي ، كما بينّ اختلاف الرواة في ثَن بعير جابر. وفيه عن بعض الصحابة ما ي قال: نكّ ه غلط، كما فيه عن ابن عبّ اس: أنّ رسول الله تزوّج ميموكة، وهو مح ر م. والمشهور عند أكثر الناس أكّ ه تزوّ جها حلالاً . وفيه عن أسامة: أنّ النبيّ لم يصلّ في البيت. وفيه عن بلال: أكّ ه صلّ ى فيه، وهذا أصحّ عند العلماء. وأمّ ا مسلم، ففيه ألفاظ ع رف أنهّ ا غلط، كما فيه: "خلق الله التربة يوم السبت". وقد بينّ البخاريّ أنّ هذا غلط، وأنّ هذا من كلام كعب ، وفيه أنّ النبيّ صلّى الكسوف بثلاث ركعات ، في كلّ ركعة ، والصواب: أكّ ه لم يصلّ الكسوف نلاّ مرّ ة واحدة، وفيه أنّ أبا سفيان سأله التزوّ ج بأمّ حبيبة، وهذا غلط. وهذا من أجلّ فنون العلم بالحديث، يسمّ ى: علم "علل الحديث"»(1) . وقال ابن تيميّة أيضًا: «ووقع في بعض طرق البخاريّ غلط، قال فيه: "وأمّا النار فيبقى فيها فضل"، والبخاريّ رواه في سائر المواضع على الصواب؛ ليبينّ غلط هذا الراوي، كما جرت عادته بمثل ذلك ، نذا وقع من بعض الرواة غلط في لفظ، ذكر ألفاظ سائر الرواة التي ي عل م بها الصواب، وما علمت وقع فيه غلط، نلاّ وقد بينّ فيه الصواب، بخلاف مسلم، فإكّه وقع في صحيحه عدّة أحاديث غلط، أككرها جْاعة من الحفّاظ على مسلم»(2) . وقال ابن حجر العسقلانيّ«والخبر المحتفّ بالقرائن أكواع ، منها: ما أخرجه (1) مجموعة الفتاوى15/13-11. (2) منهاج السنّة النبويّة9/111-112 .
عدد الصفحات ٢٦٧267 الشيخان في صحيحيهما، ِّا لم يبلغ التواتر، فإكّ ه احتفّ ت به قرائن، منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدّ مهما في َييز الصحيح على غيرهما، وتلقّ ي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقّ ي وحده أقوى في نفادة العلم من مجرّ د كثرة الطرق القاصرة عن التواتر؛ نلاّ أنّ هذا يختصّ بما لم ينتقده أحد من الحفّ اظ ِّ ا في الكتابين، وبما لم يقع التخالف بين مدلوليه، ِّ ا وقع في الكتابين، حيث لا ترجي ح؛ لاستحالة أن ي فيد المتناقضان العلم بصدقهما، من غير ترجيح ، لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك، فالإجْاع حاصل على تسليم صحّ ته»(1). وقال السيوطيّ«قال شيخ الإسلام: وهو مشكل؛ لأنّ الإسناد نذا كان متّ صلاً ورواته كلّ هم عدولاً ضابطين، فقد اكتفت عنه العلل الظاهرة. ثمّ نذا اكتفى كوكه معلولاً فما الماكع من الحكم بصحّ ته؟ فمجرّ د مخالفة أحد رواته - لمن هو أوةق منه، أو أكثر عددً ا - لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيح وأصحّ . قال: ولم ي رو مع ذلك عن أحد من أئمّ ة الحديث اشتراط كفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة. ونّّ ا الموجود من تصرّ فاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحّ ة. وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك أنهّ ما أخرجا قصّ ة جْل جابر من طرق، وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجّ ح البخاريّ الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها، مع تخريج الأمرين، ورجّ ح أيضً ا كون الثمن أوقيّ ة مع تخريجه ما يخالف ذلك، ومن ذلك أنّ مسلمً ا أخرج فيه حديث مالك عن الزهريّ عن عروة عن عائشة، في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامّ ة أصحاب الزهريّ كمعمر ويوكس وعمرو بن الحارث والأوزاعيّ وابن أبِ ذئب وشعيب، وغيرهم عن الزهريّ ، فذكروا ا لاضطجاع (1) كزهة النظر 93-61.
عدد الصفحات ٢٦٨268 بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح، ورجّ ح جْعٌ من الحفّ اظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخّ ر أصحاب الصحيح عن نخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة. ثمّ قال: فإن قيل: يلزم أن يسمّ ى الحديث صحيحً ا، ولا ي عم ل به، قلت: لا ماكع من ذلك، ليس كلّ صحيح ي عم ل به، بدليل المنسوخ . قال: وعلى تقدير التسليم أنّ المخالف المرجوح لا يسمّ ى صحيحً ا؛ ففي جعل اكتفائه شرطً ا - في الحكم للحديث بالصحّ ة - كظر، بل نذا و جدت الشروط المذكورة أوّ لاً ح كم للحديث بالصحّ ة ما لم يظهر بعد ذلك أنّ فيه شذوذً ا؛ لأنّ الأصل عدم الشذوذ، وكون ذلك أصلاً مأخوذ من عدالة الراوي وضبطه، فإذا ةبت عدالته وضبطه كان الأصل أكّ ه حفظ ما روى حتّ يتبينّ خلافه»(1). وأمثلة المتون المتخالفة- التي لا ي كن الجمع بينها - كثير ة، في الصحيحين، وهي عمومًا على ضربين: أ- ما ي نس ب صدوره نلى النبيّ ، فإن صحّحنا متنًا منها، كان ذلك تضعيفًا لما خالفه من المتون، لأنّ كلام النبيّ ، بصفته النبويّة، لا يناقض بعضه بعضًا قال ابن القيّم: «ونحن كقول: لا تعارض - بحمد الله - بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع التعارض، فإمّا أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ، وقد غلط فيه بعض الرواة، مع كوكه ةقة ةبتًا، فالثقة يغلط؛ أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، نذا كان ِّا يقبل النسخ، أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في كفس كلامه ، فلا بدّ من وجه من هذه الوجوه الثلاةة. وأمّا حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كلّ وجه، ليس أحدهما ناسخًا للآخر، فهذا لا ي وج د أصلاً، ومعاذ الله أن ي وج د في كلام الصادق المصدوق، الذي لا يخرج (1) تدريب الراوي 1/25-23.
عدد الصفحات ٢٦٩269 من بين شفتيه نلاّ الحقّ. والآفة من التقصير في معرفة المنقول، و التمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده ، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا، ومن ههنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع، وبالله التوفيق»(1). وقال التاج السبكيّ«اعلم أنّ تعارض الأخبار نّّا يقع بالنسبة نلى ظنّ المجتهد، أو بما يحصل من خلل؛ بسبب الرواة. وأمّا التعارض في كفس الأمر بين حديثين صحّ صدورهما عن النبيّ ، فهو أمر معاذ الله أن يقع؛ ولأجل ذلك قال الإمام أبو بكر بن خزية لا : أعرف أكّه ر وي عن رسول الله حديثان، بِسنادين صحيحين متضادّين؛ فمن كان عنده، فليأت به؛ حتّ أؤلّف بينهما»(2). وقال ابن باز: «ولا يجوز أن يرد في سنّة رسول الله ما يخالف القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة ، أبدً ا، فإنّ كلام الله لا يتناقض، وكلام رسول الله ،كذلك، والسنّ ة لا تخالف القرآن ، بل تصدّ قه وتوافقه، وتدلّ على معناه وتوضّ ح ما أ جْل فيه»(3). وقال ابن عثيمين: «ننّ الكتاب والسنّ ة ليس بينهما تعارض أبدً ا، فليس في القرآن ما يناقض بعضه بعضً ا، وليس في السنّ ة الصحيحة عن رسو ل الله ، ما يناقض بعضه بعضً ا، وليس في القرآن ولا في السنّ ة ما يناقض الواقع أبدً ا؛ لأنّ الواقع واقع حقّ ، والكتاب والسنّ ة حقّ ، ولا ي كن التناقض في الحقّ ، ونذا فهمت هذه القاعدة، انحلّ ت عنك نشكالات كثيرة »(1). (1) زاد المعاد 1/113-191. (2) الإبهاج في شرح المنهاج 1/2191. (3) مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة1/239. (1) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمّد بن صالح العثيمين: 1/92-93.
عدد الصفحات ٢٧٠271 ب- ما ينسب صدوره نلى غير النبيّ ، من الصحابة والتابعين، وهذا لا يتنع فيه صحّة صدور كلّ متن، ِّن ك سب نليه، لكنّ التخالف بينها يعن أنّ الحكم على أحدها - بصحّة مطابقته للواقع - ي وجب اكتفاء وصف صحّة المطابقة عن المتون المخالفة، ونن و صفت بصحّة الصدور. ومن أبرز أمثلة هذا الضرب: روايًت الصحيحين المتخالفة، في بيان عمر النبيّ ، عند وفاته أ- روى البخاريّ عن عائشة: «أ ن الن بي تـ و فيّ و ه و ابْن ة لا ث و س تّ ين »(1). ب- روى البخاريّ عن ابن عبّ اس: «ب ع ث ر س ول اللَّ لأ رْب ع س ن ةً، ف م ك ث بم ك ة ة لا ث ع شْر ة س ن ةً، ي وح ى ن ل يْه ، ثم أ م ر با لهْ جْر ة ، فـ ه اج ر ع شْر س ن ين ، و م ات و ه و ابْن ة لا ث و س تّ ين »(2) . ج- روى البخاريّ عن أكس بن مالك« :ك ان ر س ول اللَّ ل يْس با لط و يل الْ ب ائ ن ، و لا با لْق ص ير ، و ل يْس با لأْ بـْي ض الأْ مْه ق ، و ل يْس با لآْد م ، و ل يْس با لجْ عْد الْق ط ط ، و لا با لس بْط ، بـ ع ث ه اللَّ ع ل ى ر أْس أ رْب ع ين س ن ةً، ف أ ق ام بم ك ة ع شْر س ن ين ، و با لْم د ين ة ع شْر س ن ين ، و تـ و ف اه اللَّ ع ل ى ر أْس س تّ ين س ن ةً، و ل يْس في ر أْس ه و لح ْي ت ه ع شْر ون ش ع ر ةً بـ يْض اء »(3) . د- روى مسلم عن أكس بن مالك« :ك ان ر س ول اللَّ ل يْس با لط و يل الْب ائ ن ، و لا با لْق ص ير ، و ل يْس با لأْ بـْي ض الأْ مْه ق ، و لا با لآْد م ، و لا با لجْ عْد الْق ط ط ، و لا با لس ب ط ، بـ ع ث ه اللَّ ع ل ى ر أْس أ رْب ع ين س ن ةً، ف أ ق ام بم ك ة ع شْر س ن ين ، و با لْم د ين ة ع شْر س ن ين ، (1) صحيح البخاريّ3/1311، رقم 3313. (2) صحيح البخاريّ3/1116-1111، رقم 3653. (3) صحيح البخاريّ9/2211-2211، رقم 9961.
عدد الصفحات ٢٧١271 و تـ و ف اه اللَّ ع ل ى ر أْس س تّ ين س ن ةً، و ل يْس في ر أْس ه و لح ْي ت ه ع شْر ون ش عْر ةً بـ يْض اء »(1). ه- روى مسلم عن أكس بن مالك: «ق ب ض ر س ول اللَّ و ه و ابْن ة لا ث و س تّ ين ، و أ ب و ب كْر و ه و ابْن ة لا ث و س تّ ين ، و ع م ر و ه و ابْن ة لا ث و س تّ ين »(2). و- روى مسلم عن عائشة: «أ ن ر س ول اللَّ تـ و فيّ ، و ه و ابْن ة لا ث و س تّ ين س ن ةً »(3) . ز- روى مسلم عن ابن عبّ اس« :أ ن ر س ول اللَّ م ك ث بم ك ة ة لا ث ع شْر ة ، و تـ و فيّ و ه و ابْن ة لا ث و س تّ ين »(1). ح- روى مسلم عن ابن عبّ اس« :أ ن ر س ول اللَّ تـ و فيّ ، و ه و ابْن خم ْس و س تّ ين »(9). هذه أبرز الروايًت المتخالفة، في تحديد عمر النبيّ ، عند وفاته والتخالف فيها لا ي كن رفعه بالجمع بين الروايًت؛ فإنّ العقل الصريح يستلزم الحكم على بعضها، بمخالفة الواقع التاريخيّ؛ لأنّ الإكسان نذا توفيّ، فإنّ له عمرًا واحدًا، لا أكثر، وهذه حقيقة عقليّة، لا يختلف فيها اةنان. فإن حكمنا بالصحّة المطابقيّة لرواية (توفيّ وهو ابن ستّين)، فقد حكمنا باكتفاء الصحّة المطابقيّة عن رواية (توفيّ وهو ابن ةلاث وستّين)، وكذلك اكتفاء الصحّة المطابقيّة عن رواية (توفيّ وهو ابن خمس وستّين). ونذا حكمنا بالصحّة المطابقيّة لرواية (توفيّ وهو ابن ةلاث وستّين) ، فقد (1) صحيح مسلم1/1521، رقم 2311/113. (2) صحيح مسلم1/1529، رقم 2315/111. (3) صحيح مسلم1/1529، رقم 2313/119. (1) صحيح مسلم1/1526، رقم 2391/111. (9) صحيح مسلم1/1521، رقم 2393/122.
عدد الصفحات ٢٧٢272 حكمنا باكتفاء الصحّة المطابقيّة عن رواية (توفيّ وهو ابن ستّين)، وكذلك اكتفاء الصحّة المطابقيّة عن رواية (توفيّ وهو ابن خمس وستّين). ونن حكمنا بالصحّة المطابقيّة لرواية (توفيّ وهو ابن خمس وستّين)، فقد حكمنا باكتفاء الصحّة المطابقيّة عن رواية (توفيّ وهو ابن ستّين)، وكذلك اكت فاء الصحّة المطابقيّة عن رواية (توفيّ وهو ابن ةلاث وستّين). قال النوويّ: «ذكر في الباب ةلاث روايًت: نحداها أكّه توفيّ وهو ابن ستّين سنة، والثاكية خمس وستّون، والثالثة ةلاث وستّون؛ وهي أصحّها وأشهرها، رو اه مسلم هنا، من رواية عائشة وأكس وابن عبّاس . واتّفق العلماء على أنّ أصحّها: ةلاث وستّون، وتأوّلوا الباقي عليه. فرواية ستّين اقت صر فيها على العقود، وت رك الكسر؛ ورواية الخمس متأوّلة أيضًا، وحصل فيها اشتباه. وقد أككر عروة على ابن عبّاس قوله: "خمس وستّون"، وكسبه نلى الغلط، وأكّه لم ي درك أوّل النبوّة، ولا كثرت صحبته، بخلاف الباقين»(1). خامسًا- التصحيح الاجتهاديّ لا يستلزم التصحيح الاتّفاقيّ: لتصحيح أيّ حديث - عمومًا - وسيلتان اةنتان: الاجتهاد، والتقليد. فأوّل المصحّحين يعتمد على وسيلة الاجتهاد، فيصحّح الحديث؛ و قد يجتهد بعده آخرون، فيصحّحون الحديث كفسه، باجتهادهم، ثمّ يأتي من يعتمد على تصحيح المجتهدين، فيصحّح الحديث كفسه، فيكون مقلّ دًا، لا مجتهدًا. قال ا بن طاهر المقدسيّ : «ولعلّ قائلاً يقول: ننيّ في تصحيحي ه ذا الحديث، من هذا الطريق : مقلّ د للبخاريّ ومسلم؛ لأنهّ ما أخرجاه ، وليس كذلك، (1) صحيح مسلم بشرح النوويّ19/33.
عدد الصفحات ٢٧٣273 على أنهّما بمنزلة من كقلّ د، ولكنّ صحّ حته من الوجه الذي صحّ حاه...»(1). والاجتهاد يكون بالنظر في سند الحديث، أو أساكيده، والنظر في متنه؛ ليتحقّق المجتهد، من اجتماع شروط الحديث، أي: التحقّق من سبعة شروط: اتّصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، وسلامة السند من الشذوذ، وسلامة السند من العلّة، وسلامة المتن من الشذوذ، وسلامة المتن من العلّة. وهذا التحقّق عمل صعب جدًّا، يقتضي أن يبذل المصحّح جهدًا كبيرًا، قبل نصدار حكمه، على الحديث؛ فعليه مراجعة أقوال أئمّة الجرح والتعديل، والمقابلة بينه ا، عند الاختلاف؛ وعليه مراجعة تاريخ الرواة، لمعرفة أسمائهم، وكناهم، وألقابهم، ومواليدهم، وبلدانهم، وشيوخهم، وتلاميذهم، وغير ذلك من التفصيلات المهمّة. وعليه أيضًا مراجعة أساكيد الحديث، وتتبّعها، والمقابلة بينها؛ لمعرفة الاتّصال والاكقطاع فيها، والوقف والرفع، ونحو ذلك من الأمور. وعليه أن يبحث في متن الحديث؛ ليطمئنّ نلى سلامته من الشذوذ، ونلى سلامته من العلّة؛ ولا يكون ذلك البحث بالنظرة العجلى، ونّّا يكون بالتأنيّ والتفكّر والتدبّر والاستذكار والاستحضار والمقابلة والموازكة. ولذلك ليس غريبًا أن يختلف المتلّفو ن في تصحيح الأحاديث، ونن سلكوا طريق الاجتهاد؛ لأنّ أدوات الاجتهاد وعناصره كثيرة جدًّا، والاختلاف فيها واقع كثيرًا، ولذلك لن يعدم المجتهد من يخالفه في التصحيح. والفرق كبير بين التصحيح الاجتهاديّ، والتصحيح الاتّفاقيّ، ففي الأوّل يكون مصدر التصحيح آحادًا من المصحّحين، بعضهم يجتهد، فيصحّح الحديث، (1) مسألة التسمية26 .
عدد الصفحات ٢٧٤