211 الصحابة، وأزواج رسول ، على السطوح، وارتفعوا نلى سبّ النبيّ . و أجد من سكّان الكرخ - من الفقهاء، والصلحاء - من غضب، ولا اكزعج عن مساكنتهم»(1). 23- في حوادثسنة (921ه)، قال ابن الجوزيّ « :وزادت الفتن في بغداد، وتعرّض أصحاب أبِ الفتوح، بمسجد ابن جردة، فر جْوا، ور جم معهم أبو الفتوح، وكان نذا ركب يلبس الحديد، ومعه السيوف المجذّبة، تحفظه، ثمّ اجتاز بسوق الثلاثاء، فر جم، ور ميت عليه الميتات. ومع هذا يقول: "ليس هذا الذي كتلوه كلام الله، نّّا هو عبارة ومجاز، والكلام الحقيقيّ قائم بالنفس". فينفر أهل السنّة، كلّما سمعوا هذا، فلمّا كان اليوم الذي د فن فيه أبو الحسن ابن الفاعوس، اكقلبت بغداد لموته، وغ لّقت الأسواق، وكان الحنابلة يصيحون، على عادتهم: "هذا يوم سنّّ، حنبليّ، لا قشيريّ، ولا أشعريّ"، ويصرخون؛ بسبب أبِ الفتوح، فمنعه المسترشد من الجلوس، وأمر ألاّ ي قيم ببغداد، وكان ابن صدقة ييل نلى مذهب أهل السنّة، فنصرهم »(2). 21- في حوادثسنة (939ه)، قال ابن كثير: «وفي هذه السنة، وقعت فتنة، بدمشق؛ بسبب الحافظ عبد الغنّ المقدسيّ ؛ وذلك أكّه كان يتكلّم، في مقصورة الحنابلة، بالجامع الأمويّ، فذكر يومًا شيئًا من العقائد، فاجتمع القاضي محيي الدين بن الزكيّ، وضياء الدين الخطيب الدولعيّ، بالسلطان المعظّم، والأمير صارم الدين بزغش، فع قد له مجلس، فيما يتعلّق بمسألة الاستواء على العرش، والنزو ل، والحرف، والصوت، فوافق النجم الحنبليّ بقيّ ة الفقهاء، واستمرّ الحاف ظ على ما (1) المنتظم16/253. (2) المنتظم11/219.
عدد الصفحات ٢١١211 يقوله، لم يرجع عنه، واجتمع بقيّة الفقهاء عليه، وألزموه بِلزامات شنيعة، يلتزمها، حتّ قال له الأمير بزغش: كلّ هتلاء على الضلالة، وأكت وحدك على الحقّ؟! قال: كعم. فغضب الأمير عند ذلك، وأمر بنفيه من البلد، فاستنظره ة لاةة أيًّم، فأكظره، وأرسل بزغش الأسارى من القلعة، فكسروا منبر الحافظ، وتعطّلت صلاة الظهر، يومئذ، في محراب الحنابلة، وأ خرجت الخزائن، والصناديق، التي كاكت هناك، وجرت خبطة شديدة، كعوذ بالله، من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن»(1). ننّ جرائم التكفير والقتل والاغتصاب والنهب والتخريب والإحراق، ال ارتكبها بعض القادة والجنود، والمتلّفين والمقلّدين: لا ي كن أن تصدر من أناس يتّقون الله، حقّ تقاته، ونن كاكوا ينتسبون نلى (الإسلام). وأعجب ما في تلك الجرائم أنّ مرتكبيها يسوّغون لأكفس هم ارت كابها؛ بدعوى كصرة (الطائفة الـم حقّـة)؛ فهل كان اغتصاب كساء الطوائف المخالفة، قبل قتلهنّ من أصول (الطائفة الـم حقّـة)؟!!! قال ابن تيميّة: «ف يحلّ لأحد من هذه الطوائف أن تكفّر الأخرى، ولا تستحلّ دمها ومالها، ونن كاكت فيها بدعة محق قة؛ فكيف نذا كاكت المكفّ رة لها مبتد عة أيضًا؟ وقد تكون بدعة هتلاء أغلظ، وقد تكون بدعة هتلا ء أغلظ، والغالب أنهّم جْيعًا ج هّال بحقائق ما يختلفون فيه. والأصل أنّ دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم: محر مة، من بعضهم على بعض، لا تحلّ نلاّ بِذن الله، ورسوله »(2). (1) البداية والنهاية16/653-631. (2) مجموعة الفتاوى3/116-111.
عدد الصفحات ٢١٢212 من آثار اقتتال المذهبيّ: لقد أدّى التفرّق والاقتتال، بين المنتسبين نلى الإسلام، قديًا وحديثًا، نلى نضعافهم؛ فاستقوى أعداؤهم، واحتلّوا بلادهم، وقتلوا رجالهم، ونهبوا أموالهم، وسبوا كساءهم، ودكّسوا مساجدهم، وأذلّوهم غاية الإذلال، وأذاقوهم الويلات. قال سبط ابن الجوزيّ : «وفيها في شعبان، أخذ الفركج دمياط، وكان المعظّ م قد جهّز نليها الناهض ابن الجرخيّ في خمس مئة راجل، فهجموا على الخنادق، فق تل ابن الجرخيّ ومن كان معه، وصفّوا رؤوس القتلى على الخنادق، وكان قد طمّوها، وضعف أهل دمياط، وأكلوا الميتات، وعجز الكامل عن كصرتهم، و و قع فيهم الوباء والفناء، فراسلوا الفركج على أن يسلّموا نليهم البلد، ويخرجوا منه بأهليهم وأموالهم، واجتمع الأقسّ اء، وحلّفوهم على ذلك، فركبوا في المراكب، وزحفوا في البحر والبرّ ، وفتح لهم أهل دمياط الأبواب، فدخلوا، ورفعوا أعلامهم على السور، وغدروا بأهل دمياط، ووضعوا فيهم السيف قتلاً وأسرًا، وباتوا تلك الليلة، في الجامع ، يفجرون بالنساء، ويفضحون البنات (1)، وأخذوا المنبر، والمصاحف ورؤوس القتلى، وبعثوا بها نلى الجزائر، وجعلوا الجامع كنيسة »(2). وقال ابن كث «وفيها جاءت الفركج في نحو من ةلاث مئة مرك ب، قاصدين ديًر مصر من ناحية دمياط، فدخلوها فجأة، فقتلوا من أهلها خلقً ا كثيرً ا، وحرّ قوا المسجد الجامع، والمنبر، وأسروا من النساء نحوً ا من ستّ مئة امرأة ، من المسلمات مئة وخمسة وعشرون، والباقيات من كساء القبط، وأخذوا من (1) كذا المطبوع: (ويفضحون البنات)، والمراد: (اغتصاب البنات العذارى)، اكظر: تكملة المعاجم العربيّة: 5/53. وكقل ابن تغري بردي - عن سبط ابن الجوزيّ - هذا النصّ، وعزاه نليه، مع فروق يسيرة، وفيه: (ويفتضّون البنات)، اكظر: النجوم الزاهرة: 6/235. (2) مرآة الزمان 22/235.
عدد الصفحات ٢١٣213 الأسلحة والأمتعة والمغانم شيئً ا كثيرً ا جدًّ ا، وفرّ الناس منهم في كلّ جهة، فكان من غرق في بحيرة تنّ يس أكثر ِّ ن أسروه، ثمّ رجعوا على حميّ ة، ولم يعرض لهم أحد، حتّ رجعوا بلادهم، لعنهم الله وقبّ حهم»(1). وقال ابن كثير أيضًا«فيهوردت الأخبار بما وقع من الأمر الفظيع بمد ينة الإسكندريّ ة من الفركج - لعنهم الله - وذلك أنهّ م وصلوا نليها في يوم الأر بعاء الثاني والعشرين من شهر الله المحرّ م، فلم يجدوا بها نائبً ا، ولا جيشً ا، ولا حافظً ا للبحر، ولا ناصرً ا، فدخلوها يوم الجمعة، بكرة النهار ، بعد ما حرّ قوا أبواباً كثيرة منها، وعاةوا في أهلها فسادً ا، يقتلون الرجال، ويأخذون الأموال، ويأسرو ن النساء والأطفال، فالحكم لله العليّ الكبير المتعال، وأقاموا بها يوم الجمعة، والسبت، والأحد، والاةنين، والثلاثاء، فلمّ ا كان صبيحة يوم الأربعاء قدم الشاليش المص ريّ ، فأقلعت الفركج - لعنهم الله - عنها، وقد أسروا خلقً ا كثيرً ا يقارب ون الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهبً ا، وحريرً ا، وبهارً ا، وغير ذلك ما لا يح دّ ولا يوص ف، وقدم السلطان والأمير الكبير يلبغا، ظهر يومئذ، وقد تفارط الحال، وتحوّ لت الغنائم كلّ ها نلى الشواني بالبحر، فس مع للأسارى - من العويل والبكاء والشكوى و الجأر نلى الله والاستغاةة به وبالمسلمين - ما قطّ ع الأكباد، وذرفت له العيون ، وأصمّ الأسماع، فإناّ لله ونناّ نليه راجعون »(2). وقال ابن تغري بردي: «فانهزم المسلمون ، فنزلوا نلى البلد، وهرب ال ناس نلى الصخرة والأقصى ، واجتمعوا بها، فهجموا عليهم، وقتلوا في الحرم مئ ة ألف، وسبوا مثلهم، وقتلوا الشيوخ والعجائز، وسبوا النساء، وأخذوا من الصخرة والأقصى (1) البداية والنهاية11/393-391. (2) البداية والنهاية15/119-116.
عدد الصفحات ٢١٤211 سبعين قنديلاً، منها عشرون ذهبً ا، في كلّ قنديل ألف مثقال، ومنها خمسون فضّة، في كلّ قنديل ةلاةة آلاف وستّ مئة درهم بالشام يّ ، وأخذوا تنّ ورً ا من فضّة، زكته أربعون رطلاً بالشاميّ ، وأخذوا من الأموال ما لا يح صى. و كان بيت المقدس - منذ افتتحه عمر بن الخطّ اب ، سنة ستّ عشرة من الهجرة - لم يزل بأيد ي المسلمين، نلى هذه السنة»(1) . وقال ابن تغري بردي أيضًا«ثمّ ننّ الفركج لـمّ ا علموا بحال أهل طرابلس ، وتحقّقوا أمرهم، حملوا حملة رجل واحد ، في يوم الاةنين حادي عشر ذي الحجّ ة، وهجموا على طرابلس، فأخذوها ، ونهبوها، وأسروا رجالها ، وسبوا كساءهم، وأخذوا أموالها، وذخائرها؛ وكان فيها ما لا يح صى، ولا يح ص ر، واقتسموها بينهم»(2). وقال ابن تغري بردي أيضًا«فيها جاءت الفركج حماة ، بغتة، وأخذوا النساء الغسّالات، من باب البلد، على العاصي، وخرج نليهم الملك المنصور ب ن تقيّ الدين، وقاتلهم وةبت، وأبلى بلاء حسنً ا. وكسر الفركج عسكره، ف وقف على الساقة، ولولا وقوفه ما أبقوا من المسلمين أحدًا»(3) . تخيّلوا : المرأة المسلمة، التي لا يحلّ لغير المسلم أن يتزوّجها، ولا يحلّ للأجنبيّ المسلم - ولو كان ابن عمّها، أو ابن خالها، أو ابن عمّتها، أو ابن خالتها - أن ينظر نلى ما يجب ستره من جسدها؛ ولا يحلّ للأجنبيّ المسلم أن يلمسها، ولا يحلّ للأجنبيّ المسلم - ولو كان أتقى الأتقياء - أن يخلو بها. الـمرأة ال ـمسلمة، التـي اختلف الفقهاء، فـي جواز الكشف، عن وجهه ا، (1) النجوم الزاهرة 9/113. (2) النجوم الزاهرة 9/151. (3) النجوم الزاهرة 6/156-151.
عدد الصفحات ٢١٥215 بـحضور الأجنبيّ الـمسلم؛ واختلفوا فـي جواز سـماع الأجنبيّ الـمسلم لصوتها(1) . تلك الجوهرة الأةيرة المصوكة، تبيت ألعوبة مسبيّة، بأيدي ف سّاق الفرنْة- لعنهم الله - يتناوبون على الفجور بها، في المسجد الجامع!!!!!!! فما أحرانا - كلّما دعانا الشيطان نلى التفرّ ق والاقتتال - أن كتذكّر تلك العبارة الفاجعة الموجعة، الباكية المبكية: (وباتوا تلك الليلة، في الجامع، يفجرون بالنساء، ويفضحون البنات). فلا حول ولا قوّة نلاّ بالله العليّ العظيم. قال ابن باز: «فإنّ الناس لـمّ ا غيرّ وا وبدّ لوا واعتنقوا البدع وأحدةوا ا لطرق المختلفة، تفرّ قوا في دينهم، والتبس عليهم أمرهم ، وصار كلّ حزب بما لديهم فرحون ، وطمع فيهم الأعداء، واستغلّ وا فرصة الاختلاف ، وضعف الدين، واختلاف المقاصد، وتعصّ ب كلّ طائفة لما أحدةته من الطرق المضلّ ة، والبدع المنكرة ، حتّ آلت حال المسلمين ، نلى ما هو معلوم الآن ، من الضعف والاختلاف، وتداعي الأمم عليهم، فالواجب على أهل الإسلام جْيعً ا هو الرجوع نلى دينهم والتمسّ ك بتعاليمه السمحة وأحكامه العادلة، وأخذها من منبعها الصافي: الكتاب العزيز ، والسنّ ة الصحيحة المطهّ رة، والتواصي بذلك، وا لتكاتف على تحقيقه في جْيع المجالات التشر يعيّ ة والاقتصاديّ ة والسياسيّ ة والاجتماعيّ ة وغير ذلك، والحذر كلّ الحذر من كلّ ما يخالف ذلك أو ي فضي نلى التباسه أو التشكيك فيه، وبذلك ترجع نلى المسلمين عزّ تهم المسلوبة، ويرجع نل يهم مجدهم الأةيل، وينصرهم الله على أعدائهم ، ويكّ ن لهم في الأرض»(2). (1) اكظر: الموسوعة الفقهيّة2/91-99. (2) مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة1/115.
عدد الصفحات ٢١٦216 المخرج الخا مس الاعت ـراف هو أن يعترف المتّقون بأخطائهم، حين يخ طئون، اعتقادًا، أو عملاً؛ وأن يعترفوا بالحقّ الذي عليه مخالفوهم، اعتقادًا، أو عملاً؛ وأن يعترف الجاهل منهم جههله، حين يجهل حقيقة ما، ولا تأخذه العزّة بالإثم، فيأكف من الاعتراف؛ وأن يعترف بأنّ مخالفيه معذو رون، حين يستحقّون العذر، فلا يسارع نلى التكفير والتفسيق والتبديع. والاعتراف يحقّق ةلاث منافع: المنفعة الأولى- الهداية: الاعتراف خلاف التعصّب، فإذا كان التعصّب سببً ا من أسباب التضليل؛ فإنّ الاعتراف سبب من أسباب الهداية؛ لأنّ من يعترف بكلّ ما يجب الاعتراف به، سيكون باعترافه معينًا على بيان الحقيقة، التي يختلف فيها المختلفون. فإذا اعترف المتلّفون بأخطائهم، كاكت اعترافاتهم سببًا، في هداية من كان يقلّدهم، في أخطائهم؛ فلا يلك المقلّ د - بعد هذه الاعترافات - أن يستمسك بالآراء الباطلة، التي كان يقلّد فيها المتلّفين المعترفين؛ لأكّه نن فعل ذلك، فقد كشف عن تعصّب، يخ رجه من جْلة المتّقين. المنفعة الثانية- الانتصاح: هو بمعنَ قبول النصيحة، وهو قبول لا ي كن أن يصدر من متعصّب، يأكف من الاعتراف بأخطائه؛ لأنّ المتعصّب لا يرضى أبدًا، بأن يظهر في منزلة، دون منزلة من يخالفه . أمّا نذا كان من المعترفين، فإكّه سيقبل كصيحة من يراه أهلاً لذلك؛ لأنّ الاكتصاح أهون عليه من الاعتراف قطعًا.
عدد الصفحات ٢١٧217 فقد تقبل كصيحة أحدهم، مدّعيًا أكّك قد سبقته نلى معرفة تلك الحقيقة؛ ولكنّك حين تعترف له بأخطائك، فأكت تشهد على كفسك بالجهل النّ سبيّ، وأنّ مخالفك - الذي خالفك في أخطائك - كان أعلم منك بالحقيقة. المنفعة الثالثة - التقريب: الاعتراف بصوره كلّها وسيلة، من أكبر وسائل التقريب، بين المتّقين؛ لأكّه وسيلة للهداية والبيان والإرشاد، نلى الحقائق التي اخت لف فيها، وهو وسيلة للاكتصاح، وفي ذلك ما فيه من التقارب و التعاون والتآلف والتآخي. ومن شأن هذه الأمور أن تقرّب بين المتّقين، وتتلّف بين قلوبهم، في صبحوا، بنعمة الله، نخواناً متحابّين متعاوكين، يعذر بعضهم بعضًا، حين يستحقّون العذر، ويعترف بعضهم لبعض، بما يستحقّه، من الثناء والموافقة والتأييد، ويقبل بعضهم كصيحة بعض، ونرشاده. قال الخطّابِّ: «وقال بعضهم: ننّ من الناس من يول ع بالخلاف أبدًا، حتّ نكّه يرى أنّ أفضل الأمور ألاّ يوافق أحدًا، ولا يجامعه على رأي، ولا يو اتيه على محبّة، ومن كان هذا عادته، فإكّه لا ي بصر الحقّ، ولا ينصره، ولا يعتقده دينًا ومذهبًا؛ نّّا يتعصّ ب لرأيه، وينتقم لنفسه، ويسعى في مرضاته ا؛ حتّ نكّك لو ر مت أن تترضّاه وتوخّيت أن توافقه على الرأي الذي يدعوك نليه، تعمّ د لخلافك فيه، ولم يرض به، حتّ ينتقل نلى كقيض قوله الأوّل؛ فإن عدت في ذلك نلى وفاقه، عاد فيه نلى خلافك»(1). وقال أبو حامد الغزاليّ«وأمّا العامّيّ، نذا ص رف عن الحقّ، بنوع جدل، ي كن أن يـ ر دّ نليه بمثله، قبل أن يشتدّ التعصّب للأهواء؛ فإذا اشتدّ تعصّبهم، وقع (1) العزلة 166.
عدد الصفحات ٢١٨218 اليأس منهم؛ نذ التعصّب سبب يرسّخ العقائد في النفوس، وهو من آفات علماء السوء، فإنهّم يبالغون في التعصّب للحقّ، وينظرون نلى المخالفين، بعين الازدراء والاستحقار؛ فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، و تتوفّر بواعثهم على طلب كصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسّك، بما ك سبوا نليه، ولو جاءوا من جاكب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة - لا في معرض التعصّب و التحقير - لنجحوا فيه، ولكن لـمّا كان الجاه لا يقوم نلاّ بالاستتباع، ولا يستميل الأتباع مثل التعصّب واللعن والشتم للخصوم، اتخّذوا التعصّب عادتهم و آلتهم، وسمّوه ذباًّ عن الدين، وكضالاً عن المسلمين، وفيه - على التحقيق - هلاك الخلق، ورسوخ البدعة في النفوس»(1). وقال أبو حامد الغزاليّ أيضًا: «اعلم وتحقّق أنّ المناظرة - الموضو عة لقصد الغلبة والإفحام، ونظهار الفضل والشرف، والتشدّق عند الناس، وقصد المباهاة والمماراة، واستمالة وجوه الناس - هي منبع جْيع الأخلاق المذمومة، عند الله، المحمودة عند عدوّ الله، نبليس. وكسبتها نلى الفواحش الباطنة، من الك بر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحبّ الجاه وغيرها، كنسبة شرب الخمر نلى الفواحش الظاهرة، من الزَ والقذف والقتل والسرقة. وكما أنّ الذي خ يرّ بين الشرب وسائر الفواحش، استصغر الشرب، فأقدم عليه، فدعاه ذلك نلى ارتكاب بقيّة الفواحش في سكره؛ فكذلك من غلب عليه حبّ الإفحام، والغلبة في المناظرة، وطلب الجاه والمباهاة، دعاه ذلك نلى نضمار الخبائث كلّها، في النفس، وهيّج فيه جْيع الأخلاق المذمومة»(2). (1) نحياء علوم الدين: 91. (2) نحياء علوم الدين96.
عدد الصفحات ٢١٩219 وقال أبو حامد الغزاليّ أيضًا«ونّّا يرتفع حجاب التقليد، بأن يترك التعصّب للمذاهب، وأن يصدّق بمعنَ قوله: "لا نله نلاّ الله، محمّد ر سول الله"، تصديق نيان، ويحرص في تحقيق صدقه، بأن يرفع كلّ معبود له، سوى الله تعالى - وأعظم معبود له الهوى - حتّ نذا فعل ذلك، اككشف له حقيقة الأمر، في معنَ اعتقاده، الذي تلقّفه تقليدًا؛ فينبغي أن يطلب كشف ذلك، من المجاهدة، لا من المجادلة؛ فإن غلب عليه التعصّب لمعتقده، ولم يبق في كفسه متّسع لغيره، صار ذلك قيدًا له، وحجاباً »(1). وقال ابن تيميّة«وأمّا التعصّ ب لأمر من الأمور، بلا هدى، من الله، فهو من عمل الجاهليّ ة»(2). وقال ابن تيميّة أيضًا«فإن كاكوا مجتمعين على ما أمر الله به ، ورسوله ، من غير زيًدة ، ولا كقصان ، فهم متمنون، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم. ونن كا كوا قد زادوا في ذلك ، وكقصوا، مثل التعصّ ب لمن دخل في حزبهم، بالحقّ والباطل، والإعراض عمّ ن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحقّ والباطل؛ فهذا من التفرّ ق، الذي ذمّ ه الله تعالى، ورسوله ؛ فإنّ الله ورسوله أمرا بالجماعة و الائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف ، وأمرا بالتعاون على البرّ والتقوى، و نهيا عن التعاون على الإثم والعدوان»(3). وقال ابن تيميّة أيضًا«ونذا كان الرجل متّبعً ا لأبِ حنيفة، أو مالك، أو الشافعيّ ، أو أحمد، ورأى في بعض المسائل أنّ مذهب غيره أقوى، فاتّ بعه، كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته ، بلا كزاع؛ بل ه ذا أولى (1) نحياء علوم الدين395-393. (2) مجموعة الفتاوى11/13. (3) مجموعة الفتاوى11/99.
عدد الصفحات ٢٢٠221 بالحقّ وأحبّ نلى الله ورسوله ، ِّ ن يتعصّ ب لواحد معينّ ، غير النبيّ ، كمن يتعصّ ب لمالك، أو الشافعيّ ، أو أحمد، أو أبِ حنيفة، ويرى أنّ قول هذا المعينّ هو الصواب، الذي ينبغي اتّ باعه، دون قول الإمام الذي خالفه»(1). وقال ابن تيميّة أيضًا«بل غاية ما يقال: نكّ ه يسوغ ، أو ينبغي، أو يجب على العامّ يّ أن يقلّ د واحدً ا، لا بعينه، من غير تعيين زيد ، ولا عمرو . وأمّ ا أن يقول قائل: نكّ ه يجب على العامّ ة تقليد فلان، أو فلان، فهذا لا يقوله مسلم. ومن كان مواليً ا للأئمّ ة، محبًّ ا لهم، يقلّ د كلّ واحد منهم، فيما يظهر له أكّ ه موافق للسنّ ة، فهو محسن في ذلك؛ بل هذا أحسن حالاً من غيره، ولا ي قال لمثل هذا: مذبذ ب، على وجه الذمّ . ونّّ ا المذبذ ب المذموم الذي لا يكون مع المتمنين، ولا مع الكفّ ار، بل يأتي المتمنين بوجه ، ويأتي الكافرين بوجه »(2). وقال ابن تيميّة أيضًا«وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله الت ـت ــر عليها: كثرة التفرّ ق والفتن بينهم، في المذاهب وغيرها، حتّ تجد المنتسب نلى الشافعيّ يتعصّ ب لمذهبه على مذهب أبِ حنيفة، حتّ يخرج عن ال دين، و المنتسب نلى أبِ حنيفة يتعصّ ب لمذهبه على مذهب الشافعيّ وغيره، حتّ يخرج عن الدين ، والمنتسب نلى أحمد يتعصّ ب لمذهبه على مذهب هذا، أو هذا. وفي المغر ب تجد المنتسب نلى مالك يتعصّ ب لمذهبه على هذا، أو هذا. وكلّ هذا من التفرّ ق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله ع نه. وكلّ هتلاء المتعصّ بين بالباطل - المتّ بعين الظنّ ، وما تهوى الأكفس، المتّ بعين لأهوائهم، بغير هدى من الله - مستحقّ ون للذمّ والعقاب. وهذا باب واسع، لا تحتمل هذه الفتيا لبسطه؛ فإنّ الاعتصام (1) مجموعة الفتاوى22/191. (2) مجموعة الفتاوى22/191.
عدد الصفحات ٢٢١221 بالجماعة والائتلاف، من أصول الدين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخ فيّ ة؛ فكيف يقدح في الأصل، بحفظ الفرع . وجْهور المتعصّ بين لا يعر فون من الكتاب والسنّ ة، نلاّ ما شاء الله، بل يتمسّ كون بأحاديث ضعيفة، أو آراء فاسدة ، أو حكايًت عن بعض العلماء والشيوخ ، قد تكون صدقً ا، وقد تكون كذباً ، ونن كاكت صدقً ا، فليس صاحبها معصومً ا؛ يتمسّ كون بنقل غير مصدّ ق، عن قائل غير معصوم، ويدعون النقل المصدّ ق، عن القائل المعصوم»...(1). وقال ابن القيّم«على عادتنا في مسائل الدين كلّها - دقّها، و جلّها - أن كقول بموجبها، ولا كضرب بعضها ببعض، ولا كتعصّب لطائفة، على طائفة؛ بل كوافق كلّ طائفة على ما معها من الحقّ، ونخالفها فيما معها، من خلاف الحقّ، لا كستثن من ذلك طائفة، ولا مقالة»(2). وقال الشوكانيّ «أقول: ههنا ت سك ب العبرات، وي ناح على الإسلام، وأهله، بما جناه التعصّب في الدين، على غالب المسلمين، من الترامي بالكفر، لا لسنّة، ولا لقرآن، ولا لبيان من الله، ولا لبرهان؛ بل لـمّا غلت مراجل العصبيّة في الدين، وَكّن الشيطان الرجيم، من تفريق كلمة المسلمين، لقّنهم نلزامات بعضهم لبعض، بما هو شبيه الهباء في الهواء، والسراب البقيعة، فيا لله، وللمسلمين، من هذه الفاقرة، التي هي من أعظم فواقر الدين، والرزيّة التي ما ر ز ئ بمثلها سبيل المتمنين»(3). فهذه(الـمخارج ال ـخمسة): لا يسلكها، نلاّ (الـمتّقون)؛ ولذلك لن ينتفع بـها أيّ فــرد، من أفراد (الأمــم الستّ )، الـمخالفة لأمّ ــة (الـمتّقين)، نلاّ نذا تــرك (1) مجموعة الفتاوى22/191. (2) طريق الهجرت 2/595. (3) السيل الجرّار: 351.
عدد الصفحات ٢٢٢222 مــا هــو عليه، مـن الاكـحراف ، عن الـحقّ، وأصبح من جـملة (الـمتّقين). فعلى المكذّب أن يترك تكذيبه، وعلى المنافق أن يترك كفاقه، وعلى المعطّل أن يترك تعطيله، وعلى المغالي أن يترك مغالاته، وعلى المتعصّب أن يترك تعصّبه، وعلى المفسد أن يترك نفساده؛ ونلاّ، فلا معنَ للبحث عن المخارج!!! فالتقوى هي المفتاح الوحيد، لأبواب المخارج الخ مسة، فمن لم يكن من المتّقين، فإكّه لا يتلك مفتاح الخروج. فإن خرج من بعض الأبواب مقتحمًا؛ فإكّه لن يستطيع الخروج من سائر الأبواب؛ ولذلك سيبقى في ضيق الاختلاف، ولن يخرج نلى سعة الائتلاف، نلاّ نذا امتلك مفتاح التقوى. ومن أراد مشاهدة (سيرة الإسلام)، بالصورة البشريّة الحيّة؛ لي درك عظيم تأةير (الإسلام)، في النفوس، بِخراجها من ظلمات الجهل والهوى، نلى كور العلم والهدى؛ فليقابل بين (سيرة المتّقين)، وسير من خالفهم، من المكذّبين، والمنافقين، والمعطّلين، والمغالين، والمتعصّبين، والمفسدين؛ فإنّ تلك المقابلة أصدق دليل على حاجة الناس أجْعين نلى (الإسلام). فسيرة المتّقين هي (المفتاح الوحيد )؛ لفهم (الصورة التنزيليّ ة)، وهي الدليل الأقوى على عظمة تأةير (الإسلام)، في النفوس، وهي السيرة الوحيدة المرضيّ ة، عند الله ، وهي الحبل الأوةق للنجاة من سوء المص ونصلاح المنسوبين نلى (الإسلام) لا يكون نلاّ على أيدي (المصلحين)، بِرجاع (الناس) نلى (الشريعة الإسلاميّة). وليس ثَّة (مصلحون) منسوبون نلى (الإسلام) غير المتّقين. فالصلاح قبل الإصلاح؛ لأنّ فاقد الشيء لا ي عطيه؛ ولن يكون أحدنا مصلحًا نلاّ بعد أن يكون صالحًا.
عدد الصفحات ٢٢٣223 والتقوى: هي ميزان الصلاح، وهي ميزان الإصلاح، في الإسلام؛ فمن لم يكن من المتّقين؛ فليس من الصالحين، وليس من المصلحين. قال سيّد قطب: «ونذا حدث أن فسد الناس، في جيل من الأجيال، فإنّ نصلاحهم لا يتأتّى من طريق التشدّد، في الأحكام؛ ولكن يتأتّى من طريق نصلاح تربيتهم، وقلوبهم، واستحياء شعور التقوى، في أرواحهم»(1). (1) في ظلال القرآن 1/163.
عدد الصفحات ٢٢٤221 شبهةالإسرائيليّات إن قيل: كيف تطعنون في أكثر قصص (الكتاب المقدّس)، وتستنكرون كسبتها نلى (الوحي)، وقد اشتملت كتب المتلّفين المنتسبين نلى (الإسلام)، على أمثالها، ولا سيّما كتب التفسير، وكتب الحديث، وكتب التاريخ ؟! قلت: ا شتملت ك تب بعض المنتسبين نلى (الإسلام)، على ما يسمّيه العلماء: (الإسرائيليّات). وهي ر وايًت لا ي كن كسبتها نلى( الإسلام)، ونن رواها بعض المنسوبين نلى (الإسلام)؛ فإنّ مصدرها: كعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وأمثالهما، وليست تلك الروايًت، من آيًت القرآن الكريم، ولا من أقوال الرسول ؛ لكي ت نس ب نلى (الإسلام)؟!!! قال أبو عبد الله القرطبيّ: «قال ابن العربِّ القاضي أبو بكر : ... ونذ لم يصحّ عنه فيه قرآن ولا سنّة، نلاّ ما ذكرناه، فمن الذي يوصل السامع نلى أيّ وب خبره، أم على أيّ لسان سمعه؟ والإسرائيليّات مرفوضة عند العلماء على البتات؛ فأعرضْ عن سطورها بصرك، واصممْ عن سماعها أذكيك، فإنهّا لا ت عطي فكرك نلاّ خيالاً، ولا تزيد فتادك نلاّ خبالاً »(1). وقال ابن تيميّة«وهذا ذكره ابن قتيبة في المعارف، وهو ومثله يو ج د في التواريخ ، كتاريخ ابن جرير الطبريّ ، ونحوه. وهذا ونحوه منقول عمّن ي نقل الأحاديث الإسرائيليّة، ونحوها من أحاديث الأكبياء المتقدّمين، مثل وهب بن منبّ ه، وكعب الأحبار، ومالك بن دينار، ومحمّد بن نسحاق، وغيرهم. وقد أج ـمع (1) الجامع لأحكام القرآن 15/219.
عدد الصفحات ٢٢٥225 المسلمون على أنّ ما ينقله هتلاء - عن الأكبياء المتقدّمين - لا يجوز أن يج ع ل عمدة في دين المسلمين، نلاّ نذا ةبت ذلك بنقل متواتر، أو أن يكون منقولاً عن خاتم المرسلين »(1) . وقال ابن كث «ولسنا كذكر من الإسرائيليّات، نلاّ ما أذن الشارع في كقله، ِّا لا يخالف كتاب الله، وسنّة رسوله ، وهو القسم الذي ي صد ق، ولا ي كذ ب، ِّا فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم، ورد به شرع نا، ِّا لا فائدة في تعيينه لنا؛ فنذكره على سبيل التحلّي به، لا على سبيل الاحتياج نليه، والاعتماد عليه. ونّّ ا الاعتماد، والاستناد، على كتاب الله ، وسنّ ة رسول الله ، ما صحّ كقله، أو حسن، وما كان فيه ضعف كبيّنه»(2) . وقال ابن كثير أ يضًا: «وقد وردت في هذا آثار كثيرة نسرائيليّة، لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأنّ منها ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحً ا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قصّ الله تعالى علينا في كتابه غنية عمّا سواه من بقيّة الكتب قبله، ولم يح وجنا الله ، ولا رسوله نليهم »(3) . وقال ابن كثير أيضًا«وقد روي في هذا آثار كثيرة ، عن السلف، وغالبها من الإسرائيليّات، التي ت نق ل؛ لي نظ ر فيها، والله أعلم بحال كثير منه ا، ومنها ما قد ي قط ع بكذبه؛ لمخالفته الحقّ الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كلّ ما عداه من الأخبار المتقدّمة؛ لأنهّ ا لا تكاد تخلو من تبديل وزيًدة وكقصان، وقد و ضع فيها أشياء كثيرة »(1) . (1) مجموعة الفتاوى12/39. (2) البداية والنهاية1/1. (3) تفسير القرآن العظيم 5/135. (1) تفسير القرآن العظيم 3/199.
عدد الصفحات ٢٢٦