178 فيما لم يدلّ على استحساكه دليل شرعيّ ، وأعن بالعمل: عمل القلب، وعمل الجوارح، من حيث هو مطلوب شرعً ا»(1) . وقال الشاطبيّ أيضًا «وبيان عدم الاستحسان فيه من أوجه مت عدّ دة، منها: نكّ ه شغل عمّ ا يعن من أمر التكليف الذي ط وّ قه المكل ف بما لا يعن، نذ لا ينبن على ذلك فائدة؛ لا في الدكيا، ولا في الآخرة، أمّ ا في الآخرة ؛ فإكّ ه ي سأل عمّ ا أ مر به أو نه ي عنه، وأمّ ا في الدكيا؛ فإنّ علمه بما علم من ذلك لا يزيده في تدبير رزقه ، ولا ينقصه، وأمّ ا اللذّ ة الحاصلة منه في الحال؛ فلا تفي مشقّ ة اكتسابها، وتعب طلبها، بلذّ ة حصولها، ونن ف رض أنّ فيه فائدة في الدكيا؛ فمن شرط كونها فائدة شهادة الشرع لها بذلك، وكم من لذّ ة وفائدة يعدّ ها الإكسان كذلك ، وليست في أحكام الشرع ، نلاّ على الضدّ ؛ كالزَ ، وشرب الخمر، وسائر وجوه الفسق، والمعاصي التي يتعلّ ق بها غرض عاجل، فإذن قطع الزمان - فيما لا يج ن ثَرة ، في الدارين، مع تعطيل ما يج ن الثمرة - من فعل ما لا ينبغي»(2). وقال الشاطبيّ أيضًا«ومنها أنّ الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدكيا و الآخرة على أتمّ الوجوه وأكملها، فما خرج عن ذلك قد ي ظ نّ أكّ ه على خلاف ذلك، وهو مشاهد في التجربة العاديّ ة؛ فإنّ عامّ ة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلّ ق بها ثَرة تكليفيّ ة تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج ع ن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المتدّ ي نلى التقاطع والتدابر و التعصّ ب، حتّ تفرّ قوا شيعً ا، ونذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنّ ة، ولم يكن أصل التفرّ ق، نلاّ بهذا السبب، حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعن، وخرجوا نلى ما لا يعن؛ (1) الموافقات1/13. (2) الموافقات1/93.
عدد الصفحات ١٧٩179 فذلك فتنة على المتعلّ م والعالم، ونعراض الشارع - مع حصول الستال - عن الجو اب من أوضح الأدلّ ة، على أنّ اتّ باع مثله من العلم فتنة ، أو تعطيل للزمان ، في غير تحصيل»(1). وقال الشاطبيّ أيضًا«والذي يوضّحه أمرانأحدهما- بأنّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يخوضوا في هذه الأشياء، التي ليس تحتها عمل، مع أنهّ م كاكوا أعلم بمعنَ العلم المطلوب»...(2) . وقال الشاطبيّ أيضًا«فإذا ةبت هذا؛ فالصواب أنّ ما لا ينبن عليه عمل: غير مطلوب في الشرع »(3) . وقال الشاطبيّ أيضًا«وقد كان مالك بن أكس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، ويحكي كراهيته عمّ ن تقدّ م»(1) . وقال الشاطبيّ أيضًا«كلّ علم شرعيّ ، فطلب الشارع له نّّ ا يكون من حيث هو وسيلة نلى التعبّ د به، لله تعالى، لا من جهة أخرى ، فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى؛ فبالتبع والقصد الثاني، لا بالقصد الأوّ ل، والدليل على ذلك أمور: أحدها- ما تقدّ م في المسألة قبل، أنّ كلّ علم، لا ي فيد عملاً ؛ فليس في الشرع ما يدلّ على استحساكه، ولو كان له غاية أخرى شرعيّ ة؛ لكان مستحسنً ا شرعً ا، ولو كان مستحسنً ا شرعً ا؛ لبحث عنه الأوّ لون من الصحابة والتابعين، و ذلك غير موجود، فما يلزم عنه كذلك. والثاني- ننّ الشرع نّّ ا جاء بالتعبّ د، و هو المقصود من بعثة الأكبياء ،والثالث- ما جاء من الأدلّ ة الدالّ ة على أنّ روح العلم (1) الموافقات1/93-91. (2) الموافقات1/99. (3) الموافقات1/66. (1) الموافقات1/93.
عدد الصفحات ١٨٠181 هو العمل، ونلاّ؛ فالعلم عاريّ ة، وغير منتف ع به... والأدلّ ة على هذا المعنَ أكثر من أن تح صى، وكلّ ذلك يحقّ ق أنّ العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصودً ا لنفسه، من حيث النظر الشرعيّ ، ونّّ ا هو وسيلة نلى العمل، وكلّ ما و رد في ف ضل العلم؛ فإّّ ا هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكل ف بالعمل به.»..(1) . وقال الشاطبيّ أيضًا«فالحاصل أنّ كلّ علم شرعيّ ، ليس بمطلو ب، نلاّ من جهة ما ي توسّ ل به نليه، وهو العمل»(2) . وقال الشاطبيّ أيضًا«لـمّ ا ةبت أنّ العلم المعتبر شرعً ا هو ما ينبن عليه عمل؛ صار ذلك منحصرً ا فيما دلّ ت عليه الأدلّ ة الشرعيّ ة، فما اقتضته؛ فهو العلم الذي ط لب من المكل ف أن يعلمه في الجملة، وهذا ظاهر؛ غير أنّ الشأن نّّ ا هو في حصر الأدلّ ة الشرعيّ ة، فإذا انحصرت؛ انحصرت مدارك العلم الشرعيّ »(3) . (1) الموافقات: 1/13-53. (2) الموافقات1/59. (3) الموافقات1/131.
عدد الصفحات ١٨١181 مسألتان نظريّتان خالصتان ومن أبرز المسائل النظريّة الخالصة، التي اختلفوا فيها: 1- مسألة (زيادة الصفات هي مسألة عقديّة كظريّة خالصة، ليس من ورائها أيّ ثَرة عمليّة، وهي من المسائل الدقيقة، التي لا ي كن أن يفقه العامّة حقيقة المراد منها؛ والعامّة هم جْهور المنسوبين نلى الإسلام، في كلّ زمان ومكان. ومن أوجب الواجبات - على المتلّفين - أن يجنّبوا العامّة الخوض، في المسائل الاختلافيّة، قدر المستطاع، ولا سيّما المسائل الدقيقة، التي تحار فيها عقول المتلّفين أكفسهم؛ مع توجيه العامّة نلى العناية بالاتّفاقيّات القطعيّة؛ فإنهّ ا أصول الإسلام. قال ابن تيميّة: «والتحقيق أنّ الذات الموصوفة لا تنفكّ عن الصفات أصلاً، ولا ي كن وجود ذات خالية عن الصفات. فدعوى المدّعي وجود حيّ عليم قدير بصير، بلا حياة ولا علم ولا قدرة؛ كدعوى قدرة وعلم وحياة، لا يكون الموصوف بها حيًّا عليمًا قديرًا، بل دعوى شيء موجود قائم بنفسه قديم أو محد ث عريّ عن جْيع الصفات: ِتنع في صريح العقل. ولكنّ الجهميّة المعتزلة وغيـرهم؛ لـمّـا أةبتوا ذاتاً مـجـرّدة عن الصفات، صار م ناظ رهم يقول: أنا أ ةبت الصفات زائدة على ما أةبتموه من الذات؛ أي: لا أقتصر على مجرّد نةبات ذات بلا صفات. ولم يعن بذلك أكّه في الخارج ذات ثابتة بنفسها؛ ولا مع ذلك صفات، هي زائدة على هذه الذات، متميّزة عن الذات؛ ولهذا كان من الناس من يقو ل: الصفات غير الذات، كما يقوله المعتزلة، والكرّاميّة؛ ثمّ المعتزلة تنفيها، والكرّاميّة ت ثبتها. ومنهم من يقول: الصفة لا هي الموصوف، ولا هي غيره؛ كما يقوله
عدد الصفحات ١٨٢182 طوائف من الصفاتيّة، كأبِ الحسن الأشعريّ وغيره. ومنهم من يقول كما قالت الأئمّة: لا كقول الصفة هي الموصوف؛ ولا كقول: هي غيره؛ لأناّ لا كقول: لا هي هو؛ ولا هي غيره؛ فإنّ لفظ الغير فيه نجْال، قد ي راد به المباين للشيء، أو ما قارن أحدهما الآخر؛ وما قاربه بوجود أو زمان أو مكان؛ ويراد بالغيران(1): ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر. وعلى الأوّل، فليست الصفة غير الموصوف، ولا بعض الجملة غيرها. وعلى الثاني، فالصفة غير الموصوف، وبعض الجملة غيرها. فامتنع السلف والأئمّة من نطلاق لفظ (الغير) على الصفة كفيًا أو نةباتاً؛ لما في ذلك من الإجْال والتلبيس؛ حيث صار الجهميّ يقول: القرآن هو الله، أو غير الله، فتارة يعارضوكه بعلمه، فيقولون: علم الله هو الله، أو غيره؛ نن كان ِّن ي ثبت العلم؛ أو لا ي كنه كفيه. وتارة يحلّون الشبهة، و ي ثبتون خطأ الإطلاقين: النفي والإةبات؛ لما فيه من التلبيس، بل ي ستفصل السائل، في قال له: نن أردت بالغير ما يباين الموصوف، فالصفة لا تباينه؛ فليست غيره. ونن أردت بالغير ما ي كن فهم الموصوف على سبيل الإجْال؛ ونن لم يكن هو، فهو غير، بهذا الاعتبار»(2). وقال ابن تيميّة أيضًا«ونذا قيل: هل صفاته زائدة على الذات، أم لا؟ قيل: نن أ ريد بالذات المجرّدة، التي ي قرّ بها كفاة الصفات، فالصفات زائدة عليها، ونن أ ريد بالذات الذات الموجودة في الخارج، فتلك لا تكون موجودة، نلاّ بصفاتها اللازمة . والصفات ليست زائدة على الذات المتّصفة بالصفات، ونن كاكت ز ائدة على الذات التي ي قد ر تجرّدها عن الصفات»(3). (1) كذا في المطبوع، والصواب: (بالغيرين)، اكظر: منهاج السنّة النبويّة2/912. (2) مجموعة الفتاوى3/213-211. (3) مجموعة الفتاوى6/93.
عدد الصفحات ١٨٣183 وقال ابن تيميّة أيضًا«وقد كصّ أئمّة السنّة - كأحمد وغيره - على أنّ صفاته داخلة في مسمّى أسمائه، فلا ي قال: ننّ علم الله وقدرته زائ دة عليه؛ لكن من أهل الإةبات من قال: ننهّا زائدة على الذات. وهذا نذا أ ريد به أنهّا زائدة على ما أةبته أهل النفي من الذات المجرّدة، فهو صحيح؛ فإنّ أولئك قصّ روا في الإةبات، فزاد هذا عليهم، وقال: "الربّ له صفات زائدة، على ما علمتموه". ونن أراد أنهّا زائدة على الذات الموجودة، في كفس الأمر، فهو كلام متناقض؛ لأكّه ليس في كفس الأمر ذات مجرّدة، حتّ ي قال: ننّ الصفات زائدة عليها؛ بل لا ي كن وجود الذات، نلاّ بما به تصير ذاتاً من الصفات، ولا ي كن وجود الصفات، نلاّ بما به تصير صفات من الذات، فتخي ل وجود أحدهما، دون الآخر، ثمّ زيًدة الآخر عليه: تخي ل باطل»(1). فإذا كان المتلّفون، والمتعلّمون - من غير المتلّفين - قادرين، ع لى فهم هذه النصوص، وأمثالها، مع الحكم عليها بالصحّة، أو بالبطلان؛ فلا ريب في أنّ المقلّدين - من العامّة - لا ي كن أن يفهموا هذه النصوص، كما يجب أن ت فه م، ولا ي كن أن يحكموا عليها، نلاّ تقليدًا لمن يثقون بهم من المتلّف ين. ففي مسألة (زيًدة الصفات): نْد أنّ الذي ي ثمر عملاً صالحًا، هو الإيان بأنّ الله سميع بصير عليم؛ لأنّ المتمن سي وقن أنّ الله يسمع كلامه، وي بصر فعاله، ويعلم حاله؛ فيكون نياكه رادعًا عن فعل المنكرات، ودافعًا نلى فعل الخيرات. فلا يتوقّف العمل الصالح، على اعتقاد المتمن بأنّ الله سميع بذاته، أو سميع بصفة زائدة على ذاته، تسمّى سمعًا؛ ولا على اعتقاده بأنّ الله بصير بذاته، أو بصير بصفة زائدة على ذاته، تسمّى بصرًا؛ ولا على اعتقاده بأنّ الله عليم بذاته، (1) مجموعة الفتاوى6/123.
عدد الصفحات ١٨٤181 أو عليم بصفة زائدة على ذاته، تسمّى علمًا وليس الغرض من كلامي - على هذه المسألة - هو بيان وجه الصواب فيها، أو ترجيح رأي على رأي آخر، أو بيان رأيي الخاصّ فيها؛ فما قيمة رأيي، وقد اختلف فيها القدامى والمحدةون؟!!! ونّّا الغرض من كلامي - عليها - هو التنبيه على كونها من المسائل النظريّة الخالصة، التي لا ت ثمر عملاً، مع كونها من المسائل العويصة، التي ح ارت فيها عقول المتلّفين. فإذا كان المتلّفون أكفسهم قد حاروا، في كثير من المسائل الدقيقة، واختلفوا فيها أشدّ الاختلاف - وهم أقدر من العامّة على معرفة الأدلّة، واستنباط الآراء منها - فكيف نحمل العامّة، على ما يعجز أكثر هم عن فهمه، والاطّلاع على أدلّته، والاستنباط منها؟!!! قال ابن تيميّة: «و ريب أنّ الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمّة، ونن كان ذلك في المسائل العلميّة؛ ولولا ذلك، لهلك أكثر فضلاء الأمّة. ونذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر؛ لكوكه كشأ بأرض جهل؛ مع كوكه لم يطلب العلم؛ فالفاضل المجتهد في طلب العلم، بحسب ما أدركه في زماكه ومكاكه، نذا كان مقصوده متابعة الرسول - بحسب نمكاكه - هو أحقّ بأن يتقبّل الله حسناته، وي ثيبه على اجتهاداته، ولا يتاخذه بما أخطأ...»(1). وقال ابن تيميّة أيضًا: «فإنّ مسائل الدّ قّ في الأصول لا يكاد يتّفق عليها طائفة؛ نذ لو كان كذلك، لما تنازع في بعضها السلف، من الصحابة، (1) مجموعة الفتاوى21/32.
عدد الصفحات ١٨٥185 والتابع»(1). وقالابن خلدون« :فإذا علمت هذا، فلعلّ هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا ؛ لأنّ ندراكاتنا مخلوقة محد ةة، وخلق الله أكبر من خلق الناس ، والحصر مجهول، والوجود أو سع كطاقً ا من ذلك، والله من ورائهم محيط. فاتهّ مْ ندراكك ومدركاتك في الحصر ، واتبعْ ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك ، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك؛ لأكّه من طور فوق ندراكك، ومن كطاق أوسع من كطاق عقلك. وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه ، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينيّ ة، لا كذب فيها. غير أكّك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوّ ة وحقائق الصفات الإلهيّة وكلّ ما وراء طوره؛ فإنّ ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي ي وز ن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال ، وهذا لا يدرك (2) على أنّ الميزان في أحكامه غير صادق؛ لكنّ العقل قد يقف عنده، ولا يتعدّى طوره، حتّ يكون له أن يح يط باللَّّ وبصفاته ؛ فإكّه ذرّة من ذرّات الوجود الحاصل منه. وتفطّن في هذا الغلط ومن يقدّم العقل على السمع في أمثال هذه القضايً وقصور فهمه واضمحلال رأيه ، فقد تبينّ لك الحقّ من ذلك ، ونذ تبينّ ذلك، فلعلّ الأسباب نذا تجاوزت في الارتقاء كطاق ندراكنا ووجودنا ، خرجت عن أن تكون مدركة ؛ فيضلّ العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع»(3) . وقال جلال الدين الدوّانيّ «واعلم أنّ مسألة زيًدة الصفات ، وعدم (1) مجموعة الفتاوى: 6/36. (2) في المطبوع: (لا يدرك)، والصواب: (لا يدلّك)، أو (لا يدلّ (3) تاريخ ابن خلدون 1/952.
عدد الصفحات ١٨٦186 زيًدتها ، ليست من الأصول، التي يتعلّ ق بها تكفير أحد الطرفين .»..(1). وقال محمّد عبده«فالذي ي وج به علينا الإيان هو أن كعلم أكّ ه موجود ، لا ي شبه الكائنات، أزليّ ، أبديّ، حيّ، عالم، مريد ، قادر، منفرد في وجو ده، وفي صفاته، وفي صنع خلقه، وأكّ ه متكلّ م، سميع، بصير، وما يتبع ذلك من الصفات التي جاء الشرع بِطلاق أسمائها عليه . أمّ ا كون الصفات زائدة على الذات ، وكون الكلام صفة، غير ما اشتمل عليه العلم، من معاني الكتب السماويّ ة، و كون السمع والبصر، غير العلم بالمسموعات والمبص رات ، ونحو ذلك من الشت ون التي اختلف عليها النظّ ار، وتفرّ قت فيها المذاهب، فممّ ا لا يجوز الخوض فيه، نذ لا ي كن لعقول البشر أن تصل نليه، والاستدلال على شيء منه - بالألفاظ الواردة - ضعف في العقل، وتغرير بالشرع ؛ لأنّ استعمال اللغة، لا ينحصر في الحقيقة، ولئن انحصر فيها، فوضع اللغة لا ت راعى فيه الوجودات بكنهها الحقيق يّ ، ونّّ ا تلك مذاهب فلسفة، نن لم يضلّ فيها أمثلهم، فلم يهتد فيها فري ق نلى مقنع. فما علينا نلاّ الوقوف عند ما تبلغه عقولنا، وأن كسأل الله أن يغفر لمن آمن به، وبما جاء به رسله ، ِّ ن تقدّ منا»(2) . وقال محمّد رشيد رضا «وما أغنَ المسلمين عن المذهبين، والاكتفاء بالوقوف عند ما ور د به الشرع، وقطع به العقل، من غير فلسفة فيه. مثال هذا أنّ العقل والشرع علّمانا أنّ الله تعالى خالق العالمين، عالـم بما خلق، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض، ولا في السماء، فأيّ حاجة بنا مع هذا، نلى أن كبحث عن هذا العلم الإلهيّ: هل هو عين الذات الإلهيّة، أم غيرها، أم لا عينها، (1) شرح الدوّانيّ على العقائد العضديّة: 311. (2) رسالة التوحيد 92-93.
عدد الصفحات ١٨٧187 و غيرها، هل عرفنا حقيقة ذات الله، وحقيقة علم الله؛ فننسب هذا نلى تلك، ونحكم بأنّ النسبة بينهما كذا؟ كلاّ، ننهّا فتنة ابت لي بها علماء المسلمين، نلاّ من لزم طريقة السلف الصالح، من الصحابة والتابعين، نلى عهد الأئمّة الأربعة »(1). وقال س يّد قطب: «لقد جاء هذا القرآن ، لا ليقرّ ر عقيدة فحسب، ولا ليشرع شريعة فحسب. ولكن كذلك لير بِّ أمّ ة، وي نشئ مجتمعً ا، وليكوّن الأفراد ، وي نشئهم على منهج عقليّ وخ ل قيّ من صنعه.. وهو هنا يعلّ مهم أدب الستال، وحدود البحث، ومنهج المعرفة.. وما دام الله سبحاكه هو الذي ينزّ ل هذه الشريعة، ويخ بر بالغيب، فمن الأدب أن يترك العبيد لحكمته تفصيل تلك الشريعة ، أو نجْالها، وأن يتركوا له كذلك كشف هذا الغيب ، أو ستره، وأن يقفوا هم في هذه الأمور عند الحدود التي أرادها العليم الخبير ؛ لا ليشدّ دوا على أكفسهم، بتنصيص النصوص، والجري ورا ء الاحتمالات والفروض. كذلك لا يجرو ن وراء الغيب يحاولون الكشف عمّ ا لم يكشف الله منه، وما هم ببالغيه. والله أعلم بطاقة البشر واحتمالهم، فهو يشرع لهم في حدود طاقتهم، ويكشف لهم من الغيب ما ت دركه طبيعتهم. وهناك أمور تركها الله مجملة ، أو مجهلة، ولا ضير على الناس في تركها هكذا ، كما أرادها الله »...(2). 2- مسألة (تفويض السلف اختلف المتلّفون، قديًا وحديثًا، في (مسألة التفويض)، في كصوص الصفات، واختلفوا في حقيقة مذهب السلف، في هذه المسألة. فمن المتلّفين من كسب - نلى السلف - أنهّم ي ثبتون علم المعنَ، و يفوّضون (1) مجلّة المنار1/615. (2) في ظلال القرآن 2/356.
عدد الصفحات ١٨٨188 علمالكيفيّة، فقط. قال ابن باز: «ثمّ ي قال: ليس الأسلم تفويض الأمر في الصفات نلى علاّم الغيوب؛ لأكّه سبحاكه بيّنها لعباده، وأوضحها في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين ، و يبينّ كيفيّتها، فالواجب تفويض علم الكيفيّة، لا علم المعاني. وليس التفويض مذهب السلف، بل هو مذهب مبتد ع مخالف، لما عليه السلف الصالح. وقد أككر الإمام أحمد ، وغيره من أئمّة السلف، على أهل التفويض، وبدّعوهم؛ لأنّ مقتضى مذهبهم أنّ الله سبحاكه خاطب عباده بما لا يفهمون معناه، ولا يعقلون مراده منه، والله يتقدّس عن ذلك، وأهل السنّة والجماعة يعرفون مراده سبحاكه بكلامه، ويصفوكه بمقتضى أسمائه وصفاته، وينزّهوكه عن كلّ ما لا يليق به .وقد علموا من كلامه سبحاكه، ومن كلام رسوله أكّه سبحاكه موصوف بالكمال المطلق، في جْيع ما أخبر به عن كفسه، أو أخبر به عنه رسوله ...»(1). وقال ابن عثيم«وبهذا كعر ف ضلال أو كذب من قالوا: ننّ طريق ة السلف هي التفويض؛ هتلاء ضلّوا نن قالوا ذلك عن جهل بطريقة السلف، وكذبوا نن قالوا ذلك عن عمد؛ أو كقول: كذبوا على الوجهين، على لغة الحجاز؛ لأنّ الكذب عند الحجازيّين بمعنَ الخطإ. وعلى كلّ حال؛ لا شكّ أنّ الذين يقولون: ننّ مذهب أهل السنّة هو التفويض؛ أنهّم أخطأوا؛ لأنّ مذهب أهل السنّة هو نةبات المعنَ، وتفويض الكيفيّة»(2). ومن الـمتلّفين من كسب - نلى السلف - أكّ ـهم يفوّضون علم الـمعنَ، كما (1) مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة: 3/99. (2) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمّد بن صالح العثيم5/13.
عدد الصفحات ١٨٩189 يفوّضون علم الكيفيّة، أيضًا قال النوويّ: «اعلم أنّ لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيًت الصفات قولين: أحدهما- وهو مذهب معظم السلف، أو كلّهم: أكّه لا ي تكلّم في معناها، بل يقولون: يجب علينا أن كتمن بها، وكعتقد لها معنَ، يليق جهلال الله تعالى، وعظمته، مع اعتقادنا الجازم أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وأكّه منز ه عن التجس م والاكتقال والتحي ز في جهة، وعن سائر صفات المخلوق. وهذا القول هو مذهب جْاعة من المتكلّمين، واختاره جْاعة من محقّقيهم، وهو أسلم. والقول الثاني- وهو مذهب معظم المتكلّمين: أنهّا ت تأوّل على ما يليق بها، على حسب مواقعها، ونّّا يسوغ تأويلها لمن كان من أهله، بأن يكون عارفًا بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع، ذا ريًضة في العلم...»(1). وقال ابن جْاعة«فاحتاج أهل الحقّ نلى الردّ على ما ابتدعوه، و نقامة الحجج على ما تقوّلوه، واكقسموا نلى قسمين: أحدهما- أهل التأويل، و هم الذين تجرّدوا للردّ على المبتد عة من المجسّ مة والمعطّ لة، ونحوهم من المعتزلة والمشبّ هة والخوارج، لـمّا أظهر كلّ منهم بدعته، ودعا نليها، فقام أهل الحقّ بنصرته ودفع عنه الدافع بِبطال بدعته، وردّوا تلك الآيًت المحتملة والأحاديث نلى ما يليق جهلال الله من المعاني، بلسان العرب، وأدلّة العقل والنقل؛ لي حقّ الله الحقّ بكلماته، وي بطل الباطل بحججه ودلالاته. والقسم الثاني- القائلون بالقول المعروف بقول السلف، وهو القطع بأنّ ما لا يليق جهلال الله تعالى غير مراد، والسكوت عن تعيين المراد من المعاني اللائقة جهلال الله تعالى، نذا كان اللفظ محتملاً لمعاني(2)، (1) صحيح مسلم بشرح النوويّ3/13. (2) كذا في المطبوع، والصواب: (لمعان
عدد الصفحات ١٩٠191 تليق جهلال الله تعالى. فالصنفان قاطعان بأنّ ما لا يليق جهلال الله تعالى - من صفات المحد ةين - غير مراد، وكلّ منهما على الحقّ. وقد رجّح قوم من الأكابر الأعلام قول السلف؛ لأكّه أسلم، وقوم منهم قول أهل التأويل؛ للحاجة نليه، والله أعلم. ومن اكتحل قول السلف، وقال بتشبيه، أو تكييف، أو حمل اللفظ على ظاهره، ِّا يتعالى الله عنه، من صفات المحد ةين، فهو كاذب في اكتحاله، بريء من قول السلف واعتداله»(1). وبسبب اختلاف الفريق - في هذه المسألة - طعن كلّ فريق منهما، في الفريق المخالف؛ ولذلك اتهّم أهل الإةبات مخالفيهم - من أهل التفو يض - بالتعطيل(2)؛ واتهّم أهل التفويض مخالفيهم - من أهل الإةبات - بالتمثيل(3) . وليس الغرض من كلامي - على هذه المسألة - بيان وجه الصواب فيه ا، أو ترجيح رأي فريق، على رأي فريق آخر، أو بيان رأيي الخاصّ فيها؛ فما قيمة رأيي، وقد اختلف فيها القدامى والمحدةون؟!!! ونّّا الغرض من كلامي هو التنبيه، على كون هذه المسألة من المسائل الدقيقة العويصة، بحيث ننّ كثيرًا من المتلّفين قد خالفوا الحقّ فيها. فإذا كان بعض كبار المتلّفين، قد غفلوا عن الصواب، في هذه المسألة، ولم تكفهم قدراتهم العلميّة؛ لمعرفة الصواب؛ فكيف تكون حال العامّة، الذين لم يطّ لع أكثرهم على أدلّة الحقّ، التي اهتدى بها الفريق الـم حقّ. ومن كان مـن العامّة متّبعًا للفريق الـم حـقّ، في هذه الـمسـألة؛ فإّّا كان اتّباعه بسبب التقليد، لا بسبب البحث والتدبّر والاستنباط. (1) نيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل115-121. (2) اكظر: مذهب أهل التفويض في كصوص الصفات919-916. (3) اكظر: مذهب أهل التفويض في كصوص الصفات: 51-53.
عدد الصفحات ١٩١191 ومن هنا كان واجبًا- على الـمتلّفين الـمتّقين - أن يـجنّبوا أكفسهم، ويـجنّبوا مقلّديهم الـخوض، فـي الـمسائل الاختلافيّة العويصة، ولا سيّما تلك التـي لا ت ثمر عملاً موافقًا للشريعة، ونكّ ـما ت ثمر التفر ق والتلاعن والتدابر والتقاتل. قال ابن الوزير: «وقد أجْعت الأمّة على أكّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فكلّ ما لم ي بين من العقائد، في عصر النبوّة، فلا حاجة نلى اعتقاده، ولا الخوض فيه، والجدال والمراد (1)، سواء كان نلى معرفته سبيل، أو لا؛ وسواء كان حقًّا، أو لا؛ وخصوصًا مت أدّى الخوض فيه، نلى التفرّق المنهيّ عنه، فيكون في نيجابه نيجاب ما لم يـ ن صّ على وجوبه، ونن أدّى نلى المنصوص على تحريه، وهذا عين الفساد. قالت الخصوم: العقل يكفي بياناً في العقليّات، فلا يجب البيان فيها من الشرع. قلت: نن أردتم الجليّات التي لا يقع في مثلها التنازع، أو لا يح تاج في الدين نلى معرفتها، أو لا يحتاج البليد فيها نلى تفهيم الذكيّ، أو الظنـّيّة التي لا نثم فيها على المخطئ، فم سل م، ولا يضرّ تسليمه. ومن القسم الأوّل من هذا علم الحساب، ونن دقّ بعضه، فإنّ طرقه معلومة الصحّة عند الجميع؛ ولذلك لم َنع دقّته من الوفاق فيه، وكذلك كثير من علم الغربيّة(2)، والمعاني والبيان والبلاغة. ونن أردتم القسم الآخر، وهو ما يح تاج اليه في الدين، ويكون مفروضًا على جْيع المسلمين من الخاصّة والعامّة أجْعين، ويقع في مثله الخفاء والنزاع و الاختلاف الكثير، ويأثم المخطئ فيه، ولا يسام ح؛ فغير م سل م لكم أنّ مثل هذا يوك ل نلى عقول العقلاء، وتترك الرسل بياكه لقوله تعالى: ﴿و م ا ك ن ا م ع ذّ ب ين ح ت كـ بـْع ث ر س ولاً ﴾(3). فلم يكتف سبحاكه بحجّة العقل، حتّ ضمّ نليها حجّة الرسالة؛ مع (1) كذا في المطبوع، والصواب: (المراء (2) كذا في المطبوع، والصواب: (العربيّة (3) الإسراء 19.
عدد الصفحات ١٩٢192 أنّ معرفته سبحاكه، وكفي الشركاء عنه: من أوضح المعارف العقليّة؛ و لذلك قالت الرسل، فيما حكى الله عنهم: ﴿أ في اللَّ ش كٌّ ف اط ر الس م او ات و الأْ رْض ﴾(1). وقد مرّ بيان ذلك في مقدّمات هذا المختصر. وفي هذه الآية وما في معناها من السمع حجّة على أنّ ما لم يبيّنه الله تعالى سمعًا لم ي عذ ب المخطئ فيه، نن شاء الله تعالى، لكن يخ شى على من خاض فيما لم يبيّنه الله أن ي عذ ب على الابتداع، وقد بينّ الله تحريه. وبيان تحريم ذلك في قوله: ﴿و لا تـ قْف م ا ل يْس ل ك ب ه ع لْمٌ ن ن الس مْع و الْب ص ر و الْف ت اد ك ل أ ول ئ ك ك ان ع نْه م سْئ ولاً ﴾(2)، وبقوله تعالى ﴿ه ا أ كـْت مْ ه ت لا ء ح اج جْت مْ ف يم ا ل ك مْ ب ه ع لْمٌ ف ل م تح اج ون ف يم ا ل يْس ل ك مْ ب ه ع لْمٌ و اللَّ يـ عْل م و أ كـْت مْ لا تـ عْل م ون ﴾(3). فنسأل الله السلامة»(1). وقال محمّد رشيد رضا«وأمّا في الأمور الاعتقاديّة والتعب ديّة، فبإرجاعهم نلى ما كان عليه السلف الصالح، بلا زيًدة، ولا كقص، واعتبار ما أجْع عليه المسلمون - في العصر الأوّل - هو الدين الذي ي دعى نليه، ويح م ل كلّ مسلم عليه. وما عداه: من المسائل الاجتهاديّة(9)، ِّا يعمل فيه صاحب الدليل، بما يظهر له أكّه الحقّ، من غير أن يعادي، أو ياري فيه من لم يظهر له دليله، من نخواكه المسلمين الموافقين له، في مسائل الإجْاع. وأمّا العامّيّ الذي لا قدرة له على الاستدلال، فلا ي ذك ر له شيء من أمر الخلاف، فإن عرض له أمر، استفت فيه من يثق بورعه وعلمه، من علماء عصره، وذلك العالم يبينّ له حكم الله فيه، (1) نبراهيم 11 . (2) الإسراء 36. (3) آل عمران 66. (1) نيثار الحقّ على الخلق119-116. (9) أي: وما عداه هو من اسائل الاجتهاديّة.
عدد الصفحات ١٩٣193 بأن يذكر له ما عنده فيه من آية كرية، أو سنّة قوية، ويبينّ له المعنَ بالاختصار. هكذا كان علماء الصحابة والسلف وعامّتهم، وأَّ للمسلمين اليوم أن يستقيموا على طريقتهم، وهم فاقدو أولي الأمر، الذين تفوّض الأمّة نليهم أموره ا العامّة، وتجعلهم مسيطرين على حكّامها، وأحكامها؟»(1). (1) تفسير القرآن الحكيم 3/12.
عدد الصفحات ١٩٤