المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين بعدها

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٩ من ١٠

129 فالجِن ة هم الجن، وإنما سمُّوا بذلك ـ أي : جناً وجنة ـ من الاجتنانِ وهو الاستتار ، فإن الجن مستترون عن أعين البشر ، فسمُّوا جناً . قال تعالى : {فل م ا ج ن ع ل ي هِ اللي ل ر أ ى ك و ك باً }الآية ـ أي : لما ستره الليل وخ ي م عليه ـ . ويقال للجنين في بطن أمه يقال له : الجنين ، لاستتاره في بطن أمه ، قال الله تعالى: {هو أ ع ل م بِ ك م إِ ذ أ نش أ ك م م ن الأ ر ضِ و إِ ذ أ نت م أ جِ ن ة فِ ي ب ط ونِ أ م ه اتِ ك م ف لا ت ز كُّ وا أ نف س ك م ه و أ ع ل م بِ م نِ ات ق ى }. والأجنة جمع جنين، ويقال للج ن ة : ج ن ة لاستتار داخلها بأشجارها الكثيرة . وأما الناس والإنس والإنسان فإن ذلك يدل على الإيناس ، وهو الرؤية والإحساس ، فالمادة الاشتقاقية تدل على ذلك ، قال الله تعالى مخبراً عن موسى عليه السلام : {آنس مِ ن ج انِ بِ الطُّ ورِ ن اراً }الآية ـ أي: رأى ناراً ـ . وقال تعالى : {فإِ ن آن س ت م م ن ه م ر ش داً ف اد ف ع وا إِ ل ي هِ م أ م و ال ه م }والمعنى: فإن أحسستم ورأيتم من تصرُّفاتهم ومعاملاتهم ر شداً ، فادفعوا إليهم أموالهم . فالجن أخفياء عن أعين البشر ، وأما الناس فإنهم مرئيون . * * * ذكرى إذا علمت أيها المسلم أنواع تلك الشرور التي أمر الله تعالى أن نعوذ به منها ، ومن أضرارها وأخطارها ، إذا علمت ذلك ، فيجب عليك أن تلجأ إلى الله تعالى دائماً وتستعيذ به منها ، فإذا استعذت به أعاذك ، وإذا لجأت إليه أم نك ، وإذا سألته الحفظ حفظك ووقاك . وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً مِن الأسباب التي ي عيذ الله تعالى بها عبده ، وبها يحفظه ويقيه ؛ من الشرور والمضار ، وبها يجعله الله تعالى في حِرزه وحِصنه ، وأنا أذكر لك بعضاً منها :

عدد الصفحات ١٢٩

131 1 ـالإكثار من قراءة المعوِّذات : روى النسائي والبزار بسند صحيح ، عن عبد الله بن أ ن ي س رضي الله عنه ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضع يده على صدره ثم قال له : ((قل)) فلم أدر ما أقول ، ثم قال له : ((قل : {قل ه و الله أ ح د } ))ثم قال لي : ((قل : {قل أ ع وذ بِ ر ب ال ف ل قِ } ))حتى فرغت منها ، ثم قال لي : ((قل : {قل أ ع وذ بِ ر ب الن اسِ } ))حتى فرغت منها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((هكذا فتعوّذ ، فما تعوذ المتعو ذين بمثلهن )) . وروى مسلم ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعو ذات ) الحديث . وروى أصحاب (السنن) والطبراني ، عن عبد الله بن حبيب رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((اقرأ { قل ه و الله أ ح د } والمعوذتين حين تصبح وحين تمسي ثلاثاً . تكفيك من كل شيء)) . وهذا كما تقدم قراءتها وراء الصلوات ، وقراءتها للمريض ومسح ما أقبل من جسده، ووراء صلاة الجمعة سبعاً سبعاً ، كما ذكرت ذلك في فضائل { قل ه و الله أ ح د }فارجع إليها تجد التفصيل. 2 ـ قراءة آية الكرسي يحفظ الله تعالى بها الإنسان : روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : وك لني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام ، فأخذت ه فقلت : لأرفعن ك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقال : إني م حتاج ، وعلي عيال ، ولي حاجة شديدة . قال : فخل يت عنه ، فأصبحت فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة)) ؟ . فقلت : يا رسول الله شكا حاجةً شديدة ، وعيالاً ، فرحمته فخل ي ت سبيله . كما في (تيسير الوصول) .

عدد الصفحات ١٣٠

131 قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أما إنّه قد كذبك وسيعود)) . فعرفت أن ه سيعود لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فرصدته فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعن ك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقال : دع ني فإن ي محتاج ، وعلي عيال ، لا أعود . فرحمته فخل ي ت سبيله ، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة)) ؟ . فقلت : يا رسول الله شكا حاجة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أما إنّه قد كذبك وسيعود)) . فرصدت ه الثالثة ، فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعن ك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا آخر ثلاث مرات ؛ إن ك تزعم أن ك لا تعود . فقال : دعني فإني أعل مك كلماتٍ ينفعك الله تعالى بها . قلت : ما هي؟ . قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { الله لا إِل ه إِ لا ه و ال ح يُّ ال ق يُّ وم }حتى تختم الآية، فإن ه لن يزال عليك من الله تعالى حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخل يت سبيله ، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما فعل أسيرك البارحة)) ؟ . فقلت : يا رسول الله زعم أنّه يعل مني كلماتٍ ينفعني الله تعالى بها ـ فخل يت سبيله ؟ . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما هي)) ؟ .

عدد الصفحات ١٣١

132 قلت: قال لي : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ، من أولها حتى تختم الآية { الله لا إِل ه إِ لا ه و ال ح يُّ ال ق يُّ وم }وقال لي: لن يزال عليك حافظ من الله تعالى حتى تصبح ، ولن يقربك شيطان . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((أما إنّه قد صدقك وهو كذوب ، تعلم م ن تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة )) ؟ . قلت : لا . قال : ((ذاك الشيطان)) . وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي ؛ لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)) . 3 ـ قراءة سورة البقرة في البيت تحفظ من الشياطين: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، إنّ الشيطان يفرُّ من البيت الذي ت قرأ فيه سورة البقرة)) رواه مسلم والترمذي . 4 ـ قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة تحفظ من الشياطين : روى الترمذي ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، لا ت قرآن في دارٍ ثلاث مرات فيقربها شيطان)) . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ بالآيتين اللتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه)) . قال في (تيسير الوصول) : أخرجه الخمسة إلا النسائي . أي : ذاك شيطان تمثل بصورة رجل ، وزعم أنّه محتاج . . . إلخ . قال ابن كثير :رواه النسائي وابن حبان في (صحيحه) ، وفي رواية : ((إلا الموت)) . كذا في (التيسير) .

عدد الصفحات ١٣٢

133 وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بينما جبريل عليه السلام قاعداً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ سمع نقيضاً من فوقه ، فرفع رأسه إلى السماء فقال: هذا باب من السماء ف تح اليوم ، لم ي فتح قطُّ إلا اليوم ، فنزل من ملك ، فقال : هذا م ل ك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلاّ اليوم ، فسل م وقال ـ أي : للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أبشر بنورين أ وتيت هما ، لم ي ؤت هما نبيٌّ قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيت ه) . أخرجه مسلم والنسائي كما في (التيسير) . 5 ـ قراءة أول{حم}المؤمن وآية الكرسي فيها الحفظ والوقاية : روى الترمذي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ {حم}المؤمن إلى{إلي هِ ال م صِ ير }وآية الكرسي حين يصبح؛ ح فِظ بهما حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح)) . 6 ـ قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له . . . إلخ ـ عقب صلاة الصبح والمغرب عشر مرات ـ حرز من الشيطان : عن عبد الرحمن بن غ نم رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح : لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، ي حيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ـ عشر مرات : كتب الله له بكل واحدةٍ عشر حسناتٍ ، ومحا عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وكانت له حرزاً من كل مكروه ، وحرزاً من الشيطان الرجيم ، ولم يحل للذنب أن يدركه إلا الشرك ، وكان من أفضل الناس عملاً ؛ إلاّ رجلاً يفضله بقول أفضل مما قال)) . النقيض هو الصوت . انظر (تفسير) ابن كثير و(تيسير الوصول) . أي : لم يلحقه في ذلك اليوم ذنب كما في رواية للطبراني .

عدد الصفحات ١٣٣

134 قال الحافظ المنذري: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح عن شهر بن حوشب ، وعبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته ، وقد ر وي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم . اهـ . وعن أبي ذر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((من قال في د ب ر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجليه قبل أن يتكلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ـ عشر مرات : كتب الله له عشر حسنات ، ومحا عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وكان يومه ذلك كله قد ح رِز من كل مكروه ، وح رس من الشيطان ، ولم ينبغ للذنب أن يدركه في ذلك اليوم ؛ إلا الشرك بالله تعالى)) . قال الحافظ المنذري : رواه الترمذي واللفظ له وقال : حديث حسن غريب صحيح ، والنسائي وزاد فيه : ((بيده الخير)) وزاد فيه أيضاً : ((وكان له بكل واحدة قالها عتق رقبة مؤمنة)) . قال : ورواه النسائي وزاد فيه : ((ومن قالهن حين ينصرف من صلاة العصر أ عطي مثل ذلك في ليلته)) . اهـ . وعن ع مارة بن ش بيب الس بائي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قال : لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ـ عشر مرات على إثر المغرب : بعث الله له م س ل حة ـ أي : ملائكة مسل حين ـ يحفظونه من الشيطان حتى يصبح ، وكتب الله له بها عشر حسنات موجبات ، ومحا عنه عشر سيئات موبقات ، وكانت له بعدل عشر رقبات مؤمنات)) . وروى الطبراني في (الأوسط) بإسناد جيد ، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قال دبر صلاة الغدات ـ أي : الصبح ـ : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله قال المنذري : رواه النسائي ، والترمذي وقال : حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد ، ولا نعرف لعمارة سماعاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ا هـ .

عدد الصفحات ١٣٤

135 الحمد، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ـ مائة مرة قبل أن يثني رجليه : كان يومئذ من أفضل أهل الأرض عملاً ، إلا من قال مثل ما قال ، أو زاد على ما قال)) . 7 ـ قال الإمام البخاري في صحيحه : باب فضل التهليل ، ثم أسند إلى أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((م ن قال : لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ـ في يوم مائة مرة : كانت له ع دل عشر رقاب ، وك تبت له مائة حسنة ، وم حيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزاً من الشيطان يوم ه ذلك حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه)) . 8 ـ روى أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفاً ، وابن السني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قال حين يصبح وحين يمسي : حسبي الله ، لا إله إلاّ هو علي ه توك لت وهو ربُّ العرش العظيم ـ سبع مرات : كفاه الله ما أه م ه من أمر الدنيا والآخرة)) . 9 ـ روى الإمام أحمد بإسناده ، عن معقل بن يسار رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((م ن قال حين يصبح ـ ثلاث مرات : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم قرأ ثلاث آياتٍ من آخر سورة الحشر : وك ل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيداً ، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة)) . وروى ابن م ر د و ي ه ، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من تعو ذ بالله من الشيطان ـ ثلاث مرات ، كما في (ترغيب) المنذري . كذا في (الدر المنثور) وغيره ، ورواية الوقف لها حكم الرفع ، لأن ذلك مما لا مجال للرأي فيه ، كما هو مقرر في علم الحديث . قال ابن كثير : ورواه الترمذي .

عدد الصفحات ١٣٥

136 ثم قرأ آخر سورة الحشر : بعث الله إليه سبعين ألف ملك يطردون عنه شياطين الإنس والجن ، إن كان ليلاً حتى يصبح ، وإن كان نهاراً حتى يمسي)) . 11 ـ روى الدارمي في (سننه) بإسناده ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : (م ن قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم ي دخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح ، وهن : أربع من أولها ، وآية الكرسي آيتان بعدها ، وثلاث خواتيمها أولها : {للهِِ م ا فِ ي الس م او اتِ } . وروى الدارمي أيضاً في(سننه) بإسناد آخر ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : (من قرأ أربع آيات من أول سورة البقرة ، وآية الكرسي ، وآيتين بعدها ، وثلاثاً من آخر سورة البقرة : لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ، ولا ي قرآن على مجنون إلا أفاق) . وروى البيهقي في (شعب الإيمان) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن ه قال : (من قرأ عشر آيات من سورة البقرة أول النهار : لا يقربه شيطان حتى يمسي ، وإن قرأها حين يمسي : لم يقربه حتى يصبح ، ولا يرى شيئاً يكرهه في أهله وماله ، وإن قرأها على مجنون أفاق : أربع آيات من أولها ، وآية الكرسي وآيتان بعدها ، وثلاث آيات من آخرها) . وروى الدارمي في (سننه) عن المغيرة بن سبيع ـ وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ـ قال : (م ن قرأ عشر آيات من سورة البقرة عند منامه لم ينس القرآن : أربع آيات أولها ، وآية الكرسي ، وآيتان بعدها ، وثلاث من آخرها) . ثم قال الدارمي : قال إسحاق ـ يعني : شيخه ـ : لم ينس ما قد حفظه . كذا في (الدر المنثور) . ورواه ابن المنذر والطبراني أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه ، كما في (الدر المنثور) . زاد ابن الضريس في روايته : (ولا شيء يكرهه في أهله ولا ماله ) . كذا في (الدر المنثور) وغيره .

عدد الصفحات ١٣٦

137 ورواه سعيد بن منصور، والبيهقي في (شعب الإيمان) بلفظ : (لم ينس القرآن) . فائدة : أخرج الديلمي ، عن سيدنا علي وابن مسعود رضي الله عنهما مرفوعاً : في قوله تعالى : {لو أ نز ل ن ا ه ذ ا ال ق ر آن ع ل ى ج ب لٍ }إلى آخر السورة قال : ((هي رقية الصُّداع)) أي : آلام الرأس . وأخرجه الخطيب البغدادي في (تاريخه) قال : أنبأنا أبو نعيم الحافظ ، أنبأنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر المقرئ البغدادي ، قال : أنبأنا إدريس بن عبد الكريم الحداد ، قال : قرأت على خلف ، فلما بلغت هذه : {لو أ نز ل ن ا ه ذ ا ال ق ر آن ع ل ى ج ب لٍ }قال: ضع يدك على رأسك ، فإني قرأت على سليم ، فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك ، فإني قرأت على الأعمش فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك ، فإني قرأت على يحيى بن وثاب ، فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك ، فإني قرأت على علقمة والأسود فلما بلغت هذه الآية قالا : ضع يدك على رأسك ، فإنا قرأنا على عبد الله ـ يعني : ابن مسعود رضي الله عنه ـ فلما بلغنا هذه الآية قال : ضعا أيديكما على رؤوسكما ، فإني قرأت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما بلغت هذه الآية قال لي : ((ضع يدك على رأسك ، فإن جبريل لما نزل بها إلي قال لي : ضع يدك على رأسك : فإن ها شفاء من كل داء إلا السام ، والسام الموت)) . 11 ـ الإكثار من ذكر الله تعالى حرز من الشيطان : جاء في الحديث ، عن الحارث الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله تبارك وتعالى أمر يحيى بن زكريا عليهما السلام بخمس كلماتٍ ، أن يعمل بها ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها . كما في (الدر المنثور) . كما في (الدر المنثور) .

عدد الصفحات ١٣٧

138 وإنّه ـ أي: يحيى عليه السلام ـ كأن ه كاد أن يبطئ بها ـ أي : بأمر بني إسرائيل بها ـ . فقال له عيسى عليه السلام : إنّ الله أ مرك بخمس كلمات ، أن تعمل بها ، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، فإم ا أن تأمرهم بها ، وإم ا أن آمرهم أنا بها ؟ . فقال يحيى عليه السلام : أخشى إن سبقتني بها أن ي خسف بي أو أ عذ ب . فجمع ـ أي : يحيى عليه السلام ـ الناس في بيت المقدس ، فامتلأ المسجد وقعدوا على الشُّرف . فقال : إنّ الله أمرني بخمس كلماتٍ ، أن أعمل بهن ، وأن آمركم أن تعملوا بهن : أولهنَّ : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، فإن مثل م ن أشرك بالله : كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو و رِق ، وقال : هذه داري ، وهذا عملي ، فاعمل وأد إلي ، فكان ـ العبد ـ يعمل ويؤد ي إلى غير سيده ، فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك ؟ . وإن الله تعالى أمركم بالصلاة ، فإذا صل يتم فلا تلتفتوا ، فإن الله تعالى ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت . وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك : كمثل رجل في عصابة ـ أي : جماعة ـ معه ص ر ة فيها مسك ، وكل هم يعجبهم ريحها ، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك : كمثل رجل أسره العدوُّ فأوثقوا يديه إلى عنقه ، وقد موه ليضربوا عنقه ، فقال : أنا أفدي نفسي منكم بالقليل والكثير ؛ ففدى نفسه منهم . وأمركم : أن تذكروا الله تعالى ، فإنّ م ث ل ذلك : كمثل رجل خرج العدوُّ في أثره ـ أي : لحقه ـ سراعاً ، حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه

عدد الصفحات ١٣٨

139 منهم، وكذلك العبد لا ي حرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى )) الحديث أخرجه الترمذي وصححه . فذكر الله تعالى حصن حصين ، يحفظ العبد من الشيطان ، لأن الله تعالى له مع من يذكره معي ة خاصة ، ومن كان الله تعالى معه لا يضره شيطان ولا غيره . جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((إنّ الله عز وجل يقول : أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحر كت بي شفتاه )) . قال الحافظ المنذري : رواه ابن ماجه واللفظ له ، وابن حبان في (صحيحه) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأٍ ـ أي : جمع ـ ذكرته في ملأٍ خير منهم ، وإن تقر ب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)) . قال الحافظ المنذري : رواه البخاري ومسلم ، والترمذي والنسائي وابن ماجه ، قال: ورواه أحمد بنحوه بإسنادٍ صحيح ، وزاد في آخره قال قتادة : (والله أسرع بالمغفرة) اهـ . فأك ثر ذكر الله تعالى ، فإن ه الحصن الحصين ، وبه ت صقل مرآة القلب من غبار الغفلات ، فتشرق فيه أنوار الله تعالى . جاء في الحديث ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول : ((إنّ لكل شيء صقالة ، وإن كما في (التيسير) وغيره ، وقال الحافظ المنذري بعدما أورد هذا الحديث برواية ابن خزيمة في (صحيحه) قال : رواه الترمذي والنسائي بعضه ، وابن خزيمة في (صحيحه) واللفظ له ، وابن حبان في (صحيحه) والحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وقال الترمذي : حسن صحيح . اهـ .

عدد الصفحات ١٣٩

141 صقالة القلوبذكر الله تعالى ، وما من شيء أنجى من عذاب الله : من ذكر الله تعالى)) الحديث ، رواه ابن أبي الدنيا ، والبيهقي كما في (ترغيب) المنذري . ذكر الله تعالى يُ حيي القلوب : عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((م ث ل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله : م ث ل الحي والميت)) . قال الحافظ المنذري : رواه البخاري ومسلم إلاّ أنه قال : ((م ث ل البيت الذي ي ذكر الله فيه ، والبيت الذي لا ي ذكر الله فيه : م ث ل الحي والميت)) . بذكر الله تعالى تطمئنُّ القلوب : قال الله تعالى : {الذِ ين آم ن وا و ت ط م ئِ نُّ ق ل وب ه م بِ ذِ ك رِ اللهِ أ لا بِ ذِ ك رِ اللهِ ت ط م ئِ نُّ ال ق ل وب }. أي: هي تطيب وت س رُّ وتسكن ، وهي راضية مستبشرة ، فينبغي للمسلم أن يكثر من ذكر الله تعالى ـ ويسأل الله تعالى أن يعينه على ذلك ـ في كل الأوقات ، وخاصة وراء الصلوات ، فإنّ الدعاء عقب الصلوات مجاب ، كما جاء في الحديث ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :((يا معاذ ، والله إني لأحبُّك ، أوصيك يا معاذ : لا تدعن في د بر كل صلاة أن تقول ـ أي: وراء كل صلاة ـ : اللهم أعن ي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) . عزاه في (الفتح الكبير) إلى الإمام أحمد ، وأبي داود والنسائي وغيرهم . وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال : إنّ آخر كلام فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قلت : أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله تعالى ؟ . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى)) .

عدد الصفحات ١٤٠

141 قال المنذري: رواه ابن أبي الدنيا ، والطبراني واللفظ له ، والبزار إلا أنه قال : ـ أي : قال معاذ ـ يا رسول الله أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله تعالى . الحديث . قال : ورواه ابن حبان في (صحيحه) . اهـ . وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أوصني . قال : ((عليك بتقوى الله تعالى ما استطعت ، واذكر الله تعالى عند كل حجر وشجر، وما ع مِل ت من سوء فأح دِث له توبة ؛ السرُّ بالسر والعلانية بالعلانية)) . قال الحافظ المنذري : رواه الطبراني بإسناد حسن . وبإسناد آخر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أوصني . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((اعبد الله كأن ك تراه ، واعدد نفسك في الموت ى ، واذكر الله عند كل حجرٍ ، وعند كل شجر ، وإذا عملت سيئةً فاعمل بجنبها حسنة : الس ر بالس ر ، والعلانية بالعلانية)) . قال الحافظ المنذري : رواه الطبراني بإسناده ، ورواته ثقات عن أبي سلمة ، عن معاذ رضي الله عنه .اهـ . وإنما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ي ذكر الله تعالى عند كل حجر وشجر؛ ليشهدا له يوم القيامة بذكر الله تعالى . فأكثر من ذكر الله تعالى ما استطعت ، وأكثر من الشهداء على ذلك ، واعلم بأنّ الأرض التي أنت عليها سوف تشهد عليك بما عملت على ظهرها ؛ مِن خير أو شر ، فخذ حِذرك ، واجتنب ما نهاك الله تعالى عنه ، فإنّ الأرض سوف تؤد ي شهادتها كما شاهدت بصدق وأمانة : جاء في الحديث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية : {يو م ئِ ذٍ ت ح د ث أ خ ب ار ه ا }قال: ((أتدرون ما أخبارها))؟.

عدد الصفحات ١٤١

142 قالوا: الله ورسوله أعلم . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((فإنّ أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمةٍ ـ امرأة ـ بما عمل على ظهرها ، تقول ـ أي : الأرض ـ : عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا ، فهذه أخبارها)) . رواه الإمام أحمد ، والترمذي وصححه ، والنسائي وغيرهم كما في (الدر المنثور) وغيره . وأخرج الطبراني ، عن ربيعة الج ر شي رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((ت ح ف ظوا من الأرض ، فإنّها أمُّكم ، وإنه ليس من أحدٍ عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة عنه )) . * * * وصايا وإرشادات نبوية الأولى : احفظ الله يحفظك : عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي : ((يا غلام : إن ي أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده ت جاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله . واعلم أن الأم ة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن ي ض رُّوك بشيءٍ لم ي ضرُّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله تعالى عليك ، ر فعتِ الأقلام وجف ت الصحف)) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي : ((احفظ الله تجده أمامك ، تعر ف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشد ة . واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك . انظر (تفسير) ابن كثير و(الدر المنثور) .

عدد الصفحات ١٤٢

143 واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الف ر ج مع الكرب ، وأنّ مع العسر يسراً )) . الثانية : اغتنم خمساً قبل خمس : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((اغتنم خمساً قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل س قمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك)) . الثالثة : في المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل حدوث الموانع : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((بادروا بالأعمال سبعاً : ما ينظرون إلا فقراً م نسياً ، أو غناً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو ه ر ماً م ف نداً ، أو موتاً م جهزاً ـ أي : سريعاً فجأة ـ ، أو الدج ال فإنه ش رٌّ منتظر ، أو الساعة والساعة أد هى أمرُّ )) عزاه في (الجامع الصغير) إلى الترمذي والحاكم رامزاً لصحته . الرابعة : اتق المحارم : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((م ن يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن ، أو ي علم من يعمل بهن )) . قال أبو هريرة رضي الله عنه : فقلت : أنا . فأخذ بيدي فعد خمساً : كذا في الأربعين النووية . عزاه في (الجامع الصغير) إلى الحاكم والبيهقي ، والإمام أحمد في (الزهد) ، وقال المناوي : قال الزين العراقي : إسناده حسن . قال العلامة المناوي : بمثناة تحتية بخط المصنف ، وفي رواية : ((هل ينظرون)) . أفنده الكبر إذا أوقعه في الفند ، وهو : الكلام المنحرف عن الصحة من الخرف .

عدد الصفحات ١٤٣

144 فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، وأحسِن إلى جارك تكن مؤمناً ، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً ، ولا تكثر من الضحك ؛ فإنّ كثرة الضحك تميت القلب)) . رواه الإمام أحمد والترمذي كما في (الجامع الصغير) وغيره . اللهم يا ذا الملك والملكوت ، والعز ة والجبروت ، والعظمة والكبرياء ، والسلطان والقدرة ، أصلح لنا قلوبنا ، وأعمالنا ، وذرياتنا ، وم ن علينا بالعافية من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة . وصلى الله العظيم ، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسل م ، في كل لمحة ونفس، عدد ما وسعه علم الله العظيم ، وعلينا معهم أجمعين ـ آمين . الخامسة : وصية جامعة : عن أبي ذر رضي الله عنه ، أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له : ((أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس الأمر كله . وعليك بتلاوة القرآن وذكر الله تعالى : فإنه ذكر لك في السماء ، ونور لك في الأرض . وعليك بطول الصمت ؛ إلا في خير : فإنّه مطردة للشيطان عنك ، وعون لك على أمر دينك . وإي اك وكثرة الضحك : فإن ه يميت القلب ، وي ذهب بنور الوجه . عليك بالجهاد فإنّه رهبانية أ متي . أحب المساكين وجالسهم . وانظر إلى من تحتك ، ولا تنظر إلى من فوقك ؛ فإنّه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك . صِل قرابتك وإن قطعوك . قال العلامة المناوي : أي : انظر إلى م ن دونك في الأمور الدنيوية .

عدد الصفحات ١٤٤