المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين بعدها

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٧ من ١٠

97 ساعة من العشاء فخلوهم ، وأغلق بابك واذكر اسم الله ، وأطفىء مصباحك واذكر اسم الله ، وأ و كِ سقاءك واذكر اسم الله ، وخ م ر إناء ك واذكر اسم الله ؛ ولو أ ن تعرض عليه شيئاً ، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً ، وأطفئوا المصابيح فإنّ الفويسقة ربما جر ت الفتيلة فأحرقت أهل البيت)) . قال في (التيسير) : أخرجه الستة إلا النسائي . قال العلامة المناوي : ((ج ن ح الليل)) بضم الجيم وكسرها أي : أقبل بظلامه ، قال الطيبي : ((جنح الليل)) طائفة من الليل ، وأراد به هنا الطائفة الأولى منه ، عند امتداد فحمة العشاء ا هـ أي : عند إقبال ظلمة الليل . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : وفي هذا الحديث جمل من أنواع الخير ، وآداب جامعة : تسمية الله تعالى في كل فعل ، وحركة ، وسكون ، لتحصل السلامة من آفات الدارين . اهـ . ونقل العلامة المناوي عن الإمام القرطبي أنه قال : تضمن هذا الحديث أن الله تعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ما يكون في هذه الأوقات من المضار من جهة الشيطان ، وقد أرشد إلى ما ي تقى به ذلك . فاليبادر الإنسان إلى فعل تلك الأمور ، ذاكراً اسم الله تعالى ، ممتثلاً أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، شاكراً لنعمه ، فمن فعل ذلك لم ي صبه من ذلك ضرر بحول الله وقوته . اهـ . وقد ذكروا أنّ شدة الس حر وعظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار ، فالسحر الليلي عند السحرة هو السحر القوي ، ولهذا كانت القلوب المظلمة هي مجال الشياطين ، وبيوتهم ومرتعهم ، وإن الشياطين لتجول فيها ، أي : اجعل عليه غطاء ولو بسيطاً ، فإن اسم الله تعالى هو يحفظه . أي : لا يفتح باباً مغلقاً ذ كر عليه اسم الله تعالى . هذا بالنسبة للمصباح الذي له فتيلة ، فربما جرّت الفأرة أو نحوها الفتيلة فأحرقت البيت .

عدد الصفحات ٩٧

98 وتتحكم بصاحب القلب المظلم ، كما يتحكم ساكن البيت في البيت ، وكل ما كان القلب أظلم كان للشيطان أطوع ـ والعياذ بالله تعالى . ولا ي خرج الظلمة من القلب إلاّ الإيمان بالله تعالى ، والعمل الصالح المقرب إلى الله تعالى . قال الله تعالى : { الله ولِ يُّ ال ذِ ين آم ن وا ي خ رِ ج ه م م ن الظُّ ل م اتِ إِ ل ى النُّ ورِ و ال ذِ ين ك ف ر وا أ و لِ ي اؤ ه م الط اغ وت ي خ رِ ج ون ه م م ن النُّ ورِ إِ ل ى الظُّ ل م اتِ أ و ل ئِ ك أ ص ح اب الن ارِ ه م فِ يه ا خ الِ د ون }. وقال الله تعالى: {أف م ن ش ر ح الله ص د ر ه لِ لإ ِ س لا مِ ف ه و ع ل ى ن ورٍ م ن ر ب هِ } . وقال تعالى: {أو م ن ك ان م ي تاً ف أ ح ي ي ن اه }ـ أي: بالإيمان ـ {وج ع ل ن ا ل ه ن وراً ي م شِ ي بِ هِ فِ ي الن اسِ ك م ن م ث ل ه فِ ي الظُّ ل م اتِ ل ي س بِ خ ارِ جٍ م ن ه ا ك ذ لِ ك ز ي ن لِ ل ك افِ رِ ين م ا ك ان وا ي ع م ل ون }. وقد ضرب الله تعالى مثل إيمان المؤمن في قلبه فقال سبحانه: { * الله نور الس م او اتِ و الأ ر ضِ م ث ل ن ورِ هِ }ـ أي: في قلب عبده المؤمن ـ {كمِ ش ك اةٍ فِ يه ا مِ ص ب اح ال مِ ص ب اح فِ ي ز ج اج ةٍ الزُّج اج ة ك أ ن ه ا ك و ك ب د ر يٌّ ي وق د مِ ن ش ج ر ةٍ مُّ ب ار ك ةٍ ز ي ت ون ةٍ لا ش ر قِ ي ةٍ و لا غ ر بِ ي ةٍ ي ك اد ز ي ت ه ا ي ضِ يء و ل و ل م ت م س س ه ن ار نُّ ور ع ل ى ن ورٍ ي ه دِ ي الله لِ ن ورِ هِ م ن ي ش اء و ي ض رِ ب الله الأ م ث ال لِ لن اسِ و الله بِ ك ل ش ي ءٍ ع لِ يم }. وقد فصلت الكلام على هذه الآية في كثير من كتبي فارجع إليها. روى الإمام أحمد بإسناده الجيد ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج ي زهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح . فأما القلب الأجرد : فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ـ أي : نور الإيمان ـ . وأما القلب الأغلف : فقلب الكافر .

عدد الصفحات ٩٨

99 وأما القلبالمنكوس : فقلب المنافق ، ع ر ف ثم أنكر . وأما القلب المصفح : فقلب فيه إيمان ونفاق . ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدُّ ها الماء الطيب . ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح ، فأيُّ المدتين ـ أي : المادتين ـ غلبت على الأخرى غلبت عليه)) أي : على القلب . قوله تعالى : {ومِ ن ش ر الن ف اث اتِ فِ ي ال ع ق دِ } في هذه الآية الكريمة تعوذ من شر النفوس الساحرة ، اللاتي يعقدن عقداً في خيوط، وينفثن عليها ، فالنفاثات وصف للنفوس الساحرة ، سواء كان أصحابها ذكوراً أو إناثاً ، فتشمل الساحرين والساحرات . والنفث عند أكثر العلماء هو النفخ مع شيء من الريق ، فإنّ هم إذا سحروا استعانوا على تأثير فعلهم بتكيُّ ف نفوسهم بالخ بث والشر الذي يريدونه بالمسحور ، ويستعينون على ذلك بالأرواح الخبيثة ، ثم ينفثون في الع قد ن ف ثاً ممزوجاً بالشر والأذى ـ نعوذ بالله العظيم من ذلك . وقد بين الله تعالى أن للسحر ت أثيراً في ضرر المسحور ، ولكن السحرة ما هم بضار ين بسحرهم أحداً إلا بإذن الله تعالى . قال الله تعالى ـ في اليهود ـ : ـ القلب الأجرد هو الذي ليس فيه غِلٌّ ولا غش ، فهو على أصل الفطرة ، فنور الإيمان فيه يزهر . ـ القلب الأغلف هو الذي عليه غشاء عن سماع الحق وقبوله . ـ المنكوس : هو القلب المقلوب . ـ المصفح : هو الذي له وجهان يلقى أهل الكفر بوجه ، وأهل الإيمان بوجه ـ كما في (النهاية) .

عدد الصفحات ٩٩

111 {وات ب ع وا م ا ت ت ل وا الش ي اطِ ين ع ل ى م ل كِ س ل ي م ان و م ا ك ف ر س ل ي م ان و ل كِ ن الش ي اطِ ين ك ف ر وا ي ع ل م ون الن اس الس ح ر و م ا أ نزِ ل ع ل ى ال م ل ك ي نِ بِ ب ابِ ل ه ار وت و م ار وت و م ا ي ع ل م انِ مِ ن أ ح دٍ ح ت ى ي ق ولا إِ ن م ا ن ح ن فِ ت ن ة ف لا ت ك ف ر ف ي ت ع ل م ون مِ ن ه م ا م ا ي ف ر ق ون بِ هِ ب ي ن ال م ر ءِ و ز و جِ هِ و م ا ه م بِ ض ار ين بِ هِ مِ ن أ ح دٍ إِ لا بِ إِ ذ نِ اللهِ }الآية. فأثبت الله تعالى أنّ للسحر تأثيراً ، حتى في التفريق بين المرء وزوجه ؛ إلى غير ذلك . ولكن الكلّ بإذن الله تعالى وقدرته . والسحر يعتبر في الشرع من الكبائر الموبقة المهلكة ، و م نِ استحله فقد كفر . جاء في الحديث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((اجتنبوا السبع الموبقات)) . قالوا : يا رسول الله وما هن ؟ . قال : ((الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والت ولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) متفق عليه . وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ليس منا من ت ط ي ر أو ت طي ر له ، أو ت ك ه ن أو ت ك ه ن له ، أو س حر أو س حر له ، ومن أتى كاهناً ف ص د ق ه بما يقول ؛ فقد كفر بما أ نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم)) . والأصل في ذلك أن هم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا فعل أمر يأتي أحدهم إلى طائر فيطيره ، فإن طار يميناً استبشر خيراً وفعل الأمر ، وإن طار شمالاً تشاءم وترك الأمر ، فرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك الجهالات ، وأرشد إلى دعاء الاستخارة كما ذكرت ذلك في كتاب (الدعاء) . رواه البزار بإسناد جيد ، فالتطير ـ أي : التشاؤم ـ حرام .

عدد الصفحات ١٠٠

111 فالساحر والذي يأتيه ليسحر الناس كل ذلك من الكبائر المهلكة ، واستحلال ذلك كفر. قال الحافظ المنذري في (الترهيب) : روى ابن حبان في (صحيحه) حديث أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده ، في كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كتبه إلى أهل اليمن ، في الفرائض والسنن والد ي ات والزكاة ، فذكر فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة : الإشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، والفرار يوم الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلم السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم)) الحديث . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((من أتى كاهناً فصد قه بما قال فقد كفر بما أ نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم)) . قال الحافظ المنذري : رواه البزار بإسناد جيد قوي . وقال : الكاهن هو الذي ي خبر عن بعض المضمرات ، فيصيب بعضها ، ويخطىء أكثرها ، ويزعم أنّ الجن تخبره بذلك . اهـ . وعن صفية بنت أبي عبيد ، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((من أتى عرّ افاً فسأله عن شيء فصد قه لم تقبل منه صلاة أربعين يوماً )) رواه مسلم . فينبغي للمؤمن أن يتحصن من المؤذيات والأضرار ، بالإكثار من قراءة المعوذات، وفيها التعوذ من شر النفاثات في العقد ، وفيها التعوذ من جميع شرور المخلوقات التي لها شر ، وكفى بكلام الله تعالى حِ صناً حصيناً ، وحرزاً منيعاً . قال المنذري : العر اف : بفتح العين المهملة وتشديد الراء كالكاهن ، وقيل : هو الساحر . اهـ .

عدد الصفحات ١٠١

112 وأضف إلى ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التعاويذ النبوية، فإنّ لها قوة وتأثيراً ، وإنها تعاويذ م ن لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم . فافهم . وروى الطبراني ، عن سعيد بن جبير قال : كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : (اللهم إن ي أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض ؛ أ ن تجعلني في حِ رزك وحفظك وجوارك وتحت كنفك) . قوله تعالى : {ومِ ن ش ر ح اسِ دٍ إِ ذ ا ح س د } قر ن الله تعالى بين التعوذ من الساحر ، والتعوذ من الحاسد لعظيم خطرهما ، وشِ د ة ضررهما ، ولكثرة وقوعهما بين الناس . والحسد هو حرام ، وي ع دُّ من الكبائر ، وهو : تمني زوال النعمة عن المحسود وصيرورتها إليه ، وهذا قبيح وحرام ، وأقبح منه تمني زوال النعمة عن المحسود ولو لم تصر إلى الحاسد ، فهو يتمنى هلاك تلك النعمة ؛ وهذا أقبح من الأول . وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن الحسد ، وحذ رهم منه ، وبي ن أنّ صفة الحسد لها ضرر على دين المسلم ، وعلى أعماله التعبدية ، وعلى حسناته ، وجاء ذلك التحذير على وجوه : أولاً : النهي عن التحاسد : فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((إياكم والظن ؛ فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحس سوا ، ولا تجسّ سوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله تعالى ، المسلم أخو المسلم : لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى ههنا ، التقوى ههنا ، التقوى ههنا ، ـ وأشار إلى صدره صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحسب امرىءٍ مِ ن الش ر أن يحقر أخاه المسلم ، كلُّ المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله)) .

عدد الصفحات ١٠٢

113 قال الحافظ المنذري: رواه مالك والبخاري ومسلم واللفظ له . وروى الترمذي وأحمد ، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((د ب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء وهي الحالقة ، أما إني لا أقول تحلق الشعر ؛ ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابُّ وا ، ألا أدلكم على ما تحابُّ ون به : أفشوا السلام بينكم)) . ثانياً : ضرر الحسد على إيمان الحاسد : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((لا يجتمع في جوف عبدٍ مؤمن : غبار في سبيل الله وفيح جهنم ، ولا يجتمع في جوف عبد : الإيمان والحسد)) . قال في (الترهيب) : رواه ابن حبان في (صحيحه) ومن طريقه البيهقي . ثالثاً : ضرر الحسد على حسنات الحاسد وقرباته : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((إياكم والحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) أو قال : ((العشب)) . قال الحافظ المنذري : رواه أبو داود ، والبيهقي ، ورواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما ، من حديث أنس رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما ي طفئ الماء النار ، والصلاة نور المؤمن ، والصيام ج ن ة ـ أي : وقاية ـ من النار)) . رابعاً : التحاسد بين المسلمين يفتح عليهم أبواب الشر والفساد : عن ضمرة بن ثعلبة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا)) رواه الطبراني ورواته ثقات . خامساً : بَ رِ ئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذي حسد :

عدد الصفحات ١٠٣

114 عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ه قال : ((ليس مني ذو حسد ، ولا نميمة ، ولا كهانة ، ولا أنا منه)) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : {وال ذِ ين ي ؤ ذ ون ال م ؤ مِ نِ ين و ال م ؤ مِ ن اتِ بِ غ ي رِ م ا اك ت س ب وا ف ق دِ اح ت م ل وا ب ه ت اناً و إِ ث ماً مُّ بِ يناً }رواه الطبراني . سادساً : الحاسد لا ينال رتبة الولاية ولا مقام المقربين : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قيل يا رسول الله : أيُّ الناس أفضل؟ . قال : ((كلُّ مخموم القلب ، صدوق اللسان)) . قالوا : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب؟ . قال : ((هو الت قي الن قِ يُّ ، لا إثم فيه ، ولا ب غي ، ولا غِ ل ولا حسد)) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح ، والبيهقي وغيره . وعن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن ب د لاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة ؛ ولكن دخولها برحمة الله تعالى ، وسخاوة الأنفس ، وسلامة الصدور)) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب (الأولياء) مرسلاً . سابعاً : من علامات أهل الجنة سلامة نفوسهم من الغشِّ والحسد : عن أنس رضي الله عنه قال : كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ((يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة)) . فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته مِ ن وضوئه ، قد عل ق نعليه بيده الشمال . فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك ؛ فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل مقالته أيضاً ، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول .

عدد الصفحات ١٠٤

115 فلما قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تبعه عبد الله بن عمرو ـ أي : تبع ذلك الرجل المبش ر بالجنة ـ فقال له عبد الله : إني لاحيت ـ أي : جادلت وخاصمت ـ أبي، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً ، فإن رأيت أن ت ؤويني إليك حتى تمضي فعلت؟ . قال : نعم ـ أي : يبيت عنده ثلاث ليال ـ . قال أنس رضي الله عنه : فكان عبد الله ي حدث أنّ ه بات معه تلك الثلاث الليالي ، فلم يره يقوم من الليل شيئاً ، غير أن ه إذا تعار ـ أي : استيقظ ـ تقلب على فراشه : ذكر الله عز وجل وك ب ر حتى لصلاة الفجر . قال عبد الله : غير أني ل م أسمعه يقول إلاّ خيراً ، فلما مضت الثلاث الليالي ، وكدت أن أحتقر عمله ، قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لك ثلاث مرات : ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)) فطلعت أنت الثلاث المرات ، فأردت أن آوي إليك ، فأنظر ما عملك فأقتدي بك ، فلم أرك عملت كبير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ . فقال : ما هو إلا ما رأيت . قال عبد الله : فلما ول يت ، دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت ، غير أني لا أجد في نفسي لأحدٍ من المسلمين غش اً ، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله تعالى إياه . فقال عبد الله : هذه التي بلغت بك ـ أي : أدخلتك الجنة ـ . قال الحافظ المنذري : رواه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم والنسائي، ثم قال : ورواه البيهقي أيضاً ، عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال : (كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ((ليطلعن عليكم رجل من هذا الباب من أهل الجنة)) . فجاء سعد بن مالك فدخل منه) قال البيهقي : فذكر الحديث :

عدد الصفحات ١٠٥

116 قال: فقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : ما أنا أنتهي حتى أ بايت هذا ـ أي : أبيت مع هذا ـ الرجل فأنظر عمله . قال : فذكر الحديث في دخوله عليه قال : فناولني عباءة فاضطجعت عليها قريباً منه، وجعلت أرقبه ـ يعني ليل ه ـ كل ما تعار ـ استيقظ أثناء نومه ـ سب ح وكّب ر وهل ل ، وحمد الله تعالى ، حتى إذا كان في وجه الس ح ر قام فتوضأ ثم دخل المسجد ، فصلى اثنتي عشرة ركعة باثنتي عشرة سورةً من المفص ل ، ليس من طواله ، ولا من قصاره ، يدعو في كل ركعتين بعد التشهد بثلاث دعوات يقول : اللهم : { ر ب ن ا آتِن ا فِي الدُّن ي ا ح س ن ةً و فِي الآ خِر ةِ ح س ن ةً و قِن ا ع ذ اب الن ارِ }. اللهم اكفنا ما أهم نا من أمر آخرتنا ودنيانا. اللهم إني أسألك من الخير كله ، وأعوذ بك من الشر كله . حتى إذا فرغ قال : فذكر الحديث واستقلاله عمله ، وعوده إليه ثلاثاً إلى أن قال : فقال : ـ أي : سعد ـ آخذ مضجعي وليس في قلبي غِم ر على أحد ـ والغِمر : بكسر الغين المعجمة وسكون الميم هو الحقد ـ . فسلامة القلب من الحسد والغش والحقد هي من علامات أهل الجنة ، وهي من الصفات المقربة إلى الله تعالى ، وصاحب القلب السليم هو من المفلحين ، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك . فعن أبي ذر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((قد أفلح من أخل ص قلب ه للإيمان ، وج عل قلبه سليماً ، ولسانه صدوقاً ، ونفسه مطمئنة ، وخليقته مستقيمة)) الحديث رواه الإمام أحمد والبيهقي . قال الله تعالى : { ي و م لا ي نف ع م ال و لا ب ن ون * إِ لا م ن أ ت ى الله بِق ل بٍ س لِيمٍ * } .اللهم اجعلنا منهم. وقوله تعالى : {و مِن ش ر ح اسِدٍ إِذ ا ح س د }. فهذا الحسد الذي أمر الله تعالى بالاستعاذة منه، وهو تمني الحاسد زوال نعمة الله تعالى عن ذلك المحسود الم ن ع م عليه ، سواء تمنى أن تصير

عدد الصفحات ١٠٦

117 النعمة ـ التي عند المحسود ـ إليه أو لا ؛ فهذا كله مذموم شرعاً ، وهو من المحرمات الكبيرة ، قال تعالى : {أم ي ح س د ون الن اس ع ل ى م ا آت اه م الله مِ ن ف ض لِ هِ }الآية. ففي هذا الحسد اعتراض على الله تعالى في عطائه وقضائه ، ولسان حال الحاسد يقول : إن الله تعالى أنعم على من لا يستحق ـ ونعوذ بالله تعالى ـ فهو ساخط غير راضٍ عن الله تعالى ، ولا على المنع م عليهم من عباد الله تعالى . وأما حسد الغبطة وهو : أن تتمنى أن ي عطيك الله تعالى مثل ما أعطى ذلك الرجل المنعم عليه ، مع بقاء تلك النعمة عليه ، فهذا ي سمى : بحسد الغبطة ، ويسمى الغبطة؛ فهذا غير مذموم . وحقيقة الغبطة : أن تتمنى أن يكون لك مثل ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ، مع بقاء الخير والنعمة عليه ، وهذا مباح في المباحات الشرعية ، ومحبوب ومرغوب في العبادات والتقربات ، وفعل الخيرات ، وفي جميع ما ي رضي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وأرشد إليه : فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا حسد ـ أي : لا حسد غبطة ـ إلا في اثنتين : رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعل مها ، ورجل آتاه الله مالاً ف س ل طه على هلكته في الحق)) أخرجه الشيخان . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ((لا حسد إلاّ في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) أخرجه الشيخان والترمذي. فالمراد بالحسد في هذين الحديثين حسد الغبطة ، وقد ترجم البخاري على ذلك بقوله: باب الاغتباط في العلم والحكمة . ا هـ .

عدد الصفحات ١٠٧

118 واعلم أن من تمنى أن يعطيه الله تعالى من النعم التي ت ق ر ب إلى الله تعالى ، وترضيه ، كما أنعم على بعض عباده المؤمنين ، ونوى نيةً صادقة أن لو كان عنده مثل ما عند أخيه المسلم من النعمة ، التي ينفع بها عباد الله تعالى ، ويتقرب بها إلى الله تعالى ؛ إذا صدق بنيته حقاً ، ولم يحصل على ذلك ؛ فإن الله تعالى يؤتيه مثل أجر ذلك المغبوط تماماً ، كما جاء في الحديث عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه ، أنّ ه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ((ثلاث أ قسم عليهن ، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه)) . قال : ((ما نقص مال من صدقة ، ولا ظ لم عبد مظلمة فصبر عليها إلاّ زاده الله بها عز اً ، ولا فتح عبد باب مسألة إلاّ فتح الله عليه باب فقر)) . أو قال : ((وما تواضع عبد لله تعالى إلا رفعه الله تعالى . وأحدثكم حديثاً فاحفظوه)): قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنّ ما الدنيا لأربعة ن ف ر : عبد رزقه الله تعالى مالاً وعلماً ، فهو يتقي فيه ربه ، ويصل رحمه ، وي علم أنّ لله فيه حقاً . فهذا بأفضل المنازل . وعبد رزقه الله تعالى علماً ولم يرزقه مالاً ، فهو صادق النية يقول : لو أنّ لي مالاً لعملت بعمل فلان)) ـ أي : أتصدق مثله وأعمل الخيرات والمبر ات مثله ـ . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((فهو بنيته وأجرهما سواء . وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً ، فهو يخبط في ماله بغير علم : لا يتقي فيه ربه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعلم لله فيه حقاً . فهذا بأخبث المنازل . وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان)) ـ أي : مثل الذي يخبط في ماله ، ويصرفه في طرق المحرمات ، ولا يؤدي حقوقه الشرعية . أي : يسأل الناس مالاً من غير ضرورة إلى ذلك .

عدد الصفحات ١٠٨

119 قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((فهو بنيته ووزرهما سواء)) . روه الترمذي وأحمد وغيرهما . ومن ذلك الحديث يعلم المسلم تأثير النية الصادقة في الخير والشر ، والثواب والعقاب . وعن أنس رضي الله عنه قال : رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ((إن أقواماً خ ل فنا بالمدينة ، ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا ، حبسهم العذر)) . قال الحافظ المنذري : رواه البخاري ، وأبو داود ولفظه : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((لقد ترك ت م بالمدينة أقواماً ، ما سرت م مسيراً ، ولا أنفقتم من نفقة ، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم)) . قالوا : يا رسول الله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ ! ! . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((حبسهم المرض)) . أي : فلهم الثواب معكم جملة وتفصيلاً ؛ بنياتهم الصادقة الجازمة ، بحيث لولا العذر يمنعهم من الخروج لخرجوا معكم . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه ، يبلغ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((م ن أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل ، فغلبته عيناه حتى أصبح ك تِ ب له ما نوى ، وكان نومه صدقة عليه من ربه)) قال الحافظ المنذري : رواه النسائي وابن ماجه بإسناد جيد ، ورواه ابن حبان في (صحيحه) . اهـ . قوله تعالى : {ومِ ن ش ر ح اسِ دٍ إِ ذ ا ح س د } أي: منعهم عن الذهاب إلى غزوة تبوك عذرهم : بمرض أو تمريض ، وقيام بشأن المريض ونحو ذلك ، فلهم الثواب بنياتهم ، ولولا العذر لخرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

عدد الصفحات ١٠٩

111 يدخل تحت هذا التعوذ من عين العائن، فإنه قد يؤذي بنظره بعين حسده أذىً فاحشاً؛ ما لم يكن هناك تعوذ أو تحصُّ ن بالله تعالى ، وفي الحديث الصحيح كما سيأتي ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يعو ذ الحسن والحسين فيقول : ((أعيذكما بكلمات الله التام ة ، من كل شيطان وهام ة ، ومِ ن كل عين لام ة)) . وإنّ ما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن ، لأن الحاسد أعمُّ ، فكل عائن حاسد ، وليس كل حاسد عائناً ، فإذا استعاذ الإنسان من شر الحاسد دخل في تعوذ العائن أيضاً . والعين اللام ة هي المصيبة بالإذى للمنظور إليه . قال العلماء : العائن والحاسد يشتركان في أن كلاً منهما تتكي ف نفسه وتتوج ه نحو م ن تريد أذاه . غير أن العائن تتكيف نفسه بالإذى ؛ عند مقابلة العين والمعاينة ، وأما الحاسد فيحصل حسده في حال الغ ي بة عن المحسود ؛ وفي حال الحضور . وأيضاً فإنّ العائن قد يعين م ن لا ي حس د ، فإنه قد يؤذي بعينه مالاً أو حيواناً ، أو زرعاً ، أو نحو ذلك ، وإن كان لا ينفك من حسد صاحبه . قال العلامة القرطبي في (تفسيره) : واجب عل كل مسلم أعجبه شيء أن ي بر ك ، فإن ه إذا دعى بالبركة ـ أي : للمنظور ـ ص رف المحذور لا محالة ، ألا ترى قوله عليه الصلاة والسلام لعامر : ((ألا ب ر ك ت)) ـ أي : ب ر ك ت على المنظور ـ كما سيأتي حديثه . قال القرطبي : فدل هذا الحديث : على أن العين لا تضرُّ ، ولا تعدو ـ أي : لا يتعدى أذاها ـ إذا بر ك العائن ، وأنها إن ما تعدو ـ أي : تؤذي ـ إذا لم يبر ك . قال : والتبريك أن يقول العائن : تبارك الله أحسن الخالقين ، اللهم بارك فيه . اهـ . ويقول أيضاً : بسم الله ، ما شاء الله ، لا قوة إلاّ بالله .

عدد الصفحات ١١٠

111 وقد أجمع أهل السنة على أنَّ العين حق , ولها تأثير في الواقع , دلَّ على ذلك الكتاب والسنة : أما الكتاب : فقد قال الله تعالى مخبراً عن وصية يعقوب عليه السلام لأولاده ـ توقياً من شر عين الناظر إليهم ـ : {وق ال ي ا ب نِ ي لا ت د خ ل وا مِ ن ب ابٍ و احِ دٍ و اد خ ل وا مِ ن أ ب و ابٍ مُّ ت ف ر ق ةٍ و م ا أ غ نِ ي ع نك م م ن اللهِ مِ ن ش ي ءٍ إِ نِ ال ح ك م إِ لا للهِِ ع ل ي هِ ت و ك ل ت و ع ل ي هِ ف ل ي ت و ك لِ ال م ت و ك ل ون }. وبيان ذلك: أنه لما عزم أولاد يعقوب عليه السلام على الخروج إلى مصر ، خشي عليهم العين ، فأمرهم أن لا يدخلوا مصر من باب واحد ، وكانت مصر لها أربعة أبواب ، وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلاً ، أولاد رجل واحد ، وهو يعقوب عليه السلام ، وهم أخوة يوسف عليهم السلام ، وكانوا أهل جمال وكمال وبسطةٍ ، فأمرهم أن لا يدخلوا من باب واحد تحرزاً من العين ، مع التوكل على الله تعالى . فإنّ الأمر كلّه بيد الله تعالى . وفي هذا دليل : على الأخذ بالسبب في الأمور مع التوكل على الله تعالى ، فإن الأسباب هي أسباب ما لها تأثير من ذاتها ، وإنّما الفع ال المؤثر هو الله تعالى وحده، وفي ذلك دليل على أنّ العين حقٌّ ، ولا تأثير لها إلا بإذن الله تعالى . وقال الله تعالى : {وإِ ن ي ك اد ال ذِ ين ك ف ر وا ل ي ز لِ ق ون ك بِ أ ب ص ارِ هِ م ل م ا س مِ ع وا الذ ك ر }الآية. فكان الكف ار ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظر حاسد ، شديد العداوة والبغضاء ، فهو نظر يكاد ي زلقه صلى الله عليه وآله وسلم ـ أي : يلقيه على الأرض ـ ولكن الله تعالى ح فِظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعصمه ، وكف شر هم عنه ، فإن رسول الله ت عالى محفوظ بحفظ الذي أرسله وهو الله جل وعلا . انظر تفسير القرطبي رحمه الله تعالى .

عدد الصفحات ١١١

112 وفي هذا دليل تأثير عين الحاسد الحاقد المبغض. كما أنّ العين قد ت ؤثر بسبب شدة إعجاب الناظر ، وقوّة استعظامه واستحسانه للمنظور إليه . كما سيتضح لك . وأما الأحاديث النبوية الدالة على تأثير العين : فقد روى الشيخان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((العين حقٌّ )) أي : لها تأثير واقع . وروى مسلم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر سبقت ه العين ، وإذا است غسلتم فاغتسلوا)) . ففي هذا الحديث دليل على تأثير عين العائن ، وفيه إرشاد إلى معالجة المصاب بالعين ، وذلك بأن يغتسل العائن ، ثم ي صبُّ ماء غسله ، فيغسل المعين ـ فيبرأ بإذن الله تعالى . روى الإمام مالك وغيره ، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، أن ه سمع أباه يقول : اغتسل أبي سهل رضي الله عنه بالخر ار ـ موضع قرب الجحفة ـ فنزع جبةً كانت عليه ، وعامر بن ربيعة ينظر إليه ـ وكان سهل شديد البياض ، حسن الجلد ـ . فقال عامر : ما رأيت كاليوم ولا جلد مخب أة عذراء . ف و عِك سهل مكانه ، فاشتد وعكه ، ف أ خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل له : ما ي رفع سهل رأسه ـ أي : من شدة وعكه ـ وكان سهل قد اكتتب في جيش. فقالوا : هو غير رائح معك يا رسول الله ، والله ما يرفع رأسه ـ أي : من وجعه ـ . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((هل تتهمون به أحداً )) . المخبأة الشابة المستترة في خدرها ، والعذراء هي البكر .

عدد الصفحات ١١٢