المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين بعدها

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٥ من ١٠

65 أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تناد وا هلمُّ وا إلى حاجتكم ، فيحفُّ ونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا . فيسألهم ربُّ هم وهو أعلم بهم : ما يقول عبادي ؟ . فيقولون : ي سبحونك ، وي كبرونك ، وي حمدون ك ، ويمجدونك . قال : فيقول : هل رأوني ؟ . فيقولون : لا يا رب ما رأوك . فيقول : كيف لو رأوني ؟ . فيقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة ، وأشد لك تمجيداً ، وأكثر لك تسبيحاً . قال : فيقول سبحانه : ما يسألون ؟. فيقولون : يسألونك الجنة . فيقول : هل رأوها ؟ . فيقولون : لا يا رب ما رأوها . فيقول : كيف لو رأوها ؟ . فيقولون : لو رأوها كانوا أشد عليها حرصاً ، وأشد لها طلباً ، وأعظم فيها رغبة . قال : فمم يتعوذون ؟ . فيقولون : يتعوذون من النار . فيقول : هل رأوها ؟ . فيقولون : لا يا رب ما رأوها . فيقول : كيف لو رأوها ؟ .

عدد الصفحات ٦٥

66 فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً ، وأشد لها مخافة . قال : فيقول : أ شهدكم أ ن ي قد غفرت لهم . قال : فيقول ملك منهم : فيهم فلان عبد خ طّ اء ليس منهم ، إنما م ر لحاجةٍ فجلس . فيقول ج ل وعلا : وله قد غفرت ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) . وإنما سألوا الله تعالى الجنة مع أ نّ الله تعالى هو ي ع ب د لذاته ولو لم يخلق جنةً ولا ناراً ، لأنه هو الإله الحق ، المعبود لذاته ، وح ق له أن يعبد لذاته سبحانه ، ولكن سألوا الله تعالى الجن ة لأن فيها أ نواعاً من النعيم والفضل والتكريم الإلهي : ففيها تجلياته الرضوانية المتواليه ، وفيها تسليماته ، وتحياته المتواصلة على أهل الجنة ، وفيها تجلياته بالرؤية العيانية لأهل الجنة ، وفيها مكالمته ومحاضرته لأهل الجنة ، وفيها المرافقة لسيد العالمين ، فخر الكائنات ، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمرافقة لسائر الأنبياء والمرسلين ـ على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ؛ وحسن أولئك رفيقاً . كما سيتضح ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى . وفيها من النعيم ما لا عين رأت ، ولا أ ذن س مِ ع ت ، ولا خطر على قلب بشر . ففيها أ ل وان من الف ض ل والجود والكرم الإلهي . ولذلك دعا الله تعالى إليها عباده ، ليكرمهم بذلك ، فهي دار الكرامة الإلهية ، وأمرهم بالمسارعة إليها ، وأمرهم بالمسابقة إليها ، وأمرهم بالمنافسة عليها ، ووعدهم بها ، ووصفها لهم ، وشو قهم إليها . أي : في ذلك الجمع عبد كثير الخطأ ليس منهم ، إنما م ر لحاجة له . قال في (تيسير الوصول) : أخرجه الشيخان والترمذي ، قلت : وقد ذكرت روايات هذا الحديث في بعض كتبي فارجع إليه .

عدد الصفحات ٦٦

67 فشأن المؤمن أ ن يعبد الله تعالى لذاته ، لأ ن العبادة هي ح قٌّ ذاتي لله تعالى على عباده ، وم ع ذلك ي ر غ ب فِي م ا رغ به الله تعالى فيه ، وي ر ه ب مِم ا خوفه الله منه ، ي ف عل ذلك ك ل ه ح باً في الله تعالى ، وتقرُّباً إليه ، وإرضاءً له سبحانه ، وابتغاء مرضاته . ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتقدم عن أهل ذكر الله تعالى : أنّهم يسألون الله الجنة ، ويتعوذون به من النار . جاء في (الصحيحين) وغيرهما ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الدابة . فقال لي : ((يا معاذ)) . قلت : لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثم سكت ساعة ثم قال : ((يا معاذ)) . قلت : لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثم سكت ساعة ثم قال : ((يا معاذ بن جبل)) . قلت : لبيك وسعديك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال : ((أ ت دري ما ح قُّ الله على عباده )) ؟ . قلت : الله ورسوله أعلم . قال : ((حقُّ الله على عباده أ ن ي ع ب دوه ولا ي شركوا به شيئاً )) . ثم قال : ((يا معاذ)) . قلت : لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال : ((أتدري ما حق العباد على الله إذا ع ب دوه ولم ي شركوا به شيئاً )) ؟ . قلت : الله ورسوله أعلم . قال : ((حق العباد على الله إذا عبدوه ولم ي شركوا بِهِ شيئاً أ ن لا ي ع ذ ب هم )) .

عدد الصفحات ٦٧

68 فلله تعالى على عباده حق ذاتي أ ن يعبدوه ، لأن ه ربُّ ه م ، وكلهم عباده ، وقد ح ق سبحانه على نفسه فضلاً منه وكرماً أ ن لا يعذبهم إذا عبدوه ، وأ ن ي دخلهم الجنة . وقد فصلت الكلام على ذلك في كتاب (التقرب) فارجع إليه ينفعك الله تعالى به . قال تعالى : { إِن ال م ت قِ ين فِ ي م ق امٍ أ مِ ينٍ * فِ ي ج ن اتٍ و ع ي ونٍ * ي ل ب س ون مِ ن س ند سٍ و إِ س ت ب ر قٍ مُّ ت ق ابِ لِ ين * ك ذ لِ ك و ز و ج ن اه م بِ ح ورٍ عِ ينٍ * ي د ع ون فِ يه ا بِ ك ل ف اكِ ه ةٍ آمِ نِ ين * لا ي ذ وق ون فِ يه ا ال م و ت إِ لا ال م و ت ة الأ ول ى و و ق اه م ع ذ اب ال ج حِ يمِ * ف ض لاً م ن ر ب ك ذ لِ ك ه و ال ف و ز ال ع ظِ يم }. اللهم إنّا نسألك من فضلك العظيم . ول م ا كانت الجنة فيها ألوان من النعيم ، وفيها ت حِ ي ات رب العالمين لأهل الجنة على وجه التوالي ، وفيها تجلياته الرضوانية على أهل الجنة ، وفيها تجلياته بالرؤية على أهل الجنة ؛ على حسب مراتبهم ومقاماتهم ومنازلهم ، وفيها مكالمته لأهل الجنة ، وفيها سماع القرآن الكريم من رب العزة جل وعلا . وفيها المرافقة لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وسائر النبيين والصديقين ، والشهداء والصالحين . وفيها ما لا عين رأت ، ولا أ ذ ن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وفيها وفيها . لذلك دعا الله تعالى عباده إليها ، وأمرهم بالمسارعة إليها ، وأمرهم بالمسابقة إليها أيضاً ، وأمرهم بالمنافسة عليها . كما سيتضح إن شاء الله تعالى . اللهم إنّ ا نسألك : إيماناً لا ي رت دُّ ، ون عيماً لا ينفد ، وق ر ة عينٍ لا ت ن قطع ، ومرافقة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أعلى الجن ة جنة

عدد الصفحات ٦٨

69 الخلد، وصلى الله العظيم ، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، في كل وقت وحين ، عدد ما وسعه علم الله تعالى رب العالمين ـ آمين . دعوة الله تعالى عباده إلى الجنة دار السلام قال الله تعالى : { *له م د ار الس لا مِ عِ ند ر ب هِ م و ه و و لِ يُّ ه م بِ م ا ك ان وا ي ع م ل ون }. وقال تعالى: {والله ي د ع وا إِ ل ى د ارِ الس لا مِ و ي ه دِ ي م ن ي ش اء إِ ل ى صِ ر اطٍ مُّ س ت قِ يمٍ }.اللهم هدنا فيمن هديت. روى الدارمي بإسناده ، عن ع طِ ي ة أنه سمع ربيعة الج ر شي رضي الله عنه يقول : أ تي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له : ((لتنم عينك ، ولتسمع أذنك ، وليعقل قلبك)) . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((فنامت عيناي ، وسمعت أذناي ، وعقل قلبي)) . قال : ((فقيل : س ي د بنى داراً ، فصنع مأدبة ، وأرسل داعياً . فمن أجاب الداعي : دخل الدار ، وأكل مِ ن المأدبة ، ورضي عنه السيد ، وم ن ل م ي جب الداعي : لم يدخل الدار ، ولم يطعم من المأدبة ، وسخط عليه السيد)) . قال : ((فالله ـ جل جلاله ـ السيّ د ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم الداعي ، والدار الإسلام ، والمأد بة الجنة)) . وأخرج ابن جرير ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في (الدلائل) عن سعيد بن هلال قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي رضي الله عنهم وتلا قول الله تعالى : { و ي د ع وا إِ ل ى د ارِ الس لا مِ و ي ه دِ ي م ن ي ش اء إِ ل ى صِ ر اطٍ مُّ س ت قِ يمٍ }. أي: أتته الملائكة ، وفي رواية لغير الدارمي هما : جبريل وميكائيل عليهما السلام ، وأصل هذا الحديث في الصحاح .

عدد الصفحات ٦٩

71 فقال : ح دثني جابر رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فقال : ((إني رأيت في المنام ، كأن جبريل ـ عليه السلام ـ عند رأسي ، وميكائيل ـ عليه السلام ـ عند رجلي ، يقول أحدهما لصاحبه : اضرب له مثلاً . فقال : اسمع س مِ ع ت أ ذ ناك ، واع قِ ل ع ق ل ق ل ب ك ، إنما مثلك ومثل أمتك ؛ كمثل ملك اتخذ داراً ، ثم بنى فيها بيتاً ، ثم جعل فيها مأدبة ، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ، ومنهم من ترك . فالله ـ تعالى ـ هو الم لك ، والدار الإسلام ، والبيت الجنة ، وأنت يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرسول ، ف م ن أجابك : دخل الإسلام ، ومن دخل الإسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل منها)) . الله تعالى يأمر عباده بالمسارعة إلى مغفرته وجنته قال تعالى : { *وس ارِ ع وا إِ ل ى م غ فِ ر ةٍ م ن ر ب ك م و ج ن ةٍ ع ر ض ه ا الس م او ات و الأ ر ض أ عِ د ت لِ ل م ت قِ ين }. ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله تعالى عباده أن ي سارعوا إلى مغفرة من رب هم الغفور الرحيم ، وذلك بالمسارعة إلى أسباب المغفرة من الأعمال الصالحة ، والأقوال الطيبة . وما أمرهم بالمسارعة إلى مغفرته إلا ليغفر لهم ، لأ ن ه هو ربُّ هم ـ وهو أرحم بهم ـ وهو عباده . قال تعالى : { *نب ئ عِ ب ادِ ي أ ن ي أ ن ا ال غ ف ور الر حِ يم }. كما أنّ ه سبحان ه أمرهم بالمسارعة إلى الجنة ، وق د م المغفرة لأ ن ها تخلية عن الذنوب والعيوب ، فهي م قد مة على التحلية ، فيدخلون الجنة وهم أخيار أطهار طيبون ، كما قال تعالى : { طِب ت م ف اد خ ل وه ا خ الِ دِ ين }. كما أن المغفرة ق د م ت لأ ن ها سبب في دخول الجنة ، وذلك بأن يتفضل الله عليهم سبحانه فيغفر لهم ؛ ويرحمهم ، فيدخلهم الجنة . انظر (الدر المنثور) وغيره .

عدد الصفحات ٧٠

71 جاء في(الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لن ي دخل أحد كم عمله الجنة)) . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟. قال : ((ولا أ ن ا إلا أ ن يتغم د ني الله تعالى بمغفرةٍ ورحمة)) ، وفي رواية ((بفضل ورحمة)) . ووَ صَ ف الجنة بالسعة : فقال : { عر ض ه ا الس م او ات و الأ ر ض }. أي: سماوات الآخرة وأرض الآخرة ، قال تعالى : { يو م ت ب د ل الأ ر ض غ ي ر الأ ر ضِ و الس م او ات }الآية. فتلك السماوات الأرض أوسع من هذه السماوات الأرض بكثير ، فإن أدنى أهل الجنة منزلة له قدر الدنيا وعشرة أمثالها ، وله ما اشتهت نفسه وق ر ت عينه ـ كما سيأتي في الحديث . وبَ يَّ نَ الله تعالى أَ نَّ الجنة التي أمرهم بالمسارعة إليها أُ عِ دَّ ت للمتقين : أي : فليستعدوا لها بالتقوى ، وهي : امتثال أوامر الله تعالى ، واجتناب ما نهى الله عنه . والتقوى على مراتب وأهلها على مراتب ، وقد ب ي ن ت وف ص ل ت الكلام على مراتب التقوى في كتاب (التقرب) فارجع إليه . وقوله تعالى : {أعِ د ت لِ ل م ت قِ ين }يخبر الله تعالى عباده أ ن الجنة هي موجودة ومخلوقة، وأن ها أ ع د ها الله تعالى يوم خلقها ، أ عدّ ها للمتقين ، ويبين لك ذلك ما جاء في الأحاديث ، وقد دخلها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج ، وأخبر عنها كما جاء في أحاديث المعراج . وروى أصحاب (السنن) وصححه الترمذي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ل م ا خلق الله تعالى الجنة قال لجبريل عليه السلام : اذهب فانظر إليها . فذهب فنظر إليها فقال : وعِ ز تك لا يسمع بها أحد إلا دخلها .

عدد الصفحات ٧١

72 فحفها بالمكاره ، ثم قال : اذهب فانظر إليها . فذهب فنظر إليها فقال : وعزتك لقد خشيت أ ن لا يدخلها أحد . ولما خلق الله تعالى النار قال لجبريل عليه السلام : اذهب فانظر إليها . فذهب فنظر إليها فقال : وعزتك لا ي سمع بها أحد ف ي دخلها . فحفّ ها بالشهوات ، ثم قال : اذهب فانظر إليها . فذهب فنظر إليها فلما رجع قال : وعزتك لقد خشيت أ ن لا ي ب قى أحد إلا دخلها)) . فالجنة أ عِ د ت للمتقين ، والنار أ عِ د ت للكافرين . وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ح ف ت الجنة بالمكاره ، وحف ت النار بالشهوات)) . فهذه الأحاديث النبوية الشريفة ، تدل على أن الجنة والنار هما مخلوقتان وموجودتان ، وفي ذلك ترغيب في الجنة والحثُّ على الدخول فيها ؛ وذلك باقتحام ع ق بة التكاليف بِ ق و ة واستعانة بالله تعالى . وفي ذلك أيضاً التخويف من عذاب النار ، والتحذير من الوقوع في المحرمات ، والتوقي من عذاب الله تعالى ، وذلك بتقوى الله تعالى ، فإن تقوى الله تعالى وقاية من عذابه ، وعقابه ، وعتابه ، وحجابه . وقد أمر الله تعالى المؤمنين أ ن ي ق وا أ ن ف س هم وأ هليهم نار جهنم ، فإن فيها العذاب الأليم . أي : بالتكاليف الشرعية : الأوامر والمناهي ، فإنّها تكرهها النفوس الفاسدة . أي : أحاطها بالشهوات المحرمة ، فمن اقتحم الشهوات المحرمة وقع فيها ، ويتوب الله على من تاب . رواه مسلم والترمذي ، وفي رواية للشيخين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله ، وقال : ((حجبت)) بدل ((ح فّت )) في الموضعين ، كما في (تسير الوصول) .

عدد الصفحات ٧٢

73 قال تعالى : { يا أ يُّ ه ا ال ذِ ين آم ن وا ق وا أ نف س ك م و أ ه لِ يك م ن اراً و ق ود ه ا الن اس و ال حِ ج ار ة ع ل ي ه ا م لا ئِ ك ة غِ لا ظ شِ د اد لا ي ع ص ون الله م ا أ م ر ه م و ي ف ع ل ون م ا ي ؤ م ر ون }. فالواجب على المؤمن أن يقي ن ف س ه وأهله النار ، وأ ن يأمرهم بتقوى الله تعالى ؛ وهي : امتثال أوامره ، واجتناب مناهيه ، فإنّ الإنسان مسؤول عن أهله وأولاده . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أنزل الله عز وجل هذه الآية : { يا أ يُّ ه ا ال ذِ ين آم ن وا ق وا أ نف س ك م و أ ه لِ يك م ن اراً و ق ود ه ا الن اس و ال حِ ج ار ة } تلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم على أصحابه، ف خ رّ ف تىً مغشياً عليه ، فوضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده على فؤاده فإذا هو يتحرك . فقال : ((يا فتى قل : لا إله إلا الله)) . فقالها فبش ر ه بالجنة . فقال أصحابه : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمِ ن ب ي نِ ن ا ؟. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أ و م ا س مِ ع تم قوله تعالى : { ذلِ ك لِ م ن خ اف م ق امِ ي و خ اف و عِ يدِ })) . وعن أنس رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية : { وق ود ه ا الن اس و ال حِ ج ار ة }فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أ و قد عليها ـ أي : على النار ـ ألف عام حتى اح م ر ت ، وألف عام حتى ابيضت ، وألف عام حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة ، لا ي طفأ لهبها)) . وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل أسود ، فهتف بالبكاء . فنزل جبريل عليه السلام فقال : ((من هذا الباكي بين يديك))؟ . أي : هذه البشارة خاصة به من بيننا ، فبيّن لهم صلى الله عليه وآله وسلم أن ها عامة لكل من خاف مقام الله تعالى ووعيده . قال الحافظ المنري : رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .

عدد الصفحات ٧٣

74 فقال: ((رجل من الحبشة)) وأثنى عليه معروفاً . قال : ((فإن الله عز وجل يقول : وعزتي وجلالي ، وارتفاعي فوق عرشي ، لا تبكي عين في الدنيا من مخافتي إلاّ أكثرت ضحكها في الجنة)) . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عذاب العُ صاة من المسلمين : روى مسلم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أم ا أهل النار الذين هم أهلها ـ أي : الكفار ـ فإنّ هم لا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم ـ فهم عصاة المسلمين ـ فأمات ت هم إِ م ات ةً ، حتى إذا كانوا فحماً ـ أي : صاروا فحماً ـ أ ذِ ن في الشفاعة ـ أي : شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهم ـ فجيء بهم ض ب ائِ ر ض بائر ـ أي : جماعات بعد جماعات ـ فب ثُّ وا على أ ن هار الجنة . ثم قيل : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم الماء ؛ فينبتون نبات الحِ ب ة في حميل السيل)) . وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيدخلون الجنة ي سمّ ون الج ه ن مِ ي ين)) . فشأن المؤمن أ ن يرجو رحمة الله تعالى ، ويرغب فيما عنده ، وأ ن يخ اف مِ ن عذاب الله تعالى ، ويخاف وعيده . عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغ ب كم الله تعالى فيه ، واحذروا مما حذ ركم الله تعالى منه ، وخافوا مما خوفكم الله به ؛ من عذابه وعقابه ؛ ومن جهنم . قال الحافظ المنري : رواه البيهقي والأصبهاني . اهـ . انظر (تيسير الوصول) . قال في (تيسير الوصول) : رواه البخاري وأبو داود والترمذي .

عدد الصفحات ٧٤

75 فإنّها لو كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حل ت ها لكم ، وجعلت ماءها كله ح لواً . ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خ ب ـث ـت ها ـ أي : أفسدتها ـ عليكم)) . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم , عن عظيم نعيم الجنة , وعن عظيم عذاب النار : فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ي ؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة ، ف ي صب غ في النار ص بغة ، ثم يقال : يا ابن آدم هل رأيت نعيماً ق طُّ ؟ ، هل مر بك خير ق طُّ ؟ ـ أي : في الدنيا ـ فيقول : لا والله يا رب . ويؤتى بأشد الناس ب ؤساً في الدنيا من أهل الجنة ، ف ي ص بغ في الجنة ص بغة ، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت ب ؤساً ق طُّ ؟ ، هل مر بك شِ دّ ة قط ؟ ـ أي : لما كنت في الدنيا ـ فيقول : لا والله يا رب ، ما مر بي ب ؤس قط ، ولا رأيت شدة)) . فهذا رجل كافر كان في الدنيا من أنعم أهل الدنيا ، وأشدهم رفاهية ، لما انصبغ في النار صبغة ن سِ ي جميع ما مر عليه من النعيم ، وهذا رجل مؤمن كان في الدنيا أشد الناس ب ؤساً وكرباً ، فصبغ في الجنة صبغة ، فنسي جميع ما مر عليه في الدنيا من البؤس والشدائد والكروب . فاعتبر أيها العاقل ، وباعد نفسك من النار ، وباعد أولادك وأهلك وذويك . ونسأل الله تعالى العافية . فما أعظم نعيم الجنة ؟ ! وما أعظم عذاب النار ؟ ! كان صلى الله عليه وآله وسلم يحث الصحابة على سؤال الجنة , والتعوذ من النار: رواه البيهقي كما في (ترغيب) المنذري وغيره . رواه مسلم .

عدد الصفحات ٧٥

76 روى البخاري، عن أنس رضي الله عنه قال : (كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم : { رب ن ا آتِ ن ا فِ ي الدُّ ن ي ا ح س ن ةً و فِ ي الآ خِ ر ةِ ح س ن ةً و قِ ن ا ع ذ اب الن ارِ }.) وروى أبو داود، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرجلٍ : ((كيف تقول في الصلاة)) ؟. قال : أتشهد وأقول : اللهم إن ي أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار .أ م ا إن ي لا أ ح سن د ندنتك ، ولا دندنة معاذ . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((حولها ندندن)) . قال الإمام النووي : الدندنة كلام لا ي فهم معناه ، ومعنى حولها ندندن : حول الجنة والنار ، أو حول مسألتهما ؛ إحداهما سؤال طلب ، والثانية سؤال استعاذة .اهـ . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن : ((قولوا : اللهم إن ي أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فِ ت ن ةِ المسيح الدجال ، وأعو بك من فتنة المحيا والممات)) . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سأل الله الجنة ثلاث مرات ، قالت الجنة : اللهم أدخله الجنة . ومن استجار من النار ثلاث مرات ، قالت النار : اللهم أجره من النار)) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما استجار عبد من النار سبع مرات ، إلا قالت النار : يا رب إنّ عبدك فلاناً استجارك مني فأجره . رواه مسلم وأصحاب السنن . رواه ابن حبان في (صحيحه) ، وأصحاب (السنن) كما في (الترغيب) .

عدد الصفحات ٧٦

77 ولا سأل عبد الجنة سبع مرات، إلا قالت الجنة : يا رب إن عبدك فلاناً سألني فأدخله الجنة)) . الله تعالى يأمر عباده بالمسابقة إلى الجنة قال الله تعالى : {سابِ ق وا إِ ل ى م غ فِ ر ةٍ مِ ن ر ب ك م و ج ن ةٍ ع ر ض ه ا ك ع ر ضِ الس م اءِ و الأ ر ضِ أ عِ د ت لِ ل ذِ ين آم ن وا بِ اللهِ و ر س لِ هِ ذ لِ ك ف ض ل اللهِ ي ؤ تِ يهِ م ن ي ش اء و الله ذ و ال ف ض لِ ال ع ظِ يمِ }. في هذه الآية الكريمة، يأمر الله تعالى بالمسابقة إلى مغفرته سبحانه ، وذلك بامتثال أوامره ، واجتناب مناهيه ، كما تقدم معنا . ويأمرهم بالمسابقة إلى الجنة ، وذلك لِ ما أ ع د الله تعالى فيها من ألوان النعيم الجسماني ، والقلبي ، والروحاني ، والعقلي ، والسمعي ، والبصري ؛ إلى ما هنالك، ولأنه سبحانه يتفضل على أهل الجنة بأنواع من التكريم والفضل : ففيها : مرافقة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وسائر النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وفيها تحياته المتواصلة لأهل الجنة ، وتجلياته بالرضوان، وتجلياته بالرؤية ، ومكالمته لأهل الجنة ، وسماع كلامه تعالى ، كما تقدم آنفا. ونفصل ذلك إن شاء الله تعالى . عن كريب ، أ نّه س مِع أسامة بن زيد رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أ لا ه ل م شم رٍ للجنة ، فإنّ الجنة لا حظر لها ، هي ورب الكعبة: نور يتلألأ ، وريحانة تهتزُّ ، وقصر مشيد ، ونهر مط رد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وح لل كثيرة ، وم قام في قال المنذري : رواه أبو يعلى بإسناد على شرط الشيخين .

عدد الصفحات ٧٧

78 أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة ، وح بِ رة ونعمة ، في محلة عالية بهيّ ة)) . قالوا : نعم يا رسول الله نحن المشم رون لها . قال صلى الله علي وآله وسلم : ((قولوا : إن شاء الله)) . فقال القوم : إن شاء الله . الجنة فيها مرافقة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى : {وم ن ي طِ عِ الله و الر س ول ف أ و ل ئِ ك م ع ال ذِ ين أ ن ع م الله ع ل ي هِ م م ن الن بِ ي ن و الص د يقِ ين و الشُّ ه د اءِ و الص الِ حِ ين و ح س ن أ و ل ئِ ك ر فِ يقاً * ذ لِ ك ال ف ض ل مِ ن اللهِ و ك ف ى بِ اللهِ ع لِ يماً *} . اللهم اجعلنا منهم بجاهه عندك صلى الله عليه وآله وسلم آمين. في هذه الآية الكريمة ، يذكر الله تعالى نوعاً من الفضل الإلهي على أهل الجنة ، أفرده بالذكر ، وأ نّه ف ض ل من الله تعالى كبير ، وهو المرافقة والمعية للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وإنّ إم ام الك ل ، وأفضل الكل هو سيد الكل : سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وقد نزلت هذه الآية مبشرة للمحبين المتبعين لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يسألون الله تعالى مرافقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة ، لأنهم ذاقوا حلاوتها ، ونالوا كرامتها ، وشاهدوا أسرارها وأنوارها ؛ في الدنيا ، فهم يريدونها على وجه دائم في كل العوالم . وهكذا شأن المؤمنين . جاء في الحديث عن الصديقة الكبرى بنت الصديق الأكبر ، السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت : (جاء رجل إلى النبي صلى الله حبرة : من الحبور والسرور ، قال الحافظ المنذري : رواه ابن ماجه ، وابن أبي الدنيا ، والبزار ، وابن حبان في (صحيحه) والبيهقي . اهـ .

عدد الصفحات ٧٨

79 عليه وآله وسلمفقال : يا رسول الله إنّ ك لأ حبُّ إليّ من نفسي ، وإنّ ك لأحبُّ إليّ من ولدي ، وإن ي لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك ، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أ نّ ك إذا دخلت الجنة ر فِ ع ت مع النبيين ، وإن ي إذا دخلت الجنة خ شِ ي ت أ ن لا أراك . فلم ي ر د عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً ، حتى نزل جبريل الأمين عليه السلام بهذه الآية الكريمة : {وم ن ي طِ عِ الله والر س ول ف أ و ل ئِ ك م ع ال ذِ ين أ ن ع م الله ع ل ي هِ م م ن الن بِ ي ن }) الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : (أ نّ رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إِ ن ي أحبك ، حتى إن ي أذكرك فلولا أني أجيء فأنظر إليك ظننت أ نّ نفسي تخرج ـ أي : ظننت أ نّ روحي تخرج من جسمي ـ وأذكر أن ي إن دخلت الجنة صِ رت د ونك في المنزلة ؛ فيشق علي ، وأ حب أ ن أكون معك . فلم ي رد عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً ، فأ نزل الله تعالى : {وم ن ي طِ عِ الله و الر س ول }الآية. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلاها عليه) . وأخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر ، عن الشعبي : أ نّ رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله والله لأنت أحبُّ إلي من نفسي ، وولدي ، وأهلي ، ومالي ، ولولا أ ن ي آتي إليك فأراك لظننت أني سأموت ـ وبكى الأنصاري ـ . فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما أبكاك))؟ . قال : ذكرت أ ن ك ستموت ونموت ، ف ت ر فع مع النبيين ، ونحن إذا أ د خِ ل نا الجنة كنا دونك . قال في (الدر المنثور) : رواه الطبراني ، وابن مرد و ي ه ، ،وأبو نعيم في (الحلية) ، والضياء المقدسي في (صفة الجنة) وحسنه.اهـ. رواه الطبراني وابن مردويه وغيرهم كما في (تفسير ابن كثير) ، و(الدر المنثور) وغيرهم .

عدد الصفحات ٧٩

81 فلم يخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشيء ، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم : {وم ن ي طِ عِ الله و الر س ول }الآية. فقال له صلى الله عليه وآله وسلم : ((أبشر يا أبا فلان)) . وروى ع ب د بِ ن ح ميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم عن مسروق قال : قال أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله : ما ينبغي لنا أ ن نفارقك في الدنيا ، فإن ك لو ق د مت ر فِ ع ت فوقنا ، فلم نرك . فأنزل الله تعالى : {وم ن ي طِ عِ الله و الر س ول ف أ و ل ئِ ك م ع ال ذِ ين أ ن ع م الله ع ل ي هِ م} الآية. وأخرج ع ب د بن ح ميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن قتادة قال : ذ كر لنا أ ن رجالاً قالوا : هذا نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم ن راه في الدنيا ، فأما في الآخرة ف ي ر فع بفضله فلا نراه . فأنزل الله تعالى : {وم ن ي طِ عِ الله و الر س ول ف أ و ل ئِ ك م ع ال ذِ ين أ ن ع م الله ع ل ي هِ م م ن الن بِ ي يـن و الص د يقِ ين }الآية. وروى ابن جرير ، عن السُّ د ي قال : قال ناس من الأنصار : يا رسول الله إذا أ دخلك الله الجنة ، فكنت في أعلاها ، ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع ؟ . فأنزل الله تعالى : {وم ن ي طِ عِ الله و الر س ول ف أ و ل ئِ ك م ع ال ذِ ين أ ن ع م الله ع ل ي هِ م }الآية. وهكذا الصحابة رضي الله عنهم ، كانوا يحرصون كل الحرص على مرافقتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جميع العوالم ، ويَ نبغي أَ نْ يكون هذا شأن كل مؤمن . جاء في الحديث ، عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال : كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته ـ أي : بماء الوضوء وما يحتاجه من سواك ونحوه ـ .

عدد الصفحات ٨٠