49 قال ابن مسعود رضي الله عنه: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب . وقد يكرم الله تعالى من شاء من عباده فيسمعهم تسبيح الأشياء . فجميع الأشياء ت عرف ر ب ها ، وت شهد له بالوحدانية ، وت سبحه وتحمده ، كما أ ن ها تعرف سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتشهد له بالرسالة . فالحجر والشجر والمدر ، شهد برسالته صلى الله عليه وآله وسلم : روى الترمذي وحسّ نه ، عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال : (كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ، فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله صلى الله عليه وآله وسلم : جبل ، ولا شجر ، إلاّ وهو يقول : السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) . وروى البزار وأبو نعيم ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لما أوحي إليّ جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلاّ قال : السلام عليك يا رسول الله)) صلى الله عليه وآله وسلم . وروى الحاكم بإسناد ج ي د ، عن ابن عمر رضي عنهما قال : (كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ، فأقبل أعرابي ، فلما دنا منه ، قال له صلى الله عليه وآله وسلم : ((أين تريد))؟ . قال : إلى أهلي . فقال له صلى الله عليه وآله وسلم : ((وهل لك إلى خير))؟ . قال الأعرابي : وما هو؟ . قال : تشهد أ ن لا إله إلاّ الله وأ نّ محمداً عبده ورسوله)) صلى الله عليه وآله وسلم . فقال الأعرابي : هل لك من شاهد على ما تقول؟ . كذا في (الدر المنثور) وغيره .
عدد الصفحات ٤٩51 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: ((هذه الشجرة)) وهي على شاطئ الوادي، فأقبلت الشجرة تخدُّ الأرض خد اً ـ أي : تشق الأرض شقاً ـ فقامت بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم ، فاستشهدها ثلاثاً فشهدت ـ أي : ش هِ د ت له بأنّ ه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات ـ ثم رجعت إلى منبتها . ورجع الأعرابي إلى قومه ، وقال يا رسول الله : إن يتبعوني آتك بهم ، وإلا رجعت إليك وكنت معك) . وقد نطقت الحيوانات شاهدة برسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ومن ذلك قِصة الذئب التي جاءت عن أربعة من الصحابة ، وهم : أبو هريرة وأنس وابن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم ، كما ذكر ذلك الحافظ القسطلاني وغيره . قال الحافظ القسطلاني : فأما حديث أبي سعيد : فرواه الإمام أحمد بإسناد جيد ولفظه: قال أبو سعيد : (عدا الذئب على شاة فأخذها ، فطلبه الراعي فانتزعها منه ، فأقعى الذئب على ذنبه ـ أي : ألصق أليته على الأرض ـ وقال الذئب للراعي : ألا ت ت قي الله تعالى ، تنزع مني رزقاً ساقه الله إِلي . فقال الأعرابي : يا عجباً ذئب م قعٍ على ذنبه ، يكلمني بكلام الإنس؟!! فقال الذئب : ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ . قال : وماذا أعجب . فقال الذئب : محمد بيثرب ـ أي : في المدينة المنورة ـ يخبر الناس بأنباء ما قد سبق) . قال أبو سعيد : (فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة ، فزواها ـ أي : الغنم ـ إلى زاوية من زوايا المدينة ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله قال في (شرح المواهب) : رواه الدارمي والبزار والبيهقي والبغوي .
عدد الصفحات ٥٠51 وسلم فأخبره، فنودي بالصلاة جامعة ، ثم خرج صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبرهم) أي : أخبر الصحابة بقصة كلام الذئب . وفي رواية للبخاري في تاريخه ، ولأبي نعيم : (فقال الذئب : أعجب من ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين هذه النخلات ـ نخلات المدينة ـ يدعو إلى الله تعالى) . ومن ذلك حنين الجذع لفراق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد ما كان يخطب إلى جانبه ، وقد جاءت هذه القصة بروايات متعددة ، عن كثير من الصحابة الذين كانوا حاضريها ، وسمعوا صوت الحنين ، وقد رواها أهل الصحاح كالبخاري ومسلم ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، ورواها الترمذي وابن ماجه ، وأحمد وأبو يعلى ، وغيرهم من أهل السنن والمسانيد ، ولذلك قال القاضي عياض رحمه الله تعالى ـ في حديث حنين الجذع ـ قال : والخبر به متواتر . اهـ أي : لكثرة طرقه الصحيحة ، ون ق ل جماعة له عن جماعة مشهورة منتشرة ، يستحيل تواطؤهم على الكذب . وقد أورده في (المواهب وشرحها) بروايات متعددة : ومن ذلك رواية الدارمي ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب إلى لزق جذع ، فأتاه رجل فقال : أصنع لك منبراً تخطب عليه؟ فصنع له منبراً . فلما قام عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ، حنّ الجذع حني ن الناقة إلى ولدها ، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضمّه إليه فسكن ، فأمر به أن يحفر له ويدفن) . فهذا كله يدل على أ ن الجمادات والنباتات والحيوانات كلها تعرف ربّها وخالقها ، وتعرف وتشهد أ نّ لا إله إلاّ الله وأ نّ محمداً رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً ، وعلينا معهم أجمعين أبداً أبداً أبداً . * * * قوله تعالى :
عدد الصفحات ٥١52 {و ل م ي ك ن ل ه ك ف واً أ ح د } أي: لم يماثله أحد ، ولم يشابهه أحد ، ولا يشاكله ولا يكافئه أحد ؛ من صاحبة وغيرها ، بل هو الأحد الصمد . قال تعالى : { أ ن ى ي ك ون له و ل د و ل م ت ك ن ل ه ص احِ ب ة و خ ل ق ك ل ش ي ءٍ و ه و بِ ك ل ش ي ءٍ ع لِ يم * ذ لِ ك م الله ر بُّ ك م لا إِ ل ه إِ لا ه و خ الِ ق ك ل ش ي ءٍ ف اع ب د وه و ه و ع ل ى ك ل ش ي ءٍ و كِ يل * }. فكل ما سوى الله تعالى فهو مخلوق له جل وع، فكيف ي تصور أ ن يكون له شبيه أو نظير أو ك ف واً له ؛ جلّ وعلا سبحانه وتعالى . قال تعالى : {ل ي س ك مِث لِهِ ش ي ء و ه و الس مِيع ال ب صِير }. وإنما قال: {ل ي س ك مِث لِهِ }ولم يقل ليس مثله شيء، تقوية لنفي المشابهة له سبحانه ، فقوله تعالى : {ل ي س ك مِث لِهِ ش ي ء }أقوى وأبلغ من ليس مثله ـ كما هو مقرر في علم البلاغة . قوله تعالى : {ق ل ه و الله أ ح د * الله الص م د * ل م ي لِ د و ل م ي ول د * و ل م ي ك ن ل ه ك ف واً أ ح د }. ت سمى هذه السورة سورة الإخلاص، لأن فيها إخلاص التوحيد لله تعالى ، فإن ها مشتملة على إثبات صفات الله تعالى ، وفيها تنزيه الله تعالى عما لا يليق من النقائص ، والمشابهة والكفء ، وما وراء ذلك . وتوحيد الله تعالى يستلزم من الموحد إثبات الكمالات المطلقة اللائقة به سبحانه ، على وجه لا يتناهى ، وتنزيه الله تعالى عما لا يليق . فقوله تعالى : {قل ه و الله أ ح د * الله الص م د }هذا إثبات، وقوله تعالى : { لم ي لِ د و ل م ي ول د * و ل م ي ك ن ل ه ك ف واً أ ح د }هذا تنزيه عن الحدوث، وعن المشابهة والمماثلة . ولما سأل الإمام الجنيد رحمه الله تعالى عن التوحيد قال : التوحيد : تمييز القديم عن الحادث .
عدد الصفحات ٥٢53 فهو سبحانه لا يشبه الحوادث، بل هو م ن ز ه عن الشبه بالحوادث . فت ثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة ، مع التنزيه عن المشابهة والمماثلة للحوادث . وقد نقل كثير من العلماء ، أ ن رجلاً جاء إلى الأمام مالك رضي الله عنه فقال له : {الرح م ن ع ل ى ال ع ر شِ اس ت و ى}كيف استوى ؟. فأطرق الإمام مالك ثم قال له : (الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ؛ وما أظنك إلا ضالاً ) وأمر به ف أ خرج . وقد روي عنه أ نّ ه قال للسائل : (الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، ـ أي : لا تحيط به العقول ولا تدركه ـ والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة) إلخ . ولا تنافي بين الجوابين ، فإن مدلولهما واحد ، ونظير هذا الجواب جاء عن عدة أئمة من السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم . وقد ذكر العلماء أ نّ الزمخشري سأل الإمام الغزالي رضي الله عنه عن هذه الآية أي: قوله تعالى : {الرح م ن ع ل ى ال ع ر شِ اس ت و ى }فأجابه بقوله: قل لمن يفهم عني ما أقول قص ر القول فذا شرح يطول ث ـم سـرٌّ غامـض مِ ـن دونـه قصـرت والله أعنـاق الفحـول أنـت لا تعـرف إيــاك ولا تد رِ م ن أ ن ت ولا كيف الوصول لا ولا تدري صفـات رك ب ت فيك حارت في خفاياها العقول أين مِ ن ك الروح في جوهرها هل ت راها فترى كيف تجول وكذا الأنفاس هل ت حص رها لا ولا تدري متى عنك تزول أين منـك العقـل والفهـم إذا غلب النوم فقل لي يا جهول أنت أكل الخبـز لا تعـرفـه كيف يجري منك أم كيف تبول
عدد الصفحات ٥٣54 فـإذا كانـت طـوايـاك التـي بين جـنـبـيـك كذا فيها ضلول كيف تدري م ن على العرش استوى لا تقل كيف استوى كيف النزول كيف يحكي الرب أم كيف ي رى فلعمـري ليـس ذا إلا فضـول فهو لا أيـن ولا كيـف لـه وهو ربُّ الكيف والكيف يحول وهو فوق الفوق لا فوق له وهو في كل النواحي لا يزول جـل ذاتـاً وصفاتٍ وسما وتعـالـى قـدره عمـا تقـول فالاستواء معلوم لكن الكيف مجهول ، فإنّ ه سبحانه لا مشابهة بينه وبين خلقه . فالإثبات والتنزيه هما : أصل الإيمان ، وأساس التوحيد ، وإخلاص التوحيد لله تعالى . فتنزيه الله تعالى عما لا يليق به ي سمى تسبيحاً ، وإثبات الكمالات والمحامد لله تعالى ي سمى حمداً . وكثيراً ما يقرن الله تعالى بينهما ، قال تعالى : {وإِ ن م ن ش ي ءٍ إِ لا ي س ب ح بِ ح م دِ هِ }. وقد يفرد سبحانه ذكر التسبيح في مواضع لأنّ ه ذ كر في مقابله الحمد مفرداً في مواضع أخرى . على أ نّ ذكر التحميد بالإفراد يدل ضمناً على التنزيه ، فإذا قلت : الله تعالى سميع بصير ، هذا إثبات وحمد ، وفي ضمنه تنزيه عن ضدهما ، وإذا س ب ح ته ونزهته عن النقائص والعيوب ، فقد أثبت له الكمالات والمحامد ضمناً . قال تعالى : {سب ح للهِِ م ا فِ ي الس م او اتِ و م ا فِ ي الأ ر ضِ }الآية، وهكذا جاءت المسبحات . وجاء في بعض نقول المتقدمين لهذه الأبيات (كيف ت ج ل ى) كما في الحاوي . وهو الأقرب .
عدد الصفحات ٥٤55 وقال سبحانه : {الح م د للهِِ ال ذِ ي خ ل ق الس م او اتِ و الأ ر ض و ج ع ل الظُّ ل م اتِ و النُّ ور }الآية. وقال تعالى : {الح م د للهِِ ال ذِ ي ل ه م ا فِ ي الس م او اتِ و م ا فِ ي الأ ر ضِ و ل ه ال ح م د فِ ي الآ خِ ر ةِ }الآية. وقال تعالى : {الح م د للهِِ ف اطِ رِ الس م او اتِ و الأ ر ضِ }الآية. وقال تعالى : {فس ب ح ان اللهِ حِ ين ت م س ون و حِ ين ت ص بِ ح ون * و ل ه ال ح م د فِ ي الس م او اتِ و الأ ر ضِ و ع شِ يّ اً و حِ ين ت ظ هِ ر ون }. وقد أخبر الله تعالى أَنّ جميع الأشياء تُ سبح بحمده : فأخبر عن حملة العرش قال تعالى : {الذِ ين ي ح مِ ل ون ال ع ر ش و م ن ح و ل ه ي س ب ح ون بِ ح م دِ ر ب هِ م و ي ؤ مِ ن ون بِ هِ }الآية. وقال تعالى : {تك اد الس م او ات ي ت ف ط ر ن مِ ن ف و قِ هِ ن و ال م لا ئِ ك ة ي س ب ح ون بِ ح م دِ ر ب هِ م }الآية. وقال تعالى : {تس ب ح ل ه الس م او ات الس ب ع و الأ ر ض و م ن فِ يهِ ن و إِ ن م ن ش ي ءٍ إِ لا ي س ب ح بِ ح م دِ هِ و ل كِ ن لا ت ف ق ه ون ت س بِ يح ه م إِ ن ه ك ان ح لِ يماً غ ف وراً }. وقد أمر سبحانه بتسبيحه وحمده : قال تعالى : {فاص بِ ر ع ل ى م ا ي ق ول ون و س ب ح بِ ح م دِ ر ب ك ق ب ل ط ل وعِ الش م سِ و ق ب ل ال غ ر وبِ }. وقال تعالى: {ول ق د ن ع ل م أ ن ك ي ضِ يق ص د ر ك بِ م ا ي ق ول ون * ف س ب ح بِ ح م دِ ر ب ك و ك ن م ن الس اجِ دِ ين * و اع ب د ر ب ك ح ت ى ي أ تِ ي ك ال ي قِ ين }. وقال تعالى: {فس ب ح بِ ح م دِ ر ب ك و اس ت غ فِ ر ه إِ ن ه ك ان ت و اب اً }. ففي التسبيح تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، وفي الحمد إثبات الكمالات اللائقة به ،
عدد الصفحات ٥٥56 ولذلك جاءت الآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة بالحث على الإكثار من التسبيح والتحميد ، والترغيب في الإكثار منهما ، لما يترتب عليهما من الفضائل ، والأجر الكبير عند الله تعالى : قال تعالى : {إِن م ا ي ؤ مِ ن بِ آي اتِ ن ا ال ذِ ين إِ ذ ا ذ ك ر وا بِ ه ا خ رُّ وا س ج داً و س ب ح وا بِ ح م دِ ر ب هِ م و ه م لا ي س ت ك بِ ر ون }. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : ((كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)) . وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله تعالى)) ؟ . قلت : بلى يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله تعالى . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن أحب الكلام إلى الله تعالى سبحان الله وبحمده)) . وفي رواية لمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل أيّ الكلام أفضل ؟. قال : ((ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده : سبحان الله وبحمده)) . والإكثار من التسبيح والتحميد يحط الذنوب : فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أ نّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة ؛ غفرت له ذنوبه وإن كان ت مِث ل ز ب دِ الب ح ر )) . رواه الشيخان وأصحاب السنن . رواه مسلم وغيره . قال الحافظ المنذري : رواه مسلم والترمذي والنسائي ، قال : وفي رواية للنسائي ((من قال : سبحان الله وبحمده ح ط الله عنه ذنوبه ؛ وإن كانت أكثر من زبد البحر)) .
عدد الصفحات ٥٦57 والإكثار منهما يجلب الخير الكثير : فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لأن أقول سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ؛ أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)) . وعن أنس رضي الله عنه ، أ ن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ غصناً فنفضه ـ أي : هز ه وحركه ـ فلم ينتفض ـ أي : من ورقه اليابس ـ ثم نفضه فلم ينتفض ، ثم نفضه فانتفض . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلاّ الله ، والله أكبر ؛ تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها)) . والتسبيح والتحميد هما من الباقيات الصالحات : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أ نّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((استكثروا من الباقيات الصالحات)) . قيل : وما هن يا رسول الله ؟ . قال : ((التكبير ، والتهليل ، والتسبيح ، والحمد لله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله)) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أ ن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((خذوا ج نتكم)) ـ أي : ما يقيكم ـ . قالوا : يا رسول الله : ع دوٌّ حضر ؟ . قال : ((لا ، ولكن ج نتكم من النار . قولوا : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ـ فإن هن يأتين يوم القيامة مجن بات ، ومعق بات ، وهن الباقيات الصالحات )) . رواه مسلم والترمذي . . قال الحافظ المنذري : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . رواه أحمد ، وأبو يعلى ، والنسائي ، وابن حبان في (صحيحه) .
عدد الصفحات ٥٧58 وعن جويرية رضي الله عنها، أ ن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها ، ثم رجع بعد أ ن أضحى ؛ وهي جالسة ت س ب ح فقال : ((ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها)) ؟ قالت : نعم . قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقد قلت بعدك أ ر بع كلمات ثلاث مرات ؛ لو و زنت بما ق لتِ منذ اليوم لوزنتهن . سبحان الله وبحمده : عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته)) . والتسبيح والتحميد غراس في الجنة : عن جابر رضي الله عنه ، أ نّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((من قال : سبحان الله العظيم وبحمده : غ رست له نخلة في الجنة)) . وروى البزار بإسناد جيد ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((م ن قال سبحان الله وبحمده : غ رست له نخلة في الجنة)) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أ نّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر به وهو يغرس غرساً ، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا أبا هريرة ما الذي تغرس))؟. قلت : غراساً . قال في (الترغيب) : رواه النسائي واللفظ له ، والحاكم والبيهقي ، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . قال : ومجن بات بفتح النون . أي : مقدمات أمامكم ، وفي رواية الحاكم : ((منجيات)) بتقديم النون على الجيم . وكذا رواه الطبراني في (الأوسط) وزاد : ((ولا حول ولا قوة إلاّ بالله )) . قال : ورواه في (الصغير) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، فجمع بين اللفظين ، فقال : ((منجيات ومجنبات)) وإسناده جيد قوي. و((معق بات)) بكسر القاف المشددة ـ أي : تعقبكم وتأتي من ورائكم ـ اهـ أي : لتحفظكم . رواه مسلم وأصحاب السنن . رواه الترمذي وح س ن ه ، والنسائي بلفظ : ((غرست له شجرة في الجنة)) .
عدد الصفحات ٥٨59 قال: ((ألا أدلك على غرس خير من هذا ؟ سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ؛ ت غ رس لك بكل واحدة شجرة في الجنة)) . قال في (الترغيب) : رواه ابن ماجه بإسناد حسن . في الجنة قيعان كلها صالحة للغَرس , والغِراس هو ما يلي : روى الترمذي ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسري بي ، فقال : يا محمد أقرىء أمتك مني السلام ، وأخبرهم أ نّ الجنة طيبة التربة ، عذبة الماء ، وأ نّها قيعان ، وأ نّ غراسها : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر)) . ورواه الطبراني وزاد في روايته : ((ولا حول ولا قوة إلاّ بالله )) . التسبيح والتحميد والتهليل يجتمعن حول العرش يشفعن بصاحبها : عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( إن مما ت ذ ك رون مِ ن ج لالِ الله الت سبيح والتهليل والتحميد ، ينعطفن حول العرش ، له نّ دويٌّ كدوي الن حل ، تذك ر بصاحبها ، أ م ا ي حب أ ح د كم أ ن يكون له أو لا يزال له من ي ذ ك ر به)) . وروى الحاكم وقال : صحيح الإسناد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أ نّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ((من قال : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، قال الله تعالى : أسلم عبدي واستسلم)) . ففي هذه الصيغة شهادة من الله تعالى لقائلها بالإسلام والاستسلام . فانظر يا أخي في هذا الفضل الإلهي ، المرتب على التسبيح والتحميد وما تقدم ، فأكثر من ذلك ما استطعت . جمع قاع وهو الأرض المنسبطة الواسعة . قال الحافظ المنذري : رواه ابن أبي الدنيا ، وابن ماجه واللفظ له ، والحاكم وقال : صحيح الإسناد .
عدد الصفحات ٥٩61 ومن جملة ما جاء في فضل التسبيح والتحميد أن ها غراس في الجنة، وهذا فضل كبير ، وثواب عظيم ، وخير جزيل ، فإياك أ ن ت س ت هين به ، فإنّ الله تعالى إذا غرس لك في الجنة غرسة واحدة فقد ضمن له أ ن ي حييك على الإيمان ، وأ ن يميتك على الإيمان ، وأ ن ي دخلك الجنة حتى ترى غرستك ، وتنعم بها ، فما ظنك إذا غرس لك في الجنة غرسات كثيرة ، أتظن أ نّ الله تعالى ي عطيها لغيرك ؛ هذا ما يكون ، فإنّها غ رس ت لك ، بسبب تسبيحك وحمدك ، أم ت ظ نُّ أ نّه يميت تلك الغرسة ؛ هذا ما يكون ، لأن غرسات الجنة وأشجارها لا تموت ، لأنّ الجنة دار البقاء والخلود ، بل لا تزال ت ن مو غرستك وتعظم إلى ما شاء الله تعالى . فإذا غرس لك في الجنة غرسة فذلك بشرى لك عظيمة ، بثباتك على الإيمان ، والموت عليه ، ثم دخول الجنة . ولذلك جاءت البشرى العظمى من الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم ، بسبب الحبيب الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء ، جاءت البشرى بذلك إلى هذه الأمة ، ليفرحوا بفضل الله تعالى ورحمته ، وي كثروا من الغ رس ات في قيعان الجنة الواسعة ، وأ ن يستكثروا لهم من بيوتٍ في الجنة . كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((من قرأ : { ق ل ه و أ ح د }عشر مرات بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة)) فالبيت الذي يبنيه الله تعالى للمؤمن في الجنة لا ي خرب ، ويلزم من ذلك أ ن ه يموت على الإيمان ، ويدخل الجنة ، ويسكن ذلك البيت لا محالة ، لأنّه ب ني له . والبيت الذي بني في الجنة على حسب مقام صاحبه : جاء في الحديث المتفق عليه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أ ن ه قال : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ((يا رسول الله هذه انظر (الفتح الكبير) وغيره .
عدد الصفحات ٦٠61 خديجة قد أتتك ـ وفي رواية البخاري: ((قد أتت بإناء فيه طعام أو إدام أو شراب)) ـ فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام مِن رب ها ومني ، وب ش رها ببيت في الجنة مِن ق ص ب ؛ لا صخب فيه ولا نصب )) . وفي رواية للنسائي ، عن أنس رضي الله عنه قال : قال جبريل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله يقرئ خديجة السلام)) فأخبرها . فقالت : (إنّ الله هو السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته) . زاد ابن السني في روايته : (وعلى من سمع السلام إلا الشيطان) . قال الحافظ في (الفتح) : قال العلماء : في هذه القصة دليل على وفور عقلها ، وفقهها ، لأنّها لم تقل : وعليه السلام كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد : السلام على الله ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : ((إن الله هو السلام ، فقولوا : التحيات لله)) . فعرفت السيدة خديجة لصحة فهمها أ نّ الله تعالى لا ي ر دُّ عليه السلام كما ي ردُّ على المخلوقين ، لأنّ السّلام من أسمائه تعالى ، وهو أيضاً دعاء بالسلامة ، وكلاهما لا ي صلح أن ي رد به السلام على الله ، فكأنها قالت : كيف أقول : عليه السلام ؛ والسلام اسمه سبحانه ، ومنه ي طلب ، ومن يحصل . فيستفاد منه أ نّه لا يليق بالله تعالى إلا الثناء عليه ، فجعلت مكان رد السلام عليه سبحانه الثناء عليه ، ـ أي : فلم تقل : وعليه السلام ، بل جاءت بالثناء وهو أ ن الله تعالى هو السلام ـ ثم غايرت بين ما يليق بالله تعالى ، وما يليق بغيره فقالت : (وعلى جبريل السلام ، وعليك ـ أي : يا رسول الله ـ السلام ورحمة الله وبركاته) كما في رواية النسائي . قال في (شرح المواهب) : وللإسماعيلي : ((فيه إدام أو طعام أو شراب)) وفي رواية الطبراني : كان حيساً . القَصَب : المراد به : اللؤلؤ المجوف كما في رواية للطبراني : ((ببيت من لؤلؤة مجوفة)) ، والصخب : الصياح والمنازعة برفع الصوت ، والنصب : التعب كذا في (شرح المواهب) .
عدد الصفحات ٦١62 ويستفاد منه ر دُّ السلام على م ن أ ر س ل ه وم ن ب ل غه . اهـ . ومن فوائد التسبيح والتحميد والتكبير أَنَّ هما يُعطِيَان صاحبها قُوَّ ة حتى في البدن : جاء في الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما ، عن سيدنا علي رضي الله عنه ، أ نّ السيدة فاطمة عليها السلام ، شكت ما تلقى في يدها من الرحى ، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسأله خادماً ، فلم تجده ، فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها . فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته ـ أي : السيدة عائشة رضي الله عنها ـ . قال علي رضي الله عنه : فجاءنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبت أقوم فقال : ((مكانك)) فجلس صلى الله عليه وآله وسلم بيننا . حتى وجدت برد قدميه صلى الله عليه وآله وسلم على صدري . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أ لا أ د لُّكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما ـ وفي رواية : ((إذا أخذتما مضاجعكما))ـ فكبرا أربعاً وثلاثين ، وس ب ح ا ثلاثاً وثلاثين ، واح مد ا ثلاثاً وثلاثين ، فهذا خير لكما من خادم)) . وفي روية : تأخير التكبير عن التسبيح والتحميد ، فإنّ للحديث روايات أخرى أطول من هذا . فالتسبيح والتحميد والتكبير قبل النوم يعطي قوة لصاحبه ، وعوناً من الله تعالى. ومن جملة ما ورد في فضل التسبيح والتحميد ما يلي : عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ، والصلاة نور ،
عدد الصفحات ٦٢63 والصدقة برهان، والصبر ضياء ، والقرآن ح ج ة لك أو عليك ، كل الناس يغدو فبائع نفسه ؛ فمعتقها أو م وبقها)) . فسبحان الله والحمد لله نورهما يملأ ما بين السماء والأرض ؛ فأكثر منهما ما استطعت ، وبهما يقوى الإيمان ويثبت . وعن أبي ذر رضي الله عنه ، أ ن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور ـ أي : الأموال ـ بالأجور ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون بفضول أموالهم . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أو ليس قد جعل الله ما تصدقون به ؟ . إن بكل ت سبيحة ص د ق ة ، وكل تكبيرة صدقة ، وك ل تحميدة صدقة ، وكل ت ه لي لة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، وفي ب ضع أحدكم صدقة)) . قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أرأيتم لو وضعها في الحرام أ كان عليه وِ ز ر ؟ ، فكذلك إذ ا و ض عها في الحلال كان له أجر)) . والمعنى أ ن الفقراء ظ نُّ وا أ ن لا صدقة إلا بالمال ، وهم عاجزون عن ذلك ، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الصدقات أنواع متعددة ، وهم لا يعجزون عنها كلها . قال الحافظ المنذري : وفي رواية لمسلم : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من س ب ح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ، وح مِ د الله ثلاثاً وثلاثين ، وك ب ر الله ثلاثاً وثلاثين ؛ فتلك تسعة وتسعون ، ثم قال : لا رواه مسلم والترمذي وغيرهما . أي : ولا مال عندنا نتصدق به . رواه مسلم ، كما في (الأربعين) للإمام النووي .
عدد الصفحات ٦٣64 إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ـ غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) . ولا مانع أن تقول : ((له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت)) فقد ورد ذلك في غير هذا من الأحاديث الصحيحة . فواظب أيها المسلم والمسلمة على ذلك وراء كل صلاة مكتوبة ـ أي : مفروضة ـ فإن أجرها كبير وثوابها عظيم . ومن فضائل التسبيح والتحميد : أ نّ أهل الجنة في الجنة لا يغفلون عن التسبيح والتحميد ، كما جاء عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنّ أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ، ولا يتفلون ، ولا يبولون ، ولا يتغوّطون ، ولا يمتخطون)) . قيل : فما بال الطعام ؟ . قال : ((ج شاء كرشح المسك ، ي له مون التسبيح والتحميد كما ت لهمون الن ف س)) . فأهل الجنة في الجنة لا ينقطع تسبيحهم ولا حمدهم لله تعالى ، ولكن ذلك من غير تعب ولا م ش ق ة ، بل هو من جملة نعيمهم الذي لا يستغنون عنه ، فهو ك ل ف بغير تكلف ، حباً في الله تعالى ، وه ياماً به سبحانه وتعالى . جعلنا الله تعالى منهم بفضله وكرمه ـ آمين . ومما ورد في فضائل التسبيح والتحميد : ما جاء في الحديث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن لله ملائكة ي طوفون في الطُّ رق يلتمسون قال الحافظ المنذري : ورواه مالك ، وابن خزيمة في (صحيحه) بلفظ هذه ، إلا أ نّ مالكاً قال في روايته : ((غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر)) . أي : أين يذهب ما يأكلون من الطعام . انظر (تيسير الوصول) وغيره .
عدد الصفحات ٦٤