المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين بعدها

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٢ من ١٠

17 وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((تفكروا في كل شيء ، ولا تفكروا في ذات الله)) . وفي رواية : ((فإنكم لا تقدرون قدره)) . وقد نقل علماء السلف عن سيدنا الصديق الأكبر رضي الله عنه أنه قال : العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث عن سِر ذات الرب إشراك وقال سيدي الشيخ الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه : قد جمع الشافعي رضي الله عنه جميع ما قيل في التوحيد بقوله : من انتهض لمعرفة مدب ره ، فانتهى إلى م و جود ينتهي إليه فكره ـ أي : حد له حداً بفكره ـ فهو مشب ه ، وإن اطمأن إلى العدم الص رف فهو معط ل ، وإن اطمأن لموجود، واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موح د . اهـ . فهو سبحانه أكبر مما عرفه الخلائق ، وإنهم عاجزون عن أن يحيطوا به علماً ، وإنّما عرفوه على حسب استعداداتهم وطاقتهم ، وهم في ذلك على مراتب ودرجات. وإنّ أعلم العلماء بالله تعالى هو سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي قال : ((أما والله إن ي لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية)) الحديث . وأهل الجنة يرون ربّهم سبحانه : قال تعالى : { وج وه ي و م ئِ ذٍ ن اضِ ر ة * إِ ل ى ر ب ه ا ن اظِ ر ة } . ولكن لا يلزم من رؤيتهم له أ نيحيطوا به علماً ، ولا أ ن تدرك أبصار هم حقيقة ذاتِه وتحيط به ، لأنّه سبحانه قال : {لا ت د رِك ه الأ ب ص ار و ه و ي د رِك الأ ب ص ار و ه و ال ل طِيف ال خ بِير }. رواه أبو الشيخ وغيره.

عدد الصفحات ١٧

18 فهم يرونه حقاً وعياناً، ولكن لا يحيطون به علماً ، وكيف ي حيط المتناهي بما لا يتناهى ؟ !! . عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى القمر ليلة البدر ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاتكم قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)) . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : {و س ب ح بِح م دِ ر ب ك ق ب ل ط ل وعِ الش م سِ و ق ب ل ال غ ر وبِ }. وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أ ن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنابه ، وأزواجه ، ونعيمه ، وخدمه ، وسرره ؛ مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله تعالى م ن ينظر إلى وجهه تعالى غدوة وعشية )) . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : { و ج وه ي و م ئِذٍ ن ا ضِر ة * إل ى ر ب ه ا ن اظِر ة } . وعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عز وجل : هل تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون : أل م ت ب ي ض وجوهنا ، أ ل م تدخلنا الجنة ، أ ل م ت ن جنا من النار ؟ . قال : في كشف الحجاب ، فما أ عطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى)) . ثم تلا هذه الآية : { *ل ل ذِينأ ح س ن وا ال ح س ن ى و زِي اد ة } . رواه الشيخان وغيرهما. رواه الترمذي وأحمد وغيرهما . رواه مسلم والترمذي وغيرهما .

عدد الصفحات ١٨

19 وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((بينا أهل الجنة إذ سطع ع ل يهم نور ، فرفعوا رؤوسهم فإذا الربُّ جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة ، وهو قوله تعالى : { سلا م ق و لاً م ن ر ب ر حِ يمٍ }. فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم ، وتبقى فيهم بركته ونوره)) . اللهم إنّا نسألك الجنة وما يقر ب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما ي قرب إليها من قول وعمل ـ آمين . الوجه الثالث من الكلام على : {ق ل ه و الله أ ح د } . بعدما ذكر سبحانه اسم{ه و}ذكر الاسم الجامع الدال على ذات الخالق، متصفاً بجميع صفات الكمالات العليا اللائقة به ، التي ما لها نهاية . فهذا الاسم ، وهو اسم الجلالة (الله) أجمع الأسماء الإلهية ، فهو مشتمل على جميع الأسماء الإلهية التي لا نهاية لها ، وهو اسم ع ل م ، دال ذات الله تعالى رب العالمين ، الإله المعبود حقاً ، متسمياً بجميع الأسماء الحسنى ، ومتصفاً بصفات الكمالات العليا. والأسماء الإلهية ، وصفات الكمالات العلي ة ما لها نهاية . فمنها المعلوم ومنها المغي ب ، ومنها ما اختص الله تعالى بعلمه . ومنها الظاهر ومنها الباطن . كما جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما أصاب عبداً همٌّ ولا ح ز ن فقال : اللهم إني عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فِي حكمك ، عدل فِي قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أ ن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، ونور صدري ـ وفي رواية : رواه ابن ماجه وغيره .

عدد الصفحات ١٩

21 ((ونور بصري)) ـ وجلاء حزني ، وذهاب ه م ي ؛ إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحاً )) رواه الإمام أحمد في (مسنده) . وقال الحافظ الزرقاني : ورواه ابن أبي الدنيا ، والطبراني ، والحاكم ، والبيهقي ، وجاء في روايته : قالوا : يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات ؟ . قال : ((بلى فتعلموهن وعل موهن)) . وقال المنذري : رواه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان . . إلخ . فأسماء الله تعالى ما لها نهاية وكلها حسنى . وروى البيهقي ، عن عائشة رضي الله عنها أ ن ها قالت : يا رسول الله ، علمني اسم الله الأعظم الذي إذا د عِي به أجاب . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((قومي فتوضئي ، وادخلي المسجد ، فصلي ركعتين ، ثم ادعي حتى أسمع)) . قالت : ففعلت . فلما جلست للدعاء ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((اللهم وفقها)) . فقالت : (اللهم إني أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلها ما علمنا منها وما لم نعلم ، وأسألك باسمك العظيم الأعظم ، الكبير الأكبر ، الذي من دعاك به أجبته ، ومن سألك به أعطيته) . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((أصبته أصبته)) . وقد جاء في حديث الشفاعة ، أ ن الله تعالى يفتح على حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله . وفي حديث الشفاعة ، يقول صلى الله عليه وآله وسلم : ((فيأتوني فيقولون : يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أنت رسول الله ، وخاتم الأنبياء ،

عدد الصفحات ٢٠

21 وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؛ اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه . فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي ، ثم يفتح الله تعالى عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وسل تعطه ، واشفع تشفع)) إلى تمام الحديث كما في البخاري ومسلم . وجاء في رواية : ((فأحمده بمحامد لا أعلمها الآن يلهمنيها الله تعالى)) . فيعلمه الله سبحانه محامد وأسماء إلهية ي ث ني بها على الله تعالى في ذلك الموقف . فأسماؤه سبحانه ما لها نهاية . وأما حديث : ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)) ، فالمراد أ ن من جملة أسماء الله تعالى تسعة وتسعين ، م ن أحصاها دخل الجنة ، وليس المراد ح ص ر الأسماء في التسعة والتسعين ، فهو بيان خصوصيته هذه الأسماء التسعة والتسعين ، وقد ذكرت ها في كتاب الدعاء وغيره والحمد لله تعالى . الوجه الرابع من الكلام على قوله تعالى : {ق ل ه و الله أ ح د }: اسم الجلالة(الله) له خصائص متعددة : 1 ـ هذا الاسم الجليل جامع لجميع الأسماء الإلهية ، ولهذا يقال له : الاسم الأعظم . كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : (اسم الله الأعظم هو : الله) . وكما قال جابر بن يزيد : (اسم الله الأعظم هو : الله ، ألا ترى أ ن ه في جميع القرآن يبدأ به قبل كل اسم) اهـ . رواه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما . رواه ابن أبي شيبة ، والبخاري في (تاريخه) ، وابن الضريس ، وابن أبي حاتم ، وروى ابن أبي شيبة عن الشعبي أنه قال : (اسم الله الأعظم يا ألله) . اهـ .

عدد الصفحات ٢١

22 2 ـهذا الاسم (الله) هو المتبوع ، وجميع الأسماء الإلهية تابعة له ، قال الله تعالى : {هو الله ال ذِ ي لا إِ ل ه إِ لا ه و ع الِ م ال غ ي بِ و الش ه اد ةِ ه و الر ح م ن الر حِ يم * ه و الله ال ذِ ي لا إل ه إلا ه و ال م لِ ك ال ق دُّ وس الس لا م ال م ؤ مِ ن ال م ه ي مِ ن ال ع زِ يز ال ج ب ار ال م ت ك ب ر س ب ح ان اللهِ ع م ا ي ش رِ ك ون * ه و الله ال خ الِ ق ال ب ارِ ئ ال م ص و ر ل ه الأ س م اء ال ح س ن ى ي س ب ح ل ه م ا فِ ي الس م او اتِ و الأ ر ضِ و ه و ال ع زِ يز ال ح كِ يم * }. فترى أ ن اسم الخالق والبارئ والمصور وما تقدمها ، كلها تابعة لاسم الجلالة (الله) على طريق الوصف . 3 ـ هذا الاسم الجليل (الله) تعل قت به جميع العوالم : بذاتها وذراتها وأنواعها . قال الله تعالى : { ي ا أ يُّه ا الن اس أ نت م ال ف ق ر اء إِل ى اللهِ و الله ه و ال غ نِيُّ ال ح مِيد } . فجميع العباد يقولون: يا الله ؛ دعاءً ، أو سؤالاً ، نداءاً أو ذكراً ، أو مناجاة ، ولكن في الحقيقة كل واحد منهم تعل ق باسم خاص داخل في دائرة اسم الله جل جلاله ، وإن ما يتبين ذلك الاسم من حال الداعي ، أو الذاكر ، أو المناجي ، أو السائل ، فمقتضى حال القائل يا ألله يدلك على ذلك الاسم الخاص الذي تعل ق به : فالمريض يقول :يا ألله ، والفقير يقول : يا ألله ، وضعيف القوى يقول : يا ألله ، والضالُّ يقول : يا ألله ، والمظلوم يقول : يا ألله . فالكل متعلقون بهذا الاسم الجليل يا ألله ، ولكن الذي يجيب كل واحد منهم ، هو الاسم الذي يقتضيه حالهم . فقول المريض : يا ألله أي : يا شافي . وقول المحتاج : يا ألله أي : يا كافي . وقول الضعيف العاجز : يا ألله أي : يا قوي .

عدد الصفحات ٢٢

23 وقول المظلوم: يا ألله أي : يا ناصر انصرني على من ظلمني . وقول المبغي عليه : يا ألله أي : يا منتقم . فيجيبه الاسم الخاص كما هو مقتضى حاله ، وذلك الاسم داخل في دائرة الاسم الجامع لجميع الأسماء الإلهية وهو الله جل جلاله . 4 ـ ومن خصائص هذا الاسم الجليل (الله) أ نّك إذا أدخلت عليه ياء النداء تبقى الألف ثابتة تقول : يا ألله ، بإثبات الألف بخلاف غيره من الأسماء التي فيها أل ، فإن الألف تحذف إذا دخلت أداة النداء . كما معلوم في لغة العرب . 5 ـ ومن خصائص هذا الاسم الجليل ملازمة الألف واللام له فهما من ذات الاسم الجليل . 6 ـ ومن خصائص هذا الاسم الجليل أ ن ه قد ت حذف ياء النداء من أوله ، وت ع و ض عنها ميم مشددة ، فيقال : اللهمّ ـ والمعنى : يا ألله ـ . قال ابن مالك رحمه الله تعالى في الألفيه : وباضطرارٍ خ ص جمع يا وأل إلا مع الله وم حكي الج مل والأكثر اللهمُّ بالتعويض وش ذ يا اللهم في ق ريضِ أي : في الشعر . 7 ـ ومن خصائص هذا الاسم الجليل (الله) أ نّه حيث تصرفت حروفه دلّك على الله تعالى : فإذا حذفت منه الألف صار لله ، قال تعالى : {للهِِ م ا فِ ي الس م او اتِ و م ا فِ ي الأ ر ضِ }الآية. وإذا حذفت منه الألف واللام الأولى صار له ، قال تعالى : { له م ا فِ ي الس م او اتِ و م ا فِ ي الأ ر ضِ }الآية.

عدد الصفحات ٢٣

24 وإذا حذفت منه الألف واللامان صار هو، قال تعالى : { هو ال ذِ ي خ ل ق ل ك م م ا فِ ي الأ ر ضِ ج مِ يعاً ث م اس ت و ى إِ ل ى الس م اءِ }الآية. 8 ـ ومن خصائص هذا الاسم أ نّ تكراره ي فرج الكرب : روى أبو داود ، عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أ لا أعلمك كلمات تقوليهنّ عند الكرب أو في الكرب : الله الله ربي لا أشرك به شيئاً )) . وقد ذكر العارفون لهذا الاسم الجليل خصائص كثيرة ، ومن أعظمها أ نّ الإكثار منه يقوي الإيمان ، وي كمل به اليقين ، فيكون المكثر منه من المؤمنين الموقنين ، كما أ نّ الإكثار منه ي ورث ط مأنينة القلب وقوته . قال تعالى : {الذِ ين آم ن وا و ت ط م ئِ نُّ ق ل و ب هم بِ ذِ ك رِ اللهِ أ لا بِ ذِ ك رِ اللهِ ت ط م ئِ نُّ ال ق ل وب }. الوجه الخامس من الكلام على قوله تعالى : { قل ه و الله أ ح د } :في هذه الآية الكريمة إرشاد إلى البرهان العقلي الدال على إثبات وجود الله تعالى ، وإثبات وحدانيته سبحانه . وبيان ذلك : أ نّ العاقل إذا نظر في هذا العالم وفكر فيه ي ثبت عنده أ ن ه و جِد بعد عدم ، وهذا أمر مشاهد ، فالإنسان كان معدوماً ثم و جِد ، وهكذا الحيوان ، وهكذا النبات والطيور ؛ وجميع ما هنالك . إذاً هنا ي فك ر العاقل كيف و جدت الأشياء بعد العدم ؟ فإنْ قيل : إنّها خ لقت بحالها وطبيعتها دون م وجد أ و ج دها . قلنا : هذا باطل ، لأ ن العدم لا ي عطي الوجود ، وإنّ و جود المعدوم هو : انتقال من العدم إلى الوجود ، فلا بد لهذا الانتقال والتحرك من العدم إلى الوجود ؛ لا ب د له من ناقل ومحرك . قال الحافظ المنذري : رواه أبو داود واللفظ له ، والنسائي وابن ماجه ، ورواه الطبراني في (الدعاء) وعنده : فليقل : ((الله ربي لا أ شرك به شيئاً ـ ثلاث مرات)) .

عدد الصفحات ٢٤

25 فإنّ العدم عدم لا يتأتى منه تحرك ولا انتقال ، فلا بد من محرك وناقل من العدم إلى الوجود حتى ي صير موجوداً ، فإنّ التحرك بلا محرك غير معقول ؛ فإنّ العدم لا ي عطي حقيقة الوجود ، لأنّ العدم ماله حقيقة . فلا بد للمتحرك من محرك ، ولا بد للبناية من بانٍ ؛ وهكذا . إذاً لا بد من خالق ينقل هذا المعدوم إلى الوجود حتى يصير موجوداً ، ويطو ر ه من طور العدم إلى الوجود ؛ إذاً م ن ه و هذا الخالق الموجِ د ؟ . فإن قيل : هو نفس الموجود هو أوجد نفسه . قلنا : هذا الموجود كان معدوماً ، فكيف وهو معدوم يتأتى منه الإيجاد ؛ وهو غير موجود . فإن قيل : الموجد للإنسان هو أبوه . قلنا : وأبوه مثله ، وأبو أبيه مثله أيضاً ، فإذا كان معدوماً لا يتصور منه أ ن يوجِد نفسه ، بل هو عاجز عن ذلك ، فكيف يوجد غيره ، مع أ ن أبا ه لا يعلم هل ي ول د له و لد أ م لا ، وهل ذلك الولد : ذكراً أ م أنثى ، لا يعلم ذلك قبل ظهوره في الوجود ، ب ل قد ي ريد الولد ولا يأتيه ، وقد يريد الذكر وتأتيه الأنثى . فإذاً لا بد أن ينتهي الأمر إلى م و جودٍ واجب الوجود ، لم يسبقه عدم ولا يلحقه العدم ، بل هو خالق قديم لا أ وّل له ، باقٍ لا آخر له ، ووجوده واجِب لا ي ت صور في العقل عدمه ؛ أ لا هو الله تعالى ر بُّ العالمين . و مِن ثم أقام الله تعالى الدليل على وجوده ووحدانيته ، فأمر عباده أ ن ينظروا في المخلوقات والمصنوعات ، فيعلموا أ نّه هو وحده الخالق الصانع ، فاقرأ الآيات الكريمة من سورة النمل : {أ م نخ ل ق الس م او اتِ و الأ ر ض و أ نز ل ل ك م م ن الس م اءِ م اءً ف أ نب ت ن ا بِ هِ ح د ائِ ق ذ ات ب ه ج ةٍ م ا ك ان ل ك م أ ن ت نبِ ت وا ش ج ر ه ا أ ءِ ل ه م ع اللهِ ب ل ه م ق و م ي ع دِ ل ون * أ م ن ج ع ل الأ ر ض ق ر اراً و ج ع ل خِ لا ل ه ا أ ن ه اراً و ج ع ل ل ه ا ر و اسِ ي و ج ع ل ب ي ن ال ب ح ر ي نِ ح اجِ زاً أ ءِ ل ه م ع اللهِ ب ل أ ك ث ر ه م لا ي ع ل م ون * أ م ن ي جِ يب ال م ض ط ر

عدد الصفحات ٢٥

26 إِذ ا د ع اه و ي ك شِ ف السُّ وء و ي ج ع ل ك م خ ل ف اء الأ ر ضِ أ ءِ ل ه م ع اللهِ ق لِ يلاً م ا ت ذ ك ر ون * أ م ن ي ه دِ يك م فِ ي ظ ل م اتِ ال ب ر و ال ب ح رِ و م ن ي ر سِ ل الر ي اح ب ش ر اً ب ي ن ي د ي ر ح م تِ هِ أ ءِ ل ه م ع اللهِ ت ع ال ى الله ع م ا ي ش رِ ك ون * أ م ن ي ب د ؤ ا ال خ ل ق ث م ي عِ يد ه و م ن ي ر ز ق ك م م ن الس م اءِ و الأ ر ضِ أ ءِ ل ه م ع اللهِ ق ل ه ات وا ب ر ه ان ك م إِ ن ك نت م ص ادِ قِ ين * }. أي: فهذه براهين قاطعة ساطعة ، تدل على وجوب وجود الله تعالى ووحدانيته ، فليأت المنكرون ببرهانهم إن كانوا صادقين . فهو سبحانه الأحد ليس قبله شيء ، ولا معه ثان ، لأنّه واحد ، كما أخبرنا بذلك سبحانه ، ووحدانيته ثابتة بالبراهين العقلية . وبيان ذلك أ ن ي قال لمن يدعي تعدد الإله الحق : إِنّ الإله الواحد لا بد منه ، فإن هذه المخلوقات والمصنوعات ت دل على أن لها خالقاً خلقها ، وصانعاً صنعها ، وهذا الخالق لا ب د أ ن تكون قدرته لا نهاية لها ، وكذا علمه وحكمته وإرادته ، وجميع صفاته كلها أزلية أبدية ، قديمة باقية ، ملازمة لذاته القديمة الباقية . فالموح د للإله والمعد د متفقون على وجود الإله الواحد . إذاً فما هو الدليل العقلي على أ نّ معه ثانياً كما يزعم القائل بالتعدد ؟ وما و ج ه الحاجة إلى الشريك ؟ ! في حين أ نّه سبحانه كامل القدرة وسائر الصفات على وجه لا يتناهى ، فما وجه الحصر العقلي في أنّ معه ثانياً وليس هو بواحد . وإن ادعى التثليث ـ أ نّ الآلهة ثلاثة ـ فما وجه الحصر العقلي في أنهم ثلاثة وليسوا بأربعة ، وإن ادعى أ نّهم أربعة ف لِم ل م يكونوا خمسة ، ولا أكثر ولا أ ق لّ ، وما وجه الحصر العقلي في ذلك كله ؟ . فأما الواحد فلا بد منه ، لأ ن ه لا بد للمصنوع من صانع ، وللأثر من مؤثر ، وللمتحرك من محرك ، وللبناية من بانٍ ، فالزيادة على الإله الواحد لا دليل عليها ولا برهان .

عدد الصفحات ٢٦

27 قال: {وم ن ي د ع م ع اللهِ إِل هاً آخ ر لا ب ر ه ان ل ه }. فلا تجحد أيها العاقل، ولا تستر وجه الحق بالباطل ، فتكون كافراً ـ أي : ساتراً لنور الحق بعدما اتضح ـ . قال تعالى : {وم ن ي د ع م ع اللهِ إِ ل هاً آخ ر لا ب ر ه ان ل ه بِ هِ ف إِ ن م ا حِ س اب ه عِ ند ر ب هِ إِ ن ه لا ي ف لِ ح ال ك افِ ر ون } .أي: لأنهم عرفوا الحق ولم يعترفوا به ، بل ستروه وجحدوا ، فحقت كلمة العذاب على الكافرين . قال تعالى : {يرِ يد ون أ ن ي ط فِ ئ وا ن ور اللهِ بِ أ ف و اهِ هِ م و ي أ ب ى الله إِ لا أ ن ي تِ م ن ور ه و ل و ك رِ ه ال ك افِ ر ون * ه و ال ذِ ي أ ر س ل ر س ول ه بِ ال ه د ى و دِ ينِ ال ح ق لِ ي ظ هِ ر ه ع ل ى الد ينِ ك ل هِ و ل و ك رِ ه ال م ش رِك ون } . ضفدعة جاءت لشرب البحر وكافر يطفئ شمس الظهر وأحمـق يستـر وجـه البـدر ثـلاثـة مضحكـة لعمـري الطريقة الثانية في إقامة البرهان على إبطال ما يدعيه القائل بتعدد الآلهة : قال تعالى : {لو ك ان فِ يهِ م ا آلِ ه ة إِ لا الله ل ف س د ت ا ف س ب ح ان اللهِ ر ب ال ع ر شِ ع م ا ي صِ ف ون }. ففي هذه الآية الكريمةبرهان قاطع ي بطل القول بتعدد الآلهة ، ويثبت وجوب وجود الإله الحق ووحدته . وبيان ذلك أن يقال : لو كان هناك رب ان أو أكثر : فإما أن يكون اختلافهما واجباً ، أو يكون اتفاقهما واجباً ، أو يكون اختلافهما واتفاقهما جائزين . هذه هي الوجوه التي يمكن أن يفترضها العقل لدى السبر والتقسيم : فإن كان اختلافهما واجباً : بأن يريد أحدهما إيجاد شيءٍ ، ويريد الآخر إعدامه ، فإما أن ي غ لِب أحدهما الآخر ، فلا ش ك أن الغالب هو الربُّ الإله الحق ، والآخر ليس بإله حق لعجزه .

عدد الصفحات ٢٧

28 وإما أن يغلب كل واحد منهما الآخر ؛ فكلاهما ليس برب ح ق لعجزهما معاً عن الإيجاد والإعدام ، ويلزم على ذلك أيضاً ارتفاع النقيضين وهما : الوجود والعدم ، وارتفاع النقيضين مستحيل كاجتماعهما . وذلك أن النقيضين هما المتقابلان اللذان لا يجتمعان في الشيء الواحد ولا يفارقانه ، كالوجود والعدم ، والظلمة والنور ، والحركة والسكون ، ونحو ذلك . وأما الضدان فهما المتقابلان اللذان لا يجتمعان في شيء واحد وقد يفارقانه : كالبياض والسواد . وإما أن لا يغلب كل واحد منهما الآخر ، فكلاهما ليس برب حق أيضاً ، لعجز كل واحد منهما عن أن يغلب الآخر ، ويلزم من هذه الصورة اجتماع النقيضين ، وهذا مستحيل أيضاً . هذه صور اختلافهما وكلها مستحيلة . وأما إن كان اتفاقهما واجباً ـ أي : أمراً لازماً في كل ما ي ف ع لانه ، وفي كل ما يريدانه ـ فيلزم منه حينئذٍ أن يكون كل واحد منهما لا يمكنه أن يفعل فعلاً أ ي فعل كان ، ولا يمكنه أن يريد شيئاً أ ي شيءٍ كان ؛ حتى ي وافقه الآخر على فعل ما يفعله ، أو يوافقه على إرادة ما يريده ، حتى أ نّه لو لم يوافق أحدهما الآخر على فعل ما يفعله ، أو إرادة ما يريده ، لما أمكن الآخر أن يفعل شيئاً أصلاً ، ولا أن يريد شيئاً أصلاً ، وعلى هذا فيلزم حينئذٍ عجز كل واحد منهما معاً في كل ما يفعلانه أو يريدانه . وذلك لأن ه حينئذ لا يتمكن هذا من فعل ما يفعله ، أو إرادة ما يريده حتى يوافقه الآخر على فعله وإرادته ، وهذا أيضاً لا يتمكن من فعل ما يفعله ، أو إرادة ما يريده حتى يوافقه الآخر على فعله وإرادته ، فيكون حينئذٍ هذا عاجزاً بنفسه عن فعل ما يفعله وإرادة ما يريده حتى يجعله الآخر باتفاقه معه قادراً ؛ أو بالعكس ـ أي : ويكون هذا أيضاً عاجزاً بنفسه عن فعل ما يريده حتى يجعله الآخر باتفاقه معه قادراً ـ فلا يكون واحد منهما قادراً على فعل ما يريده إلاّ بأن يجعله الآخر قادراً على ذلك ، حتى لو طلب العبد حاجته من أحد الربين لم يقدر على قضاء حاجته إلاّ بأن يأذن له الرب الآخر ، ويعاونه ويجعله بإعانته واتفاقه معه قادراً ؛ أو بالعكس .

عدد الصفحات ٢٨

29 بل نقول: إن نفس الموافقة ونفس الإرادة فعل من جملة الأفعال ، وقد فرضنا أن كل واحدٍ من الربين لا يمكنه أن يفعل فعلاً حتى يوافقه الآخر ؛ وعلى هذا فلا يمكن هذا أن يوافق الآخر على فعل الموافقة حتى يوافقه الآخر على فعل الموافقة ؛ وبالعكس ـ أي : لا يمكن هذا أن يوافق الآخر على فعل الموافقة ؛ حتى يوافقه الآخر على فعل الموافقة ، وهذه الموافقة أيضاً لا يمكن أن يفعلها هذا حتى يوافقه الآخر على فعلها ؛ وبالعكس ـ . وهكذا فيلزم عليه أن لا يكون هذا رباً إلاّ بشرط أن يجعله الآخر بموافقته رباً ، والآخر أيضاً لا يقدر أن يجعله رباً إلاّ بشرط أن يجعله الآخر رباً ، وهكذا يدور الأمر . وهذا يسمى عند العلماء : بالدور القبلي ، وهو باطل . يستحيل بإجماع أهل الأرض والسماء . وهكذا يدور الأمر فيكون كل واحد منهما محتاجاً إلى الآخر حتى يجعله رباً ، فالاستحالة هنا من جهتين : من جهة أن هذا دور ق ب لي ، ومن جهة أ ن من عجز أن يجعل نفسه رباً فكيف يقدر أن يجعل غيره رباً ، فلا يصير هذا رباً ، ولا يصير هذا رباً ، وعلى هذا التقدير الباطل فلا يكون هناك لا رب واحد ولا ربان ، وإذا لم يكن هناك لا رب ولا ربان ؛ فلا توجد السماوات ولا الأرض لفقد الرب ، فهو كما قال تعالى : {ل و ك ان فِ يهِ م ا آلِ ه ةً إِ لا الله ل ف س د ت ا }أي: لم توجدا . لا يقال : قد يتعاون الرجلان على حمل شيءٍ ثقيل مثلاً ، فكيف يكون تعاون الربين مستحيلاً ؟ . لأنا نقول : هذا قياس مع الفارق فرقاناً فاحشاً ، بعيداً أبعد ما بين الوجود والعدم ، وأين الربين من المخلوقين ؟! . فإن الرجلين المتعاونين مخلوقان ليس وجودهما من ذاتهما ، ولا قدرتهما من ذاتهما ، ولا إرادتهما من أنفسهما ، بل لهما رب خالق ، وهو الذي يجعلهما يتعاونان بإل هامه إياهما ، وتزيينه لهما ، وبتحريكه لهما ، وإقدارهما على المعاونة ، فرجعت اثنتاهما إلى وحدة ربهما الذي خلقهما وجعلهما يتعاونان ، فكان الرجلان المتعاونان بمنزلة اليدين المتعاونتين على حمل شيء ، فكما أن صاحب اليدين هو الذي يجعلهما ـ بحسب ظاهر

عدد الصفحات ٢٩

31 الأمر ـ يتعاونان، ومرجع اليدين له ، فكذلك ـ بلا تشبيه ـ مرجع الرجلين المتعاونين لله الواحد ربهما ، فهذان الربان إن لم يكن لهما رب يجعلهما أرباباً فليسا بربين كما قررناه . وإن كان لهما رب يرجعان إليه كان هو الرب الحق وحده دونهما ، لأن م ن يحتاج إلى غيره حتى يجعله رباً فهو ليس برب حق بل كذاب ، فالرب يجب أن يكون فع الاً لما يريد بنفسه بلا معاون ، قادراً على ما يشاء بذاته بلا مشارك ، كما قال تعالى : {إِن ب ط ش ر ب ك ل ش دِ يد * إِ ن ه ه و ي ب دِ ئ و ي عِ يد * و ه و ال غ ف ور ال و د ود * ذ و ال ع ر شِ ال م جِ يد * ف ع ال لِ م ا ي رِ يد * }. وقال تعالى: {إِن ر ب ك ف ع ال ل م ا ي رِ يد }. وقال تعالى: {ول و ش اء الله م ا اق ت ت ل وا و ل كِ ن الله ي ف ع ل م ا ي رِ يد }. هذا كله إذا كان اتفاقهما واجباً لا جائزاً . فإن كان اتفاقهما أمراً جائزاً ـ أي : يجوز اتفاقهما واختلافهما ـ ، فلا بد حينئذٍ من مرجح يرجح أحد الجائزين على الآخر ، فلا بد من حدوث أمر يقتضي اختلافهما تارة فينجران من أجله على الاختلاف ، أو حدوث أمر آخر يقتضي اتفاقهما تارة أخرى فينجران من أجله على الاتفاق . كما يقع ذلك لملوك أهل الأرض ، تارة تتفق ، وتارة تختلف ؛ لأمور يحدثها ويجددها ربُّ العالمين ، مالك الملك ، يجرهم بسببها على الاتفاق أو على الاختلاف ؛ فيقتتلون أو يتفقون : {ول و ش آء الله م ا اق ت ت ل وا و ل كِ ن الله ي ف ع ل م ا ي رِ يد }. فنقول: إن الأمر الذي انجر الربان من أجله على الاختلاف لا شك هو حادث ، وكذا الأمر الذي انجر الربان من أجله على الاتفاق هو حادث ، فلا بد لهما من محدث ، لما تقرر أن كل حادث لا بد له من محدث ، فلا ب د لهذين الأمرين من رب خالق يحدثهما . فخالق هذين الأمرين الذين انجر الربان من أجلهما على الاختلاف تارة أو على الاتفاق تارة ؛ هو الذي إن شاء ساق الربين بأسباب يحدثها ويخلقها إلى الاختلاف ، أو ساقهما بأسباب إلى الاتفاق ، فهذا الذي إن شاء ساقهما

عدد الصفحات ٣٠

31 إلى الاختلاف تارة، أو إلى الاتفاق تارة هو الرب الحقيقي لا هذين المجبورين المقهورين تحت رب آخر . فرجعت الكثرة إلى وحدة هذا الرب . وبالجملة فهذا ـ أي : قوله تعالى : {لو ك ان فِ يهِ م ا آلِ ه ة إِ لا الله ل ف س د ت ا }ـ برهان تام عقلي قطعي على توحيد الله في ربوبيته وألوهيته ، خلافاً لبعض علماء الكلام من المتأخرين ، فإنه زعم أنه برهان إقناعي لا يكون حجة إلاّ على عوام الناس لا على الخواص ؛ وهو خطأ فاحش . وفي هذه الآية قياس استثنائي ترتيبه هكذا : لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا ، لكنهما لم تفسدا ، فليس فيهما آلهة إلاّ الله . ومن هنا يعلم العاقل أن القرآن الكريم جاء بالبراهين القاطعة ، والحجج الساطعة ، الدالة على وجود الله تعالى ووحدانيته ، والدالة على ح قِي ة قضايا الإيمان ؛ كما سيتضح جميع ذلك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . {ق ل ه و الله أ ح د } قال العلامة الخطيب الشربيني في تفسيره: جاء في لغة العرب لغات كثيرة ، ي قال : واحد ، وأحد ، ووحد ، ووحيد ، وحاد ، وآحاد ، وأوحد ، قال : وهذا كله راجع إلى معنى الواحد ، وإن كان في ذلك معان لطيفه . قال : ولم يجئ في صفات الله تعالى إلا الواحد والأحد . اهـ . وهناك بعض الفوارق في الاستعمال اللغوي بين الأحد والواحد مذكورة في المطولات . فالله تعالى واحد ، م ن ز ه عن التركيب والتعدد ، وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيُّزِ والمماثلة في الذات والصفات ، وهو الأحد الذي لا أحد قبله ، بل هو قبل كل شيء ، وهو الأول الذي لا م بدأ لأوليته .

عدد الصفحات ٣١

32 روى الإمام البخاري في كتاب: (بدء الخلق) بسنده ، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : (دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعقلت ناقتي بالباب ، فأتاه صلى الله عليه وآله وسلم ناس من بني تميم . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((اقبلوا البشرى يا بني تميم)) . قالوا : ب ش ر تنا فأعطنا ـ مرتين ـ . ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم)). قالوا : قد قبلنا يا رسول الله . ثم قالوا : جئنا نسألك عن هذا الأمر ـ وفي رواية في كتاب التوحيد : جئنا لنتفقه في الدين ، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان ؟ ـ . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((كان الله ولم يكن شيء غيره)) وفي رواية كتاب التوحيد : ((كان الله ولم يكن شيء قبله ، وكان عرشه على الماء ؛ وكتب في الذكر ك ل شيء ، وخلق السموات والأرض)) . قال عمران بن الحصين رضي الله عنه : فنادى منادٍ ذهبت ناقتك يا ابن الحصين . فانطلقت فإذا هي ي قطع دونها السراب ، فوالله لوددت أ ن ي تركتها . قال في (الفتح) : ووقع في قصة نافع بن زيد : نسألك عن أول هذا الأمر ، قال : وكأنهم سألوه عن أحوال هذا العالم وهو الظاهر . اهـ والمعنى : أنهم سألوه عن أول هذا العالم ما كان ، أهو قديم لا أول له ، أم هو مخلوق بعد عدم . قال الحافظ في (الفتح) في الرواية الآتية في التوحيد : ((ولم يكن شيء قبله)) ، وفي رواية غير البخاري : ((لم يكن شيء م ع ه)) . اهـ . هذه كينونة حادثة ، فإنّ العرش مخلوق بعد العدم ، بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ولم يكن شيء غيره)) وقد تكلمت على شرح هذا الحديث في (هدي القرآن الكريم) .

عدد الصفحات ٣٢