المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رسالة في الائتلاف ونبذ الفرقة والخلاف

وسيم فتح الله

صفحة ٣ من ٤

33 الفصل الثاني: مسائل منهجية تتعلق بالتعامل مع المخالف إن العلم بالأصول المتقدمة الدالة على قصد الإسلام تحقيق التآلف بين أفراد المجتمع الإسلامي مع ما نشاهده اليوم من تهارج وقطيعة وشحناء وإحن بين المسلمين يفرض التساؤل عن الضوابط العملية التي تنظم التعامل بين المسلمين في سياق تحقيق هذا المقصد. وسوف أتناول جملةً من هذه الضوابط في صورة قواعد عامة عسى أن تشكل بمجموعها معالم منهجية للسير بتوفيق الله عز وجل . قاعدة: إذا ضاق اسم الإيمان اتسع اسم الإسلام، وإذا اتسع اسم الإسلام ضاق اسم الإيمان إن الإسلام والإيمان اسان من أساء الدين بينهما عموم وخصوص؛ فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن، وقد يرد استخدام أحد الاسين مرادفاً للآخر في مواضع، بحيث نقول إن الإسلام والإيمان اسان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؛ بمعن: أن الإيمان والإسلام إذا وردا معاً في موضع دل كل منهما على معن غير الآخر كقوله تعالى : (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا )117،وكما في حديث جبريل حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "يا محمد، أخبرني عن الإسلام: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً . قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان . قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره . قال: صدقت"118، الحديث . فهذا النص يدل على أن مرتبة الإيمان فوق مرتبة الإسلام، يدلك على هذا أيضاً أن المنافق الملتزم بأركان الإسلام الظاهرة يصدق عليه اسم المسلم ولا يصدق عليه اسم المؤمن في نفس الأمر، فتأمل. ومن جهة أخرى إذا ورد كلٌ من اسم الإسلام والإيمان بمفرده دل على ما يلازمه من المعن الآخر، وكان مرادفاً له كما في كل النداءات القرآنية: (يا أيها الذين آمنوا) فإن المسلمين مخاطبون بها، فاسم المؤمن في هذا النداء مرادفٌ لاسم المسلم وإن كان في اختيار اسم المؤمن نوع تهييج للاستجابة للنداء لما فيه من دلالة ضمنية على علو مرتبة من التزم بموجب النداء . 117 سورة الحجرات- 51 118 صحيح مسلم- حديث 7

عدد الصفحات ٣٣

34 فإذا تبين هذا، تقرر أن دائرة الإيمان أضيق من دائرة الإسلام، ولقد تقرر معنا فيما تقدم أن الإيمان هو مناط الولاء الإيماني، فينبني على هاتين المقدم أنه ك لما زاد الإيمان قويت رابطة الولاء وكلما نقص الإيمان ضعفت رابطة الولاء، وهذا مبني على الأصل الصحيح القاضي أن الإيمان قول وعمل بالقلب واللسان والجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولكن هنا مسألة هي الفيصل في مقامنا هذا، وهي مسألة ظهور الدين وتمكينه وو شي الدين ودروسه119،فكلما كان الدين أكثر ظهوراا وتمكنياا ضاق أثر العمل في ميزان الولاء، وكلما كان الدين أشد اندراساا وأقل شوكةا اتسع أثر العمل في ميزان الولاء، والأمر في الترك عكس ذلك، فكلما كان الدين أكثر ظهوراا وتمكيناا اتسع أثر الترك في ميزان البراء، وكلما كان الدين أشد ا ندراساا وأقل شوكةا ضاق أثر الترك في ميزان البراء، وذلك لأن دلالة العمل على الإيمان تتناسب مع الظرف الذي يلتزم العامل فيه العمل، سواء أكان هذا الظرف متعلقاً بوفرة العلم أم وفرة الصالحين والأعوان على الخير أم قوة شوكة ال دين والتمكين لأهله ونحو ذلك، وبالمثال يتضح المقال: فإذا أخذنا عملاً من أعمال الإيمان كالصلاة، وهي ركن الإسلام الثاني، ونظرنا إلى أثر التزام الصلاة في تحقيق مناط الولاء الإيماني فإننا نقارن بين حالتين : الأولى حالة التزام المسلم بالصلاة في مجتمع مسلم يقيم شرع الله مع وفرة العلماء وانتشار العلم وكثرة الصالحين والدالين على الخير وإقامة شعائر الصلاة من أذان وجماعة ومراعاة أوقات الصلاة في السوق، والحالة الثانية حالة التزام المسلم بالصلاة في مجتمع لا يقيم شرع الله وندرة العلماء وانتشار الجهل والفسق وندرة المسلمن وندرة الدالين على الخير وتعطيل شعائر الصلاة فلا أذان ولا جماعة ولا جمعة ولا مراعاة لأوقات الصلاة في السوق، فهل تكون دلالة الحالة الأولى على رتبة الإيمان كدلالة الحالة الثانية؟ وهل تكون دلالة التفريط في بعض الصلوات في الحالة الأولى كدلالتها في الحالة الثانية؟ إن هذا لا يكون، يدلك على ذلك أن الص حابة رضوان الله عل يهم حين يفاضل بعضهم بعضاً في الأعمال لم يكونوا يذكرون أن فلاناً من الصحابة يصلي، وإنما يذكرون الهجرة والجهاد وغيرها من الفضائل الظاهرة الخاصة بزمن النبوة، أما في الترك فحين يذكرون النفاق يذكرون ترك الصلاة، قال ابن مسعود رضي الله عنه :"من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلو ات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم، وما من رجلٍ يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه به ا سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى 119 أي ضعف ظهوره وتلاشي معالمه في المجتمع كما في آخر الزمان

عدد الصفحات ٣٤

35 يقام في الصف"120، وإذا تأملت قوله ابن مسعود في كون صلاة الجماعة في المسجد من سنن الهدى وفي الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين وقوله أنهم كانوا لا يرون المتخلف عن الجماعة إلا منافقاً لتبين لك السياق الذي جعل الترك دلالة على النفاق، وهو سياق ظهور السنة وتمكن الدين و حرص الصحابة على إقامة ركنه الركين، بحيث لا يدل ترك هذا عندهم إلا على النفاق، فيصح للجماعة حينئذٍ أن تتبرأ ممن لا يحضر صلاة الجماعة، ثم تأمل حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا ي درى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ول ي سرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها، فقال له صلة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلا ة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة ، تنجيهم من النار، ثلاثاً 121، فتأمل هذا السياق حيث اندرس الدين وضاعت فرائضه وأعماله فإن هذا السياق هو الذي أعطى قول "لا إله إلا الله" دلالته القوية على بقاء أصل الإيمان وأوجب النجاة بها من النار، وتأمل إعراض حذيفة عمن جعل يسأل عن هذه الدلالة لأن هذه الكلمة بمفردها مع ترك أعمال الدين وفروضه في زمان الصحابة والتابعين لا تكفي في الدلالة على الإيمان كما هو مذهب أهل الإرجاء، فلا يمكن أن يكو ن ولاؤنا الإيماني للقائلين كلمة التوحيد مجردة عن العمل متماثلاً في الحالتين، لا أن قيمة الكملة في ذاته ا متفاوتة، ولكن دلالة الكلمة على التزام عقد الإيمان ه ي المتفاوتة بحسب السياق . والحاصل من حديث ابن مسعود أن الأمر إذا اتسع ضاق، فلما كثرت دوافع التزام الصلا ة في عهد الصحابة ضاق أثرها في الدلالة على عقد الإيمان وهو مناط الولاء واتسعت دلالة تركها على عقد النفاق وهو مناط البراء،والحاصل من حديث حذيفة أن الأمر إذا ضاق اتسع، فلما ضاق أمر الدين حتى ضاعت معالمه وأركانه ولم يبق من عهد الناس به إلا قول لا إله إلا الله ، اتسعت سفينة النجاة لقائلي هذه الكلمة مع ضياع غيرها مما أجمع المسلمون أنه من أركان الإسلام التي لا يصح الإسلام بغيرها، فتأمل. وأنا أنبه أن الكلام هنا ليس في تعريف الإيمان أو مكانة الصلاة أو خطر بدعة الإرجاء فهذه مسائل راسخة ثاب تة لا كلام فيها، والإرجاء بد عة باطلة لا مكان لها في عقيدة الإسلام الصحيحة، إنما الكلام هنا في دلالة هذه الأقوال والأعمال في واقعنا اليوم على مدى التزام عقد الإيمان الموجب للولاء أو عقد النفاق والكفر الموجب للبراء ، أو قل هو في الكلام على موجبات الولاء والبراء ؛ وإنني لأعجب اليوم ممن يو الي ويعادي على مسائل في الأساء والصفات لم يخاطب الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم بها 120 صحيح مسلم– حديث 911 121 سنن ابن ماجة- حديث 1016- وصلة: راوي الحديث عن الصحابي

عدد الصفحات ٣٥

36 العامة وب السلف الصالح من العلماء منهج السنة فيها:"أمرم و ها كما جاءت "، فيأبى إلا أن يجعل من هذه المسائل العلمية مسرحاً لجدليات عصبية ومعاقد لأحزابٍ عملية يوالي ويعادي عليها، ويصنف المسلمين بمقتضاها، في وقت تتعرض فيه الأمة الإسلامية كلها إلى هجمة شرسة همجية من أعداء الله تعالى تريد أن تستأصل شأفتهم وتأتي على أولهم وآخرهم ، دون أن تميز بين طائفةٍ وأخرى منهم، ولعمري إني لأرى أعداء ا لإسلام يعملون بمقتضى اسم "المسلم" أكثر مما يعمل به كثير من المسلمين اليوم، فترى أعداء الإسلام يستهدفون بحربهم الهمجية الشرسة كل من يقول لا إله إلا الله أياً كانت فرقته أو حزبه أو قبيلته أو عشيرته أو وطنه أو جنسيته، في حين نرى المسلمين اليوم لا يوالون من يقول لا إله إلا الله إلا إذا كان من فرقته أو حزبه أو طائفته أو قبيلته أو وطنه أو جنسيته أو غير ذلك م ن معاقد الولاء الجاهلية العقيمة التي ما شرع ها الله تعالى ولا أذن بها، قال الله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)122، قال الإمام الطبري :"ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله ابتداعه"123، فكل ما لم يأت به الشرع مما يتعلق بالأقوال والأفعال الشرعية داخل في هذا الذم والإنكار، وتدخل في هذا الباب مسألة أساء الدين دخولاً أولياً لأن الأحكام الشرعية منوطة بها، فلقد قال تعالى: (والمؤمنون المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وين هون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيزٌ حكيم )124، قال الإمام البغوي :"قوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) في الدين واجتماع الكلمة والعون والنصرة "125، قلت: فالحكم متعلق بالمؤمنين، وقال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو س اكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير )126، قال ا لإمام الطبري :"يقول تعالى ذكره : س اكم يا معشر من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم مسلمين"127، فأحكام الدين والنصرة والشهود الأممي من موجبات اسم "المسلمين"، نعم قد يفسق المؤمن ويفسق المسلم فيكون مؤمناً فاسقاً ومسلماً فاسقاً؛ مؤمناً بإيمانه وفاسفاً بكبيرته، ومسلم اً بإسلامه وفاسقاً بكبيرته، ولئن استحق بوصف الفسق ما يستحقه من العقوبة أو الهجر أو الإنكار فإنه لا يزال يستحق بموجب اسم الإيمان والإسلام النصرة والعون كما صرح القرآن الكريم : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)128، قال ابن كث :"فسماهم مؤمنين مع الاقتتال"129، بل إن القرآن الكريم حين نفى اسم 122 سورة الشورى- 25 123 تفسير الطبري- 21/25 124 سورة التوبة- 15 125 تفسير البغوي- 2/150 126 سورة الحج- 17 127 تفسير الطبري- 51/201 128 سورة الحجرات- 6 129 تفسير ابن كثير- 1/252

عدد الصفحات ٣٦

37 الإيمان عن طائفة أثبت لهم اسم الإسلام على الظاهركما تقدم فقال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)130. وتأمل معي حديث سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً وسعدٌ جالس فتر ك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً ! فسكتم قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت : ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً ! ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي خشية أن يكبه الله في النار "131، فجعل المرتبة محصورة ما بين الإسلام والإيمان، والإسلام انقيادٌ ظاهرٌ مط ل عٌ عليه، وعليه تجري أحكام الدين، وهذا الإسلام إن كان حقي قياً فهو الإيمان لأنهما متلازمان، وإن كان على الظاهر وباطن المرء بخلافه فهذا ما لا اطلاع لأحد عليه إلا الله فيبقى حكم الإسلام على ظاهره، ويحشره الله تعالى على ما مات عليه من إيمانٍ أو كفرٍ مستبطن، والمقصود أن الولاء الإيماني منوط بعقد الإيمان الباطن الذي لا سبيل لأحد منا الإطلاع عليه، فبقي ما يدل على هذا العقد الباطن وهو التزام المسلم بأركان الدي ن الظاهرة، ولا قيمة مع ذلك إلى وصفٍ زائدٍ أو ن اقصٍ يتعلق بما لم يشرعه الله تعالى من معاقد الولاء الجاهلية كالقومية والوطنية ونحوها . ولا يعني إقرار أصل الولاء الإيما ني لكافة المسلمين إقرار من يقيم منهم على خطأ أو معصية، بل نتبرأ من الخطأ والمخالفة الشرعية مهما كان مقام مرتكبها، ولكن لا نتبرأ منه طالما لا يزال يستحق اسم المسلم، ولا نزل في الكمين الذي ينصبه إبليس فتزل قدم نا فنسارع إلى التبرؤ من أولئك المسلمين لا مجرد الخطأ الذي اقترفوه، فتنتج الفرقة والشقاق وينفرط عقد الجماعة، و إن الوقاية من هذا المنزلق لتتمثل في الالتزام بالمنهج النبوي "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " و مفارقة المنهج الشيطاني"إنا نتبرأ من خالد ومن جهاد خالد ومن كل المجاهدين"! ففرقٌ كبير بين أن تتبرأ م ن الخطأ وبين أن تتبرأ من المخطئ المتأول، ففي الحديث عن سالم عن أبيه : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقلون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجلٍ منا أسيره ح تى إذا كان يومٌ أ م ر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل منا أسيره حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه فرفع يديه فقال:"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " مرتين 132 .ولقد شهد رسول الله صلى الله عيه وسلم لخالد بن الوليد رضي الله عنه نفسه فقال :" وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل 130 سورة الحجرات- 51 131 صحيح البخاري- حديث21 132 صحيح البخاري- حديث 1071

عدد الصفحات ٣٧

38 ا"133، فشهد له بالجهاد في سبيل الله وأقره عليه وأثبت منهج الجهاد في سبيل الله مع تبرئه صلى ا عليه وسلم من الخطأ الجزئي الذي وقع فيه في تطبيق الج هاد. وإن من الأخطاء القاتلة أن يجعل المسلمون من ذنوب بعضهم البعض وأخطاء بعضهم البعض أسباباً للتنافر والتدابر، ومعاقد لأصل الولاء والبراء، حتى إنك لترى بعضاً من العاملين باسم الدين يفرح لمصيبة مسلم لأنه من "منهجٍ آخر " أو "حزب آخر " أو "طريقة أخرى "، ولا تراه يفرح لحسنةٍ تصيبه لأنه ليس من "جماعته"، وهذا كله من التفرق المذموم المزين زوراً بكلمة الحق، فالولاء الإيماني كلمة حق وهي أوثق عرى الإسلام لا شك، لكن الغلو في تحرير مناطه قرين التفريط فيه في الذم، والموف ق من وفقه الله تعالى فأعطى كل شيء حقه، فجعل كلمة الإسلام معقداً لأصل الولاء الإيماني دون تنقيب في صدور الناس ودون تفتيش في عقولهم ودون امتحانهم فيما لم يمتحنهم به الشرع الحنيف . إننا اليوم نريد أن يكون المسلمون متعاونين على أصل النجاة بالتوالي والتناصر على أصل الإيمان، كما في قوله تعالى في قوم لوط لما كتب العذاب على قوم لوط : (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين . فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين )134، فلما ترتب موجب نجاة المؤمنين على اسم الدين علقته الآية باسم الإسلام وهو أوسع من اسم الإيمان، وهو الاسم الذي يمكن الحكم به لم نعاينه من الظاهر في حين لا يمكننا أن نحكم باسم الإيمان دون قرينة شرعية مستقلة، حتى إذا كتب الله تعالى لأوليائه النصر على أعدائهم حررنا هذه الأساء والمراتب، و نشرنا السنة ، ورفعنا الشبهات، وعالجنا الشهوات بالرفق واللين اللائق بالدعاة إلى الإسلام بالتي هي أحسن، اقتداء بخير الأنام محمد صلوات ربي وسلامه عليه. فنحن المسلمين اليوم أحوج ما نكون إلى الت ناصر والتآلف على كلمة التوحيد، وليس من إسلامنا في شيء اليوم أن ننجرف وراء أساء مبتدعة يفرق بها أعداء الإسلام جماعتنا، كما أنه ليس من إسلامنا في شيء اليوم أن يقصي بعضنا بعضاً وأن يطعن بعضنا في بعض، فكل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فإن فيه خيراً أنا أحوج الناس إلى مناصرته، فلعل مثقال ذرة الإيمان هذه تصيب من توفيق الله إخلاصاً تنجو به أمة، ولعل من يرى في نفسه أمثال الجبال من الإيمان يفوته توفيق الله عز وجل فيحبط عمله عياذاً بالله، وإن أردى درجة يزل فيها مسلمٌ اليوم أن يزدري إسلام غيره أو يحقره، وإن أقوى سلاحٍ نصد به هجمة المعتدين اليوم هو التناصر على اسم "المسلمين"، ونبذ التفرق على غيره من الأساء ، كما قال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو س اكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير )135،ولنكن في سياق الدعوة العلمية أشد حرصاا على تحقيق اسم "المؤمن"، ولنكن في سياق النصرة العملية 133 صحيح البخاري- حديث 5166 134 سورة الذاريات- 11-19 135 سورة الحج- 17

عدد الصفحات ٣٨

39 أشد حفظاا لحقوق اسم"المسلم"، وبهذا التوازن العلمي العملي يتقوى بنيان الداخل ونتصدى لعدو الخارج ، ونتأول قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)136. قاعدة:العمل بالمفضول مع حفظ نظام الجماعة خير من العمل بالفاضل مع انفراط عقد الجماعة: وهذه قاعدة عملية نفيسة، تقوم على الموازنة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة بحيث تفوت المصلحة الخاصة - وهي العمل بالفاضل - تحصيلاً للمصلحة العامة وهي حفظ الجماعة على رسم العمل المفضول في نظر الخاص، شريطة أن يكون المفضول ضمن دائرة الاجته اد المعتبر، و إن الآفة التي تعصف بهذه القاعدة فتفت في عضد الجماعة هي آفة التعصب المذهبي؛ وإن الوقود الذي يغذي هذه التفرقة هو الإفراط والغلو فيما يعتقد أنه الحق . ومما يدل على هذه القاعدة حديث الصحابي الجليل عبد الله رضي الله عنه : سعت رجلاً قرأ آية سعت من النبي صلى الله عليه وسلم خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله صلى الله ع ليه وسلم فقال:"كلاكما محسن"، قال شعبة : أظنه قال :"لاتختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا "137، ومعلوم أن بعض القراء قد يرجح قراءة على أخرى ، وإن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف وشهادته لكل من قرأ بقراءة تلقاها من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه محسن دليل على قصد الشريعة إلى تآلف الجماعة رغم إقرارها وجود هذا الاختلاف أو التنوع أو التعدد، و دليل على نهي الشريعة عن تحول العبادات إلى أسباب للفرقة والشقاق، فإن العبادات شرعت لتعبيد الناس لله تعالى ولتأليف قلوبهم وجمعها على هذه العبودية، فلا يصح أن تصير أسباباً لخلاف مقصود الشرع منها؛ قال ابن تيمية رحمه الله :"كما أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الاستفتاحات في الصلاة ومن أنواع صفة الأذان والإقامة وصفة صلاة الخوف وغير ذلك كله حسن ي شرع العمل به لمن علمه،وأما من ع لم نوعاً ولم يعمل غيره فليس له أن يعدل عما علمه إلى ما لم بعلمه، وليس له أن ينكر على من علم ما لم يعلمه من ذلك ولا أن يخالفه كما قال ا لنبي صلى الله عليه وسلم : "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا "138. وإذا تأملت الحديث المتقدم، لاسيما في رواية:"فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فوجدت في وجهه الكراهية وقال : كلاكما محسن، ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا "139، وجدت 136 سورة العنكبوت- 96 137 صحيح البخاري- حديث 2216 138 مجموع الفتاوى– 51/161 139 صحيح البخاري– حديث 1276

عدد الصفحات ٣٩

40 معالم المنهج النبوي واضحة في مسائل الاختلاف في صور العبادات التي لها أصل صحيح في الدين متمثلة في ثلاثة كلمات : أولها ما وصفه ابن مسعود بقوله فوجدت في وجهه الكراهية وثانيها قوله صلى الله عليه وسلم : كلاكما محسن، وثالثها: قوله صلى الله عليه وسلم : ولا تختلفوا . فالكراهة التي ظهرت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم متعلقة بالاختلاف الذي صرح بالنهي عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم "كلاكما محسن " إقرار لصفتي القراءة لأن لكل منهما أصل صحيح في الشرع، كما قال ابن بطال في قوله صلى الله عليه وسلم "كلاكما محسن":"فدل على أنه لم ينهه عما جعله فيه محسناً وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدي إلى الهلاك بالفرقة في الدين"140. وهنا مسألة تتعلق بالضابط الذي يعرف منه جواز التسليم في المختلف فيه ، وهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما كان الاختلاف فيه اختلاف تنوع الثاني: ما كان اختلاف تضاد . فالضابط الأول هو تحريم الاختلاف والشقاق في كل ما كان من قبيل التنوع في صفة العبادة ، ودليل هذا الضابط قوله صلى الله عليه وسلم "كلاكما محسن"، قال ابن تيمية:" فأفاد ذلك شيئين: أحدهما تحريم الاختلاف في مثل هذا"141. والضابط الثاني هومراعاة ما مع كل من الفريقين من الحق في ما كان من قبيل التضاد، والعمل بما يعتقده حقاا بمفرده، والاجتماع على نية ما مع غيره من الحق في الجماعة. وبيان هذا الضابط يتعلق بمسائل الاجتهاد حيث تتعارض أقوال المجتهدين، فيجب على من يرى اجتهاده حقاً أن لا يعمى عما في اجتهاد منازِ عه من حق يعود إلى أصل الدليل الشرعي الذي معه وإن أداه استنباطه الفقهي إلى قولٍ مضادٍ لقوله، وهذا غاية العدل، قال ابن تيمية رحمه الله :"واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء تجده من هذا الضرب وهو أن يكون كل واحد من المختلفين مصيباً فيما يثبته أو في بعضه، مخطئاً في نفي ما عليه الآخر"142، فهذا معن قولنا "مراعاة ما مع كل من الفريقين من الحق"، وهذا يعود أيضاً إلى حسن الظن بالمسلم، فحسن الظن بالمسلم أنه يجتهد في تعرف الحق من الدليل الشرعي، وهذا الدليل الشرعي الذي يستند إليه هو أقل قدر من الحق الذي 140 شرح ابن بطال- 50/271 141 اقتضاء الصراط– 5/11 142 اقتضاء الصراط– 5/11

عدد الصفحات ٤٠

41 يجب علينا أن نسلم له به، وإن اختلفنا معه فيما أداه إليه اجتهاده واستنباطه. ثم إن الأثر العملي المترتب على هذا الاعتقاد يتعلق بالصيغة التي يكون فيها العمل؛  فإن كان عملاً فردياً خاصاًفلا يحل لمجتهد أن يعمل بخلاف ما أدى إليه اجتهاده، فهذا قولنا "والعمل بما يعتقده حقاً بمفرده"،  وكان إن عملاً جماعياً عاماً كشعائر العبادات الجماعية وما يقضي فيه الإمام أو من ينوب عنه، فيجب الاجتماع على كلمته لا لاعتقاد خطأ ا جتهادك بل لاعتقاد صحة عمله من جهة أنه يعمل بناء على اجتهاد سائغ، ولقد تقدم معنا الدليل على هذا المنهج فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى عثمان بمنً أ ربعاً فقال عبد الل ه:"صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر رك عتين ومع عمر ركعتين - زاد عن حفص: ومع عثمان صدراً من إمارته ثم أتمها - ز اد من ه ا ه ن ا عن أبي معاوية: ثم تفرقت بكم الطرق ، فوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقب ل ت ين، قال الأأ عمش: فحد ثني معاوية بن ق ر ة عن أشياخِهِ أن عبد الل ه صلى أربعاً قال: فقِيل له: عِبت على عثمان ثم صل يت أربعاً ! قال: الخِ لاف ش ر "143. قلت: وهذا من أنفس ما يكون. بقي أن ننبه على أن هذه القاعدة محلها في الفروع، أما أصول الدين الثابتة فلا نفرط فيها بحجة حفظ الجماعة، بل إنها هي الجماعة وما خالفها فليس بشيء. فمن خالف في شيء من الأصول ينظر في مقدار بدعته فإن سلم له اسم الإسلام عاملناه بما يستحقه من ذلك الاسم وبايناه في بدعته ولم نبخسه شيئاً من حقه إن كان له صفة من صفات السياسة الشرعية أن يكون أميراً أو قاضياً أو إماماً راتباً، فلقد صلى الصحابة خلف أهل البدع ولم يتركوا الجمع والجماعات معهم لأجل بدعتهم هذا مع ما كانوا يقومون به من الإنكار العلمي والعملي عليهم في ذلك. وأما إن كانت البدعة ناقضة للإسلام فذلك شأن آخر ليس هذا محل التفصيل فيه. قاعدة: التعاون مع المخالف على البر ليس إقراراا على ما هو عليه من الباطل وهذه القاعدة مكملة للقاعدة السابقة، وهي في الحقيقة مبنية على أصل مراعاة المصالح والمفاس د؛ وصورة المسألة هنا وجود مصلحة غالبة وهي التعاون على البر وتحقيق الجماعة وهذا يستلزم التعامل مع المخالِ ف فتتبع مفسدة التعامل مع من تلبس بباطل آخر ليس له علاقة بمحل التعاون ولا هو مقصود من هذا التعامل؛ يقول الإمام الشاطبي رحمه الله :"فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع 143 سنن أبو دواد- حديث 5690 وسكت عنه

عدد الصفحات ٤١

42 المفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعاً، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه"144، قلت: رحم الله الإمام الشاطبي، فإن فقه هذا الأصل العظيم هو البلسم الشافي لكل ما يعتلج في صدور أقوام يتوهمون امتناع التعاون مع أحد ما لم يكن صافي العقيدة صافي العبادة صافي السلوك لم يلبس شيئاً من عقيدته بظلم ولم يلبس شيئاً من عباداته بمعصية ولم يلبس شيئاً من سلوكياته بمخالفة، فمن هو هذا الذي يبحث عنه هؤلاء ، وهل وجد مثل هؤلاء اللهم إلا الأنبياء والمرسلون؟ !، أم يحسب هذا المنقطع عن غيره الهاجر له أنه هو قد بلغ منزلة ما يبحث عنه ويتوهم العثور عليه؟ فعن عبد الله رضي الله عنه قال: "لما نزلت (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم )145 قلنا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه، قال : ليس كما تقولون (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم )146"147، قلت: فالشاهد من حديث قول الصحابي "وأينا لا يظلم نفسه " أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتخوفون على أنفسهم من النقص في الدين، ومع ذلك لا يمتنعون عن التعامل مع بعضهم البعض بذريعة أن بعضهم أقل ديناً من بعض أو أن أحدهم أقل عملاً من بعض. ولنتأمل في تطبيق هذا الأصل على مسألة مهمة من أعمال القلوب ألا وهي المحبة في الله والبغض في الله لما لها من تعلق بمسألة التآلف والولاء والنصرة : فالمحبة في الله أصلٌ عظيم من أصول هذه العقيدة كما صرحت النصوص الصحيحة ومنها حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن ي قذف في النار"148، وإن الثابت عند المسلمين أن الإيمان – الذي هو قول وعمل بالقلب واللسان والجوارح – يزي د وينقص بعد ثبوت أصله المجمل، بحيث إن من ثبت له عقد الإيمان المجمل دارت زيادة إيمانه ونقصانها من ثم مع الطاعات والمعاصي زيادةً ونقصاناً؛ فيزيد الإيمان بالطاعات وينقص بالمعاصي كما دل ت النصوص القطعية المستفيضة في ذلك كقوله تعالى :"ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم "149، وقوله تعالى:"ويزد اد الذين آمنوا إيماناً "150، وغيرها . فإذا تبين هذا خلصنا إلى أمرٍ عظيم الأهمية قد يغفل عن ملاحظته وتطبيقه الكثير من الغيورين المخلصين للدين ألا وهو تجزمؤ وتبعمض الحب والموالاة الإيمانية بالنسبة إلى آحاد المسلمين؛ حيث أنه إذا ثبت عقد 144 الموافقات– 2/51 145 سورة الأنعام- 72 146 سورة لقمان - 51 147 صحيح البخاري– حديث 1575 148 صحيح البخاري– حديث 59 149 سورة الفتح- 1 150 سورة المدثر- 15

عدد الصفحات ٤٢

43 الإيمان المجمل لفرد منالأفراد ثبتت له جملة من الحقوق منها وجوب موالاته وحبه في الله لأجل ذلك الحد الأدنى من الإيمان الذي تحقق لديه، وهو المشتر ك الإيماني الأدنى بين كل من يصح نسبته إلى عقد الإيمان المجمل، وعلامات هذا الانتساب علاماتٌ ظاهرة يدخل بها العبد في ذمة الله تعالى كما في الحديث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته "151، وفي قو له تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عر ض الحياة الدنيا"152. وإنرابطة الأخوة الإيمانية من جملة ما يثبت بهذا العقد بغض النظر عن أفعال وأقوال المكلف الواقعة من جنس المعاصي غير المكف رة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه في آية القصاص : (فمن ع في له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف )153"154، وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح :"يعني أن الأخوة بين المؤمنين ثابتة ولو مع المعصية، فالزاني أخ للعفيف، والسارق أخ للمسروق، والقاتل أخ للمقتول "155 . قلت: ثم يتفاضل هذا الحب زيادةً ونقصاناً بحسب ما يظهر من الفرد من أعمال ظاهرة موافقة للشرع، وقد يجتمع له مع ذلك بغض في الله لما قد يظهر منه من أعمال مخالفة للشرع، فيجتمع الحب في الله والبغض في الله في نفس الفرد في ح ب من جهة طاعته وي بغض من جهة معصيته لله عز وجل، كما قد يجتمع فيه بر وفجور، وسنة وبدعة، وإيمان ونفاق (أعني الفجور والبدعة والنفاق غير الناقل عن الملة)، وتأمل معي حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أربعٌ من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر "156، وحديث أ بي ذر لما سابب رجلاً فعير ه بأمه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية"157، وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله : باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها با رتكابها إلا الشرك ،اه . فإذا تبين أن الدخول في مسمى الإيمان يوجب تحقق الأخوة الإيمانية وما يترتب عليها من ولاء وحب ونصرة، تبين أيضاً أن هذا الحد الأدنى من الحب والولاء والنصرة لا يختل ولا يذهب إلا بذهاب الإيمان المجمل، ولعلي أعبر عنه بقولي إنه حب المسلم وموالاته ونصرته لمجرد كونه مسلماا لا غير، ثم قد يجتمع لهذا المسلم مع ذلك الحد الأدنى حبٌ زائد بقدر طاعته وبغضٌ ما بقدر معصيته أو بدعته أو فجوره، فإذا ظهر لك ذلك كله تبددت سحب الشك والحيرة وانجلت غمامة الفتنة التي تفتم في عضدك 151 صحيح البخاري- حديث 171 152 سورة النساء- 61 153 سورة البقرة- 517 154 العقيدة الواسطية– 5/16 155 شرح العقيدة الواسطية– 5/170 156 صحيح البخاري- حديث 11 157 صحيح البخاري- حديث 10

عدد الصفحات ٤٣

44 عندما ترى بعض الانحراف والزلل في أخ مسلم تحبه في الله وتجله وتكبره فتتوهم ضرورة هج رانه البتة وزوال ذلك الحب بالكلية وترك التعامل معه في أمور من الخير ، أو عندما ترى زلة العالم فتتوهم لزوم الانقطاع عنه وتركه بالكلية، أو ترى معصية وفجور حاكم أو إمام مسلم فتستشكل متابعته في شعائر الجماعة الإسلامية والتعاون معه على خصال الخير، وتظن أن بقاء المحبة والموالاة والتعامل مع هؤلاء فيه نوع إقرار لهم على ما وقعوا فيه من زلل أو أقاموا عليه من باطل، وانظر تفنيد هذه الأوهام في مثل قوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من و لايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قومٍ بينكم وبينهم ميثاق"158، فتأمل كيف أن هذا الصنف من المسلمين الذين لم يهاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام قد نقصت درجة ولايتهم عن الولاية الكاملة – فلا يشاركون المسلمين المهاجرين في فيء ولا غنيمة مثلاً – في نفس الوقت الذي بقي لهم أصل الموالاة والنصرة في الدين، تأمل قوله تعالى : (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) أي لمجرد كونهم مسلمين وجب نصرتهم فيما هو من جنس الدين، ولكنها نصرة وولاية قاصرة عن الكمال لقصورهم هم عن الكمال في التبعية والهجرة ، أو لمقامهم على الباطل إذا كانوا ممن تجب عليهم الهجرة . وأما بالنسبة إلى العلماء وحملة العلم فانظر إلى دقة ضبط التعامل معهم في منهج أهل الحديث مثلاً حين لم يتركوا الأخذ عن أهل البدع بالكلية حتى لا يضيع الدين طالما أن بدعهم التي تلبسوا بها لم تخل بضوابط تحمل السنة وأدائها، وما أجمل ما قاله ابن المديني – وهو من جهابذة علم الحديث – قال: "لو تركت أهل البصرة لح ال القدر (أي لقولهم ببدعة القدر) و لو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي يعني ا لتشيع خربت الكتب ، يعني لذهب الحديث"159، قلت: فلم يمنع انتشار مثل هذه البدع الخطيرة في قوم من تحري أهليه آحادهم لتحمل السنة وضبطها والأخذ منهم، فتأمل هذا ثم انظر اليوم فيمن يرمي جماعةً بأكملها ببدعة أو فسق ثم يرفض التعامل أو الأخذ مع أي واحد منهم لمجرد أنه من تلك "الجماعة"، فكم يفوت من الخير الذي قد يحمله أحد أولئك لمجرد هذه العصبية العمياء؟ وأما بالنسبة للأمراء والحكام فحسبك قوله صلى الله عليه وسلم :"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"160 وقد ترجم له الإمام البخاري في موضع آخر بقوله: باب الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر وهو من دقيق الاستدلال؛ ووجهه أنه طالما الجهاد معقود إلى يوم القيامة لم يصح تعطيله بجور إمام أو نحوه، وهذا المعن مستقر ومستفيض في متون عق ائد أهل السنة والجماعة، قال ابن قدامة :" ونرى الحج والجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً "161، وقال ابن تيمية رحمه الله :" ويرون – أي أهل السنة والجماعة – إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً "162 .قلت: بل إن 158 سورة الأنفال- 12 159 الكفاية في علم الرواية- 5/526 160 صحيح البخاري- حديث 2961 161 لمعة الاعتقاد– 5/12 162 العقيدة الواسطية– 5/11

عدد الصفحات ٤٤

45 فرض الطاعة للإمام الفاجر غير الكافر ليس له معن معقول سوى إقامة هذه الشعائر وتأمين الثغور ورفع راية الج هاد ونحوه مما نصبت له الإمامة . وهنا نكتة دقيقة وهي أن الحج والجهاد مستثنيان – على الراجح والله أعلم – من اشتراط عدم كفر الفاجر، بمعن أن الإمام الفاجر إذا ظهر كفره لم تصح الصلاة خلفه ولا باقي المناسك، ويستثن من ذلك الح ج لأنه مع كونه شعيرة جماعية فإنه بالنسبة للفرض المعين لا يشترط لصحته صحة حج حامل لواء الحج (بخلاف صلاة المأموم مثلاً فإنها تبطل بكفر الإمام بلا خلاف )، وكذلك الجهاد إذا كان سليم ا لنية – بمعن أن هدفه جائز شرعاً – كدفع صائل أو رد معتدٍ عن ديار الإسلام وتعين القتال تحت إمرة إمام كافر بحيث لو لم يقاتل معه تعطل الجهاد فإن ما تطمئن إليه النفس والله تعالى أعلم هو جواز القتال تحت إمرته بشر ط سلامة النية وفقد الراية السليمة الت يمكن القتال تحتها فيكون القتال تحت لوائه من باب الوسائل لا من باب المقاصد، لا سيما أن جهاد الدفع لا شرط له، والحقيقة أن هذه المسألة أقرب إلى باب المصالح والسياسة الشرعية منه إلى باب النسك والشعائر التعبدية المحضة، أما جهاد الطلب فلا ي تصور أن يقوم به الحاكم الفاجر أصلاً، وقد ذكر الشيخ علي بن خضير الخضير في شرح اللمعة :"ولكن لو قام الجهاد – جهاد الدفاع أي دفع الصائل – ورفعوا رايته، كما لو صالت دولة على دولة شعبها مسلم وحاكمها كافر ثم أعلن هذا الكافر الجهاد ضد الصائل فهنا لا مانع من الجهاد معه ضد الصائل كما قال عليه السلام :"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر "163، فهناك يقاتل مع المسلمين ولو كان الحاكم كافراً ما دام أن المصلحة للمسلمين للدفاع عنهم "164ا، وهذا في الحقيقة ما تطم ئن إليه النفس لا سيما عند تعيم نه سبيلاً وحيداً لدفع الصائل عن المسلمين، أما الإمام الفاجر غير الكافر فلا إشكال فيه البتة، لأن إقامة الجهاد أصل وعدالة الإمام مكمل فلا يجوز أن يعود المكمل على الأصل بالبطلان، والله أعلم . والشاهد من هذا كله أن القتال مع مثل هذا مقصوده الشرعي تحصي ل مصلحة الجهاد المتعينة وليس فيه إقرار لما عليه هذا الحاكم من باطل. إن فقه هذه المسألة مهم جداً كونه لصيق الصلة بواقعنا اليوم، حيث يتنازع واقع المسلمين الغ يورين على دينهم أمران ؛ أولهما شيوع الانحراف العلمي العقدي بين أفراد وجماعات الأمة، وثانيهما تعرض نفس كيان الأمة للخطر والتهديد الحسي المباشر، وقد يستشعر البعض نوعاً من التناقض والحيرة في سياق تعامله مع هذا الواقع فإذا ما أراد أن يتعاون مع بعض أفراد الأمة توهم أن كون ذلك البعض على مخالفة أو معصية أو بدعة مانع من هذا التعاون لأنه مخاطب بهجره أو لأنه يرى في التعاون معه تقوية له فيما هو عليه من بدعة أو فسق أو فجور، ولو أنه قصر نفسه على أصحاب الاعتقاد السليم الصافي من كل الشوائب لوجد نفسه مع فئة قليلة قليلة مرابطة على هذا المعتقد ولاستشعر خطراً حسياً شديداً يكاد 163 متفق عليه 164 الزناد في شرح لمعة الاعتقاد– علي الخضير – مخطوطة على الشبكة

عدد الصفحات ٤٥

46 يعصف بالأمة التي يحتم عليه اعتقاده السليم الدفاع عنها مهما فجرت وعصت . ولا مندوحة لمن أراد الخلاص من هذه الحيرة والتردد من أن يعي ويفهم ويحسن تطبيق مفاهيم الولاء والبراء والحب والبغض والنصرة والتعاون على الوجه الذي قدمنا من حيث كونها مفاهيم قابلة للتجزئة والتبعيض، وقابلة للمرونة التطبيقية في بعض المقامات والأحوال بما لا يخل بأصلها، وأن يدرك أن تعاونه ونصرته للمسلم المقيم على فسق أو معصية قصده حفظ المسلم لا تقوية المعصية، فإذا حفظ المسلم والقدر الذي يحمله من الإيمان انتصب لاحقاً لمعاملته في فسقه ومعصيته بما يستحقه من الوعظ والنصيحة ومراتب الإنكار والهجران كلٌ بحسب الحال الذي يناسبه. ومن هنا ينطلق المرء بكل همة ونشاط يمد يد العون لمن يرى فيه مصلحةً وخيراً للإسلام والمسلمين مراعياً رباط الأخوة الإيمانية المجمل ولوازم عقد الإيمان المجمل، في نفس الوقت الذي يمضي فيه مصححاً ومقوماً لما انحرف من عقائد ومعالم علمية، فتكون معركته العلمية سائرةً جنباً إلى جنب مع معركته الجهادية، وكلاهما جهاد، شعاره مع من يتعامل معه في الميدان :" للمسلمين نفعه وعليه وزره "، وشعاره مع من يوعيه ويعلمه في حلقة الدرس وطرقات المجتمع :" بلغوا عني ولو آية"، فإذا بطاقات المرء التي كانت مشتتةً مبعثرةً بين متاهات الحيرة قد تحولت إلى سيلٍ إيماني عارم يتقن فن الموازنة بين فقه الاجتماع وفقه الاتباع، يقدم التألف والمداراة الجائزة في موضعها دون مداهنة أو مساومةٍ على أصل ثابت، ويقدم جسارة الدفاع عن الحق والشدة فيه في موضعه دون ه رج وفتنٍ تضر بواقع ضعف المسلمين . ينظر إلى الخطر الداهم على جماعة المسلمين فينضم للذود عن حياضهم وشعاره :"إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، وينظر إلى نعيق ومداهنة المنافقين المرتدين فينقطع عنهم وشعاره :"الجماعة ما كان على الحق ولو كنت وحدك "، فهما في الواقع شعاران لا غن عنهما ؛ شعار علمي اعتقادي تحمله في قلبك لينير لك الطريق، وشعار حسي عملي تغلب فيه جوانب المصلحة لتصل بالأمة الإسلا مية إلى شاطئ الأمان ولتستمر في منهج التصفية العقدية، وهكذا دأبك على الدوام، لا سآمة ولا كلل ولا تعب ولا ملل، حتى تلقى الله تعالى على الحق إن شاء الله.. وبعد، فهذه بعض ملامح هذه القاعدة التي أرى أن على العلماء وطلبة العلم والدعاة والمربين الاهتمام بتوعية ا لمسلمين الغيورين بتفاصيلها وكيفية تطبيقها منعاً للفتن ة بين المسلمين وتفويتاً على الأ عداء المتربصين الشامتين.

عدد الصفحات ٤٦

47 خاتمة إن شراسة الحملة العالمية الصهيو صليبية الإلحادية المجوسية التي نتعرض لها اليوم لا تتمثل في مناوشة عسكرية في هذا المكان أو ذاك، ولا تقتصر على استباحة أرض وعرض في هذه البقعة الجغرافية أو تلك، بل إن شراسة هذه الحملة تتمثل في كونها برنامجاً متكاملاً مستجمعاً للقوى العقدية والمادية الهادفة إلى تقويض الإسلام باعتبار مقوماته العقدية والمادية. وإنه لمن القصور أن يتوهم البعض أنه يستطيع أن ينفرد بوضع خطة جهاد الدفع ضد هذه الحملة الشرسة، أو أن يتصور أنه وحده يملك البصيرة النافذة والفهم الثاقب والاجتهاد الموفق لإصابة وجه الحق قولاً واحداً وحده، بحيث يمضي إلى الحد الذي ينفرد فيه بتنفيذ خطة الدفع التي استأثر برسها وتحديد مقوماتها ضارباً بعرض الحائط اجتهادات باقي الأمة مهما قل شأنها في نظره، لا سيما وأن كلاً منا يرى جانباً من برنامج الهجوم العالمي قد لا يتسن للآخر رؤيته أو التنبه له. قال الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه لما خرجت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه ا وأرضاها في موقعة الجمل :"إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي "165، فما أروع هذا المسلك منه رضي الله عنه حيث اعترف بالفضل لصاحب الفضل وأقر به وأذعن له، وحرر مناط المفارقة وهو مو رد الزلل في التصرف لي علم أن الأمر يدور مع الحق لا مع الرجال، بل انظر إلى أصل هذا المسلك في قوله تعالى:(قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفر ن لك وما أملك لك من الله من شيء)166، حيث أمرنا الله تعا بالتأسي بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ثم استثن من هذا التأسي ما كان خلاف الحق وهو الاستغفار لأبيه المشرك، وحسبنا هذا في بيان المقصود وهو أن الدور ان يكون مع الحق ، وأن الأخذ على يد من زل لا يقدح في فضله إن كان من أصحاب الفضل والسابقة. إننا أمام هذه الحملة العالمية الشرسة ذات المحور المادي المتمثل في بطش الآلة العسكرية المدمرة، والمحور العقدي الفكري المتمثل في منطلقات تلمودية صهيونية صليبية إلحادية شعوبية مجوسية حقود وفتنٍ في الدين مظلمة تجعل الحليم حيران، لنؤمن إيماناً راسخاً بأن عنوان خطة الدفع الوحيد هو الجهاد في سبيل الله بمفهومه العسكري ومنطلقه العقدي وإطاره الفكري الصحيح ، ولست أنا أو غيري من يعر ف الجهاد في سبيل الله، بل المنهج النبوي "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " هو الذي يعرفه ، 165 صحيح البخاري- حديث 9971 166 سورة الممتحنة- 1

عدد الصفحات ٤٧

48 وإن لإعلاء كلمة ا مظاهر ومعالم يجدر بنا ألا نغفل عنها أثناء جهادنا لصد هذه الحملة الهمجية علينا، حتى لا ننحرف عن تحقيق الغاية من هذا الجهاد على الوجه الذي أراد الشرع أن يكون، وأنا ألخص مما تقدم شيئاً من ذلك بفضل الله تعالى: أولاا :عصمة الدماء والأبضاع والأموال بكلمة التوحيد : إن من معالم ظهور دين الله تعالى على غيره من الأديان وعلو كلمة الله تعالى عند من أعلن بها ألا يح قن دمٌ ولا يصان عرض ولا يعصم مال إلا بهذه الكلمة، أعني كلمة الإسلام ولا أقو ل الإيمان، ففي الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"أ مرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسا بهم على الله"167، فمن لم يعصم الدماء والأموال بكلمة التوحيد لم يكن م ظهراا لدين الإسلام على غيره من الأديان أو القوانين التي تعصم بها الدماء والأموال، فمن جعل الوطنية أو الجنسية أو الحزبية أو التنظيم أو الحركة معقداا لحقن الدم وهدره فقد أظهر هذا المعقد على دين الإسلام، وأعلى كلمة الجاهلية على كلمة الإسلام، وناقض الغاية التي ش رع من أجلها الجهاد ابتداءاا . و إن من قال لمن ألقى إليه السلام: لست مؤمناً ، لم يكن محك ماً للقرآن الذي يزعم أنه يدعو إلى تحكيمه والتحاكم إليه! ثانياا : إن كلمة التوحيد عاصمة للدماء على ظ اهرها: فليس لأحد أن يتكلف في الشق عن صدور من نطق بشهادة التوح يد في ميادين الحرب، قال تعالى : (يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبي نوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عر ض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبي نو ا إن الله كان بما تعملون خبيراً )168، قلت: فإذا كانت تحية الإسلام تعصم الدم فما بالك بكلمة التوحيد، ولو قالها من قالها رياءاً أو تقيةً فإننا نقول إن شأن هذه الكلمة عندنا أن ن كبرها في صدورنا وتخشع لها قلوبنا وتذعن لها جوارحنا مهما زينت لن ا أنفسنا أن قائلها ليس من أهلها، وتأمل معي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول :" بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الح ر ق ة، فصب حنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله! قلت: كان متعوذاً . فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم "169، 167 صحيح البخاري- حديث 21 168 سورة النساء- 61 169 صحيح البخاري- حديث 1025

عدد الصفحات ٤٨