49 فهذا صريح في أن موجب هذه الشهادة هو حقن دم قائلها دون تكلف التنقيب عمافي قلبه، ودون اعتبار لشبهة رياء أو ظن تقية ونحو ذلك. وليس هذا إلا مظهراا من مظاهر إجلالنا لهذه الكلمة وتعظيمنا لهذا الدين وإظهارنا له فوق كل رأي وشبهة ونظر واعتقاد . ثالثاا : سد ذرائع النفور عن دعوة الإسلام: وهذا جلي وواضح، فإذا كانت الغاية من الجهاد منع ف تنة الشرك والتخلية بين الناس وبين دين الإسلام ليمارسوه بأمن وأمان إن كانوا مسلمين و لي قبلوا عليه ويتعرفوه على حقيقته الصافية إن كانوا من الكفار ، فإن أي عمل منسوب للجهاد يؤدي إلى نفرة الناس من استماع دعوة الإسلام أو يؤدي بأهل الإسلام إلى النأي عن الالتزام ب ه فلا شك أنه يأتي بنقيض مقصود الجهاد، وهو بهذا لا يمكن أن يكون من الجهاد المعتبر شرعاً في نفس الأمر، وإلا تناقض الشرع وهذا محال. وبكلام آخر نقول: إن من معالم الرشد في منهج الجهاد القتالي أن يؤدي الجهاد إلى قرب الناس من الإسلام لا العكس، ولعلنا نلاحظ هذا المعن السامي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : (كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام"170، فنحن أطباء هذا العالم قد جعل الله في أيدينا الدواء الشافي لهم بإذنه، فمن الناس من يأخذ الدواء مقبلاً عليه ومنهم من تحتاج أن تثبته لتعطيه الدواء، وأنت في الحالين رفيق به رحيم . وفي مقابل هذا نجد الشرع قد نهى عن الفعل المنفر عن الإسلام ولو كان مشروعاا في ذاته، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قائد الأمة ونبيها المعصوم بالوحي لم يقتل أو يقاتل أحداً من المنافقين ممن يخالط المجتمع تحصيلاً لمصالح الدعوة - ومنها قطع ذريعة الفتنة والتنفير عن الدين - حيث قال صلى الله عليه وسلم حين بلغه قول عبد الله بن أ بي بن سلول :"والله لئن رجعنا إلى المدينة لي خرجن الأعز منها الأذل"، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا ا لمنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"171، ومعلوم أن نفاق عبد الله بن أ بي كان نفاق كفر، والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم :"لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"، قلت: فإذا أخذ الناس يتصورون الإسلام وأهله بهذه الصور ة حيث يتقاتلون ويتهارجون فأي رجاء في إنصاتهم لدعوة الحق فضلاً عن قبولهم لها؟ إن ظهور دين الإسلام في سياق الجهاد القتالي يستلزم أن يرى الناس كل الناس من وراء الدماء والأشلاء التي تزهق بوجهٍ مشروع أن يروا تلك الصورة المشرقة المضيئة للإسلام التي تدفع كل أحدٍ إلى الوقوف بخشوع وإجلال أمام مشهد هذا الدين العظيم بكل أبعاده عقيدةً وعبادةً وسلوكاً وخلقاً، إن صورة الجهاد المشرقة هي تلك التي لا تلطخ صفحة الإسلام 170 صحيح البخاري- حديث 1275 171 صحيح البخاري- حديث 1922
عدد الصفحات ٤٩50 البيضاء بأي شبهة مهما صغرت، في نفس الوقت الذي تتضمخ فيه أجساد أبنائه بدماء الشهادة مهما كثرت ... رابعاا : الالتزام بأصول وثوابت الإسلام والتوقف في الرخص عند موجبها : فلا يصح لمن رام بجهاده إعلاء دين الله تعالى أن يسترسل في الاستثناءات الخارجة عن الأصل المفضية إلى نقيض المقصود من الجهاد، ولا أن ي غرق في تعميم الأحوال الخاصة وإخراجها عن خصوصيتها، فبعض المسائل التي أفتى أهل العلم بالرخصة فيها على سبيل الاستثناء كقتل الترس من المسلمين أو الانغماس في العدو لتعينم الحاجة أو طلب النكاية فيه، لا سيما فيما ي عرف اليوم بالعمليات الاستشهادية، أقول : هذه الأحوال هي الاستثناء لا الأصل، وهي الرخصة لا العزيمة، وموجب الرخصة فيها تحقق مصلحة راجحة أكبر متعينة أو دفع مفسدة محتمة أكبر، حتى إذا ما اضمحلت هذه المصلحة أو تسرب الشك إلى تحققها كان الالتزام بمنهج الشرع الذي يقضي بأن الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل، والأصل هنا عصمة الدماء المعصومة وعدم التفريط بالمجاهد المسلم لأدنى شبهة مصلحة، ولقد مر زم ن قريب كانت للعمليات الاستشهادية فيه وقع عجيب على المسلمين تثبيتاً وإعجاباً وعلى الكافرين رعباً ونكالاً، أما اليوم وقد ركب الناس الصعب والذلول فلم تعد الحال كذلك مع كل عملية من هذا النوع، لا سيما تلك التي تميل إلى الهرج أكثر مما تنزع إلى الإثخان في العدو، ونحن هنا في مقام التنظير لا مقام إثبات نسبة أعمال معينة إلى فصائل جهادية معينة. والحاصل هنا أن إعمال أصول الشرع أقرب إلى إظهار الشرع وإعلاء كلمته من الاسترسال في الرخص والمستثنيات، فليتنبه لهذا فإنه دقيق. خامساا : عدم انفكاك دعوة البيان عن مقارعة السنان: فقد قال الله تعالى: (وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو رد وه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ل ع لِ مه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ور حمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً )172، وأو الأمر هنا يشمل أهل العلم الشر عي وأه ل الخبرة والحنكة العسكرية ؛ فالفريق الأول يستنبط الحكم الشرعي المتعلق بوقائع المعركة، و الفريق الثاني يستنبط القيمة الميدانية للأخبار وما يترتب عليها من عمل عسكري ونحوه وإن الأمرين مقصودان معاً جميعاً لأن الأمر العسكري إذا انفك عن الأمر الشرعي والمصلحة الشرعية والسياسة الشرعية أصبح قتلاا وسفكاا للدماء مجرداا، وإن الحكم الشرعي إذا انفك عن السيف الذي يقيمه أصبح عديم الشوكة بل عديم الهيبة عند كثير من الناس، وهذا كله يناقض ظهور دين الإسلام على ما سواه، فكان لا بد من اجتماع النظرين الشرعي والحربي لتكون كلمة 172 سورة النساء- 71
عدد الصفحات ٥٠51 ا تعالى هي العليا، والله الموفق. وإن هذه المزدوجة تمثل ما يعرف اليوم بالتكتيك والاستراتيجية، فالعمل الحربي هو آلة القتال (التكتيك) في حين أن الحكم الشرعي هو الخطة (الاستراتيجية) التي تضع العمل الحربي في الموضع الذي يحقق مقصود الشرع (الأهداف الاستراتيجية)، فتأمل. ولعل من المهم للفصائل الجهادية التي لا يتسن لها لأسباب أمنية أن تطل على العالم الإسلامي عبر نافذة إعلامية مأمونة موثوقة ميسورة على الدوام للتعليق على حدث أو بيان حقيقة حادثة ما، أن يبينوا للأمة الإسلامية الخطوط العريضة لمنهجهم الجهادي الخاص بالميدا ن الذي يقارعون العدو فيه، حتى يفوتوا على فئران العمالة الإعلامية النهش في جسد المجاهدين وتقطيع أواصر الصلة بينهم وبين جسد الأمة الإسلامية من خلال تشويه صورة جهادهم وإساءة الظن بهم . وهنا مسألة مهمة، بل هي دعوة لأهل العلم خارج ميادين الجهاد أن يكف من انشغل م نهم بالتمكين لحكومات العمالة والعلمنة بتأويلاتٍ فاسدة وبيعات باطلة، ويوجه جهده واجتهاده نحو المساهمة في التنظير والتكييف الشرعي لمتطلبات الجهاد والمجاهدين بحيث يمدونهم بالخطوط "الاستراتيجية" العامة التي تعين على تحصيل ثمرات القتال والمواجهة "التكتيكية" في هذه المرحلة ، ويجهوا جهدهم كذلك نحو تجييش الأمة الإسلامية لمناصرة الجهاد والمجاهدين والاستعداد لمرحلة انتشار رقعة الجهاد في شتى أرجاء العالم الإسلامي، وإقامة نهضة حضارية إسلامية شاملة يكون الجهاد حارساً لها بدلاً من أن يكون الجهاد عنوانه الوحيد، وتهيئة الناس ثم وتعبيدهم لله تعالى بدعوة البيان المحروسة بالسنان استعداداً للمرحلة الأخيرة من مراحل الجهاد في سبيل الله ألا وهي إقامة حكم الله تعالى في الأرض. سادساا : تحكيم شرع الله تعالى في الأرض : و هذا هو الرسم العام لخطة المواجهة والسعي نحو التمكين والشهود الأممي؛ ولكنه مقصد عالٍ لا ينفع فيه إحراق المراحل، كما لا تنفع فيه المداهنة والمساومة على مبادئه، وإنما يجدي فيه استفراغ الوسع في تعاطي الأسباب الشرعية والكونية المتاحة في كل بقعة من العالم الإسلامي وبحسب طبيعة الظرف الزماني والمكاني الخاصة بها، ثم التدرج بهذه الأ سباب مع ما يمن الله تعالى به من ثمراتها، دون استعجال النتائج ودون تسليط سيوف الغلو على رقاب الناس الرادحين زمناً تحت نير الكفر والتضليل والشبهات، ودون التفريط في مبادئ الدعوة الإسلامية الكلية بحجة "براغماتية " سياسية باهتة، بل نحسن الظن ببعضنا البعض ونسيئ الظن بعدونا ونعامل كلاً بما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإن ما قدمناه في هذه الرسالة من وجوب التآلف والتناصر وحرة التشرذم والتنافر إنما هو زاد هذه المواجهة الطويلة مع عدو الداخل والخارج، وهو بلسم جراحٍ سنلاقيها في هذا الطريق، وأ نس صدورٍ م ستوحشة حين يعز السائرون في سبيل الحق، وهو اللحمة الجامعة بين جيوش المجاهدين وثلة العلماء العاملين وجماهير الإسلام العابدين لرب العالمين .
عدد الصفحات ٥١52 إن معركة ا مة اليوم إنما هي مع الباطل لا مع الزمن، فلا ينبغي استعجال النتائج، و لتتآلف سواعد المجاهدين مع منابر العلماء الربانيين و دعاء أبناء الإسلام المخلصين لتكمل بعضها بعضاً في تشكيل منظومة الدفاع عن هذه الأمة العظيمة، فلتكن صدورنا لبعضنا البعض رحبة، ولتكن قلوبنا لبعضنا البعض مح ِبة، ولتكن كلمة الله تعالى هي العليا في جهادنا قبل أن تكون هي ثمرة جهادنا، ولتكن سيرة رسولن ا وقائدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ماثلةً أمام أعيننا على الدوام، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وكتب أفقر خلق الله / وسيم فتح الله Twitter: @wfathalla1 غرة ذي الحجة 4141 ه 6 تشرين الأول 3144 م
عدد الصفحات ٥٢53 الفهرس العنوان الصفحة مقدمة 3 الفصل الأول: مكانة الاجتماع والتآلف في الإسلام 1 أولاً: النصوص الدالة على قصد التآلف بين المسلمين خاصة 1 ثانياً: النصوص الدالة على أن معقد التآلف بين المسلمين هو الولاء الإيماني 52 ثالثاً: النصوص الدالة على قصد التآلف بين من يقيم تحت ظل الدولة الإسلامية عموماً 57 رابعاً: النصوص الدالة على أن معقد التآلف بين المسلمين وغيرهم تحت مظلة الدولة الإسلامية هو ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم 21 الفصل الثا: مسائل منهجية تتعلق بالتعامل مع المخالف 11 قاعدة: إذا ضاق اسم الإيمان اتسع اسم الإسلام، وإذا اتسع اسم الإسلام ضاق اسم الإيمان 11 قاعدة:العمل بالمفضول مع حفظ نظام الجماعة خير من العمل بالفاضل مع انفراط عقد الجماعة 16 قاعدة: التعاون مع المخالف على البر ليس إقراراً على ما هو عليه من الباطل 15 خاتمة 19
عدد الصفحات ٥٣