المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رسالة في الائتلاف ونبذ الفرقة والخلاف

وسيم فتح الله

صفحة ٢ من ٤

17 7. وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المؤمن م أل فة ، ولا خير فيمن لا يألف ولا ي ؤلف"53. يقول الإمام الماوردي رحمه ا :"وأما ما يصلح به حال الإنسان فثلاثة أشياء هي قواعد أمره ونظام حاله، وهي: نفسٌ مطيعةٌ إلى رشدها منتهيةٌ عن غيها، وألفةٌ جامعةٌ تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها، ومادةٌ كافيةٌ تسكن نفس الإنسان إليها ويستقيم أوده بها"54 ، ويقول رحمه ا :"وأما القاعدة الثانية وهي الألفة الجامعة: فلأن الإنسان مقصودٌ بالأذية، محسودٌ بالنعمة، فإذا لم يكن آلفاً مألوفاً تخطفته أيدي حاسديه، وتحكمت فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مدة . فإذا كان آلفاً مألوفاً انتصر بالألفة على أعاديه، وامتنع من حاسديه، فسلمت نعمته منهم، وصفت مدته عنهم "55، قلت : ولعل هذا المعن أحد أسرار التوجيه النبوي الكريم في سد ذرائع الفرقة والشقاق ووضع أسباب الألفة والات فاق بين المسلمين حيث قال صلى الله عليه وسلم :" إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً "56. والحاصل هنا تعلق وصف الألفة باسم المؤمن وكأنه صفة لازمة متى وجد اسم الإيمان وجد وصف الألفة، ومتى عدمت الألفة اضطرب اسم الإيمان فانتفت عنه الخيرية الكاملة كما قال صلى الله عليه وسلم:"ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف " أي: لا خير كامل، كما يدل على ذلك صدر الحديث حيث قال صلى الله عليه وسلم :" أكمل الناس إيماناً أحاسنهم أخلاقاً الموطئون أكنافاً ، الذين يألفون وي ؤلفون"، فمن أراد أن يرتقي بإيمانه إلى درجة الكمال فلا بد له من حسن الخلق وتوطئة الكنف، حتى يصل الأفراد مجتمعين إلى رسمٍ مسامتٍ لرسم مجتمع الصحابة الذين وصفهم الله تعالى في كتابه فقال : (محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)57، قال ابن كثير رحمه الله :" فهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديداً عنيفاً على الكفار، رحيماً براً بالأخيار، غضوباً عبوساً في وجه الكافر ، ضحوكاً بشوشاً في وجه أخيه المؤمن "58، قلت: تأمل كلامه رحمه الله، ثم تأمل حال كثيرٍ من المسلمين اليوم على العكس من ذلك، فترى أحدهم بشوشاً ضحوكاً موطأ الكنف للكفار، وتراه عبوساً غضوباً شديداً غير مسامحٍ مع أخيه المسلم، نسأل الله تعالى أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً . 53 مسند أحمد- حديث 22765 54 أدب الدين والدنيا- الماوردي – 5/575 55 السابق- 5/572 56 صحيح البخاري- حديث 1151 57 سورة الفتح- 26 58 تفسير ابن كثير- 1/201

عدد الصفحات ١٧

18 7. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ي رد م ش د هم على م ضع فهم، ومتسر يهم على قاعدهم، لا ي قتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده "59.ولقد تقدم معنا هذا الحديث في الاستدلال على قصد الشارع الحكيم تحقيق التآلف بين المسلمين، وموضع الشاهد هنا هو تعلق الأحكام العملية لهذا التآلف باسم "الإسلام"، فكون المسلم مسلماً هو مناط استحقاق التآلف وترتب آثاره من حرمة الدماء وعصمتها وتكافؤ ذمم المسلمين ووجوب التناصر بينهم . والحقيقة إن نصوص الشرع في هذا الباب كثيرة جداً، ولكن المقصود الاستدلال بالنقل الصحيح على هذا الأصل بما تطمئن النفس معه إلى الصدور عن الشرع لا مجرد الهوى والتشهي . ثالثاا : النصوص الدالة على قصد التآلف بين من يقيم تحت ظل الدولة الإسلامية عموماا : إن تآلف المسلمين فيما بينهم مقصدٌ شرعي عظيم، ومع أن معقد هذا التآلف معنوي يتعلق بالولاء الإيماني كما ت قدم، فإن الشريعة قد قصدت إلى أن يكون للمسلمين مظهر اجتماعٍ حسيٍ عمليٍ يتمثل في الدولة الإسلامية تحت إمرة الإمام العام للمسلمين وتحت حكم شريعة رب العالمين . ومن جهة أخرى فإن طبيعة الدعوة الإسلامية منذ عصر النبوة إلى قيام الساعة يس تدعي نوعين من الظهور العام للمسلمين؛ أحدهما: ناتج عن الدعوة السلمية والغلبة العددية العفوية في مجتمع ما كما حدث في المدينة المنورة وغيرها، والثاني: ناتج عن الفتح الإسلامي الذي غايته تحطيم الموانع التي تصد عن سبيل الله وتقف أمام الدعوة السلمية حتى إذا تم الفتح وب ل غت رسالة رب العا لمين بالدعوة إلى التوحيد الخالص وتحكيم شرع الله تعالى ت رك الأفراد – تحت مظلة هذا الحكم الإسلامي العام - ليدخلوا في دين الله طواعية بعد أن زالت الحواجز المانعة ووجدت الدواعي الدافعة . وسواءٌ أكان ظهور الدولة الإسلامية بطريق الدعوة السلمية والمكاثرة العددية أم بطريق الفتح الإسلامي فإن المجتمع المسلم في الحالتين لا يقتصر بناؤه على المسلمين فحسب؛ بل يوجد فيه من غير المسلمين من لم يستجب بعد للدعوة السلمية في الحالة الأولى، كما يوجد منهم من وقف عند عقد الذمة في الحالة الثانية، وهذا يعني أن المسلمين يعيشون مع غير هم في ظل الدولة الإسلامية، وهذا هو واقع الأمر 59 سنن أبو داوج- حديث 2115 سكت عنه أبوداود. والمشد: من قويت دابته وراحلته، والمضعف: من ضعفت دابته وراحلته، والمتسري: الذي يخرج في السرية، والقاعد: هو الردء الذي لا يخرج مع السرية.

عدد الصفحات ١٨

19 منذ بدايات المجتمع الإسلامي في المدينة وعبر تاريخ الأمة الإسلامية، فالتمكين للدولة الإسلامية لا يع بحال من الأحوال تصفية المجتمع الإسلامي من غير المسلمين، كما لا يعني "اجتثاث" غير المسلمين من نسيج الدولة والمجتمع، بل يعني الاستقرار والأمن السياسي الذي يهيء لتحقيق جملةٍ من المقاصد الشرعية كما قال الله تعالى : ( و ع د الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ل يست خلِ ف ن هم في الأرض كما استخلف الذين مِ ن قبلهم ول ي م كِ ن ن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ول ي ب د ل ن هم مِ ن بعد خوفهم أ مناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً وم ن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون )60؛فالتمكين للدولة الإسلامية مقصد شرعي يهدف إلى تأمين بيئة مستقرة آمنة ي عبد الله تعالى فيها دون خوف أو وجل، وي دعى إلى الله تعالى فيها بلا خوف أو وجل، و يتعرض غير المسلمين فيها إلى نفحات الإسلام لعل الله يكتب لهم هداية التوفيق بعد أن قامت عليهم الحجة بهداية الإرشاد. والحاصل أن الدولة الإسلامية ليست هي الدولة التي جميع أفرادها مسلمون، كما أنها ليست الدولة التي تسعى إلى إكراه كل فرد فيها على الإسلام، وإنما هي الدولة التي تحكم بشرع الله تعالى وتؤمن درجة من الاستقرار الإجتماعي السياسي بغية تحقيق مقصدين اثنين هما :  أنيم ك ن المسلمون من إقامة شعائر الله تعالى وتعظيمها، فيعبد المسلمون الله بلا خوف يعطل دين الله ولا وجلٍ يندفع معه الناس إلى الشرك بالله، ويدلك على هذا المقصد قو له تعالى : (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)61.  وأن يم ك ن لغير المسلمين من معاينة دين الله تعالى مطبقاً على أرض الواقع لا مجرد معتقدات وعلوم نظرية ، ويدلك على هذا المقصد قوله تعالى: ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم )62، والمودة أن يهدي الكفار منهم للإيمان كما ذكره الطبري رحمه الله 63. والحاصل مما تقدم أن هناك واقعٌ مفروض يتعامل فيه المسلمون مع غيرهم في ظل السلم المدني الاجتماعي الذي تؤمنه الدولة الإسلامية، ولقد بين شر ع الله تعالى الكامل للمسلمين صيغ التعامل مع غير المسلمين في هذا السياق تحقيقاً للمقصدين المتقدمين أعني تمكين العبادة الآمنة لله والدعوة الآمنة لله، فلنتأمل بعضاً من التوجيهات الشرعية في هذا السياق: 60 سورة النور- 11 61 سورة الحج- 15 62 سورة الممتحنة- 1 63 تفسير الطبري– 5/119

عدد الصفحات ١٩

20 5. قال تعا: (فلذلك فادع واستقم كما أ مرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأ مرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا ح جة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير)64؛ قال الطبري رحمه الله :" يقول تعالى ذِ كره : وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب ، فأسير فيكم جميعاً بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه"65، وهذا يشمل أهل الكتابين التوراة والإنجيل . والعدل – كما قال الطبري – هو ميزان الله في الأرض ؛ به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدق الله الصادق، ويكذب الكاذب، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه "66، قلت: وهذا عام في كل مظلومٍ وإن كان كافراً وكل ظالمٍ وإن كان مسلماً . والشاهد من هذا كله أن هذا التوجيه الرباني للتعامل مع الأحزاب من أهل الك تابين وغيرهم يدل على قصد الشريع ة إلى إيجاد بيئة مستقرة من العدل الاجتماعي والسلم السياسي الذي تستقيم معه الحياة فتقوم الحجة دون خصومةٍ ومنازعةٍ إلا الجدال بالتي هي أحسن، وهذا معن قوله تعالى في الآية (لا حجة بيننا وبينكم) قال الطبري رحمه الله :" وقوله (لا حجة بيننا وبينكم) يقول: لا خصومة بيننا وبينكم ... قال ابن زيد في قول الله عز وجل (لا حجة بين نا وبينكم ) لا خصومة بيننا وبينكم وقرأ : (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)67"68. 2. قال الله تعا: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراا مما كنتم ت خفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام وي خرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم )69، فالتآلف بين المسلمين وغيرهم في ظل إقامة شعائر الإسلام مطلوبٌ شرعاً ومقصود منه دعوة غير المسلمين إلى الإسلام بالبيان العلمي والهدي العملي، والدافع الأسمى لهذا التآلف ليس مجرد التعايش الوجودي كما هو مقصود النظم الوضعية بل الدافع الأسمى له هو استنقاذ عامة الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإسلام والإيمان، كما أشار إليه الإمام البغوي رحمه الله حيث قال :" (يهدي به الله من اتبع رضوانه ) رضاه (سبل السلام) قيل: السلام هو الله عز وجل ، وسبيله دينه الذي شرع لعباده وبعث به رسله ، وقيل: السلام هو السلامة كاللذاذ واللذاذة بمعن واحد ، والمراد به طرق السلامة (ويخرجهم من الظلمات إلى النور ) 64 سورة الشورى- 51 65 تفسير الطبري- 21/51 66 تفسير الطبري- 21/57 67 سورة العنكبوت- 19 68 تفسير الطبري– 21/57 – باختصار يسير 69 سورة المائدة– 51-59

عدد الصفحات ٢٠

21 أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان (بإذنه) بتوفيقه وهدايته (ويهديهم إلى صراط مستقيم) وهو الإسلام"70، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله :"أي ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور ويحصل لهم أحب الأمور وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة"71، قلت: وهذا غاية السمو الإنساني، أعني أن نحب للناس من الخير ما نحبه لأنفسنا، وأن نسعى في إغرائهم بات باع سبل السلامة والنجاة كل سبيل، وليس السمو والرقي الحضاري أن نترك الض لا ل الج ه ال في ضلالهم وجهلهم دون دلالةٍ على الخير أو محبةٍ للنجاة. 1. قال الله تعا: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير)72؛ قال الإمام الطبري رحمه الله :" قد أعذرنا إليكم واحتججنا عليكم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إليكم وأرسلناه إليكم ليبين لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم ، كيلا تقولوا لم يأتنا من عندك رسول يبين لنا ما نحن عليه من الضلالة ، فقد جاءكم من عندي رسولٌ يبش ر م ن آمن بي وعمل بما أمرته وانتهى عما نهيته عنه ، وينذر من عصاني وخالف أمري ، وأنا القادر على كل شيء، أقدر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني، فاتقوا عقابي على معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولي واطلبوا ثوابي على طاعتكم إياي وتصديقكم بشيري ونذيري ، فإني أنا الذي لا يعجزه شيء أراده ولا يفوته شيء طلبه "73، فالبشارة والنذارة مقصود بلاغِ رسالةِ محمد صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب بعد أن ضيعوا الدين فلم يعودوا يصلحوا هم لبلاغ الخلق، كما لم يصلح بقاء الخلق بلا رسالة كما كان حال أهل الفترة، والشاهد أن هذا التعايش الذي أقرته الشريعة بين المسلمين وأهل الكتاب وسيلةٌ إلى مقصد أسى وهو غير مقصودٍ لذاته كما هو الحال في النظم الوضعية التي تنظم التعايش بين الناس لتحقيق مصالحهم العاجلة في الدنيا دون النظر إلى مصالحهم الآجلة في الآخرة . ولا تعجز هذه النظم الوضعية عن تحصيل هذه المصالح الدنيا على الوجه الأكمل فحسب، بل إنها لا تلتفت البتة إلى المصالح الأهم في الآخرة ف تبش ر بها، ولا تلتفت إلى المفاسد ا لأعظم في الآخرة فتنذر بها، وبهذا يظهر كمال النظام السياسي الإسلامي الذي يلبي حاجة الخلق جميعاً مسلمهم وكافرهم من خلال صيغ ناظمة للتعايش والتعامل بينهم تحت حكم الله فتحصل مصالحهم العاجلة في الدنيا، كما يلتفت إلى مصالح الخلق في الآخرة جميعاً مسلمهم وكافرهم فيبشر بالجنة 70 تفسير البغوي- 2/22 71 تفسير ابن كثير– 2/11 72 سورة المائدة- 56 73 تفسير الطبري– 9/591-597

عدد الصفحات ٢١

22 وينذر من النار،وهذه البشارة والنذارة في صورتها الأكمل لا بد لها من بيئة مستقرة تحقق العدل الجتمعي وتتيح المجال لإقامة الحجج والبراهين النقلية والعقلية على صحة الرسالة، ليهلك من هلك عن بينه ويحي من حي عن بينة. 1. قال الله تعا: (قل يا أهل الكتاب تعال وا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاا ولا يتخذ بعضنا بعضاا أرباباا من دون ا لله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأن ا مسلمون)74، وهذه الدعوة إلى الكلمة السواء – أي كلمة التوحيد – تعمم كل كتابي كما ذكر الإمام الطبري 75، وأمره تعالى للمسلمين أن يدعوا أهل الكتاب بقولهم : ( تعالوا) وهو لفظ تفاعل بين الفريقين، ثم قوله تعالى : (فإن تول وا فقولوا اشهدوا بأن ا مسلمون) قال الطبري :"فإنه يعني فإن تولى الذين تدعونهم إلى الكلمة السواء عنها وكفروا ، فقولوا أنتم أيها المؤمنون لهم : اشهدوا علينا بأنا بما توليتم عنه من توحيد الله وإخلاص العبودية له وأنه الإله الذي لا شريك له مسلمون؛ يعني: خاضعون لله به متذللون له بالإقرار بذلك بقلوبنا وألسنتنا "76 ، قلت: فهذا الدعوة القائمة على التفاعل بين الفريقين المسلمين وأهل الكتاب، ثم إشهاد المسلمين من تولى عن قبول الدعوة على إيمانهم كله يستلزم نوع مخالطةٍ تحت ظل الدولة الإسلامية يتمكن المسلمون فيه من عرض رسالة الإسلام عرضاً علمياً عملياً متكاملاً، ويتمكن أهل الكتاب فيه من معاينة رسالة الإسلام ودين الحق معاينةً حرةً لا إكراه فيها ولا اضطرار، فمن استجاب فبفضل الله، ومن تولى فقد قامت عليه حجة الله،كما أن لفظ (اشهدوا) يدل على معاينة أهل الكتاب ذلك كله وهذا يستلزم وجودهم بين الم سلمين ومخالطتهم إياهم في ظل الدولة الإسلامية وبضوابط الشريعة الإسلامية . 1. قال تعا: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ي خرجوكم من دياركم أن ت بر وهم وت قسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)77؛ قال الإمام الطبري رحمه الله :" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبر وهم وت صِ لوهم وت قسطوا إليهم، إن الله عز وجل عم بقوله (الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ) جميع من كان ذلك صفته ، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معن لقول من 74 سورة آل عمران– آية 91 75 تفسير الطبري- 1/101 76 تفسير الطبري– 1/101 77 سورة الممتحنة- 7-6

عدد الصفحات ٢٢

23 قال ذلك منسوخ ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولانسب غير محرم ولا منهى عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح "78، وترجم البخاري رحمه الله بهذه الآية لحديث أساء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : ق دِم ت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ف استفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال : نعم، صلي أمك"79، قلت: وإن ألفاظ البر والقسط المتعدية بإلى لا بد لها من نوع مخالطة حتى تحدث أثرها، مع مراعاة الشروط التي وضعتها الآيتان القرآنيتان وهي عدم دخول الضرر على الأمة ا لإسلامية، وهنا مسألة دقيقة وهي : أن الضرر الواقع أو المخوف على الأمة الإسلامية يشمل المسلمين وأهل ذمتهم لأن القتال والإخراج من الديار والمظاهرة على ذلك يعم كل م ن في الديار، ولهذا كان من فقه وبر وقسط شيخ الإسلام ابن تيمية حين خاطب التتار في إطلاق الأسرى فسمحوا بإطلاق المسلمين وأب وا أن يطلقوا الأسرى من النصارى أن قال ابن تيمية:"فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنص ارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نف كهم ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة ، وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا والجزاء على الله"80، فتأمل. 9. قال الله تعا: (سم اعون للكذب أك الون للس حت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضر وك شيئاا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين)81 .وموضع الشاهد من هذه الآية قوله تعالى (فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم)؛ قال الإمام الطبري بعد ذكر أقوال أهل التفسير:"وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابت لم ي نسخ، وإن للحكام من الخيار في الح كم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا وترك الحكم بينهم والنظر مثل الذي جعله الله لرسوله – صلى الله عليه و سلم - من ذلك في هذه الآية"82، فلقد خير الله تعالى إذاً رسوله صلى الله عليه وسلم – والخطاب لحكام المسلمين من بعده - بالحكم بين أهل الكتاب أو ترك الحكم بينهم إذا تحاكموا إليه؛ فإذا اختار أن يحكم بينهم فإنه يحكم بالشريعة الإسلامية وإذا اختار أن لا يحكم بينهم ردهم إلى دينهم وأهل ملتهم يتحاكمون بينهم فيما يخصهم، وهو بهذا أيضاً يحكم بالشريعة الإسلامية من جهته، وقد أوجب بعض أهل العلم على الحاكم أن يحكم 78 تفسير الطبري– 27/99 79 صحيح البخاري- حديث 2111 80 مجموع الفتاوى- 27/957 81 سورة المائدة- 12 82 تفسير الطبري- 9/219

عدد الصفحات ٢٣

24 بينهم بما أنزل اإذا تحاكموا وترافعوا إليه وهذا الخلاف لا يضر فيما نحن بصدده، لأن الذي نحن فيه أن أصل الحكم بينهم مبني على ترافعهم هم إلى الحاكم المسلم باختيارهم لا أن الحاكم المسلم يف رض حكم الشريعة على غير المسلمين، وهذا غاية العدل والإنصاف، وهو ركيزة عظيمة من ركائز الاتفاق والائتلاف مع أهل الكتاب وم ن في حكمهم في دولة الإسلام. والمقصود أن مسألة فر ض الشريعة الإسلامية على أهل الكتاب وم ن في حكمهم ليست كما يصورها الجاهلون أو المغرضون، وأن مسألة قطع الولاء الديني بين المسلمين وغيرهم ليس مظنة إيقاع الظلم بهم كما أنه ليس مانعاً من معاملتهم بالقسط. ولا حاجة للخوض في تفاصيل الأحكام في هذا الصدد لأ ن غرض الرسالة التنبيه على القواعد الرئيسية لتآلف المجتمع في ظل الدولة الإسلامية، وبيان أن تحكيم الشريعة أمرٌ كلي لا يستلزم جزئياتٍ موهومة كإكراه أحدٍ على خلاف معتقده، بل إن سعة السياسة الشرعية الإسلامية أرحب صدراا من نظم الحكم العلمانية التي لا تجيز لأحد مخالفة أمرها ولا تجيز لأحد أن يتحاكم إلى مرجعية غير مرجعيتها ، وبكلام آخر نقول: إن نظم الحكم العلمانية الوضعية تمنع المسلمين من تحكيم شرع الله فيما بينهم كما تمنع أهل الكتاب من تحكيم شريعتهم فيما بينهم، أما نظام الحكم الإسلامي فإنه يقيم شريعة الإسلام بين المسلمين ومن يتحاكمون إليهم من غيرهم، ويسمح لأهل الكتاب ومن في حكمهم بالتحاكم إلى شريعتهم في خاصة أمور دينهم كأنكحتهم ومعاملاتهم ومواريثهم ومرافع اتهم القضائية فيما بينهم، ويخضع الجميع مسلمون وكتابيو ن ومن في حكمهم إلى نظام الدولة العام فيما يخص الكليات الكبرى كحفظ ن ظام الدولة وأمنها وتحقيق العدالة الاجتماعية والأمن المجتمعي ونحوها. ولنأخذ مثالاً تطبيقياً من سنة ر سول الله صلى الله عليه وسلم: فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأةً زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا: نفضحهم ويج لدون. فقال عبد الله بن سلام:كذبتم! إن فيها الرجم فأ توا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك ! فرف ع يده فإذا فيها آية الرجم ، فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فر جما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة "83. ففي هذه الحادثة مسائل مهمة تتعلق بموضوعنا منها: 83 صحيح البخاري– حديث 1119

عدد الصفحات ٢٤

25  أن اليهود هم الذين تحاكموا إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم اختياراً، ولم يكن في هذه الحادثة شرطةٌ سريةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم تتعقب أهل الذمة فيما يقع بينهم من معاصي ومنكرات مستترة .  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحالهم في هذه الحادثة إلى حكم شريعتهم، - وهذا نوع إعراض كما خولته الآية الس ابقة - ثم حكم بينهم في هذه الحادثة بحكمهم هم في التوراة، وهذا غاية العدل والإنصاف،  أن الحد الشرعي للزنا في شرع أهل الكتاب هو الرجم، وفي هذا أوضح دليل على أن ما ينسبونه من شدة إلى الحدود والعقوبات الشرعية الإسلامية هو من قبيل إثارة الفتن والشبهات حول الإسلام، لأن في شريعتهم من الحدود والعقوبات الشرع ية ما لا يقل شدة عما في شريعتنا، بل إن الظاهر – كما أشار إليه الإمام الطحاوي84- أن حد الزنى في شريعة اليهود أ شد منه في شريعتنا لأن الرجم فيها حد الزنى سواء أكان مع الإحصان أم بدونه، أما في الإ سلام فالرجم حد الزاني المحصن أما غير المحصن فالجلد والتغريب على تفصيل عند أهل العلم . والحاصل أن تآلف المسلمين وغيرهم تحت مظلة الحكم الإسلامي أمرٌ ممكنٌ بل مطلوبٌ لما يحققه من مقاصد شرعية عظيمة يستكمل بها تمكين الإسلام لأهله وتستكمل بها آلة الدعوة إلى جميع المخاطبين بها. رابعاا : النصوص الدالة على أن معقد التآلف بين المسلمين وغيرهم تحت مظلة الدولة الإسلامية هو ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: إن التآلف بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب ومن في حكمهم هو في الأصل من مسائل السياسة الشرعية، خلافاً لما تقدم من مسألة التآلف بين المسلمين حيث إنه في الأصل من مسائل الإيمان. ويبين لك هذا أن مناط التآلف بين المسلمين بعضهم البعض هو محض الإيمان كما قال تعالى : (إنما المؤمنون إخوة)85 ولازمه تحقق المودة والمحبة القلبية وما يتفرع عليها من الموالاة والنصرة العملية، في حين أن مناط التآلف بين المسلمين وأهل الكتاب – ومن في حكمهم- هو ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تحت مظلة الحكم الإسلامي، وهو ما اصطلح عليه أهل العلم بعقد الذمة، ولازم هذا العقد تحقق السلم المدني الاجتماعي الذي يعصم الدماء والأعراض والأموال وما يتفرع على ذلك من معاملات يضبطها 84 انظر– شرح مشكل الآثار – 55/111 85 سورة الحجرات- 50

عدد الصفحات ٢٥

26 البر والقسط كما تقدم، ولا يتعلق بهذا التآلف مودةٌ قلبية أو ولاء ديني البتة كما لا يترتب عليه ظلم وعدوان بغير حق. و إن طريق الدلالة على هذا المعن اجتماع النهي مع الإثبات؛ النهي عن الموالاة الدينية مع إثبات الذمة الشرعية؛ فطريق النهي عن موالاة الكفار من أهل الكتاب وغيرهم صريح في القرآن كثير جداً منه: 1. قال الله تعا: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)86 ،قال الطبري رحمه الله :"إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم في التحزب على الله ورسوله والمؤمنين وأن الله ورسوله منه بريئان "87،فجعل الكفر مناط البراءة من غير المسلمين. 2. قال الله تعا: (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتول هم منكم فأولئك هم الظالمون)88،قال ابن كثير :"أمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباءً أو أبناء ونهى عن موالاتهم إن استحبوا – أي اختاروا – الكفر على الإيمان وتوعد على ذلك"89،فجعل الكفر مناط البراءة من غير المسلمين. 1. قال الله تعالى: (لا تجد قوماا يؤمنون بالله واليو م الآخر يواد ون من حاد الله و ر سوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم ج نات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)90،قال الإمام البغوي رحمه الله :"أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموالاة الكفار، وأن من كان مؤمناً لا يوالي من كفر ولو كان من عشيرته"91، قلت: فجعل الكفر مناطاا للبراءة الدينية. 1. قال الله تعا: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدو ي وعدو كم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ي خرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما 86 سورة المائدة- 15 87 تفسير الطبري- 9/219 88 سورة التوبة- 21 89 تفسير ابن كثير– 2/111 90 سورة المجادلة- 52 91 تفسير البغوي- 1/152

عدد الصفحات ٢٦

27 أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل)92،قال الشيخ السعدي:"هذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك منافٍ للإيمان، ومخالفٌ لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام "93 1. قال الله تعا: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تول وهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون )94،قال البيضاوي رحمه الله:"(و من يتولهم فأولئك هم الظالمون): لوضعهم الولاية في غير موضعها "95، قلت: وفي هذه الآية بيانٌ للمظاهر العملية المناقضة للإيمان و أن هذه المك فرات العملية مناط البراءة من غير المسلمين. وهنا كلمة مهمة، وهي أن اليهود والنصارى يشنعون اليوم على المسلمين في مسألة الموالاة والبراءة الدينية، ويرمونهم بالتطرف والإرهاب والتكفير ونحو ذلك، مع أن قضية الموالاة الدينية من حيث هي ليست خاصة بالتشريع الإسلامي ولا بالعقيدة الإسلامية، فإن كل قوم يدينون بدين يوالون ويعادون عليه، وكل قوم يعبدون إلهاا أو آلهة يحبون إلههم، ويحبون من أحبه، ويبغضون من يبغضه، وتأمل معي في نسخة الإنجيل المتداولة اليوم الكلام المنسوب إلى المسيح عيسى بن مريم عليه السلام:" لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماا على الأرض.ما جئت لأ لقي سلاماا بل سيفاا . فإني جئت لأفر ق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة ضد حماتها .و أعداء الانسان أهل بيته .من أحب أباا أو أ ماا أكثر مني فلا يستحقني.ومن أحب ابناا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني"96، قلت: تأمل كيف جعل محبة المسيح – وهو معبودهم97 – مناط الولاء والبراء، وكيف أن محبة المسيح والإيمان به هو بنص الإنجيل عندهم مناط المحبة والعداء لا بين الناس فحسب بل بين الأب وابنه وبين الأم وابنتها، وبين الرجل وأهل بيته . وأنا لا أسوق هذا النص نقداً له بل أسوقه حجةً عليهم لأن هذا هو الأمر السديد لمن آمن بربه ، أصاب فيمن يعتقده رباً أم لا هذا أمرٌ آخر، وتأمل مصداق هذا في القرآن الكريم حيث قال تعالى : (ل عن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عص وا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناه ون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون. ترى كثيراا منهم يتول ون الذين كفروا ل بئس ما قد مت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أ نزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراا منهم فاسقون)98 ، 92 سورة الممتحنة- 5 93 تفسير السعدي- 5/711 94 سورة الممتحنة– 6 95 تفسير البيضاوي- 1/127 96 إنجيل متى– إصحاح 50- الآيات 11-11 97 ليس في النص المذكور دلالة على ألوهية عيسى عليه السلام ولكننا نحتج على القوم بما يعتقدون 98 سوة المائدة– 17-75

عدد الصفحات ٢٧

28 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أ نزل إليه"99، قلت: وسواءٌ أق بِ ل اليهود والنصارى هذا ال نص القرآني أم لم يقبلوه، فإن في نصوص كتبهم المقدسة المتداولة اليوم ما يؤكد ترسخ هذا المبدأ لديهم، كالنص المتقدم من الإنجيل، وكهذا النص من العهد القديم وفيه: "للأجنبي ت قرض بربا ولكن لأ خيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخلٌ إليها لتمتلكها"100، قلت: فتأمل كيف فرق في التعامل الاقتصادي بين أخيه الذي على دينه وبين الأجنبي، ومثل هذا تأصيل العداء والحرب على الأساس الديني ، ففي العهد القديم أيضاً :" إذا خرجت للحرب على عدوك ور أيت خيلاً ومراكب قوماً أكثر منك فلا تخف منهم لأن معك الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر .وعندما تقربون من الحرب يتقدم الكاهن ويخاطب الشعب . ويقول لهم اسع يا اسرائيل.أنتم قربتم اليوم من الحرب على أعدائكم.لا تضعف قلوبكم.لا تخافوا ولا ترتعدوا ولا ترهبوا وجوههم .لأن الرب إلهكم سائرٌ معكم لكي يحارب عنكم أعداءكم ليخلصكم"101، قلت: وهذا أمرٌ لا إشكال فيه أعني أن يكون الإيمان والكفر مناط الولاء والبراء الديني، وإنما أردنا أن نبين لأهل الكتاب أن ما عندهم من النصوص المقدسة مثل ما عندنا في القرآن الكريم في عقد الولاء والبراء على أصل الإيمان، فلا يشنعوا على أهل الإسلام بذ لك، بل لينظروا في عدل شريعة الإسلام الذي لم يجعل هذه البراءة الدينية من غير المسلمين مبرراً أو ذريعةً إلى ظلمهم والبغي عليهم بغير حق، وهو المقصود في هذا الموضع، ولنبين أيضاً أننا وبكل وضوح حين نتكلم عن العدل والبر مع أهل الكتاب وغيرهم من الكفار فليس مداهنةً في ديننا، وليس تزلفاً إلى دينهم، بل لأنه أمر ربنا وشرعة نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وليس في أي من ذلك ما نخجل أن نظهر به على الملأ، بل إن العزة كل العزة أن نرفع هامنا بالتزام شرع ربنا فنعطي ك ل ذي حق حقه، ونضع كلاً في منزلته. و أما طريق إثبات الأمان و الذمة الشرعية لأهل الكتاب ومن في حكمهم فصري حٌ أيضاً في نصوص الوحي ومنها: 5. قال الله تعا: ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاا ولم يظاهروا عليكم أحداا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين)102،فقوله تعالى (فأتموا إليهم عهدهم) أي: فأوفوا لهم بعهدهم، قاله الإمام البغوي103.وقال الطبري رحمه ا :"يقول: فوا لهم 99 مجموع الفتاوى– 1/51 100 العهد القديم- سفر التثنية- إصحاح 21 آية20 101 العهد القديم– سفر التثنية- إصحاح 20 – آية5-1 102 سورة التوبة- 1 103 تفسير البغوي– 2/296

عدد الصفحات ٢٨

29 بعهدهم الذي عاهدتموهم عليه، ولا تنصبوا لهم حرباً إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم"104، قلت: فالآية أثبت العهد مع الكفار، وأقرته، وأمرت بالوفاء به ما لم يخونوا، وهذا غاية العدل والإنصاف، وصريحٌ في أن في الشريعة الإسلامية سعةٌ في التعامل مع غير المسلمين على المستوى الجماعي والأممي – أو قل اليوم إن شئت: الدولي. 2. وقال الله تعا: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)105، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :"يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه (وإن أحد من المشركين ) الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم (استجارك ) أي: استأمنك، فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله أي : القرآ ن تقرؤه عليه وتذكر له شيئاً من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله (ثم أبلغه مأمنه) أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه "106، قلت: وهذا دليلٌ آخر على سعة التشريع الإسلامي في التعامل مع غير المسلمين على المستوى الفردي . 1. وقال الله تعا: (قات لوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحر مون ما حر م الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)107،وهذه الآية خاصة بأهل الذمة، قال الشافعي رحمه الله :"سعت رجالاً من أهل العلم يقولون: الص غار أن يجري عليهم حكم الإسلام، وما أشبه ما قالوا بما قالوا لامتناعهم من الإسلام، فإذا جرى عليهم حكمه فقد أصغروا بما يجري عليهم منه "108، وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله :"فإذا ترك الكفار محاربة أهل الإسلام وسالموهم وبذلوا لهم الجزية عن يدٍ وهم صاغرون كان في ذلك مصلحة لأهل الإسلام وللمشركين؛ أما مصلحة أهل الإسلام فما يأخذونه من المال الذي يكون قوةً للإسلام مع صغار الكفر وإذلاله، وذلك أنفع لهم من ترك الكفار بلا جزية، وأما مصلحة أهل الشرك فما في بقائهم من رجاء إسلامهم إذا شاهدوا أعلام الإسلام وبراهينه أو بلغتهم أخباره، فلا بد أن يدخل في الإسلام بعضهم وهذا أحب إلى الله من قتلهم"109، 104 تفسير الطبري- 50/11 105 سورة التوبة- 9 106 تفسير ابن كثير– 2/117 107 سورة التوبة- 26 108 أحكام القرآن للشافعي- 2/90 109 أحكام أهل الذمة- 5/550

عدد الصفحات ٢٩

30 والمقصود أن هذه الصيغة من التآلف قائمة على ترك القتال في مقابل عصمة الدماء، وكون الجزية صغاراً أو ذلاً حقيقته ما في بذلها من دلالة رمزية على انقياد أهل الكتاب ومن في حكمهم إلى حكم الله تعالى، وهذا عين المصلحة لهم سواءٌ المصلحة الدنيوية في عصمة دمائهم أو الأخروية رجاء إسلامهم ، وعوا ذلك كله أم لم يعوه . وهذا المسلك بالإضافة إلى استناده إلى الشرع فإن دليل العقل يدل عليه عبر سائر التاريخ البشري من جهة أن الأمم المتغلبة على غيرها تسعى إلى نشر عقيدتها ومنهجها لما ترى فيه من الصلاح العام للحضارة البشرية التي جعلت من نفسها عنواناً لها، وترى الشعوب والأمم المغلوبة تتقبل هذه النزعة بل وتسارع في الانضواء تحت رايتها، والدليل الحسي المشاهد اليوم من سعي الغرب وأمريكا إلى عولمة الأيديولوجية الديمقراطية و "تحرير الش عوب من النظم اللاديمقراطية " ومسارعة الشعوب المغلوبة إلى الدخول في "ذمة" أمريكا أقول هذا الدليل الحسيشاهدٌ على هذا النهج الحضاري البشري، غير أن أعداء الإسلام لا ينتقدون هذا النهج إلا حين يكون الداعي إليه داعياً إلى الله وإلى النبي وإلى الكتاب المنزل عليه . 1. حديث عمرو بن شعيب المتقدم: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ي رد م ش د هم على م ضع فهم، ومتسر يهم على قاعدهم، لا ي قتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده"110. قال العظيم آبادي:" "يسعى بذمتهم" أي: بأمانهم "أدناهم" أي: عدداً وهو الواحد أو منزلةً، قال في شرح السنة: أي أن واحداً من المسلمين إذا أم ن كافراً حر م على عامة المسلمين دمه...فلا يخفر ذمته "ويجير عليهم أقصاهم" قال الخطابي: معناه أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدا ر إذا عقد للكافر عقداً لم يكن لأحدٍ منهم أن ينقضه"111، قلت: وهذا يدلك على عدم حرص الشريعة على إراقة الدم، فتنبه . والمقصود إثبات عقد الأمان والذمة لغير المسلمين بضوابطه الشرعية، وهذه صيغة تآلف وتعايش بين أفراد المجتمع المسلم وغيرهم، بل هي صيغة حماية لغير المسلمين الذين رضوا أن ينضووا تحت مظلة الحكم الإسلامي وعبروا عن هذا القبول بالتزام دفع الجزية أو قبول الأمان والعهد من المسلمين. 1. عن عبد ابن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قتل معاهداا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماا "112، 110 سنن أبو داود- حديث 2115 سكت عنه أبو داود. والمشد: من قويت دابته وراحلته، والمضعف: من ضعفت دابته وراحلته، والمتسري: الذي يخرج في السرية، والقاعد: هو الردء الذي لا يخرج مع السرية. 111 عون المعبود شرح سنن أبي داود– 1/102 باختصار يسير 112 صحيح البخاري- حديث 2661

عدد الصفحات ٣٠

31 قال العيني في قوله (معاهداً ):"أراد به الذمي لأنه من أهل العهد، والعهد حيث وقع هو الميثاق"113، وقال الشوكاني :"المعاهد: هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه "114، قلت: دلت النصوص بمجموعها على أن المعن يين مراد، أعني الذمي والمستأمن، على تفصيل عند الفقهاء، والمقصود هنا بيا ن حرمة قتل غير المسلم الذي أعطاه المسلم العهد بالأمان، وهذا الأمان هو الذي يمك ن من التعايش بين المسلم وغيره تحت مظلة الدولة الإسلامية، بل وفي حماية الدولة الإسلامية. 9. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا من قتل نفساا معاهداا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاا "115،وسي أهل الذمة: لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم116. فهذه النصوص وغيرها تبين أن معقد التآلف والتعايش بين المسلمين وغيرهم هو العهد بأنواعه: عقد ذمة أم عقد أمان، كما تبين ما يترتب على عقد الذمة من عصمة للدماء والأعر اض والأموال، وإن حفظ هذه الحرمات هو رباط التعايش السلمي الذي به يتحقق السلم المدني في المجتمع الإسلامي. والحاصل من مجموع الأمرين هو انتفاء التعارض ما بين البراءة الدينية والنهي عن تو لي الكفار من جهة وبين حفظ دماء غير المسلمين وأعراضهم وأموالهم تحت مظلة الدولة الإسلامية بصيغة من صيغ العهد الشرعي من جهة أخرى، وبهذه الازدواجية المتزنة يحافظ الإس لام على نقاء عقيدة التوحيد القائمة على توحيد الحب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، كما يحافظ على صيغة تعايش بين المسلمين وغيرهم تصون مصالح الجميع عن التهارج والفوضى ، وتحفظ دين المسلمين في سياق هذا التعايش فلا تذبل غيرتهم على التوحيد، وتقدم دين الإسلام لغير المسلمين واقعاً ملموساً فلا يقعوا فريسة الشبهات المغرضة التي تمنعهم من معاينة الإسلام وتدبر هداه عسى الله أن يهدي من شاء منهم فيجمعوا مصلحة الآخرة إلى مصالح الدنيا ال تي تقيمها لهم دولة الإسلام. وهكذا تبين لنا في تدبر سريع ل بعض نصوص الوحي أن الإسلام ي قصد إلى تحقيق الألفة الاجتماعية بين الناس؛ بين المسلمين فيما بينهم، وبين المسلمين وغيرهم، وأن الشرع قد جعل معقد التآلف بين المسلمين بعضهم البعض رابطة الولاء الإيمانية، وجعل معقد التآلف بينهم وبين غيرهم في ظل الدولة الإسلامية عقد الذمة والأمان الشرعي، والشر ع في هذا وهذا يسعى إلى تحقيق الإسلام واقعاً ملموساً يعيشه 113 عمدة القاري– 51/77 114 نيل الأوطار– 1/511 115 سنن الترمذي- حديث 5101 116 تحفةالأحوذي – 1/117

عدد الصفحات ٣١

32 المسلمون ويعايشه غير المسلمين لتتحقق هداية الإرشاد في أكمل صورها، فليس التعايش السلمي هدفاً نهائياً بقدر ما هو ذريعةٌ ووسيلة إلى نشر رسالة الإسلام ودعوة الناس إليها وإزالة موانع قبولها، فيهدي الله من شاء أن يهديه، وتقوم الحجة النقلية والعقلية على من تولى عن قبول ذلك.

عدد الصفحات ٣٢