المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رسالة في الائتلاف ونبذ الفرقة والخلاف

وسيم فتح الله

صفحة ١ من ٤

رسالة في الائتلاف ونبذ الفرقة والخلاف تأليف/ د.وسيم فتح الله

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله القائل في محكم تنزيله : (ولا تكونوا كالذين تفر قوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذابٌ عظيم )1، والصلاة والسلام على القائل في ح ديثه الشريف : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب يضرب بعضكم رقاب بعض "2، وعلى آله وصحبه الطيبين الذين ورثوا علم النبوة وكانوا بمنهاجها عاملين، تعددت في تحري الحق اجتهاداتهم متآلفين غير متخالفين، وحذ روا الأمة من بعدهم من الشقاق والخلاف المشين، وبعد: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال:"هذا سبيل الله"، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال:"هذه سبل - قال يزيد 3 : متفرقة - على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه، ثم قرأ : (و أن هذا صراطي مستقيماً فات بعوه ولا تتبعوا الس ب ل فتفر ق بكم عن سبيله)4"5؛ ولقد كان ما حذ ر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث بذرت بذور الفتنة ثلة المنافقين، وتشعبت بالأمة من بعدهم شعب أهل الأهواء التائهين، فتفرق الناس على أقوال الرجال، غير آبهين بمنهاج النبوة في العلم والعمل والاستدلال، فاحتاج المخلصون إلى تمحيص الرجال لتمييز الصحيح والسقيم من الأقوال، قال محمد بن سيرين رحمه الله :"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سم وا لنا رجالكم؛ في نظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وي نظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"6، قلت: كان المحل الأو ل له ذا التمايز بين أهل السنة وأهل البدع هو تحرير نصوص السنة والأثر، والشاهد من قول ابن سيرين بيان الأثر السيئ للفتنة في وقوع الخلاف في الدين، وما يترتب عليه من انفراط عقد الجماعة ووقوع الأمة الإسلامية في شراك أعدائها . ولقد أوجز فأبلغ صحابي رسول الله صلى ا لله عليه وسلم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال:"أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وما تكرهون في الجماعة، خيرٌ مما تحبون في الفرقة "7، وكان ر ضي الله عنه يترجم القول بالعمل، فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى عثمان بمنً أ ربعاً فقال عبد الل ه:"صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر رك عتين ومع 1 سورة آل عمران- 501 2 صحيح البخاري- حديث 525 3 أحد رجال الإسناد 4 سورة الأنعام- 511 5 مسند أحمد– حديث 1512 6 مقدمة صحيح مسلم 7 الشريعة– الآجري- رقم 51

عدد الصفحات ٢

3 عمر ركعت - زاد عن حفص: ومع عثمان صدر اً من إمارته ثم أتمه ا- ز اد من ه ا ه ن ا عن أبي معاوية: ثم تفرقت بكم الطرق ، فوددت أن لي من أربع ركعاتٍ ركعتين متقب ل ت ين، قال الأأ عمش: فحد ثني معاوية بن ق ر ة عن أشياخِهِ أن عبد الل ه صلى أربع اً قال: فقِيل له: عِبت على عثمان ثم صل يت أربع اً ! قال: الخِ لاف ش ر "8.اه. وإن في هذا الحديث وهاتين الكلمتين من الفقه الشيء العظيم أشير منه إلى قاعدتين عظيمتين هما: أولاا : الجمع بين الإنكار العلمي و الاجتماع العملي : وإنما يدرك هذا الفقه الدقيق م ن ميز بين مقام الإنكار العلمي ومقام الاجتماع العملي، وهذا من دقيق فقه الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه ، فهو لم يداهن على حساب ما يعتقد أنه الحق، ولم يفر ط في مقصد الشرع من الانقياد لأمره بال طاعة والاجتماع . فلا ينبغي للعالم أن يداهن فيما يعتقد ويدين لله تعالى بأنه الحق، كما لا ينبغي له أن يتخذ من هذا المعتقد ذريعة لحل عقد الجماعة، والخروج عن الكيان السياسي للمسلمين. ثانياا : العمل بقاعدة الخلاف شر في الترجيح في موارد الاجتهاد : وليس الاجتهاد هنا في مقابل النص، فما كان عثمان رضي الله عنه ليجهل هذه السنة ولا ليتركها، وإنما وجه الاجتهاد هو في كون فعل النبي صلى الله عليه وسلم والشيخين من بعده للوجوب أم لبيان الرخصة، وهنا نرى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود قد علق قلبه بما يدين لله تعالى به وعلق رجا ءه بالقبول والمثوبة عليه من الله تعالى، وأسلم عمله الظاهر فيما يوافق الجماعة بما لا خروج فيه عن الشرع مرجحاً مصلحة الدين الكبرى على مصلحة الدين الجزئية، ومرجحاً حظ الجماعة على حظ الخاصة. ويبين لك هذين الأمرين ما قال الشافعي رحمه الله في قول بعض الناس بفساد صلاة من أتم صلاته في السفر، فكان من جملة ما قال الشافعي:" قلت: أترى أن ابن مسعود كان يتم وهو يرى الإتمام ليس له ؟ قال: ما يجوز أن يكون ابن مسعود أتم إلا والإتمام عنده له وإن اختار القصر، ولكن ما معن عيب ابن مسعود الإتمام؟ قلت له: من عاب الإتمام على أن المتم رغب عن الرخصة فهو موضع يجوز له به القول ، كما نقول فيمن ترك المسح رغبة عن الرخصة ولا نقول ذلك فيمن تركه غير رغبة عنها "9، قلت: رحم الله سلف هذه الأمة ووفقنا للاستنان بمنهجهم في حفظ الدين وحفظ الجماعة . ثم إنني قد استخرت الله تعالى في خط هذه الرسالة في مرح لة حرجة من تاريخ أمتنا الإسلامية عموماً والعربية الإسلامية خصوصاً، حيث قامت هذه الثورات الشعبية العارمة تحطم قيود الذل وتهدم أصنام الطواغيت، ولكنها قامت دون قيادة حقيقة ودون التزود بالأسباب الكونية والشرعية لفلاحها حق الفلاح، فوقع فيها ما نراه اليوم مما تت فطر له القلوب من الفرقة والشقاق والهرج واسترخاص الدماء 8 سنن أبو دواد- حديث 5690 وسكت عنه 9 اختلاف الحديث– الشافعي- 5/162

عدد الصفحات ٣

4 والحرمات ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولست أخص العرب تعصباً بل استشعاراً لثقل الأمانة الملقاة على عاتقهم، واستشرافاً لعظيم المنزلة التي قدرها الله تعالى لهم حين اصطفى مِ ن خيرهم خير الناس، حيث قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله اصطفى كنانة من ولد إساعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم"10، وهذه الخيرية للعرب خيرية جنس لا خيرية استغراق، فهي لا تعارض قوله صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربيٍ على أعجمي ، ولا لعجميٍ على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى "11، ولئن كان فضل الإسلام على العرب فضلاً عظيماً، فإن مسؤولية العرب تجاه الإسلام مسؤولية عظيمة، فعن أبي عامر الهوزني قال : سعت معاوية - رضي الله عنه – يقول:"يا معشر العرب! والله لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم ل غيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا يوماً فذكر أن أهل الكتاب قبلكم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلا ث وسبعين فرقة في الأهواء "12 .والشاهد أن هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا العربية الإسلامية ت ستدعي تعاطي أسباب الاجتماع والائتلاف ون بذ كل أسباب الفرقة والخلاف، فعزمت مستعيناً بالله تعالى على خط هذه الورقات، من بهاً على مكانة الاجتماع والتآلف في نصوص الوحيين وآثار سلفنا الصالح، ومشيراً إلى بعض المسائل المنهجية التي تتعلق بالتعامل مع المخالف. وإني لأسأل الله تعالى أن يكون ما في هذه الرسالة من تذكيرٍ لنفسي و لإخواني بضرورة الاجتماع والاعتصام بحب ل الله تعالى وترك الفرقة والش قاق سهماً من سهام المضاربة في سبيل الله، و صلةً بيني وبين إخواني في الله، ليكون اجتماع القلوب بظهر الغيب ممهداً لاجتماع سواد المسلمين في دولة الإسلام العظيمة، و ليستعيد المسلمون عامة والعرب منهم خاصة دور الريادة الحضارية في نشر مشاعل النور النبوي، وتشييد أركان النهوض الحضاري والشهود الأممي، وانتش ال الإنسانية من وضعها البئيس إلى مراقي العبودية الح قة لله تعالى. هذا وما كان في هذه الرسالة حقاً فمن الله تعالى وبفضله وحده، وما كان غير ذلك فالله ورسوله بريئان منه وأنا راجعٌ عنه، مع ملاحظة أن طبيعة هذه الرسالة مما ينفسح في مواضيعها المجال لبعض النظر لأنه يندرج تحت عنوان السياسة الشرعية، ومع ذلك فلا أنسب إلى الشرع إلا ما دل الدليل على كونه منه، والله تعالى أعلم وأحكم . والله أسأل التوفيق في الرشد والهدى، والعفو عما زل به القلم من الخطا، إنه أكرم مسؤول، وخير مأمول، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 10 صحيح مسلم- حديث 2219 11 مسند أحمد– حديث 21119 12 السنة لابن أبي عاصم- الأثر 96

عدد الصفحات ٤

5 الفصل الأول: مكانة الاجتماع والتآلف في الإسلام لقد دلت نصوص الوحي والسنة على أن الاجتماع والتآلف بين المسلمين خصوصاً وبين من يقيم تحت ظل الدولة الإسلامية عموماً مقصدٌ شرعي معت بر، كما دل ت على أن محور هذا التآلف بين المؤمنين هو الدين ومعقده هو ال ولاء الإيماني، في حين أن محور التآلف بين عناصر المجتمع الإسلامي هو نظام السياسة الشرعية ومعقده هو ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسأثبت طائفة من النصوص الدالة على ذلك فيما يلي: أولاا : النصوص الدالة على قصد التآلف بين المسلمين خاصة: 5. قال الله تعا: (واعتصموا بحبل الله جميعاا ولا تفر قوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءا فأل ف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون )13: قال الإمام الطبري رحمه ا :"يعني بذلك جل ثناؤه : وتعل قوا بأسباب الله جميعاً ، يريد بذلك تعالى ذِ كر ه: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به ، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله"14. وذكر الطبري رحمه الله الآثار عن جمع من الصحابة والتابع و قولهم في تفسير قوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعاً ) بهذا المعن؛ فعن عبد الله بن مسعود أنه قال: الجماعة، وعن قتادة قال: حبل الله المتين الذي أمر أن يعتصم به هذا القرآن، وعن مجاهد قال: عهد الله، وعن عطاء قال: العهد15 . قلت: وهذه المعاني كلها متلازمة؛ فالأمر بالجماعة يستلزم الاجتماع على أمر هو القرآن وهذا يستلزم الوفاء بعهد الله تعالى في التمسك بالقرآن والعمل به . ويؤكد كون الاجتماع والتآلف مقصداً شرعياً في هذه الآية أمران : أولهما: أن الآية شفعت الأمر بالاجتماع بالنهي عن التفرق، حيث قال تعالى : (ولا تفر قوا)، 13 سورة آل عمران- 501 14 تفسير الطبري- 1/10 15 تفسير الطبري- 1/10-15 باختصار

عدد الصفحات ٥

6 قال الحافظ ابنكثير رحمه الله :"أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة "16، و عن قتادة قال: (ولا تفر قوا واذكروا نعمة الله عليكم ) أن الله عز وجل قد كره لكم الفرقة ، وقدم إليكم فيها، وحذركموها ونهاكم عنها ، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة ، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم ولا قوة إلا بالله "17. قلت: فإذا كان الأمر بالشيء للوجوب، والنهي عن الشيء للت حريم، واجتمع الأمر بالشيء والنهي عن ضده نصاً لا عن طريق اللزوم فحسب، كان ذلك صريح الدلالة شديد التوكيد على قصد الشارع لوقوع المأمور به ومنع المنهي عنه، فتأمل. والثاني: أن الله تعالى من على المؤمنين بتحويل حالهم من الفرقة والشقاق إلى المحبة والاتفاق حيث قال تعالى في الآية: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فأل ف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً )؛ والممنون به من الله تعالى على عباده المؤمنين مقصودٌ شرعاً لمصلحة العباد، وقد اجتمع في هذا الموضع المنم بنعمة التآلف مع التذكير بم ا كان عليه العرب في الجاهلية من التناحر والتخالف، وهذا تنبيهٌ على أن التآلف حصل بفضل الله تعالى ل م ا و جد سببه وهو التمسك بحبله المتين، وأن هذه النعمة قابلة للزوال إذا زال موجِ بها بحيث يعود العرب إلى الشقاق والعداء إذا تركوا سبب استجلاب نعمة الله تعالى عليهم، فتأمل هذا المعن، وتأمل ما عليه المسلمون عامةً والعرب خاصةً اليوم من سلب نعمة الائتلاف بسبب التفرق عن حبل الله تعالى والتمسك بحبال أخرى متعددة متفرقة منها الشيوعية ومنها الاشتراكية ومنها الرأسالية ومنها الديمقراطية العلمانية ، وقد أضحت هذه الأخيرة أعني الديمقراطية وثن العصر بامتياز . وهنا مسألةٌ دقيقةٌ نبه عليها الإمام القرطبي حيث قال رحمه الله في تفسير الآية: "وليس فيه دليلٌ على تحريم الإختلاف في الفروع فإن ذلك ليس اختلافاً ؛ إذ الإختلاف ما يتعذر معه الإئتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الإجتهاد فإن الإختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع ، وما زال الصحابه يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون"18، قلت: ما أحوج الأمة اليوم إلى هذا الفقه الدقيق، وما أحوج العلماء وطلبة العلم والدعا ة إلى هذا التوفيق السديد مابين الاختلاف في سياق الاجتهاد العلمي والتآلف في سياق الاجتماع القلبي والعملي. 2. قال الله تعا: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سم اكم المسلمين م ن قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداا 16 تفسير ابن كثير– 5/160 17 تفسير الطبري- 1/12 18 الجامع لأحكام القرآن– القرطبي – 1/516

عدد الصفحات ٦

7 عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير)19 : ووجه الدلالة في هذه الآية من وجوه : أولها: أن الله تعالى رفع الحرج عن الأمة، وإن الفرقة والشقاق من أعظم أسباب الحرج، فلما أخبر الله تعالى برفع الحرج ع ن الأمة دل ذلك على أنه لا ي نسب إلى الشريعة ما يأتي بنقيض هذا المقصود، فكل ما يؤدي إلى الحرج فليس هو من الشرع، والخلاف العلمي المحمود في المسائل الاجتهادية محمودٌ ما دام ي راد منه التوصل إلى الحق، فإذا توصل به إلى القطيعة واختلاف القلوب فإ نه يخرج من المحمود إلى المذموم، والحاصل أن التفرق منهيٌ عنه لما يفضي إليه من الحرج الممنوع شرعاً ، وأن الاجتماع مأمور به لما يفضي إليه من رفع الحرج . ثانيها: أن الآية بينت أن "المسلم" اسمٌ شرعي له موجباته الشرعية، وأنه متى وجد اسم المسلم فقد ترتبت جملة من ا لموجبات له وعليه، والموجبات التي رتبتها الآية على اسم المسلم هي : شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين، وشهادة المسلمين على الناس، وإقامة أركان الدين مشاراً إليها بالصلاة والزكاة، ووجوب الاعتصام بالله تعالى ودوران الولاء والبراء على هذا الاعتصام دون غير ه من معاقد الولاء والاجتماع ، وهذا الأخير هو موضع الشاهد هنا. ثالثها: أن الآية خاطبت المسلمين وأمرتهم بالاعتصام بالله تعالى، وهذا يدل على ضرورة اجتماع كلمتهم ضدو عدوهم؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :" وقوله (واعتصموا بالله) أي: اعتضدوا بالله و استعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به (هو مولاكم ) أي: حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم (فنعم المولى ونعم النصير) يعني: نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء"20، قلت: فكيف يكون الاعتصام بالله ضد العدو والمسلمون متناحرون متفرقون؟ لا ريب أن هذا لا يكون، فالاعتصام بالله تعالى يستلزم تآلف المسلمين واجتماع كلمتهم العملية حتى لو تعددت اجتهاداتهم في بعض التفاصيل العلمية، وبكلام آخر نقول: إنه في أوقات الخطر الخارجي تضمحل كل الخلافات الجزئية بين المسلمين بحيث يصبحون صفاً واحداً متحد الكلمة كما وصفهم الله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيانٌ مرصوص)21،ف تأمل هذا المعن فإنه دقيق، بل إني لأجزم أن أعداءنا قد فقهوا من هذا المعن ما يجعلهم حريصين على تعهد بذور الخلاف وتضخيمها شقاً للصفوف وتأليباً لبعض المسلمين على بعض، والله المستعان . 19 سورة الحج- 17 20 تفسير ابن كثير – 1/217 21 سورة الصف- 1

عدد الصفحات ٧

8 رابعها: أن الآية جعلت المسلمين في موضع الشهود على باقي الأمم، ومعلوم أن المقصود من تعدد الشهود اتفاقهم على مضمون الشهادة، وهذا يستلزم اجتماع كلمة الشهود وإلا كانت شهادتهم متناقضة لا تقوم بها حجة، بل ربما سقطت عدالتهم بهذا التناقض. ألم تر أن شهادة المسلمين على الأمم ليست في صيغ الاجتماع ا لمدني ووسائل السياسة الشرعية بل في وجوب تعبيد الخلق للخالق، وأنها ليست في مسألة موضع اليدين في القيام في الصلاة بل في وجوب الصلاة، وأنها ليست في تكييف صيغ التكافل الاجتماعي بل في وجوب الزكاة ومصارفها، حتى إذا شهد الناس أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقروا بوجوب الصلاة والزكاة قولاً وعملاً أو جحدوا ذلك كله كان ذلك موضع شهادة الأمة الإسلامية لهم أو عليهم. 1. عنالنعمان بن بشير رضي الله عنهما : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى"22، 1. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ي رد م ش د هم على م ضع فهم، ومتسر يهم على قاعدهم، لا ي قتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده"23. ففي هذين الحديثين من قواعد الاجتماع العملي الدالة على قصد الشريعة إلى كون المسلمين كياناً واحداً متآلفاً ما يجدر بكل مسلم أن يتعلمه ويؤمن به ويعمل به، ليثمر ذلك التآلف المقصود فيوصل إلى صلاح العباد ورضا المعبود، وأشير إلى بعض هذ ه القواعد: فأولها: أن حديث النعمان نبه على الاجتماع والألفة الداخلية للمجتمع المسلم ، وجعل لذلك مراتب متدرجة يكمل بعضها بعضاً، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:" قال ابن أبي جمرة : الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف و إن كانت متقاربة في المعن لكن بينها فرقٌ لطيفٌ ؛ فأما التراحم فالمراد به: أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وأما التوادد فالمراد به: التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي ، وأما التعاطف فالمراد به: إعانة بعضهم بعضاً كما يعطف الثوب عليه ليقويه"24. 22 صحيح البخاري– حديث 1991 23 سنن أبو داوج- حديث 2115 سكت عنه أبو داود. والمشد: من قويت دابته وراحلته، والمضعف: من ضعفت دابته وراحلته، والمتسري: الذي يخرج في السرية، والقاعد: هو الردء الذي لا يخرج مع السرية. 24 فتح الباري- 50/116

عدد الصفحات ٨

9 في حين أنحديث عمرو نبه على الاجتماع والوحدة في مقابل المخاطر الخارجية ؛ حيث جعل المسلمين يداً واحدةً ضد عدو الخارج، قال العظيم آبادي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم "وهم يدٌ على من سواهم":" قال أبو عبيدة: أي المسلمون لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضاً على جميع الأديان والملل، وقال الخطابي: معن اليد: المظاهرة والمعاونة ، إذا است نفروا وجب عليهم النفير ، وإذا است نجدوا أنجدوا ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا ، انتهى. وفي النهاية: أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضاً كأنه جعل أيديهم يداً واحدةً وفعلهم فعلاً واحداً ، انتهى"25. قلت: وهذا الاجتماع والوحدة الداخلية والخارجية لا يمكن أن تتحقق مع وجود الفرقة والشقاق، بل لا بد لوجودها من تحقق الوفاق والائتلاف مهما تعددت الاجتهادات وتنوعت في مواضع الاجتهاد. ثانيها:لم يخصص في حديث النعمان تداعي سائر الجسد لشكاية عضوٍ دون آخر، بل جعل استنفار سائر الجسد لألم وشكاية أي عضو، وأكد هذا المعن في حديث عمرو قوله صلى الله عليه وسلم "المسلمون تتكافأ دماؤهم " أي: تتساوى دماؤهم في القصاص والديات، وهذا من أهم مقومات الوحدة والتآلف ومن أقوى الأسباب الشرعية لبقاء الجماعة، كما أن الإخلال به من أقو ى أسباب هلاك الجماعة، قال صلى الله عليه وسلم:" أيها الناس: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"26،فكل مسلم جدير باستنفار المسلمين له، وكل مسلمة جد يرة باستنفار المسلمين لها، كل المسلمين . ثالثها: قوله صلى الله عليه وسلم :" ي ردم م شِ دم هم على م ضعِ فهم، ومتسر يهم على قاعدهم"، تطبيق عملي لمفهوم الوحدة والتآلف في مواجهة عدو الخارج، مع تصوير رائع لأثر هذه الوحدة على الداخل؛ وبيان ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم يتعلق بالنفر الخارجين في سرايا الغزو الإسلامي دفعاً أو طلباً، وهو تعبيرٌ عملي وصورة حسية لوحدة واجتماع الأمة الإسلامية، حتى إذا حصل النصر والغنيمة كان الردء من القاعدين – عن غير تخلف عن الجهاد – شركاء في هذه الغنيمة، وهذا تعبير عملي حسي عن اتصال الجماعة الإسلامية ووحدتها، وأن السرية الخارجة والردء القاعد يعبران عن جزئين متصلين من الأمة لا عن أجزاء متفرقة . 25 عون المعبود– 1/101 26 صحيح مسلم- حديث 5110

عدد الصفحات ٩

10 هذا وإن في حديث عمرو بن شعيب جزئيات متعلقة بمعقد التآلف والوحدة بين المسلمين وبوحدة الكيان السياسي للأمة الإسلامية لعل الكلام عنها يتيسر في موضعه إن شاء الله. 1. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"الأرواح جنود مجن دة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"27 9. عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاا، وشب ك بين أصابعه"28 1. عن أبي موسىرضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم"29. إن الصورة الحسية التي يرسها لن ا النبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع المسلم في حديث أبي موسى تدل بطريق اللزوم على وجوب التآلف المعنوي بين المسلمين الذي نبه عليه حديث عائشة رضي الله عن الجميع، إذ لا ي تصور تحقق هذا التآلف الحسي بالأبدان مع اختلاف القلوب وتناكرها - مع أن العكس ممكن أعني تآلف القلوب مع تباعد الأبدان – لكن المقصود هنا أن تحقيق صورة البنيان الواحد المرصوص يستلزم تآلف القلوب كي تجند لنصرة بعضها البعض، وإن تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصور بصيغة الخبر يدل على أن المجتمع المسلم لا ي تصور إلا بهذه الصورة من التآلف والتناغم المعنوي والحسي، وإن شئت قلت إنها صيغة خبر والمراد منها الإنشاء أعني الأمر. والحاصل أنه إذا تحقق المجتمع المسلم بهذا القدر من التآلف ترجمته الأحداث والنوازل إلى صيغٍ عملية هي عندي من معجزات الإسلام في تحويل الإنسان الفرد من أ ث رة الذات إلى أ فق الإيثار، ومن ضيق "الأنا" إلى الذوبان في لح مة المجتمع المسلم حباً لله وتقديماً لمرضاته سبحانه وتعالى على حاجات النفس الدنيا، وهذه الصورة التي يقدمها لنا الأشعريون ويشرفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة المتبادلة بينه وبينهم، ليست إلا بشرى عاجلة يعيش المؤمنون في خ ر فِ ها في الدنيا إلى أن يأذن الله تعالى بالانتقال إلى دار السعادة الأخروية في إطار منظومة سامية راقية عنوانها قوله تعالى : (إن المتقين في جناتٍ وعيون. ادخلوها بسلامٍ آمنين. ونزعنا ما في صدورهم مِ ن غِ ل إخواناً على س رِ رٍ متقابلين)30. ونصوص الوحيين في هذا الباب كثيرة لست أرمي استيعابها، ولكني أسرد هاهنا بعضاً من آثار السلف التي تبين لنا الفهم التطبيقي للصحابة ومن تبعهم بإحسان لهذه المسألة العظيمة: 27 صحيح البخاري- حديث 1517 28 صحيح البخاري- حديث 191 29 صحيح مسلم– حديث 2111 30 سورة الحجر- 11-11

عدد الصفحات ١٠

11 5. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :"الزموا هذه الطاعة والجماعة، فإنه حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة"31 2. وعن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا قتادة ورجلاً آخر معه من الأنصار دخلا على عثمان وهو محصور فاستأذن في الحج فأذن لهما ثم قالا: مع من نكون إن ظهر هؤلاء القوم ؟ قال: عليكم بالجماعة. قالا: أرأيت إن أصابك هؤلاء القوم وكان ت الجماعة فيهم؟ قال: الزموا الجماعة حيث كانت . قال: فخرجنا من عنده ، فلما بلغنا باب الدار لقينا الحسن بن علي داخلاً فرجعنا على أثر الحسن لننظر ما يريد ، فلما دخل الحسن عليه قال: يا أمير المؤمنين، إن ا طوع يدك فمرني بما شئت . فقال له: عثمان يا ابن أخي، ارجع فا جلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره فلا حاجة لي في هراقة الدماء"32 1. وعن زاذان قال: كنا جلوساً عند علي فسئل عن الخيار فقال: سألني عنها أمير المؤمنين عمر فقلت: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة ، وإن اختارت زوجها فواحدة وهو أحق بها ، فقال: ليس كما قلت ؛ إن اختارت نفسها فو احدة، وإن اختارت زوجها فلا شيء وهو أحق بها . فلم أجد بداً من متابعة أمير المؤمنين، فلما وليت وأتيت في الفروج رجعت إلى ما كنت أعرف ، فقيل له: رأيكما في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة ، فضحك علي فقال: أما إنه أرسل إلى زيد بن ثابت فسأله فقال : إن اختارت نفسها فثلاث وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة "33، والشاهد في هذه المسألة الفقهية أمران : أحدهما موافقة علي لعمر رضي الله عنهما بصفته أمير المؤمنين حرصاً على المتابعة والجماعة لا لأنه اقتنع باجتهاده بدليل أن علياً رضي الله عنه رجع إلى اجتهاده عندما آل الأمر إليه، وتأمل قول علي رضي الله عنه وأرضاه :"فلم أجد بداا من متابعة أمير المؤمنين"، والثاني: حرص الصحابة و التابعين على اجتماع الكلمة بدليل قولهم "رأيكما في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة"، وبدليل تصرف علي رضي الله عنه حين وجه إلى سؤال زيد بن ثابت ليبين أن رجوعه إلى قوله ليس بقصد المخالفة وشق الجماعة بل لرجحان اجتهاده لديه، ولا يحل للحاكم أن يفتي بغير اجتهاده . 1. عن عبيدة عن علي قال: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد فرأيت أنا وهو إذا ولدت أعتقت، فقضى به عمر حياته وعثمان من بعده، فلما وليت الأمر من بعدهما رأيت أن أرِ قها. قال الشعبي : فحدثني ابن سيرين قال : قلت لعبيدة : ما ترى ؟ قال:"رأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلي من قول علي حين أدرك الخلاف"34 .والشاهد هنا قول عبيدة. 31 مصنف ابن أبي شيبة- الأثر 11111 32 فضائل الصحابة- أحمد بن حنبل- الأثر 111 33 مصنف ابن أبي شيبة- الأثر 57061- في باب: ما قالوا في الرجل يخير امرأته فتختاره أو تختار نفسها 34 مصنف ابن أبي شيبة- الأثر 25160

عدد الصفحات ١١

12 1. عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أن رجلاً من أهل البادية سألوه يرزقهم فقال:لا والله لا أرزقكم حتى أرزق أه ل الحاضرة ، فمن أراد بحبحة الجنة فعليه بالجماعة ، فإن يد الله على الجماعة"35. فهذه طائفةٌ يسيرة من النصوص والآثار الدالة على قصد الشريعة إلى الاجتماع والتآلف، ولو أنك تأملت في أن الله تعالى لو كان شائياً أن يقطع دلالة نصوص الشريعة على معن واحد لا غير لما أعجزه ذلك سبحانه، ولكن لم ا كانت بعض نصوص الوحي محتملةً للاجتهاد والنظر مع اختلاف أنظار المجتهدين، وكان قصد الشريعة اجتماع كلمة المسلمين، دلك ذلك على أن الله تعالى قد تعبدنا بتحصيل أسباب الألفة والاجتماع، وأننا متعبدون بذلك رغم ما قد يقع من اختلاف في الاجتهاد والنظر، وأن الأمرين غير متضادين كما يتوهم البعض، بل إن دائرة الاتفاق بين المسلمين تتسع لدوائر الاختلاف العلمي والاجتهادي فيما بينهم، وهذا هو المطلوب، وليس المطلوب عدم الاختلاف، بل الملطوب ألا يؤدي الاختلاف المحمود إلى الخلاف والشقاق والتفرق المذموم، فتبنه. ثانياا : النصوص الدالة على أن معقد التآلف بين المسلمين هو الولاء الإيماني: يقول ابن خلدون في مقدمته:"أن الاجتماع الإنساني ضروري ، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدنيٌ بالطبع، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم ، وهو معن العمران "36، و يستطرد مبيناً أن النوازع الفطرية للاجتماع تتمثل في تحصيل حاجات الفرد المادية من غذاء ومأوى مما لا طاقة لفردٍ بتحصيلها منفرداً ، فكان لا بد له من الاجتماع الضروري حتى يتعاون مع أبناء جنسه على تحصيل ما لا بد منه ودفع ما يعرض له من عدوان أجناس أخرى كالحيوان . ثم يقول بعد ذلك:" ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم ، فلا بد من وازعٍ يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم، وليست السلاح التي جعلت دافعةً لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافيةً في دفع العدوان عنهم لأنها موجو دةٌ لجميعهم، فلا بد من شيءٍ آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض، ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم ، فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعداون ، وهذا هو معن الملك"37 .والشاهد من كلامه أن نوازع الأفراد التي تدف عهم إلى الاجتماع والتعاون هي نفسها التي يمكن أن تؤدي إلى شطط بعض الأفراد وعدوانهم على بعضهم البعض طمعاً في الاستئثار بهذه الحاجات والضرورات المادية مما يفضي إلى الشقاق والافتراق المعنوي والحسي . ولا يرتاب مسلم في 35 الأموال- 5/260 36 مقدمة ابن خلدون- 5/15 37 مقدمة ابن خلدون- 5/11

عدد الصفحات ١٢

13 أن التردي هذه الهاوية هو مظهر من مظاهر قوله تعالى: (وقد خاب من دس اها)38 ، وأن السلم الاجتماعي مع حاجته إلى نظام الملك كما نبه عليه ابن خلدون، فإنه بحاجة إلى مناط للتآلف والتعاضد غير حاجات الجسد الحيوانية من مأكل ومشرب وملبس ومأوى، وهذا المناط يتآلف عليه الناس في ص يغ عصبيات قومية أو قبلية أو وطنية أو فكرية، وإن الدين الكامل الذي شرفنا الله تعالى به لم يكن ليدع مثل هذ الأمر الخطير هملاً تتنازعه أهواء الناس وآراؤهم تمكيناً لمصالح البعض دون البعض، بل نبه الله تعالى في القرآن الكريم ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته الشريفة على أن مناط الاجتماع والوحدة والتآلف هو هذا الدين نفسه، هو عقيدة التوحيد، وبمصطلح أخص هو الولاء والبراء الإيماني؛ فالتآلف بين المسلمين ليس مجرد مسألة من مسائل السياسة الشرعية بل هو من حيث الأصل من مسائل الاعتقاد والإيمان، فتأمل. وللإمام الدهلوي كلام نفيس في هذا الباب حيث قال:"اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مبعوثاً إلى الخلق بعثاً عاماً ليغلب دينه على الأديان كلها، بعز عزيز أو ذل ذليل، حصل في دينه أنواعٌ من الناس، فوجب التمييز بين الذين يدينون بدين الإسلام وبين غيرهم، ثم بين الذين اه تدوا بالهداية التي ب عث بها وبين غيرهم ممن لم تدخل بشاشة الإيمان قلوهم، فجعل الإيمان على ضربين : أحدهما الإيمان الذي يدور عليه أحكام الدنيا من عصمة الدماء والأموال، وضبطه بأمور ظاهرة في الانقياد، وثانيهما الإيمان الذي يدور عليه أحكام الآخرة من النجاة والفوز بالدرجات "39، قلت: فهذا القدر من الإيمان الظاهر – أي الإسلام – هو مناط إجراء أحكام الدين في الدنيا ومنها ما يتعلق بالتآلف والولاء والبراء بين المسلمين بعضهم البعض . وفيما يلي بعض نصوص الوحيين الدالة على ذلك : 5. قال الله تعا: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم و أنزلنا إليكم نوراا مبيناا . فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسي دخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاا مستقيماا )40،فلقد ربطت الآية الكريمة بين الإيمان بالله والاعتصام به سبحانه وتعالى، وجعلت ذلك الإيمان والاعتصام مدخلاً إلى رحمة الله تعالى وفضله، و إن المتأمل ليدرك أن الإيمان بالله هو معقد الاعتصام المفضي إلى الائتلاف والاتفاق، وأن الرحمة التي يسبغها الله تعالى على المعتصمين بحبله والمتآلفين على دينه أثرٌ من آثار هذا الائتلاف والاتفاق وسببٌ مق وٍ لأواصر هذا الائتلاف والاتفاق؛ فالمجتمع المسلم حين ينقاد أفراده لعناصر هذه المنظومة يجد ن فسه في حلقة تعزيزٍ إيجابية ي ؤدي كل عنصرٍ من عناصرها إلى تقوية العناصر الأخرى؛ فكلما زاد الإيمان 38 سورة الشمس- 50 39 حجة الله البالغة– 5/115-112 باختصار يسير 40 سورة النساء- 511-511

عدد الصفحات ١٣

14 بالله زاد التمسك بأمر الله بالائتلاف، وكلما زاد الائتلاف كلما تراحم المسلمون بينهم، وكلما وجدوا هذه الرحمة زاد إيمانهم بالله ا لذي وعدهم هذه الرحمة، فزاد تمسكهم بمناط هذه الرحمة وهو الإيمان والاعتصام، وهكذا. 2. قال الله تعا: ( إن المنافقين في الد رك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراا . إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراا عظيماا )41،فتأمل كيف جعلت الآية الكريمة المعية الإيمانية منوطةً بالاعتصام بالله تعالى مع التوبة والإصلاح وإخلاص الدين، وكيف أن هذه المعية الإيمانية هي معقد النجاة من النار في الآخرة، و مظنة الأجر العظيم و هو الجنة، كما قاله الإمام البغوي42 .والشاهد أن من أراد النجاة مع المؤمنين في الآخرة فلا بد له من تحقيق معيتهم ظاهراً وباطناً في الدنيا؛ فيكون في الباطن معهم في اجتماعهم المعنوي العلمي مؤمناً مخلصاً في دينه، ويكون في الظاهر معهم في اجتماعهم الحسي العملي سواءٌ أ جتمعت الأبدان أم تفرقت، بحيث لا يشك الناظر إليه أنه ينتسب إلى جماعة المسلمين. 1. قال تعا : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)43 .فلقد علقت هذه الآية الموالاة على وصف الإيمان،و إن في هذه الآية معن عجيب من معاني الاجتماع والتآلف والوحدة، وبيان ذلك أن الله تعالى وصف المؤمنين والمؤمنات بأنهم أولياء بعض، وجعل علامة ذلك أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون شعائر الدين وينخرطون جميعاً في سلك طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا تمعنت في هذا أدركت أن وقوع المنكر من بعض المؤمنين ونهي البعض الآخر لهم عنه، أو تقصير بعض المؤمنين في القيام بالمعروف وأمر البعض الآخر لهم به، لا يعكر على المؤمنين موالاة بعضهم البعض، بل إنه يمحص هذه الموالاة ويحررها خالصةً لله تعالى؛ بحيث إن الأمر بالمعروف يزيد هذه الموالاة الإيمانية قوةً ومتانةً، وبحيث إن النهي عن المنكر يزيد هذه الموالاة الإيمانية قوةً ومتانة، ولعل هذا من الخبر المراد به الأمر، و إن هذا المعن يكاد يكون غائباً اليوم بين كثير من المسلمين بل ومن المنتسبين للدعوة الإسلامية، فتجد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أشد وأكثر إظهاراً لمعاني البغض والنفور منه لمعاني الود والتآلف، وهذا خلاف وصف الأخوة الذي وصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المحتسب والظالم الذي ينكر عليه حيث قال صلوات ربي وسلامه عليه:"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً . قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً 41 سورة النساء– 511-519 42 تفسير البغوي- 5/161 43 سورة التوبة- 15

عدد الصفحات ١٤

15 فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تأخذ فوق يديه"44،ولا يعني هذا الرضا بالمنكر أبداً وإنما يعني تحقيق الموازنة الدقيقة بين بغض المنكر وبين حفظ الولاء الإيماني؛ ويبين هذا ما رواه سالم عن أبيه : "لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجلٍ منا أسيره ، حتى إذا كان يومٌ أمر خالدٌ أن يقتل كل رجلٍ منا أسيره ، فقلت: والله لا أقتل أسيري ، ولا يقتل رجلٌ من أصحابي أسيره ، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين "45، فتأمل كيف تبرأ صلى الله عليه وسلم مما صنع خالد ولم يتبرأ من خالد رضي الله عنه . وسر المسألة أن العبد قد يجتمع فيه إيمان وفسق، وقد يجتمع فيه إيمان وبدعة، وقد يجتمع فيه إيمان ونفاق -أعني النفاق العملي لا نفاق العقيدة- وقد يكون المسلم من أهل الوعيد بما يقع فيه من معصية فلا يخرجه ذلك عن كونه مسلماً مستحقاً لموجبات هذا الاسم، فهؤلاء كلهم يح بم ون وي وال ون من جهة إيمانهم وإسلامهم، وي بغ ضون وي هج رون بضوابط الهجر الشرعي من جهة ما هم عليه من فسوق وبدعة ومعصية، ودائرة الحب والموالاة في الله أوسع من دائرة البغض والهجر في الله، كما أن دائرة الإسلام أوسع من دائرة الإيمان، فتأمل هذا فإنه نفيسٌ في هذا الباب. 1. قال الله تعا: (يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبي نوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناا تبتغون عر ض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبي نوا إن الله كان بما تعملون خبيراا )46، قال الإمام الطبري رحمه الله :"فتأنوا في قتل م ن أشكل عليكم أمره فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا من علمتموه يقيناً حرباً لكم ولله ولرسوله"، وقال:"ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم مظهراً لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم – لست مؤمناً – فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا"47، قلت: فأنت ترى أن مجرد إظهار الإسلام بإلقاء تحية الإسلام توجب التوقف عن الخوض في الدماء، كما أنك تلحظ في قوله تعالى (تبتغون عرض الحياة الدنيا) تقديماً لحظ الله تعالى بمراعاة موجبات اسم الإسلا م على حظوظ النفس من متاع الدنيا، و هذا هو معن التعاقد على الولاء الإيماني وإهدار كل ما سواه من معاقد ولاء وبراء من جنسيات وعصبيات عنصرية وضعية مقيتة. 44 صحيح البخاري- حديث 2152 45 صحيح البخاري- حديث 1071 46 سورة النساء- 61 47 تفسير الطبري- 1/225

عدد الصفحات ١٥

16 1. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا ت خفروا الله في ذمته"48، قال ابن حجر رحمه ا :"وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم ي ظهر منه خلاف ذلك"49، قلت: وتأمل كيف علق الحديث أحكامه على اسم "المسلم"، وكيف جمع بين الأمر بحفظ ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبين النهي عن إخفار هذه الذمة تأكيداً على عظم هذه الحرمة ، والحاصل أن كل من دخل في اسم "المسلم" بالجملة انعقد له أصل الولاية الشرعية ، وأن الحكم بالدخول في اسم المسلم مبني على ظاهر شعار الدين ما لم تظهر خوارم ذلك . 9. عن عبد ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله! أي عرى الإسلام أوثق؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: الولاية في الله، والحب في الله، والبغض في الله"50،فتأمل كيف بين صلوات ربي وسلامه عليه أن معقد الولاية هو الإيمان بالله تعالى، وكيف أن الحب في الله والبغض في الله أثران لازمان للتوحيد الخالص . وهنا ملحظٌ لطيف، وهو أن كون هذه العروة أوثق من غيرها يدل على أن اختلال عروةٍ من العرى الرابطة بين المسلمين لا يخرم الولاء الإيماني بينهم، بيان ذلك؛ أن اجتماع المسلمين على طاعةٍ من الطاعات كص لاة الجماعة أو الجهاد في سبيل الله يقوي آصرتهم الإيمانية، فإذا اختلت هذه الرابطة بسبب تخلف البعض عن هذه الطاعات لم يؤد ذلك إلى انخرام الآصرة الكلية الجامعة بين عامة المسلمين ألا وهي آصرة الولاية الإيمانية والمحبة الإيمانية في الله، فكل مسلم وأي مسلم له قدرٌ مشتركٌ من الولاء والحب لمجرد كونه مسلماً مهما انخرمت غيرها من العرى والأواصر الجامعة بين خصوص المسلمين، وهذا الآصرة العامة تدل على أن بقاء التآلف المجمل بين المسلمين يدور مع اسم الإسلام وجوداً وعدماً مهما شاب هذا الاسم من شوائب لا تخرجه عن دائرة الإسلام . 1. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكمل الناس إيماناا أحاسنهم أخلاقاا الموطئون أكنافاا ، الذين يألفون وي ؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف ولا ي ؤل ف"51، وفي رواية:"وليس منا من لا يألف ولا ي ؤل ف"52. 48 صحيح البخاري- حديث 171 49 فتح الباري– 5/169 50 سنن البيهقي- حديث 20717 51 رواهالطبراني في المعجم الصغير – حديث 901 52 المعجم الأوسط- حديث 1122

عدد الصفحات ١٦