كىذا ىو التأكيل الصحيح. ككجو الحصر في ىذه الأقساـ: أف اللفظ إما أف يحتمل معنى كاحدان فقط أك أكثر فالأكؿ النص، كالثاني إما أف يكوف في أحد المعنيين أك المعاني أظهر منو في غيره أكلا بأف يكوف على السواء فالأكؿ الظاىر كمقابلو المؤكؿ كالثاني المجمل. بعدما بين المؤلف حالات اللفظ من حيث المعنى شرع في تب يين حكم ىذه الأقساـ فقاؿ : حكم ىذه الأقساـ ُ- لا يعدؿ عن النص إلا بنسخ. ِ- لا يعمل بالمجمل إلا بعد البياف. ّ- لا يترؾ الظاىر كينتقل إلى المؤكؿ إلا لقرينة قوية تجعل الجانب المرجوح راجحان. مثالو: لفظ " الجار" في حديث " الجار أحق بصقبو " فإنو راجح في المجاكر مرجوح في الشريك فحملو الحنابلة على الشريك مع أنو مرجوح لقرينة قوية كىي قولو صلى الله عليو كسلم: "فإذا ضربت الحدكد كصرفت الطرؽ فلب شفعة " فقالوا: لا ضرب لحدكد كلا صرؼ لطرؽ إلا في الشركة أما الجيراف فكل على حدكده كطرقو، كلهذا قالوا: لا شفعة لجار. لخص المؤ لف أحكاـ النص كالظاىر ك المؤكؿ ك المجمل ، فبالنسبة لحكم النص ينبغي للمكلاف أف يصير إلى معناه، كأف يعمل بالحكم الذم دؿا عليو كلا يتركو إلا إذا ثبت ناسخ لو، فهنا يترؾ المنسوخ كيعمل بالناسخ. كأما الظاىر فحكمو كذلك أف يصير المكلف إلى معناه الظاىر لو، كالراجح عنده، فيجب العمل بما دؿٌ عليو من الأحكاـ، كلا يجوز ترؾ ذلك المعنى الراجح كالظاىر إلا إذا قاـ دليل صحيح على تأكيلو، أك تخصيصو، أك نسخو. ك أما التأكيل فمقبوؿ ك معموؿ بو إذا تحقق مع
عدد الصفحات ٤٩شركطو، كلم يزؿ العلماء في كل عصر من عهد الصحابة - ر ضي اللاو عنهم - إلى زماننا ىذا عاملين بو من غير أف ينكر عليهم أحد. ك بالنسبة للفظ المجمل: يجب أف نتوقف فيو، فلب يجوز العمل بو حتى يأتي دليل خارجي يدؿ على أف ا لمراد ىو أحد المعنيين، كذلك لأف اللفظ المتردد بين معنيين لا يخلو: إما أف يراد كل كاحد منهما معا، كىذا باطل؛ لأنو يستحيل أف نعمل بمعنيين كل كاحد منهما ضد الآخر. كإما أف لا يراد كل كاحد منهما، كىذا باطل؛ لأنو يؤدم إلى خلو اللفظ عن المعنى، ك ىذا لا يتكلم بو العقلبء. كإما أف يراد أحد المعنيين دكف الآخر كىو الصحيح، لكننا لا نعرؼ المعنى المراد - من ىذين المعنيين - إلا بدليل خارجي. المجمل كالمبين (ُ) المجمل تعريفو: أ- لغة: ىو ما جمع كجملة الشيء مجموعو كجملة الحساب. ب- كاصطلبحان: ما احتمل معنيين أك أكثر من غير ترجح لأحدىما أك أحدىا على غيره. الأمثلة: من ذلك لفظ القرء، فهو متردد بين معنيين على السواء: الطهر كالحيض بدكف ترجح لأحدىما ع لى الآخر كلهذا التردد كقع الخلبؼ في المراد بالقرء في قولو تعالى الطهر، كأبو حنيفة كأحمد حملبه على "الحيض ". قاؿ الإماـ الشيرازم في اللمع :« كأما المجمل فهو ما لا يعقل معناه من لفظو كيفتقر في معرفة المراد إلى غيره كذلك على كجوه: منها أف يكوف اللفظ لم يوضع للدلالة على شيء بعينو كقولو تعالى حىصىادًهً الله فإذا قالوىا عصموا مني دماءىم كأموالهم إلا بحقها" فإف الحق مجهوؿ الجنس
عدد الصفحات ٥٠كالقدر فيفتقر إلى البياف. كمنها أف يكوف اللفظ في الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض كيقع على الطهر فيفتقر إلى البياف. ك منها أف يكوف اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أنو دخلها استثناء مجهوؿ كقولو عز كجلمىةي الأٍىنػٍعىاـً إًلاا مىا يػيتػٍلىى عىلىيٍكيمٍ غىيػٍرى ميحًل ي الصايٍدً الاستثناء. ك من ىذا المعنى العموـ إذا علم أنو مخصوص كلم يعلم ما خص منو فهذا أيضا مجمل لأنو لا يمكن العمل بو قبل معرفة ما خص منو. ك من ذلك أيضا أف يفعل رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم فعلب يحتمل كجهين احتمالا كاحدا مثل ما ركم أنو جمع في السفر فإنو مجمل لأنو يجوز أف يكوف في سفر طويل أك في سفر قصير فلب يجوز حملو على أحدىما دكف الآخر إلا بدليل. ككذلك إذا قضى في عين تحتمل حالين احتمالا كاحدا مثل أف يركم أف الرجل أ فطر فأمره النبي صلى الله عليو كسلم بالكفارة فهو مجمل فإنو يجوز أف يكوف أفطر بجماع كيجوز أف يكوف أفطر بأكل فلب يجوز حملو على أحدىما دكف الآخر إلا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذىب في إجمالها كافتقارىا إلى البياف.» انتهى كلبمو . أنواع الإجماؿ بعد تعريف المؤلف للمجمل شرع في بياف أنواعو فقاؿ : قد يكوف الإجماؿ في مركب أك مفرد، كالمفرد يكوف اسمان أك فعلبن أك حرفان، كقد يكوف لاختلبؼ في تقدير حرؼ محذكؼ. كقد يكوف بسبب التردد في مرجع الضمير كبسبب التصريف في اللفظ ك التخصيص بالشيء المجهوؿ. الأمثلة: ُ/ الإجماؿ في المركب كقولو تعالى
عدد الصفحات ٥١عقدة النكاح كالشافعي على الزكج؛ كحملو مالك على الولي. ِ/ الإًجماؿ في المفرد: أ/الإجماؿ في الاسم: تقدـ منو لفظ "القرء" كمثلو لفظ "العين " للجارحة كالجارية كالنقد. ك ىنا يحسن أف ننبو على أمور منها: الاشتراؾ في اللفظ المفرد - عند القائلين بامتناع تعميمو -. كاللفظ المشترؾ قد يكوف بين معنيين مختلفين مثل لفظ " العين "، فإنو متردد بين معاف كثيرة، فه ي تطلق على الشمس، كعين الإركاء، كالذىب، كغيرىا. كقد يكوف اللفظ مشتركا بين معنيين متضادين مثل لفظ: " القرء " فإنو متردد بين " الحيض " ك " الطهر "، كلفظ " الشفق " فإنو متردد بين " البياض " ك " الحمر: ". ب/ الإًجماؿ في الفعل: كقولو تعالى ك مثالو كذلك مثاؿ ذلك: أف يفعل الرسوؿ - صلى الله عليو كسلم - فعلبن يحتمل كجهين متساكيين، كما ركم عنو - صلى الله عليو كسلم -: " أنو جمع بين الصلبتين في السفر "، فإف ىذا مجمل؛ لأنو يجوز أف يكوف في سفر طويل أك سفر قصير، فلب يجوز حملو على أحدىما دكف الآخر إلا بدليل. جػ/ الإًجماؿ في الحرؼ: كقولو تعالى من للتبعيض كلابتداء الغاية كلذا حملو أحمد كالشافعي على الأكؿ، كحملو مالك كأبو حنيفة على الثاني.
عدد الصفحات ٥٢ك من أمثلة الإجماؿ في الحرؼ الاشتراؾ في حرؼ الواك (كىالرااسًخيوفى فًي الٍعًلٍمً يػىقيوليوفى) مترددة بين أف تكوف عاطفة كبين أف تكوف للببتداء. ّ/ الإًجماؿ بسبب الخلبؼ في تقدير الحرؼ المحذكؼ كقولو تعالى تنكحوىنكوف " في " أم ترغبوف في نكاحهن لجمالهن، كيحتمل أف يكوف "عن " أم ترغبوف عن نكاحهن لفقرىن كدمامتهن. كمن أمثلة الإجماؿ بسبب التردد في مرجع الضمير ما ثبت عن النبي - صلى الله عليو كسلم - أنو قاؿ: " لا يمنعن جار جاره أف يغرز خشبة في جداره " فإف الضمير في عبارة: " جداره " يحتمل أف يعود إلى الغارز فيكوف المعنى: لا يمنعو جاره أف يفعل ذلك في جدار نفسو، كيحتمل أف يعود الضمير إلى الجار الآخر فيكو ف المعنى: لا يمنعو جاره أف يغرز خشبة في جدار ذلك الجار، كىو ما رجحو أكثر العلماء لقوؿ أبي ىريرة: " ما لي أراكم عنها معرضين كالله لأرمين بها بين أظهركم " كلو كاف الضمير عائدان إلى الغارز نفسو لما ذكر ذلك. ك أما بالنسبة للئجماؿ بسبب التصريف في اللفظ فيمكن أف نمثل لو بلفظ " المختار "، فإف ىذا اللفظ متردد بين من كقع عليو الاختيار كبين من كقع منو الاختيار، أم: أنك إذا سمعت عبارة " زيد المختار "، فلب تدرم ىل زيد ىو الذم اختار فيكوف فاعلبن، أك زيد ىو الذم اختير فيكوف مفعولان بو. يقوؿ الإماـ محمد الأمين الشنقيطي: «كل فعل على كزف افتعلإذا كاف معتل العين أك مضعفان يتحد اسم فاعلو كاسم مفعولو لأف الكسرة المميزة لاسم المفعوؿ كلتاىما تسقط للبعتلبؿ كالتضعيف مثالو في معتل العين: المختار ، كالمصطاد ، كالمجتاب ، كمثالو في المضعف المضطر كالمحتمل ، ككذلك كل صيغة ((فاعل مضعفة)) يستوم لفظ اسم فاعلها ((كاسم مفعولها كما يستوم مضارعها المبني لفاعل كمضارعها المبني للمفعوؿ ، ((كمضار)) لهما ك ((مضار)) للفعلين. كلأجلو اختلف في إعراب كالدة في
عدد الصفحات ٥٣قولو تعالى: ((لا تضار كالدة)) فقيل فاعل كقيل نائب فاعل. ككذلك ((كاتب كشهيد في قولو تعالى: ((كلا يضار كاتب كلا شهيد)) ». انتهى ك بخصوص الإجماؿ بسبب التخصيص بالمجهوؿ، مثل إذا قيل: " اقتلوا المشركين إلا بعضهم "، كذلك لأف العاـ إذا خص بمجهوؿ يصير الباقي محتملبن، فكاف مجملبن. العمل في المجمل: ينظر أكلان ىل ىناؾ قرائن أك مرجحات لأحد المعاني أكلا فإف كجدت عمل بها، كإلا ترؾ الاستدلاؿ بو كلذا قيل: إذا كجد الاحتماؿ بطل الاستدلاؿ. (نصوص ليست مجملة) ىذه المسائل التي ذكرىا المؤلف قد اختلف فيها الأصوليوف بين حملها على الإجماؿ أك نفيو عنها ، ك قد رجح المؤلف أنها ليست مجملة كذكر سبب نفيو الإجماؿ عنها فقاؿ: ا/ التحريم المضاؼ إلى الأعياف كقولو تعالى {ي الأكؿ، كفي الأكل في الثاني. يقوؿ الإماـ الشيرازم ميبػىيٌنا مسائل المجمل التي اختلف فيها الشافعية :« كمنها الألفاظ التي علق التحليل كالتحريم فيها على أعياف كقولو تعالى الٍمىيٍتىةيلتحليل كالتحريم كإنما الذم يوصف بذلك أفعالنا كأفعالنا غير مذكورة فافتقر إلى بياف ما يحرـ من الأفعاؿ مما لا يحرـ، كمنهم من قاؿ إنها ليست بمجملة كىو الأصح لأف التحليل كالتحريم في مثل ىذا إذا أطلق عقل منها التصرفات المقصودة في اللغة، ألا ترل أنو إذا قاؿ لغيره حرمت عليك ىذا الطعاـ عقل منو تحريم الأكل كما عقل المراد من
عدد الصفحات ٥٤لفظو لم يكن مجم» انتهى. ِ/ قولو تعالى الرأس لأف الرأس اسم للكل لا للبعض. ّ/ قولو صلى الله عليو كسلم: "رفع عن أمتي الخطأ كالنسياف " ليس بمجمل إذ المراد بو رفع المؤاخذة لأف ذات اخطأ كالنسياف، غير مرفوعة. كضماف المتلف خطأ أك نسيانان غير مرفوع إجماعان فلم يبق إلا رفع المؤاخذة. قاؿ أبو إسحاؽ الشيرازم في اللمع: «ككذلك اختلفوا في قولو صلى الله عليو كسلم "رفع عن أمتي الخطأ كالنسياف" فمنهم من قاؿ: ىو مجمل لأف الذم رفعو ىو الخطأ كذلك موجود فيجب أف يكوف المراد بها معنى غير مذكور فافتقر إلى البياف، كمنهم من قاؿ غير مجمل ىو الأصح لأنو معقوؿ المعنى في اللغة ألا ترل أنو إذا قاؿ لعبده رفعت عنك جنايتك عقل منو رفع المؤاخذة بكل ما يتعلق بالجناية من التبعات فدؿ على أنو مجمل.» انتهى ْ/ قولو صلى الله عليو كسلم: "لا صلبة إلا بطهور"، "لا نكاح إلا بولي"، "لا صياـ لمن لم يبيت الصياـً من الليل" كنحو ذلك ليس بمجمل لأف المراد نفي الصحة كالاعتداد شرعا. ٓ/ قولو صلى الله عليو كسلم: "لا عمل إلا بنية" ليس بمجمل لأف العمل: أ / إف كاف عبادة فالمراد فيو الصحة كالاعتداد شرعان. ب/ كإف كاف معاملة فهو يصح كيعتد بو دكف النية إجماعان، كالنفي فيو ينصب على انتفاء الأجر. فمن رد الأمانة كالمغصوب مثلب لا يريد كجو الله فإف المطالبة تسقط عنو كيصح فعلو كيعتد بو كلكن لا أجر لو، ككذلك جميع التركؾ.
عدد الصفحات ٥٥قاؿ الشيرازم : «ككذلك اختلفوا – يعني الشافعية - في الألفاظ التي تتضمن نفيا كإثباتا كقولو صلى الله عليو كآلو كسلم: "إنما الأعماؿ بالنيات" كقولو صلى الله عليو كسلم: "لا نكاح إلا بولي" كما أشبهو فمنهم من قاؿ: إف ذلك مجمل لأف الذم نفاه ىو العمل كالنكاح كذلك موجود فيجب أف يكوف المراد بو نفي صفة غير مذكورة فافتقر إلى بياف تلك الصفة، كمنهم من قاؿ: ليس بمجمل كىو الأصح، لأف صاحب الشرع لا ينفي كلا يثبت المشاىدات كإنما ينفي كيثبت الشرعيات ، فكأنو قاؿ: لا عمل في الشرع إلا بنية كلا نكاح في الشرع إلا بولي كذلك معقوؿ من اللفظ فلب يجوز أف يكوف مجملب.»انتهى (ِ)/ المبين بعدما ذكر المؤلف المجمل أتبعو بالمبين لارتباطهما ك كوف ىذا الأخير كاشف عن المراد بالأكؿ فقاؿ : أ/ المبين "بالفتح " بمعنى البين الواضح كىو المقابل للمجمل لأنو المتضح معناه فلب يفتقر إلى بياف من خارج. كيسمى البياف أيضان. المبيان - بفتح الياء -: اسم مفعوؿ من التبيين كىو: الموضاح كالمفسار، كىو: اصطلبحان يطلق كيراد بو الخطاب المبتدأ المستغني عن البياف، كىو الواضح بنفسو. كيطلق كيراد بو: ما كقع عليو البياف مما احتاج إليو، كىو: الواضح بغيره، كييسماى ذلك الغير مبي نان. ب/ كالمبين "بالكسر" على زنة اسم الفاعل ىو الموضح لإجماؿ المجمل. كىو اصطلبحان: الكاشف عن المراد من الخطاب، كعلى ىذا درج أكثر الأصوليين فخصوا البياف بإيضاح ما فيو من خفاء. كمنهم من يطلقو على كل إي ضاح سواء تقدمو
عدد الصفحات ٥٦خفاء أـ كالبياف: اسم مصدر بيان. كىو اصطلبحان: الدليل، كالدليل ىو: ما يتوصل بصحيح النظر فيو إلى مطلوب خبرم. قاؿ ابن قدامة المقدسي : «كاختلف في البياف فقيل: ىو الدليل كىو ما يتوصل بصحيح النظر فيو إلى علم أك ظن.كقيل: ىو إخراج الشيء من الإشكاؿ إلى الوضوح ك قيل: ىو ما دؿ على المراد بما يستقل بنفسو في الدلالة على المراد. كقد قيل: ىذاف الحداف يختصاف بالمجمل كقد يقاؿ لمن دؿ على شيء بينو كىذا بياف حسن كإف لم يكن مجملب كالنصوص المعربة عن الأحكاـ ابتداء بياف كليس ثم إشكاؿ كلا يشترط أيضا حصوؿ العلم للمخاطب فإنو يقاؿ بين لو غير أنو لم يتبين..» ق ك قاؿ صاحب أضواء البياف : «حاصل ىذا الخلبؼ ىو: ىل البياف يطلق على كل إيضاح تقدمو خفاء أك لا ، أك ىو إيضاح ما فيو خفاء خاص. كأكثر الأصوليين على أف البياف في الاصطلبح الأصولي ىو تصيير المشكل كاضحان » ق ك لم يذكر المؤلف أقساـ المبين بفتح الياء كىي كالآتي : القسم الأكؿ: المبيان بنفسو، كىو: الذم استقل بإفادة معناه بنفسو، أم: من غير أف ينضم إليو قوؿ أك فعل، كييسماى بالواضح بنفسو، كىو نوعاف: النوع الأكؿ: أف تكوف إفادتو للمراد بسبب راجع إلى اللغة كقولو تعالى: (كىاللاوي بًكيل شىيٍءو عىلًيمه)، فإف إفادتو شموؿ علمو تعالى جميع الأشياء ثبت عن طريق اللغة من غير توقف. النوع الثاني: أف تكوف إفادتو للمراد بسبب راجع إلى العقل كقولو تعالى: (كىاسٍأىؿً الٍقىرٍيىةى)، فاللغة اقتضت طلب السؤاؿ من القرية، كىو غير ممكن عقلبن، بل إف المقصود ىو طلب السؤاؿ من أىل القرية؛ لأف الأبنية لا يوجو إليها أسئلة، فتعين المضمر من غير توقف.
عدد الصفحات ٥٧القسم الثاني المبيٌن بغيره، كىو: الذم لا يستقل بإفادة معناه، بل يفتقر إلى دليل يبينو من قوؿ أك فعل، كذلك الدليل ييسماى مبي نان. ما يقع بو البياف يقع البياف بالقوؿ تارة كبالفعل تارة كبهما معا كقد يكوف بترؾ الفعل ليدؿ على عدـ الوجوب. البياف بالقوؿ: ُ/ كتاب بكتاب قاؿ تعالى { ِ/ كتاب بسنة قاؿ تعالى حصاده كسلم بقولو: "فيما سقت السماء العشرة كفيما سقى بالنضح نصف العشر". البياف بالفعل: أ/ يكوف بصورة العمل كصلبتو صلى الله عليو كسلم فوؽ المنبر ليبين للناس كلذا قاؿ لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلى". ككقطعو يد السارؽ من الكوع. ك ىذا كاضح فالفعل كالقوؿ يحصل البياف بو كقد كقع ذلك في الشريعة؛ كيمكن أف يمثل لو كذلك بقولو تعالى: (كىلًلاوً عىلىى النااسً حًجُّ الٍبػىيٍتً)، بين النبي - صلى الله عليو كسلم - كيفية الحج بفعلو. ب/ كيكوف بالكتابة ككتابتو صلى الله عليو كسلم أسناف الزكاة لعم الو عليها. ك جاء عن النبي - صلى الله عليو كسلم - أنو كتب إلى عمالو في الصدقات، ككتب كتابان بعثو مع عمرك بن حزـ إلى أىل اليمن بين فيو الفرائض كالسنن كالديات.
عدد الصفحات ٥٨كلأف الكتابة تقوـ مقاـ القوؿ اللساني، كالجامع: أف كلبن منهما يقوـ بتأدية الذم في النفس. جػ- كيكو ف بالإشارة كقولو: "الشهر ىكذا كىكذا كىكذا". كأشار بأصابع يديو كقبض الإبهاـ في الثالثة يعنى تسعة كعشرين يومان. البياف بترؾ الفعل: كتركو صلى الله عليو كسلم التراكيح في رمضاف بعد أف فعلها ككتركو الوضوء مما مست النار، مما دؿ على عدـ الوجوب فيهما. يحصل البياف بترؾ الفعل، حيث إف النبي - صلى الله عليو كسلم - إذا ترؾ فعل شيء فإننا نستخلص من ذلك نفي كجوب الشيء، لأف النبي - صلى الله عليو كسلم - لا يقع في فعلو محرـ، كلا ترؾ كاجب. ك يقع البياف كذلك بالمفهوـ ك ىو دلالة اللفظ لا من حيث النطق بو فقد يكوف تنبيها كقولو تعالى للخطاب كقولو صلى الله عليو كسلم: "في سائمة الغنم زكاة" فيدؿ على أنو لا زكاة في المعلوفة. ك قد ذكر بعض الأصوليين أف السكوت يحصل بو البياف كذلك ك عللوا رأيهم ىذا بأف النبي - صلى الله عليو كسلم –لو سئل عن حكم حادثة، كسكت: فإف سكوتو يدؿ على أنو لا حكم للشرع في ىذه الحادثة، كىذا يعتبر بيانان لها؛ حيث إف النبي - صلى الله عليو كسلم - لا يقرٌ على الخطأ كىذا الرأم خاطئ لأف الشارع لو في كل حادثة حكم . ك ليعلم طالب العلم أنو إذا اجتمع القو ؿ كالفعل ككل كاحد منهما يصلح لأف يكوف بيانان للمجمل، ككانا متفقين في الدلالة على حكم معين، فإف أحدىما يكوف ىو المبي ن، كالآخر يكوف مؤكدان لو من غير تعيين؛ لحصوؿ المقصود بو. مراتب البياف:
عدد الصفحات ٥٩البياف ليس على مرتبة كاحدة كما سيوضح المؤلف بل مراتبو متفاكتة في القوة ، قاؿ: مراتبو متفاكتة فأعلبىا ما كاف بالخطاب ثم بالفعل: ثم بالإشارة، ثم بالكتابة كمعلوـ أف الترؾ قصدان فعل. تأخير البياف عن كقت الحاجة كإليو بعدما بيٌ ن المؤلف مراتب البياف ذكر مسألة أخرل متعلقة بحكم تأخيره عن كقت الحاجة ك إليو فقاؿ: تأخير البياف على قسمين: ُ- تأخير إلى أف يأتي كقت العمل، فهذا جائز ككاقع فقد فرضت الصلبة ليلة الإسراء مجملة كتأخر بيانها إلى الغد حتى جاء جبريل كبينها، كقد علم رسوؿ الله صلى الله عليو كسلم أف المراد بقولو تعالى في خمس الغنيمة ىاشم كبنو عبد المطلب دكف إخوانهم من بنى نوفل كعبد شمس مع أف الكل أكلاد عبد مناؼ فأخر بيانو حتى سألو جبير بن مطعم النوفلي كعثماف بن عفاف العبشمي رضي الله عنهما فقاؿ: أنا كبنو المطلب لم نفترؽ في جاىلية كلا في إسلبـ، ككذا آيات الصلبة كالزكاة كالحج بينتها السنة بالتراخي كالتدريج، كيدؿ لذلك أيضان قولو تعالى الأدلة. أفادنا المؤلف أنو يجوز تأخير البياف عن كقت الخطاب إلى كقت الحاجة مطلقان، أم: سواء كاف المراد بيانو لو ظاىر ييفهم كييعمل بو كالعاـ كالمطلق، أك ليس لو ظاىر كالمجمل ك ىذا مذىب جمهور العلماء ك المذىب الثاني في المسألة: أنو لا يجوز تأخير البياف من كقت الخطاب إلى كقت الحاجة مطلقا، أم: سواء كاف المراد بياف لو
عدد الصفحات ٦٠ظاىر يفهم كيعمل كالعاـ كالمجمل، أك ليس لو ظاىر كالمجمل إلا النسخ - فقط - فيجوز فيو ذلك كىو مذىب بعض الحنفية، كبعض الشافعية - كنسب إلى الصيرفي منهم - كىو مذىب جمهور الظاىرية، كجمهور المعتزلة، كبعض المالكية، كبعض الحنابلة كغلبـ الخلبؿ - عبد العزيز بن جعفر - كأبي الحسن التميمي.لكن المذىب الأكؿ الذم اختاره المؤلف ىو الأصح ك الأرجح ك الله أعلم ك استدؿ أصحاب القوؿ الثاني بأدلة منها أف الخطابات يراد بها تفهيم السامع للمطلوب فيها لكي يعمل بها، كىذه ىي فائدتها، كالخطاب بالمجمل بدكف توضيحو كبيانو خطاب بما لا يفهم، كالخطاب بما لا يفهم لا فائدة فيو، كما لا فائدة فيو يكوف كجوده كعدمو، كىذا ىو العبث الذم يتنزه الله عن الكلبـ بو.ك ىذا الاستدلاؿ فيو نظر فلب نسلم عدـ كجود الفائدة من الخطاب بالمجمل، حيث توجد فائدة في الخطاب بو، كىي: معرفة أف ىناؾ أمران أك نهيان في الشريعة؛ ليعرؼ بذلك المكلف العازـ على امتثاؿ الأمر الذم كرد في ىذا الخطاب المجمل، كالمكلف العازـ على ترؾ المنهي عنو الوارد في المجمل إذا بيين لو، فالمكلف العازـ على الفعل في حالة الأمر، كالعازـ على الترؾ في حالة النهي - بعد البياف - يستحق الثواب، كيسقط عنو العقاب. ِ/ تأخير عن كقت الحاجة، فهذا لا يجوز لأنو يلزمو تكليف المخاطب بما لا يطيق كىو غير جائز. لقد اتفق العلماء على أنو لا يجوز تأخير البياف عن كقت الحاجة إلى تنفيذ العمل - كىو كقت كجوب العمل بالخطاب -؛ لدليلين: الدليل الأكؿ: أف تأخير البياف عن كقت الحاجة يعتبر تكليفا بما لا يطاؽ كىو: لا يجوز؛ حيث لا قدرة للمكلف - حينئذ - على الامتثاؿ. الدليل الثاني: أف كقت الحاجة كقت للؤداء، فإذا لم يكن مبينا تعذر الأداء، فالبياف -
عدد الصفحات ٦١إذف- ضركر ة من الضركريات التي لا بد منها. مثل ما لو قاؿ: " حجوا ىذا العاـ "، ثم إذا جاء كقت الحج لم يبين لهم كيفية الحج كطريقتو. كقد حكى إجماع العلماء على عدـ الجواز - ىنا - كثير من العلماء كابن السمعاني، كالباجي، كالغزالى، كالسمرقندم، كابن قدامة، كغيرىم. فائدة: لقد جرنا ىذا المبحث إلى الحديث عن التكليف بما لا يطاؽ.يقوؿ محمد الأمين الشنقيطي: « اعلم أف حاصل تحقيق المقاـ في ىذه المسألة عند أىل الأصوؿ أف البحث فيها من جهتين: الأكلى: من جهة الجواز العقلي، أم ىل يجوز عقلب أف يكلف الله عبده بما لا يطيقو أك يمتنع ذلك عقلب.؟ الثانية: ىل يمكن ذلك شرعان أك لا؟ اعلم أف أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلب بما لا يطاؽ، قالوا كحكمتو ابتلبء الإنساف، ىل يتوجو إلى الامتثاؿ كيتأسف على عدـ القدرة كيضمر أنو لو قدر لفعل، فيكوف مطيعان لله بقدر طاقتو، أك لا يفعل ذلك فيكوف حكم العاصي. كمنهم من يقوؿ لا يلزـ ظهور الحكمة في أفعاؿ الله لأنهم يز عموف أف أفعالو لا تعلل بالأغراض كالحكم ،كأكثر المعتزلة كبعض أىل السنة منعوا التكليف بما لا يطاؽ لا فائدة فيو فهو محاؿ عقلب، قالوا: لأف الله يشرع الأحكاـ لحكم كمصالح، كالتكليف بما لا يطاؽ لا فائدة فيو فهو محاؿ عقلب. أما بالنسبة إلى الإمكاف الشرعي ففي المسألة التفصيل المشار إليو آنفان كىو أف المستحيل أقساـ. فالمستحيل عقلب قسماف: قسم مستحيل لذاتو كوجود شريك لله سبحانو كتعالى عن ذلك علوان كبيران، ككاجتماع النقيضين كالضدين ف ي شيء كاحد من جهة كاحدة. كيسمى ىذا القسم المستحيل الذاتي، كإيضاحو أف العقل إما أف يقبل كجود الشيء فقط، أم كلا يقبل عدمو أك يقبل عدمو فقط كلا يقبل كجوده أك يقبلهما معان فإف قبل كجوده فقط كلا يقبل كجوده أك يقبلهما معان، فإف قبل كجوده فقط كلم يقبل عدمو بحاؿ فهو الواجب الذاتي المعركؼ بواجب الوجود كذات الله جل كعلب، متصفان بصفات الكماؿ كالجلبؿ، ك إف قبل عدمو فقط دكف كجوده فهو المستحيل المعركؼ بالمستحيل عقلب كوجود شريك لله سبحانو كتعالى عن ذلك علوان كبيران.
عدد الصفحات ٦٢كإف قبل العقل كجودكه كعدمو، فهو المعركؼ بالجائز عقلب كىو الجائز الذاتي كقدكـ زيد يوـ الجمعة كعدمو. فالمستحيل الذاتي أجمع العلماء على أف التكليف بو لا يصح شرعان لقولو تعالى: " لا يكلف الله نفسان الا كسعها "، كقولو تعالى: " فاتقوا الله ما استطعتم " كنحو ذلك من أدلة الكتاب كالسنة. القسم الثاني من قسمي المستحيل عقلب ىو ما كاف مستحيلب لا لذاتو بل لتعلق علم الله بأنو لا يوجد، لأف ما سبق في علم الله أنو لا يوجد مستحيل عقلب أف يوجد لاستحالة تغير ما سبق بو العلم الأزلي كىذا النوع يسمونو المستحيل العرضي، كنحن نرل أف ىذه العبارة لا تنبغي لأف كصف استحالتو بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة الله، فالذم ينبغي أف يقاؿ أنو مستحيل لأجل ما سبق في علم الله من أنو لا يوجد كمثاؿ ىذا النوع إيماف أبي لهب فإف إيمانو بالنظر إلى مجرد ذاتو جائز عقلب الجواز الذاتي لأف العقل يقبل كجوده كعدمو، كلو كاف إيمانو مستحيلب عقلب لذاتو لاستحاؿ شرعان تكليفو بالإيماف مع أنو مكلف بو قطعان إجماعا، كلكن ىذا الجائز عقلب الذاتي، مستحيل من جهة أخرل، كىى من حيث تعلق الله فيما سبق أنو لا يؤمن لاستحالة تغير ما سبق بو العلم الأزلي، كالتكليف بهذا النوع من المستحيل كاقع شرعان بإجماع المسلمين لأنو جائز ذاتي لا مستحيل ذاتي، كالأقساـ بالنظر إلى تعلق العلم قسماف: كاجب كمستحيل فقط، لأف العلم إما أف يتعلق بالوجود فهو كاجب أك بالعدـ فهو مستحيل كلا كاسطة، كالمستحيل العادل كتكليف الإنساف بالطيراف إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي... ىذا ىو حاصل كلبـ أىل الأصوؿ في ىذه المسألة، كالآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعان بما لا يطاؽ لأف المراد بما لا طاقة بو ىي الآصار كالأثقاؿ التي كانت على من قبلنا، لأ ف شدة مشقتها كثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة بو.» ق منزلة المبين من المبين لا يشترط في المبين- باسم الفاعل- أف يكوف أقول سندان أك دلالة من المبين- باسم المفعوؿ- بل يجوز بياف المتو اتر بأخبار الآحاد، كالمنطوؽ بالمفهوـ.
عدد الصفحات ٦٣ىذا الذم اختاره المؤلف ىو الراجح من أقواؿ الأصوليين في ىذه المسألةلأف المبي ن أكضح من المبيان في الدلالة على المراد، فوجب العمل بالواضح كإف كاف أدنى من المبيٌن أك مساكيا لو، أم: أف الإتياف بما يوضح المجمل كإف كاف أضعف منو من حيث الثبوت؛ لرجحانو بوضوح دلالتو، ككذلك العمل بمخصص العاـ كمقيد المطلق جمعا بين الدليلين. ك في المسألة أقواؿ أخرل منها ما اختاره جمهور الحنفية كعلى رأسهم أبو الحسن الكرخي كوف المبي ن أقول من المبيا ن أك مساكيا لو، كلا يجوز أف يكوف المبي ن أدنى من المبيا ن، كذلك في بياف التغيير- كىو التخصيص للعاـ -. أما بياف التفسير - كىو بياف المجمل - فإنو يجوز فيو أف يكوف المبي ن أدنى من المبيان. الأمثلة: أ/ بياف الكتاب بالسنة كقولو تعالى غيرهيو كسلم نكاح الزكج الثاني بأنو الوطء بقولو لامرأة رفاعة القرظي: "حتى تذكقي عسيلتو كيذكؽ عسيلتك " كقولو تعالى استطعتم من قوة الكتاب بالسنة قولو تعالىين للناس ما نزؿ إليهم ب/ كبياف المنطوؽ بالمفهوـ كبياف منطوؽ قولو تعالى في سورة النور بمفهوـ الموافقة في قولو تعالى مفهوـ موافقتو أف العبد كالأمة في ذلك يجلد خمسين جلدة فبين ىذا المفهوـ أف المراد بالزاني في سورة النور خصوص الحر. لا يشترط في البياف أف يعلمو كل إنساف ليس من شرط البياف أف يعلمو جميع المكلفين الموجودين في كقتو بل يجوز أف يكوف بعضهم جاىلب بو فإنو يقاؿ بين لو غير أنو لم يتبين مثاؿ ذلك أف النبي صلى الله عليو كسلم بين أف عمل قولو تعالى
عدد الصفحات ٦٤