قــــال الشــــيخ رحمــــه الله: الصــــارخ هــــو الــــديك، وكــــان النــــاس في الأول لــــيس عنــــدهم ساعات، وبعـض الديكـة يكـون التوقيـت عنـه مضـبوطاً، ولـذلك تجـد الديكـة سـاكتة في أول النهار، لأنه ليس وقت صلاة. ومن الطرائف في الزمـان السـابق أنـه عرضـت سـاعة كبـيرة – والسـاعة مـا كانـت تُعـرف وقد يكـون البلـد كلـه لـيس فيـه إلا سـاعة واحـدة – عُرضـت هـذه السـاعة علـى رجـل: فقال: بكم السـاعة ؟ قيـل: بـريالين، وكـان الـريالان في الأول يُشـترى بهمـا بيـت كامـل، فقــال: أشــترى ديكــاً يثلــث الليــل بقرشــين أفضــل! أي: إذا مضــى ثلــث الثلــث الأول أذن، وكــذا إذا مضــى الثـُلُــث الثــاني والثلــث الأخــير، والســبب والله أعلــم أن الملائكــة تتنـــزل كثـــيراً، لأن الصـــارخ يصـــرخ عنـــد رؤيـــة الملـــك، ولهـــذا كـــان يُســـنُّ لنـــا إذا سمعنـــا الصارخ أن نسأل الله تعالى من فضله، فتقول: اللهم إني أسالك من فضلك لو خلعته لانخلعت الستّ: قــال الشــيخ رحمــه الله: رأى رجــلاً أخــا لــه عليــه خــاتم مــن ذهــبٍ، وخــاتم الــذهب علــى الرجـــال حـــرام، فقـــال لـــه: مـــا هـــذا؟ قـــال: اســـم الســـتِّّ، والســـتُّ هـــي المـــرأة، وأصـــلُ الستُّ: السيدة، لكـن فيـه اختـزال في اللفظـة، أي: حـذفوا اليـاء، وحركـوا السـين بـدل الفتح بالكسر، وقالوا: الستَّ، فلما سأله لماذا تفعل ذلـك؟ قـال: لأن هـذا لـو خلعتـه لانخلعــت الســتُّ ! أي: حصــل الفــراق، ومثــل هــذا الفعــل حــرام، ولا يجــوز، لأنــه لــيس سبباً شرعياً، وربما يلبس الإنسان ( دبلات ) وليسـت دبلـةً واحـدة، وبينـه وبـين زوجتـه من البغضاء ما الله به عليم، وكم من إنسان لا يلبس هذه الدبلة، ومع ذلك بينـه وبـين أهله في غاية ما يكون. ــــ(465) أقول له إن أصلك طاهر، ويأبي إلا أن يقول أن أصله نجس
عدد الصفحات ٤٦٥قال الشيخ رحمهمن الطرائف: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر عن ابـن عقيل رحمـه الله – أحـد فقهـاء الحنابلـة – أنـه مـرَّ برجـل، وهـو يتنـاظر مـع شـخص يـرى أن المني نجس، وابن عقيـل يـرى أنـه طـاهر، فقـال: إنـني أجـادل هـذا الرجـل، أقـول لـه: إن أصلك طاهر، ويأبى إلا أن يقول أن أصله نجس. أخذه الهم فلا ينام في الليل، ولا يأكل في النهار: قال الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسـلم ( خـيركم قـرني، ثم الــذين يلــونهم، ثم الــذين يلــونهم...ثم يجــئ قــوم ينــذرون ولا يفــون ويخونــون ولا يؤتمنــون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيه السمن) قوله علية الصلاة والسـلام: ( ويظهـر فــيهم الســمن ) المــراد بــذلك: أن هــؤلاء القــوم يعتنــو ن بتربيــة أبــدانهم وتســمينها، كمــا تُسـمن الشـاة في المراعـي الجيـدة، فتجـد الواحـد مـنهم لـيس لـه هـم إلا أكلُـهُ ومـا يـترف بدنــهُ، وهــذا يشــغل القلــب عمَّــا هــم أهــمُّ، وهــو تســمين الــروح بالعلــم والإيُان...ولهــذا نجد أنه كلما كثُر همُّ الإنسان قلَّ لحمُهُ، هذا هو الغالب. ويذكر لنا ونحن صغار – والله أعلم بصحته – أن رجلاً ابتلي بكثرة الحم، وصـار سمينـاً جداً، وصار يتعب، فذهب إلى الطبيـب، فجعـل الطبيـب يفحصـه، ويجـسُّ جميـع بدنـه، فقال: إنك سـوف تمـوت بعـد أربعـين أو عشـرين يومـاً، فصـار هـذا الرجـل يأخـذه الهـمُّ، لا ينام في الليل، ولا يأكل في النهار، فما مضى نصف المدة إلا وقد خـفَّ وزنـه كثـيراً، بسبب الهمِّّ، فلما مضـت المـدة لم يـاـرا مـوتاً، فجـاء إلى الطبيـب، فسـأله: فقـال: أنا أُريـد منك أن يُصيبك الهم حتى ينزل وزنك، وإلا فالموت علمه عند الله عز وجل. ــــ(466)
عدد الصفحات ٤٦٦فصلمتفرقات كلام عظيم: **قول أبي بكر رضي الله عنه " من كان منكم يعبد محمدُ فإن محمد قد مات " قال الشيخ رحمه الله: هذا الكلام العظيم من أبي بكر رضي الله عنه، " من كان منكم يعبدُ محُمداً فإن محمد قد مات " ففيه قطع التعلق بالأشخاص مهما كانت منزلتهم عند الله عز وجل، وأن واحداً من الناس ليس أهلاً أن يُعبد من دون الله، ولا يعبد مع الله، ولو كان أشرف الخلق عند الله عز وجل. وقال أيضاً : " ومن كان يعبُدُ الله فإن الله حي لا يُُوتُ " سبحانه وتعالى ! فهو باقٍ حي حياة كاملة، لا يطرأ عليها موت أبداً ثم تلا الآية، وأيقن الناس أن الأمر حقيقة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، وجعلوا يقرؤونها وكأنها لم تنزل إلا تلك الساعة. **قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من بورك له في شيء فليلزمه" قال الشيخ رحمه الله: يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: " من بورك له شيء فليلزمه" كلمة عظيمة، يعني إذا بورك لك في أي شيء كائنا ما يكون فالزمه ولا تخرج عنه مرة هنا ومرة هنا، فيضيع عليك الوقت ولا تبنى شيئاً، وقال رحمه الله: كلمة عظيمة، يعني: إذا رأيت أنك مطمئن لهذا الشيء وأنك راض به، وأنك سائر فيه، فالزمه، ولا تبق مرة تشتغل بهذا ومرةً بهذا، ومرةً بهذا، فيضيع عليك الوقت، ولا تكن مرك زاً في عملك. ــــ(467)
عدد الصفحات ٤٦٧**قول خالد بن الوليد رضي الله عنه:"جئت بقوم يُبون الموت كما تُبون الحياة قال الشيخ رحمه الله: كتب خالد بن الوليد إلى هرمز ملك فارس: " جئتك بقوم يُبُّون الموت كما تُبون الحياة " فهذه كلمة عظيمة ، يعني: نحن نحب الموت في سبيل الله كما تُبون الحياة، يعني: فلا نبالي. ** قول ابن القيم:هربوا من الرق الذي خلقوا له فبـُلُوا برقِّّ النفسِّ والشيطـان قال الشيخ رحمه الله: كلام عظيم، الرقُّ الذي خلقنا له هو الرقُّ لله عز وجل نحن عبيد الله، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [56] برِّقّ النفس والشيطان، استعبدتهم نفوسهم وشياطينهم، حتى اتبعوا الهوى واتبعوا الشيطان. **قول بعض العابدات " حلاوة أجرها أنستني مرارة مصيبتها " قال الشيخ رحمه الله:يُذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في إصبعها وأنها لم تتأثر، وقالت :حلاوة أجرها أنستني مرارة صبر ها، وهذه كلمة عظيمة ** قول أبي طالب: لقد علموا أن ابننا لا مُكذب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل قال الشيخ رحمه الله: كلام عظيم، يقول: ابننا ليس مُكذَّباً لدينا ولا نُكذِّّبه، ولا يُعنى بقولِّ الأباطل، يعني السحرة أو الهالكين، بل قوله حق وصدق، وهذا ثناء ع ظيم على النبي عليه الصلاة والسلام. ــــ(468)
عدد الصفحات ٤٦٨** قول المرأة لابن عمها الذي راودها عن نفسها:اتق الله، ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ( ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمالٍ) يعني: دعته إلى نفسها ليفعل بها الفاحشة، فقال : (إني أخاف الله ) وهي امرأة ذات منصب، يعني: ذات حسب شرف، ليست من الدنيئات، بل هي عزيزة شريفة، وليست أيضاً من القبيحات، بل هي جميلة، فهي ذات منصب وجمال، وهو أيضاً عنده شهوة النكاح، ( فقال: إني أخاف الله ) لم يذكر إلا هذا السبب، فلم يقل: لا رغبة لي في النساء، ولم يقل: أنت قبيحة، ولم يقل: أنت من أناس أهل دناءة، ولم يقل: حولنا أحد نخشى أن يشعر بنا، إنما الذي منعه شيء واحد وهو خوف الله عز وجل. وعلى رأس هؤلاء يوسف عليه الصلاة والسلام، فإن يوسف دعته امرأة العزيز وهي سيدته، دعته إلى نفسها في موضع خال لا يطلع عليه إلا الله، وقالت: هيت لك، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون [23 ] ومن ذلك فيما يظهر قصة الرجل الذي كان يراود ابنة عم له على فعل الفاحشة، ولكنها تأبي عليه، وفي سنة من السنوات ألمت بها حاجة، فجاءت إليه تستعينه، فأبى إلا أن تمكنه من نفسها، فلما رأت أنها في ضرورة مكنته من نفسها، ولما جلس منها ما يجلس الرجل من امرأته قالت: " اتق الله، ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه " كلمة عظيمة يقشعر منها البدن !! فقام وهي أحب الناس إليه، لكنها ذكرتها بهذه الكلمة العظيمة: " اتق الله، ولا تفضَّ الخاتم إلا بح قه " فقام عنها وهي أحبُّ الناس إليه، وترك ما أعطاها...قالت له: اتقِّ الله، ولا تفُضَّ الخاتم إلا بحقه، وهي كلمة تُزلزلُ الجبال، فقام، ولم يُدث شيئاً، وهذا يدلَّ على كمال عفته. ــــ(469 )
عدد الصفحات ٤٦٩كلمات ومواعظ تكتب بماء الذهب ** قول ابن مسعود رضي الله عنه: " الخلاف شر " قال الشيخ رحمه الله: عثمان بن عفان رضي الله عنه، في الحج في منى، صار يصلي الظهر أربعاً والعصر أربعاً والعشاء أربعاً، والسنة أن تصلى ركعتين..فحًدث بذلك عبدالله بن مسعود، فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون" استرجع، رآها مصيبة، أن يصلى أربعاً، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان في أول خلافته صلوا ركعتين، وكان يصلي خلفه أربعاً وهو ينكرها، وزيادة العدد في صلاةٍ واحدةٍ يُبطلها، فقيل له: يا أبا عبدالرحمن، كيف تنكر على عثمان أن يصلي أربعاً وأنت تصلى خلفه أربعاً ؟ قال: " الخلاف شر" كلمة تستحق أن تكتب بماء الذهب على صفائح الفضة، كلمة عظيمة لها وزنها " الخلاف شر " فانظر كيف كان هدى الصحابة يوافقون الإمام في الزيادة في نفس الصلاة الواحدة، ويقولون: " الخلاف شر " قول عمر بن عبدالعزيز:هذه دماء طهر الله أسيافنا منها فيجب أن نطهر ألستنا منها قال الشيخ رحمه الله: لما سئل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله الذي اعتبره بعض العلماء الخليفة الخامس عما وقع بين علي ومعاوية، قال كلمة هي جديرة أن تكتب بماء الذهب قال للذي سأله: هذه دماء طهر الله أسيافنا منها فيجب أن نطهر ألستنا منها. ــــ(470)
عدد الصفحات ٤٧٠**جواب الإمام مالك لماسئل: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ لما سئل مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [5] الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيُان به واجب، والسؤال عت ه بدعة تستحق أن تكتب بمداد من ذهبٍ على صحائف الفضة، لأنها كلمات عظيمة من إمام في السنة رحمه الله. وقال رحمه الله : فتح الله عليه بهذه الكلمات العجيبة التي تستحق أن تكتب بمداد النور، ومداد الذهب. وقال رحمه الله: كلمات تكتب بالذهب، وهي كلمات من نور. وقال رحمه الله: كلماته الشهيرة التي لو كتبت بماء الذهب والبلاتين لكان رخيصاً. **قول شيخ الإسلام " من تدبر القرآن طالباً للهدى منه، تبين له الحق" قال الشيخ رحمه الله: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ر حمه الله في العقيدة الواسطية: "من تدبر القرآن طالباً للهدى منه، تبين له طريق الحق " هذه في الحقيقة عبارة تكتب بماء الذهب، وإن كان الذهب لا يستعمل مداداً لكن قصدي هذه عبارة ممتازة، من تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق، فلا بدَّ من هذين الأمرين. ــــ(471) **موعظة أحد السلف لعالم له منزلة بين الناس وشرفاً وجاهاً
عدد الصفحات ٤٧١قال الشيخ رحمه الله: وعظ أحد السلف عالماً موعظة نافعة جداً، قال: إن الله قد زين ظهرك بالعلم والعمل، وجعل لك منزلة بين الناس وشرفاً وجاهاً، فاحرص على أن تزين باطنك، ليكون لك عند الله منز لة وجاه. هذه موعظة عظيمة جداً تُكتب بماء الذهب، لأن كثيراً من الناس يغترُّ بمنزلته بين الناس لأيِّّ سبب من الأسباب، إما لعلم، أو دين، أو عبادة، أو غيرها، ثم ينسى عمارة الباطن، وهذه خطيرة جداً، ويجب على الإنسان أن يُلاحظ المنزلة الأخرى والشرف والجاه عند الله، فهذا هو المهم، أما عند الناس فلا يهمُّ، ورُب أشعث أغبر، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره. كلمة حق أريد بها باطل **قول المشركين : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيءٍ [4/152]ذلك قوله : سيقولُ الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيءٍ [148] الكلمة الاستمرار على شركهم، ودفع الحُجّة عليهم، وإلا فهم لا يريدون الحق، ولو قالوا : لو شاء الله ما أشركنا، ولا آباؤنا، ولا حرمنا من شيء، ولكن ذلك وقع بمشيئة الله، ونحن نستغفر الله، ونتوب إليه، ونُوحد الله عز وجل، ونلتزم أحكامه الشرعية، فلا نحُلُّ إلا ما أحلَّ، ولا نحُرم إلا ما حرم، لقلنا لهم : هذا كلام صحيح، وتشكرون عليه. ــــ(472) **قول من نُصِّحا أمر من الأمور التي عصى الله فيها: " التقوى ها هنا "
عدد الصفحات ٤٧٢قال الشيخ رحمه: القلوب لو صلحت لصلحت الجوارح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) وهذا الحديث يُبطل كل دعوى يدَّعيها بعض الناس، إذا نصحته في أمر من الأمور مما عصى الله به قال لك : " التقوى ها هنا " ويشير إلى صدره، وهي كلمة حق أريد بها بطل، والكلمة قد تكون في مدلولها العام، لكن يريد بها القائل أو المتكلم معنى باطلاً...فالذي قال : " التقوى ها هنا " هو النبي صلى الله عليه وسلم....الذي قال : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ) فإذا كان في القلب تقوى، لزم أن يكون في الجوارح تقوى، والعمل الظاهر عنوان على العمل الباطن. ** قول المشركين : أنطعم من لو يشاء الله أطعمهُ قال الله تعا وإذا قيل لهم أنفقوا مما رز قكم الله قال الذين كفروا للذين آ منوا أنطعمُ من لو يشاء اللهُ أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين [47] رحمه[171] :من فوائد هذه الآية الكريُة : أن الإنسان قد يقول كلمة الحق يريد بها الباطل، أنطعمُ من لو يشاء اللهُ أطعمه فنحن نؤمن بأنه لو شاء الله لأطعم هؤلاء، لكن حكمته عز وجل اقتضت أن يجعل هؤلاء فقراء، وهؤلاء أغنياء. ــــ(473) كلام مختصر فيه بلاغة عظيمة
عدد الصفحات ٤٧٣قال الشيخ رحمه الله: قوله علية الصلاة والسلام : ( أاسلِّم تسلم ) هذا الكلام المختصر فيه بلاغة عظيمة، وقد أُعطي الرسول علية الصلاة والسلام جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصاراً، ولو أن أحداً قام بشرح هذه الكلمة بمُجلدات ما استطاع أن يصل إلى الغاية، فقوله : ( أسلم تسلم ) أي : تسلم من مسؤولية قومك، ومن مسؤولية نفسك، ومن الآفات في الدنيا، ومن الآفات في الآخرة، ومن السمعة السيئة، ومما لا يُُصيه إلا الله، فإن الإنسان مُعرض للشرور في الدنيا وفي الآخرة، وهذه الشرور من يُصيها ؟ كلمتان حاسمتان تطردان كل شكٍّ يرِّد على القلب قال الشيخ رحمه الله: انظر إلى قوله علية الصلاة والسلام فيمن يتساءلون : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ( فليستعذ بالله ثمُ لينته ) كلمتان حاسمتان تطردان كل شكٍّ يرِّد على القلب، ولو أن الفلاسفة وأهل الكلام أرادوا أن يدفعوا مثل هذه الوساوس لرأيتهم يكتبون صفحات، ولا يثمرون الثمرة التي أثمرتها هاتان الكلمتان. كلام صحابي يعجز كثير من أهل المنطق أ ن يتكلموا بمثله. قال الشيخ رحمه الله: رسول الله صلى الله عليه وسلم...لما سلَّم في إحدى صلاتي العشي، سلم من ركعتين...فقال له ذو اليدين : "أنسيت أم قصرت الصلاة ؟" ولله در الصحابة، فهذا واحد من عامة الصحابة يقول هذا الكلام، الذي لو اجتمعت عليه الفلاسفة السنين ما أتوا بمثله. وقال رحمه الله: فتكلم بكلام يعجز كثير من أهل المنطق أن يتكلموا بمثله. ــــ(474) كلمات جامعة واضحة
عدد الصفحات ٤٧٤قال الشيخ رحمه الله: أصل العقل في القلب، لكن له اتِّّصال بالدماغ، وإنك لتعجب أن تقع هذه الكلمة من الإمام أحمد رحمه الله حيث قال: "العقل في القلب، وله اتِّّصال بالدماغ "، وهذه عبارة لو اجتمع الأطباء كلهم على أن يأتوا بمثل هذه العبارة الواضحة المختصرة ما استطاعوا إلى هذا سبيلاً، لكن الله سبحانه وتعالى يهب من يشاء من خلقه فيُوفقه لكلمات جامعةٍ واضحةٍ مختصرةٍ. كلمات جيدة: قال الشيخ رحمه الله: وقول الز هري رحمه الله: " من الله الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم "هذه كلمات جيدة. كلمة موجزة نافعة قال الشيخ رحمه الله: بعض العلماء، ذكر كلمة موجزة، نافعة، قال: قل: بِِّا أمر الله ؟ ولا تقل: لمِّا أمر الله ؟ لأنك إذا قلت: بِِّا أمر الله؟ فإنك تسأل عن المأمور به لتفعله، لكن إذا قلت: لمِّا ؟ فمعناه قد تكون مُتعنتاً تسأل عن الحكمة إن بدت لك، وإلا استكبرت. ــــ(475) كلمة لو وزنت بالجبال لرجحت
عدد الصفحات ٤٧٥قال الشيخ رحمه الله: قال ابن رجب رحمه الله في كتابه " القواعد الفقهية في المقدمة كلمة لو و زنت بالجبال لرجحت،يقول: " المُنصفُ من اغتف ر قليل خطأ المرءِّ في كثير صوابه" وهي كلمة عظيمة، فهذا هو المُنصفُ، وليس المُنصفُ الذي يأخذ السيئات وينسى الحسنات، فالمنصف من يقارن بين الحسنات والسيئات، فإذا رجحت الحسنات انغمرت السيئات بها. وقال رحمه الله : المُنصفُ من ينظر إلى الصواب وإلى الخطأ، فإذا الصوابُ أكثر فليغتفر الخطأ، وإن كان الخطأ أكثر اضمحلَّ به الصواب، وإن كان سواء لا يُكم عليه بمدح ولا ثناء، فتجد واحداً يُصيبُ في مِّئةِّ مسألةٍ ويخُطئُ في مسألةٍ، ثم يقال : هذا الرجُل فيه وفيه إلى آخره، فهنا المؤلف يقول : إن أنا أخطأتُ فليعلم أن الله لم يعط العصمة لكتابٍ غير كتابه، فالمنصفُ من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه. قال الشيخ رحمه الله: سأل الإمام أحمد رحمه الله رجل وقال: يا أبا عبدالله، إن أبي أمرني أن أطلق زوجتي، فقال له الإمام: هل تعيب عليها في خلقٍ أو دينٍ ؟ قال: لا.فقال: لا تطعه، قال: يا أبا عبدالله، كيف لا أطيعه وعمر لما أمر ابنه عبدالله أن يطلق امرأته أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطيع أباه عمر ويطلقها؟ لكن الإمام أحمد قال كلمة لو وزنت بجبال الذهب لرجحت بها، قال له: وهل أبوك عمر ؟! والإمام أحمد يدري أن أباه ليس عمر وأن الرجل يعرف أن أباه ليس عمر، لكن المعنى هل أن أباك أمرك بسببٍ مثل السبب الذي أمر عمر ابنه أن يطلق امرأته من أجله ؟ وهل يُتهمُ عمرُ بأنه يريدُ التفريق بين ابنه وزوجته! لا والله لا يُتهمُ، فهذا الرجل الذي أمر ابنه أن يُطلق زوجته ما ندري لعله حملهُ الحسد أو الغيرة. ــــ(476) كلمة منكرة
عدد الصفحات ٤٧٦سئل الشيخ : هناك أناشيد للأطفال : بسمة أُمِّّي سر وجُودي " فما رأيكم فيها ؟ فأجاب رحمه الله : هذا كذب، ولا يجوز للإنسان أن يقولها، وليس لأحد صفة للوجود، وهذه كلمة صوفية منكرة، الذي أوجد الخلق هو الله. ما أعظم هذا القول وأبطله وأكذبه كلمة ظاهرها الحق وباطنها من قبله العذاب قال الشيخ رحمه الله: الحقيقية أن الدين الإسلامي دين العدل، كما قال عز وجل : إن الله يأمرُ بالعدلِّ والإحسان [90] واحدة : إن الله يأمر بالمساواة وكلمة الم ساواة قد يكون ظاهرها الحق وباطنها من قبله العذاب، فقد يُراد بها التسوية في أمور فرَّق الشرع بينهما، فتُتخذ وسيلةً، ونحن إذا قلنا : إن الإسلام يأمر بالعدل لزم من ذلك التسوية بين المتفقين، والتفرقة بين المختلفين، ولا يرِّدا علينا أيُّ شيء، فلا يُقال مثلاً : لماذا فضل الإسلام الذكر، فأعطاه مثل حظ الأُنثيين في الميراث، مع أنك تقول : إن الإسلام دين المساواة...فإذا كنت تقول : إن الإسلام دين المساواة فساو بين الرجل والمرأة، لكن إذا قلت : إن الإسلام دين العدل خرجت من هذه المسألة ومن غيرها. ــــ(477) كلمات عجيبة
عدد الصفحات ٤٧٧قال الشيخ رحمه الله: قيل لأحد الصحابة رضي الله عنهم: إن اليهود يقولون: نحن نوسوس في صلاتنا؟ وأنتم أيها المسلمون توسوسون في الصلاة! فقال كلمة عجيبة: " وما يصنع الشيطان بقلب خراب! " فالقلب الخراب لا يأتيه الشيطان ليخربه، لأنه قد خرب، إنما يخرب القلب العامر السليم، حتى يدمره، فنسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الشيطان الرجيم. و قال الشيخ رحمه الله: عمر بن الخطاب رضي الله، حينما سافر إلى الشام، وفي أثناء الطريق قيل له: إن الشام فيها طاعون، والطاعُون وباء معروف، فتاك- والعياذ بالله- فتوقف رضي الله عنها وشاور الصحابة: هل يرجع إلى المدينة خوفاً من هذا الوباء، أم يذهب إلى هذا الوباء، ويتوكل على الله ولا يهتمُّ؟...واستقر رأي الأكثر على أن يرجع إلى المدينة، فأمر بالرجوع، فجاء أو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، وقال: يا أمير المؤمنين، كيف ترجع، "أفراراً من قدر الله ؟!" فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة...ثم قال: نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله"، سبحان الله! كلمة عجيبة، لو أن المُتأخِّّرين تكلموا عليها لكتبوا فيها مجلدات، ولم يصلوا إلى هذا المعنى الذي قاله عمر، يقول: " نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله " أي: إننا إن ذهبنا إلى الشام فبقدر الله، وإن رجعنا إلى المدينة فبقدر الله، فنحن لم نفرَّ، إن رجعنا فبتقدير الله، وإن مضينا فبتقدير الله. ــــ(478) النحوي القوي لا يغلب في النحو
عدد الصفحات ٤٧٨قال الشيخ رحمه الله: يقولون : إن النحويين كلما حجرتهم من جهة قلت : هذا لا يصح، أتوا بوجه آخر ولو كان الاحتمال بعيداً، ولذلك لا يغلب النحوي القوي في النحو أبداً، لأنه يستطيع كلما أتيت له بحجة أتى لك بما يسوغ قوله. تعلم اللغات غير العربية قال الشيخ رحمه الله: تعلم اللغات غير العربية إذا كان لحاجة لا بأس به، وإذا كان لغير حاجة فهو لغو وإضاعة وقت، ويخشى منه محبة أصحاب هذه اللغة، وإذا كان ليستبدل به اللغة العربية، فهذا إما مكروه وإما محرم والأول المباح قد يجب أحياناً، كما إذا كان تعلم هذه اللغة وسيلة إلى إبلاغهم دين الله، فإن التعلم حينئذ يكون واجباً، لأن ما لا يتم الواجب به فهو واجب. اللغة العربية من أوسع اللغات قال الشيخ رحمه الله: اللغة العربية من أوسع اللغات، لأن فيها ثروة لفظية كثيرة، نجد المعنى الواحد له عدة ألفاظ، وإذا قارنت بين الألفاظ المترادفة والألفاظ المشتركة وجدت أن الألفاظ المشتركة قليلة جداً بالنسبة للألفاظ المترادفة. وهذا مما يدل على ثراء اللغة العربية، بخلاف غيرها من اللغات، فإنها عاجزة عن الوفاء بالأغراض، ولهذا تجد فيها ألفاظاً كثيرة مشتركة، لفظ واحد يُطلق على عدة معان، ولا يعينِّّ المعنى إلا السياق، أما اللغة العربية فهي بالعكس، ففيها كلمات كثيرة مترادفة، أي: اللفظ الواحد يطلق على عدة معان. ــــ(479) التحدث بغير اللغة العربية
عدد الصفحات ٤٧٩قال الشيخ رحمه الله: اتخاذ اللغة غير العربية بدلاً عن اللغة العربية، بحيث يُتخاطب بها بدلاً عنها، فهذا يُنهى عنه، وكان عمر رضي الله عنه يضرب الناس على رطانة الأعاجم إذا رطنوا بها، لأن تناسي اللغة العربية يكون ضرراً في الدين، إذ إنه لا يُكن أن يُفهم القرآن ولا السنة تمام الفهم إلا لمن كان عنده علم بالعربية، ولهذا قارنت بين شُرَّاح الحديث من غير العرب وشرَّاحه من العرب وجدت الفرق العظيم لا في التعبير فقط، بل في التعبير والفهم.... فإن قال قائل : وهل يدخل في هذا تخاطب الأطباء أو الطيارين فيما بينهم باللغة الإنجليزية ؟ فالجواب : نعم ينهون عن التخاطب باللغة الإنكليزية وإن لم نقل : إن هذا تشبه، لكن نقول : إنه خطأ، لأنه يقتضي إماتة اللغة العربية، وإحياء غير العربية، ثم إن فيه رفع شأن هذه اللغة، وبالتالي رفع شأن لأهلها، لأنهم يعتزون إذا رأوا أن العرب يتحولون من لغتهم العربية التي هي لغة كتابهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى لغتهم، يعتزون بهذا اعتزازاً عظيماً، والدول تنفق الإنفاق الكبير، من أجل أن يتحول الناس إلى لغتها، لكن التحدث بغير العربية، من أجل أن المُخاطب يفهم بغير العربية أكثر مما يفهم بالعربية....هذا لا بأس به، لأنه لحاجة المخاطب. ــــ(480) إذا اختلف النحويين في مسألة فخذ بالأسهل
عدد الصفحات ٤٨٠