قال الشيخ رحمه الله: قراءة الشِّّعر وكتابته والاستماع حسب ما فيه، فإن كان فيه خير، فهو خير، وإن كان فيه شر فهو شر، وإن لم يكن فيه لا هذا، ولا هذا، فإنه من اللغو الذي ينبغي أن يُنزه الإنسان نفسه عنه، وكان عباد الرحمن الذين يُشون على الأرض هوناً إذا مروا باللغو مرُّوا كراماً، فأرى ألا يُستمعُ إليه، ولا يهتم به ما دام ليس فيه نفع له، لأنه من لغو القول، وإضاعة الوقت بلا فائدة. نصيحة لطالب العلم يقضي جل وقته في نظم الشعر والقراءة في كتبه : سئل الشيخ: إني أحد الطلاب المتمسكين بكتاب الله، وسنة رسوله صلى اله عليه وسلم، وموفق في دراستي والحمد لله، ولكني أنظم الشعر كثيراً وأقوله في المناسبات وغير المناسبات، مما جعلني أقضي جُلَّ وقتي أقرأ كُتب الشعر وأنظمه، فما حكم هذا العمل، بارك الله فيكم؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: إذا ك نت تقول الشعر المباح، أو الشعر الذي فيه الخير للناس، وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، فلا حرج عليك في ذلك، أما إذا كنت تقول شِّعراً محرماً ساقطاً سافلاً، فإن هذا حرام عليك. ومع هذا فنقول: إن الأولى بك، وأنت طالب علم أن تدع هذا العمل، وأن تُقبل على طلب العلم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، والأئمة من بعدهم، حتى ينفعك الله بذلك، لأن ما أنت عليه الآن، إما أن تكون فيه سالماً، أو مأجوراً بأجر لا يساوي طلب العلم الشرعي المبني على كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الصحابة والأئمة، وإما أن تكون مأزوراً إذا كان ما تقوله من الشعر شعراً ساقطاً سافلاً يدعو إلى الفجور والفحشاء. ــــ(417) الشعر المذموم:
عدد الصفحات ٤١٧قال الشيخ رحمه الله قال الله تعالى ﴿ واالشُّعارااءُ يـاتَّبِّعُهُمُ الْغااوُونا ﴾ [ أيشعرهم، فيقومون به، ويروونه عنهم، فهم مذمومون سواء الشُّعراء أو الغُواة الذين يتبعونهم، فإنه لا يتبع الشعر غالباً إلا الغواة فهو باطل... والشعر المذموم هنا هو الذي لم يؤخذ من الكتاب والسنة، فإن أُخذ من الكتاب والسنة فإنه يتبعه الراشد، مثل بعض القصائد التي نظمها أهل العلم والإيُان، فهذا لا يعتبر شعراً يتبعه الغاوون. الشعر المنثور: قال الشيخ رحمه الله: أما الشعر فإنه الكلام الموزون المقفى الذي يأخذ باللب، وسمي شعراً لأنه يأخذ بالشعور، ولهذا تجد أن النظم يأخذ باللب أكثر من أن يأخذ بالنثر، فربما تسمع خطبة بليغة جيدة جداً، وتجد ما يُاثلها في المعاني بالنظم ولكنك ترى أن تأثير النظم أشد، وأقرب للشعور أكثر، ولهذا سمى شعراً، وبه نعرف أن ما يسمى الآن بالشعر المنثور ليس بشعر، لأنه لا يأخذ بالمشاعر، فهو ليس بشعر ولا بنثر، وإنما هو كالمنافق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا يطرب إليه من يطربون إلى النثر والخطب، ولا يطرب إليه من يطربون إلى الشعر والقصائد، فهو في الحقيقة ليس بشيء، ولكن لكل امرئ ما تعود، والذين أحدثوه يطربون له، ويرون أنه أشد شاعرية من شعر امرئ القيس. قصيدة رائعة: قال الشيخ رحمه الله عن النونية لابن القيم رحمه الله: هذه القصيدة عذبة المنطق مملوءةُ المعاني، وفيها أشياء لا تجدها في غيرها، وقال:هذه القصيدة قصيدة رائعة. ــــ(418) من أحسن القصائد:
عدد الصفحات ٤١٨قال الشيخ رحمه الله: من أحسن القصائد التي سمعتها " الميمية " لابن القيم، فإن فيها مواعظ وحِّكاماً تُرقِّّق قلب الإنسان. المعلقات السبع: وقال الشيخ رحمه الله : المعلقات السبع، هي قصائد من أجمع القصائد وأحسنها وأروعها، اختارتها قريش لتُعلق في الكعبة، ولهذا تُسمى المعلقات. ولما ذكر ابن كثير رحمه الله، " اللامية " لأبي طالب قال: هذه اللاميةُ يُقُّ أن تكون مع المعلقات، لأنها أقوى منها، وأعظمُ، وفيها يقول أبو طالب: لقد علموا أن ابننا لا مُكذب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل يعني الرسول عليه الصلاة والسلام وهذه شهادة للرسو ل عليه الصلاة والسلام بأنه صادق، وقال رحمه الله : قصيدة أبي طالب مهمة جداً، وقد أثنى عليها ابن كثير ثناءً عظيماً، حتى قال : ينبغي أن تكون من المعلقات السبع بيت من الشعر مهم: قال الإمام ابن القيم رحمه الله في النونية: إن البدار بردّ شيءٍ لم تُُط علماً به سبب إلى الحرمان قال الشيخ رحمه الله: هذا بيت مهم، بيت عظيم. بيت من الشعر لو كتب بماء الذهب لكان رخيصاً : قال الإمام ابن القيم رحمه الله في النونية: هربوا من الرق الذي خُلقوا لهُ فبلوا برقِّّ النفس والشيطان قال الشيخ رحمه الله: هذا البيت لو كُتب بماء الذهب لكان رخيصاً ــــ(419) بيت من الشعر عظيم:
عدد الصفحات ٤١٩قال الإمام ابن القيم رحمه الله في النونية فتدبر القرآن إن رمت الهدى فالعلم تُت تدبر القرآن قال الشيخ رحمه الله : هذا بيت عظيم ينبغي أن يُفظه الإنسان، ويُُرَّه على قلبه دائماً . بيتان من الشعر عظيمان يسلي بهما الإنسان نفسه: قال الشيخ : كان شي خ الإسلام رحمه الله يتمثل كثيراً بهذين البيتين: طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفواً من الأقذاءِّ والأكدارِّ ومُكلف الأيام ضدَّ طباعها مُتطلبٌ في الماء جذوة نارِّ وهذا بيتان عظيمان يُسلي بهما الإنسان نفسه. بيت من الشعر حكمة: قال الشيخ رحمه الله: هذا البيت حكمة ويقال في كل شيء، أحياناً تلوم شخصاً على مسألة ما، فيقول: والله ما دريت، فتقول: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم كذب الشاعر: قال الشيخ رحمه الله: أنشدوا قول الشاعر يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام: والإشتراكيون أنت إمامُ هُم...... وكذب الشاعر، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم، إمام هل العدل، ودفع الظلم، وليس إمام أهل الظلم. ــــ(420) أبيات للشاعر زهير بن أبي سلمى:
عدد الصفحات ٤٢٠سئل الشيخ ما رأي فضيلتكم في هذه الأبيات: للشاعر (زهير بن أبي سلمى): رأيتُ المنايا خبط عشواء من تُصب تمُتهُ ومن تخُطئ يُعمَّر فيهرمِّ ومن لم يُصانع في أُمورٍ كثيرةٍ يُضرَّس بأنيابٍ ويُوطأ بمِّنسمِّ فأجاب رحمه الله: هذا كلام جاهلي قديم، ولا يجوز اعتقاده. فالبيت الأول: يقولُ: إن المنايا خبطُ عشواء، والمنايا من عند الله عز وجل، وليست خبط عشواء، بل هي عن حكمة وعلم، فلا يجوز أن يعتقده الإنسان. والبيت الثاني معناه: أن الأمور تمشي على المدارة، ويستدلُّ بهذا البيت على أن الأمور يصانعُ ويداهنُ فيها، ولكن كان هذا في الجاهلية صحيحاً، أما في الإسلام فلا، يقول تعالى: ( فااصْداعْ بمِّاا تـُؤْمارُ واأاعْرِّضْ عانِّ الْمُ شْرِّكِّينا )[94] هجاء المشركين شعراً عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت : ( اهجُ المشركين فإن جبريل معك) قال الشيخ رحمه الله : في هذا الحديث : دليل على جواز هجاء المشركين، وأن الأشعار في هجاء المشركين محمودة، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، ولأن ذلك يبقي، فإن الأشعار التي قيلت في بدر وفي أُحد وفي غيرهما بقيت إلى الآن، ففي هذا : دليل على أن من الفضل أن يُهجى المشركون. ــــ(421) الشعر منه جائز ومنه محرم
عدد الصفحات ٤٢١قال الشيخ رحمه الله: الشعر منه غير مباح، ومنه مباح، فما كان خالياً من الفتنة والدعوة إلى الفساد فهو مباح، وما تضمن فتنة كالتشبيب بامرأة معينة، أو التشبيب – والعياذ بالله – بالمردان، أو التشبيب بالخمر أو ما أشبه ذلك، والحثِّّ عليه، فهذا حرام لا يجوز. وقال رحمه الله: الشعر إذا كان فيه تشجي ع على طلب الخير، أو طلب العلم، أو على الجهاد، أو أي عمل خير فهو جائز. الشعر الحقيقي الذي يأخذ بالمشاعر: قال الشيخ رحمه الله: للشعر مكانة في صدر الإسلام وفيما بعد، ولكن المراد بالشعر الشعر الحقيقي الذي يأخذ بالمشاعر أما الشعر غير الموزون الذي حصل من هؤلاء الأدباء المتأخرين، لما عجزوا عن الشعر الأول، قالوا: اتركوه وائتوا بشعر غير موزون شطر منه سطران، وشطر منه كلمة واحدة، وقولوا: هذا شعر!! هذا لا يأخذ بمشاعر أي أحد، حتى الإنسان يُجه إذا قرأه، ولا يُرك مشاعره أبداً والغريب أنه صار حسناً عند بعض الناس لكن صار حسناً، لأنهم لا يستطيعون أكثر منه ولا يعرفون أن يأتوا بمثل معلقات العرب أو لامية أبي طالب أشعار بالية ليست على وزن ولا خير فيها: قال الشيخ رحمه الله: كان العرب عندهم مجانين عشق، لكنهم يعدون على بالأصابع، فمجنون ليلى معروف، ومجنون عبلة، وهكذا، لكن أصبح المجانينُ عندنا في عصرنا كثيرين، إلا أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا ما فعل الأولون من الأشعار والنَّظم، إلا أشعاراً باليةً ليست على وزنٍ، ولا خير فيها. ــــ(422) الشعراء الأكثر منهم على عدم الاستقامة
عدد الصفحات ٤٢٢قال الشيخ رحمه الله: أصل الشعر جائز، وإن كان الأكثر على الشعراء عدم الاستقامة، قال الله تعالى: : والشُّعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً [224-227 ] وقال رحمه: الآية قسمت الشعراء إلى قسمين، ولكن تقديم الغاويين منهم يدل على أن الأصل في الشعر هو الغواية، قال: والشُّعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون [224-225] وفي كل لغو يقولون، ويجازفون في المديح، ويجازفون في الهجاء، حتى إنهم ربما رفعوا الإنسان فوق الثريا أو أنزلوه إلى قعر الأرض.... وهذا شيء مشاهد أن الشاعر يهجو قوماً فيضعهم إلى أسفل سافلين، ويُدح قوماً فيرفعهم إلى الثريا، ولهذا قال: ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون [225-226] أنا ابنُ جلا وطلاَّع الثنايا متى أضعِّ العمامة تعرفوني أو ينسبونه لغيرهم بإظهار الولاء له، فتجد الشاعر يظهر الولاء لهذا الشخص وهو يُب أن يطأه بقدميه، أو بالعكس، فهم يقولون ما لا يفعلون بأنفسهم وبغيرهم. ــــ(423) الغزل في الشعر:
عدد الصفحات ٤٢٣قال الشيخ رحمه الله: الغزلُ إذا كان بام رأة معينة فهذا مذموم، لأنه يؤدي إلى تعلق الناس بها وطلبها، أين هذه المرأة التي يقول عنها الشاعر كذا وكذا ؟! أما إذا كان في وصف النساء عموماً فهذا لا بأس به، وقد صنعه الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، وابن القيم يقول في أول النونية أنه تغزل إلى أن قال: إن كُ نتِّ كاذبة الذي حدَّثتِّني فعليكِّ إثم الـكاذبِّ الفتَّان جهم بن صفوان وشيعته الأُلى ......................... انتقل من التغزل بمحبوبته الوهمية حتى سقط على رأس جهم، فجعل هذا التغزل مدخلاً، فإن قال قائل: إذا لم يقصد بالغزل امرأة معينة، ولكن كان ف يه ما يثير الشباب فما حكمه ؟ فالجواب: إذا قيل: مباح وترتب عليه محظور أو يتضمن ضرراً صار حراماً، لأنه ما من مباح إلا تجري فيه الأحكام الخمسة. ديوان المتنبي: قال الشيخ رحمه الله: الشعرُ لا شكَّ أن فيه حكماً كثيرةً، وما أكثر الحكم في الشعر! ( ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ) فهذه حكمة وهي من الشعر، ومن أكثر ما رأيت من حكمةٍ في الشعر عند أبي الطيب المتنبي في ديوانه، فله حكم عظيمة، يُسن بالطالب منكم أن يُفظها، وحفظتُ بيتاً من شيخنا عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله من ديوان المتنبي قوله: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مُضر كموضع السيف في موضع الندى فهذه حكمة، لأن الذي يعطي في موضع القتل أتى سفهاً مخالفاً للحكمة، والذي يقتل في موضع العطاء كذلك أتى سفهاً مخالفاً للحكمة، وأمثال هذا كثير جداً. ــــ(424 ) سائل يسأل الشيخ شعراً ويطلبُ منه أن يجيبه شعراً والشيخ يجُيبهُ شعراً:
عدد الصفحات ٤٢٤قال الشيخ رحمه الله : بعض الإخوة أعطانا سؤالاً أو وجَّها إلينا شعراً يقول إن قلبي قد تشرَّبا بالعاصي وتكبَّل من يفكَّ القيدا منه ويداوي ما تعطل فأجبني يا فلانُ عن سؤالي وتفضل ؟ فأجبناه بالشِّّعر وإن كنا لسنا من الشعراء، فقلنا: أيُّها الجُ دِّّيُّ أبشر بجوابٍ لا يعطــل من فقير ذي افتقارٍ لغنيٍّ ذِّي تفضُـل إن قلباً بالمعاصي مُشرب وقد تكبـل داؤُهُ داء عظـيم طبُّعه يُعـي ويثقـل وشفاهُ في كتـابٍ من إلهٍ قد تنــزل رِّدفه هـدى نبيٍّ فالتزم إن كنت تعقل مُسـتعيناً بعظيمٍ يقبلُ التوب ويجمـل والجُدِّّيُّ: يرادُ به السائل، فهو من أهل جُدة. ــــ(425 ) رأي الشيخ في أبيات من الشعر:
عدد الصفحات ٤٢٥**سئل الشيخ: قول الشاعر قال حمـارُ الحـكيم تُـوما لو أنصف الدهرُ كنتُ أركبُ لأننـي جاهـل بسيـط وصاحـبي جاهل مركـب فهل يجوز مثل هذا القول: " لو أنصفا الدهرُ كنتُ أركبُ ؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: نقول: إن الله تعالى قال: والشُّعراء يتبعهم الغاوون أ تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلو ن إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي مُنقلب ينقلبون [224-227] ما يقع فإنه بإرادة الله عز وجل، والله عز وجل لا يظلم أحداً، بل إنه حكم عدل، لكن هذا قول الشاعر، وهو قول مردود. ** و سئل الشيخ: ما رأي فضيلتكم بقول الشاعر: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر حيث جعل القدر خاضعاً لمشيئة الشعب ؟ فأجاب رحمه الله: رأيي في هذا القول أنه كفر محض، لأنه جعل إرادة الشعب فوق إرادة الله، وكذلك قوله تعالى: وما تشآءون إلا أن يشاء [29] تنقُّص لله تعالى وغلو بالمخلوقات، ويفوق كُفر الأولين الذين يعترفون بمشيئة الله، وأنها فوق مشيئتهم. ــــ(426)
عدد الصفحات ٤٢٦**وقال الشيخ رحمه الله: لا يُُكن إدراك المعاني على وجه التحديد والضبط إ بإدراك النحو، و نحن لا نُغالي كما قال الشاعر : إن الكـلاما بلا نحوٍ يُُـاثلُهُ نبحُ الكلابِّ وأصواتُ السنانيرٍ فلا نبال هذه المبالغة، ولا نقول : إن البحث فيه إضاعة الوقت، ولكن نقول : خّذ منه ما يعينك على فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ** وقال الشيخ رحمه الله: قول المتنبي يُدحُ عبدالله بن يُيى البحترُي: فكن كما شئت يا من لا شبيه لهُ وكيف شئت فما خلق يُدانيكا فقوله: " يا من لا شبيه له " هذا ضلال، لأنه ليس هناك أحد ما له شبيه إلا الله. لكن لو قال قائل – دفاعاً عن المُتنبيِّّ – إنه يريد: " يا من لا شبيه له من الخلق " فنقول: وهذا أيضاً كذب، فإن هذا الرجل لا يساوي النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء ولا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علياً رضي الله عنهم. ثم إن قوله: " لا شبيه له ": (لا) نافية للجنس، فإنها تنفي كُلَّ جنسٍ، أي: لا شبيه له من لا من الخلق ولا من المخلوق، حتى الخالق لا يصل إلى درجة هذا الرجل إذا أخذنا بعموم اللفظ! لكن حتى لو أراد: " أنه لا شبيه له من الخلق " فهو كاذب، لكن لا يصل إلى درجة الشرك... فإن قيل: إن مراده: " لا شبيه له " أي: في زمنه! فيقال: ولا في زمنه. ثمُ إن قوله: " فما خلق " نكرة في سياق النفي فتعم. وعلى هذا فلا يعتذر عنه، فهو من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، الذين هم في كُلّ وادٍ يهيمون، ونحن ليس لنا إلا الظاهر. ــــ(427)
عدد الصفحات ٤٢٧**قال الشيخ رحمه الله: قال الشاعر كلمة صادقةً، وليست أصدق الكلمات لكنها صادقة، قال: وإنما الأُ مم الأخلاقُ ما بقيـت فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا فهذه كلمة صادقة، لكن ما هي أصدق شيءٍ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كُلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل) وهذا صحيح، لكن قال بعد ذلك: ......................... وكل نعيم لا محالة زائلُ وهذا غلط، لأن نعيم الجنة لا يزول، أما نعيم الدنيا فيزول. شاعر عجز عن النحو فدعا على صاحبه: قال الشيخ رحمه الله: يقول الشاعر: لا بارك اللهُ في النحو ولا أهلِّهِّ إذ كان منسـوباً إلى نفطويه أحرقهُ الله بنصـفِّ اسـمه وجعل الباقي صياحاً عليـه والظاهرُ -والله أعلمُ - أن هذا عاجز عن النحو فدعا على صاحبه. ــــ(428)
عدد الصفحات ٤٢٨فصل: قصص وطرائف وفوائد ** قصص القرآن والسنة قصص القرآن أحسن القصص: قال الله عز وجل : ﴿ نحنُ نقصُّ عليك أحسن القصـص﴾ [3]شـيخ رحمه الله : و ذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى. قصص القرآن أصدق القصص: قال الله عز وجل: ﴿ ومن أصدقُ من الله حديثاً ﴾87] قال الشيخ رحمه الله: وذلك لتمام مطابقتها للواقع قصص القرآن أنفع القصص: قال سبحانه وتعالى﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأُ ولي الألباب ﴾ [يوسف111 ] قال الشيخ رحمه الله: وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق. من فوائد قصص القرآن حدوث الإيُان، وزيادته: قال الشيخ رحمه الله قال الله عز وجل طسم تلك آيات الكتاب المب نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون[1-3] الآيات الكريُات: أن هذه القصص سبب لحدوث الإيُان وكذلك سبب لزيادته أيضاً، أي سبب لمن لم يؤمن حتى يؤمن، ولمن آمن حتى يزداد إيُانه، ثباتاً وكميةً. والدليل على أنه ينتفع بها غير المؤمن قوله تعالى : لقد كان في قصصهم عبرة لأو الألباب [111]– أي عقل– فلا بُدَّ له أن يعتبر وينتفع. ــــ(429)
عدد الصفحات ٤٢٩الحكمة من تكرار قصّ القرآن في أكثر من سورة: قال الشيخ رحمه الله: الحكمة في ذلك أنه كلما تكررت القصة ازدادت العبرة بها، فالله عز وجل يقول: لقد كان في قصصهم عبرة لأُولى الباب [111 ] وهذا التكرار ليس تكراراً محضاً...بل إنك تجد في هذه القصة في موضع ما لا تجده في الموضع الآخر، إما باعتبار الكلمات زيادة ونقصاً، وإما باعتبار البلاغة، وقد اشتملت سُورة القمر مثلاً على العديد من القصص: قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وفرعون، فهذه خمس قصصٍ، إذن خمس قصص من قصص الأنبياء، لكنك لو قارنتها بقصة موسى في سورة الأعراف فإنها في سورة الأعراف أطول، ومع ذلك فإن تأثير القصص في صورة القمر تأثير عجيب بال ، قال الله تعالى: كذبت قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتص ر ففتحنا أبواب السماء بماء مُنهمر وفجرنا الأرض عُيوناً فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر [9-12] نوح سورة كاملة لا تجد قوة هذه الكلمات التي في هذه السورة، لأنه يخاطب قريشاً الذين كذبوا النبي علية الص لاة والسلام مع قيام الدلالة الواضحة لهم، وهي انشقاق القمر، فأتى بهذه العبارات العظيمة الوقع، فتبين أن التكرار ليس تكرارً محضاً، ولكن لا بد من بلاغةٍ، ولا بد من مراعاة للأحوال التي سيقت من أجلها هذه القصة. ــــ(430 ) القصص التي وردت في السنة من أصدقوأنفع وأحسن القصص:
عدد الصفحات ٤٣٠قال الشيخ رحمه الله : وغير قصص القرآن ما جاءت به السنة، فهو مثل القرآن من حيث الصدق، إذا صحَّ عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أحسن قصص الخلق، وأنفع قصص الخلق، فما قصه النبي عليه الصلاة والسلام، من أخبار بني إسرائيل، فهو حق وصدق، وفيه عبر ة، وفيه منفعة. القصص التي وردت في الكتاب والسنة، المقصود منها الفائدة، وأخذ العبرة: قال الشيخ رحمه الله: جميع القصص الواردة في القرآن وصحيح السنة ليس المقصود منها الخبر بل يقصد منها العبرة والعظة، مع ما تكسب النفس من الراحة والسرور. ــــ(431) ** القصص الأجنبية والخيالية
عدد الصفحات ٤٣١تجنب القصص الأجنبية والاستغناء عنها بقصص السلف الصا قال الشيخ رحمه الله: رأي في القصص الأجنبية على سبيل العموم أنه ينبغي لنا – إن لم أقل يجب علينا – أن نجتنبها، لأن فيما ذُكر من قصص سلف هذه الأُمة كفاية ودراية وهداية. أما ما يذكر من قصص الأجانب، فإن غالبها سُمّ، أو دسم أكثره سُم، وفيها من الشر والفساد، وتعلق القلب بهؤلاء الأجانب ما يوجب صرف الإنسان عن دينه وعن سلفه الصالح، فنصيحتي لكل إخواني...أن يتجنبوا مثل هذه القصص، وأن يستغنوا بقصص أسلافنا ذات المجد والعزة والكرامة والإيُان الصادق. القصص الخيالية: قال الشيخ رحمه الله: القصص الخيالية..إن كانت هادفة وفيها مصلحة كأن يصور حالةً من الأحوال تدعو إلى الأخلاق أو الآداب فهذا لا بأس به. وسئل رحمه الله: بعض الأدباء يؤلفون قصصاً ذات مغزى، وبأسلوب جذاب، مما يكون له الأثر في نفوس القُرَّ اء، ولكنها من نسج الخيال، فما حكم ذلك؟ فأجاب رحمه الله: لا بأس بذلك إذا كان يعالج مشكلات دينية، أو خلقية، أو اجتماعية، لأن ضرب الأمثال بقصص مفروضة غير واقعة لا بأس به...لكن إن حصل عند الإنسان علم من الكتاب والسنة، ثم يعرض آيات فيها معالجة مشكلات ويشرحها ويفسرها، ويضرب المثل عليها، فهو خير، وكذلك يذكر أحاديث فيفسرها، ويضرب المثل عليها، فهذا أحسن بلا شك. ــــ(432) ** قصص لا صحة لها
عدد الصفحات ٤٣٢