البركة في بعض الناس : قال الشيخ رحمه الله: قال أُسيدُ بن خضيرٍ: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر"، والبركة هنا أن ضياع عقدها صار سببًا لتفريج كربات الناس، ونزول آية ال تيمُّم، وصدق رضي الله عنه، فآل أبي بكر لهم بركات، ليس على النبي صلى الله عليه وسلم فقط؛ بل وعلى الأمة أيضًا، ولو لم يكن من بركات آل أبي بكر على الأمة إلا خلافة أبي بكر لكفى بها بركة، وحصل بها خير كثير، فقتال أهل الردَّة وعزة المسلمين، وتولية الفاروق رضي الله عنه، هذه كلها حسنات أبي بكر رضي الله عنه، وأنه وضع الحقَّ في نصابه تمامًا؛ ولهذا تُعدُّ خلافة عمر رضي الله عنه من مناقب أبي بكر رضي الله عنه، فبركتهم كثيرة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، قال: ((إنها لم تُل لأحد كان قبلي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تُل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها))، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: ((إلا الإذخر))؛ قال رحمه الله: البركة تكون في المخلوقات ولكن الذي جعلها فيها هو الله عز وجل قال الشيخ رحمه الله: من فوائد هذا الحديث: أن من الناس من يكون فيه بركة في تشريع الأحكام الشرعية، فمن بركات العباس رضي الله عنه، استثناء الإذخر الذي يُتاجه الناس في مكة للبيوت والقبور. وقال: وهناك شيء آخر يجعله الله عز وجل بدون قصد من الإنسان، وبدون فعل منه، فرُبمَّا يدخل رجل على أناس، وبدخوله عليهم يُصل لهم فرح وسرور وأُنس، وينسون كثيرًا من أحزانهم الماضية، وهذا واقع كثيرًا، وهو نوع من أنواع البركة. ــــ(337)
عدد الصفحات ٣٣٧وقال رحمه الله: من بركة الإنسان أن يكون سببًا لصالح أقاربه وقال رحمه الله: ومن بركة ا لإنسان أن يجعل اللهُ فيه خيرًا. بركة صلاح الآباء : قال الله عز وجل: ﴿ واكاانا أابُوهمُاا صاالحًِّا ﴾82] فكان من شكر الله عز وجل لهذا الأب الصالح أن يكون رؤوفًا بأبنائه، وهذا من بركة الصلاح في الآباء أن يُفظ الله الأبناء. الإنسان يسأل الله أن يجعله مباركًا: قال الشيخ رحمه الله: الإنسان ينبغي له دائمًا أن يسأل الله أن يجعله مُباركًا أينما كان، في قوله وفعله، حتى يكون فيه الخير في نفسه وفي فعله. من جعل الله على يديه بركة فليحمد الله ويشكره على ذلك : قال رحمه الله:الإنسان إذا رأى الله سبحانه وتعالى يجعل على يده الخير والبركة فهذه نعمة عظيمة ينبغي أن يُمد الله عليها بل يجب أن يُمد الله عليها ويشكر عليها الله جل جلاله كثيرُ الخيرات والبركات، وبركاته لا حدَّ ولا نهاية لها: قـال الشـيخ رحمـه الله: الله تعـالى إذا أنـزل البركـة في شـيء سـدَّ مـا يسـده غـيره بأضــعاف مضــاعفة، وإذا نُزعــت البركــةُ مــن شــيء، فمــا أســرع مــا يــزول ، ولا ينتفــع بــه الإنســان، وقال رحمه الله: إذا أنزل اللهُ البركـة لشـخص فيمـا أعطـاه، صـار القليـلُ منـه كثـيرًا، وإذا نُزعت البركة صار الكثـيرُ قلـيلاً ، وكـم مـن إنسـان يجعـل الله علـى يديـه مـن الخـير في أيام قليلة ما لا يجعـل علـى يـد غـيره في أيام كثـيرة ، وكـم مـن إنسـان يكـون المـال عنـده قلـيلاً لكنـــه مُتـــنعِّّم في بيتـــه، قـــد بارك الله في مالـــه، وأحيـــاناً تُُـــسُّ بأن الله بارك لـــك في هـــذا الشيء، بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلة. ــــ(338)
عدد الصفحات ٣٣٨فصل: الاستخارة والاستشارة **الاستخارة قال ال شيخ رحمه الله: الاستخارة: طلب خير الأمرين، والإنسان في أفعاله إما أن يتبينَّ له خير الأمرين فيفعله، ولا يُتاج إلى استخارة، وإما أن يتردَّد ويُشكل عليه الأمر، فحينئذٍ يُتاج إلى استخاره؛ لأنه لا يدري ما خير الأمرين؟ وإنما العالم بذلك هو الله سبحانه وتعالى؛ لكن كيف نعلم أي الأمرين خير؟ الجواب: نعلم ذلك بأمور: الأمر الأول: أن ينشرح صدره لأحد الأمرين، فيأخذ بما انشرح له صدرُه. الأمر الثاني: أن يرى رؤيا تُؤيِّّد أحد الأمرين. الأمر الثالث: أن يُشير عليه أحد من أهل النُّصْح بأحد الأمرين، فنعلم أن الله تعالى استخار له ذلك. الأمر الرابع: أن يتفاءل بأن يسمع شيئًا يُؤيِّّد أحد الأمرين، فهنا يأخذ به. الأمر الخامس: أن يُفتح عليه التفكُّر والتأمُّل، فيتأمَّل من وقع له مثل هذا، فأقدم على هذا فغنم، أو أقبل على الثاني فندم، فيأخذ بما فيه الغنم من باب الاعتبار. فكلُّ هذه الأسباب تُرجح للمستخير أحد الأمرين، فإن لم يوجد مُرجِّّح، فإنه يُعيد الاستخارة مرةً ثانية حتى يتبينَّ له الأمر، وهذا لا يضرُّه؛ لأنه إذا أعادها فإ نما يزداد عملاً صالحًا ودعاءً -والدعاء من العبادة-وافتقارًا إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال أهل العلم: إذا استسقى الناس فسُقوا فقد حصل المطلوب، وإن لم يسقوا أعادوا الاستسقاء مرةً ومرةً ومرةً إلى أن يسقوا، فكذلك الاستخارة نقول فيها كذلك. ــــ(339)
عدد الصفحات ٣٣٩**الاستشارة وجوب المشاورة إذا لم يتبينَّ للإنسان وجه الصواب: قال الشيخ رحمه الله: قال الله عز وجل: ﴿ واشااوِّرْهُمْ فيِّ الأْامْرِّ ﴾ 159] فلا حاجة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان دائمًا يُشي لوجهه ولا يشاور؛ لكن إذا اختلف وجه الصواب عند الإنسان وأشكل عليه فحينئذٍ تجب المشاورة في الأمور العامة المشتركة، فيُشاور من شاركه في هذا الأمر، ولا تجب المشاورة في الأمور الخاصة. مشروعية الاستشارة وإن كان الإنسان ذا عقلٍ ومشورة: عن أنس رضي الله عنه أن النبي أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين قال:وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبدالرحمن بن عوف: أخوف الحدود ثمانون، فأمر به عمر قال الشيخ رحمه الله: من فوائد هذا الحديث: مشروعية الاستشارة، حتى وإن كان الإنسان ذا عقلٍ ومشورة فليستشر. شاور سـواك إذا نابتـك نائبة *** يومًا وإن كنت من أهل المشوراتِّ فلا تقل: أنا عندي ذكاء، وعندي فكر، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، وإذا كان عمر رضي الله عنه، وهو من هو، يستشير الصحابة، فمن دونه من باب أولى. وقال رحمه الله: وعمر على سداد رأيه، ورجاحة عقله، كان لا يستغني عن المشاورة، فجاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدَّقت بها)). ــــ(340)
عدد الصفحات ٣٤٠الاستشارة في الأمور التي تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيها قال الشيخ رحمه الله: لا تستشر إلا في أمورٍ تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيها، فالإنسان يستشير في أموره الخاصة، ويستشير في الأمور العامة. من بركة المشاورة أن يوفق الإنسان للصواب والحق: قال الشيخ رحمه الله: لما سمِّع عمر رضي الله عنه بخبر الوباء استشار الصحابة - كعادته رضي الله عنه - هل يرجع أو يقدم؟ فأشار بعضهم بالرجوع، وأشار بعضهم بعدم الرجوع، ثم عزم على الرحيل، بناء على ترجيح أكثر الصحابة رضي الله عنهم، وفي أثناء ذلك جاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه - وكان في حاجة له - فحدَّثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سمِّعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرج وا فرارًا منه))، فانظر كيف كانت بركة المشورة؛ أن وُفِّّقُوا للصواب والحق. وقال رحمه الله: لا شك أن الاستشارة استنارة في الواقع؛ لأن الإنسان بشر، يخفى عليه كثير من الأمور، فإذا اجتمعت الآراء ونوقشت بعلم وعدل - لا هوى - فإن الله عز وجل يوفقهم للصواب. ذكر الأمر الذي تطلب الشورى فيه على حقيقته: قال الشيخ رحمه الله: ينبغي للمستشير أن يذكر الأمر على ما هو عليه حقيقة، لا يلوذ يُينًا وشمالاً؛ بل يذكر الأمر حق ا على ما هو عليه حتى يتبينَّ للمستشار حقيقة الأمر، ويبني مشورته على هذه الحقيقة. ــــ(341)
عدد الصفحات ٣٤١صفات من يُستشار: قال الشيخ رحمه الله: يجب أن يكون رجال الشورى من أهل الخير والصلاح؛ لقول عمر رضي الله عنه: "الذين تُوفي عنهم رسول الله وهو راضٍ عنهم". وقال رحمه الله: لا بد فيمن تستشيره، أن يكون ذا رأي وخبرة في الأمور، وتأنٍّ وتجربة وعدم تسرُّع. فمن ليس له رأي لا تستفيد منه، وكثير من الناس إذا استشرته في شيء لا يعطيك رد ا؛ بل ربما يقول لك كل ما تختاره فهو جيد، ويقول العامة: "إذا أردت أن تُيره فخيرِّّه" والقصد من الاستشارة أخذ الرأي؛ لا أن يخيرك أنت. وأن يكون صالحًا في دينه؛ لأن من ليس بصالح في دينه ليس بأمين، حتى وإن كان ذكي ا وعاقلاً ومحنَّكًا في الأمور، إذا لم يكن صالحًا في دينه فلا خير فيه، وليس أهلاً لأن يكون من أهل المشورة؛ فلا تستشر إلا إنساناً أمينًا، يُُبُّ لك ما يُبُّ لنفسه، فغير الأمين قد يُودي بك ويضرُّك. مشروعية استشارة الرجل في طلاق الزوجة: عن لقيط بن صبرة رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، إني لي امرأة، فذكر من بذائها، قال: ((طلقها))، قُلتُ: إن لها صُحبةً وولدًا، قال: ((مرها أو قُل لها، فإن يكُن فيها خير ستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربتك أمتك وأحمد قال الشيخ رحمه الله: فوائد الحديث: مشرو عية استشارة الرجل للنُّصح، والرأي في طلاق الزوجة؛ لأن هذا الصحابي استشار النبي صلى الله عليه وسلم في حال امرأته الذي حصل منها البذاء. ــــ(342)
عدد الصفحات ٣٤٢على المُستشار أن يتقي الله، وأن يُشير بما يرى أنه حق ونافع قال الشيخ رحمه الله: يجب على المستشار أن يتقي الله عز وجل فيما أشار فيه، وألاَّ تأخذه العاطفة في مراعاة المستشير؛ لأن بعض الناس إذا استشار الشخص، ورأى أنه يُيل إلى أحد الأمرين أو الرأيين ذهب يُشير عليه به. ويقول: أنا أحبُّ أن أوافق الذي يرى أنه يناسبه، وهذا خطأ عظيم؛ بل خيانة، الواجب إذا استشارك أن تقول له: ما ترى أنه حق، وأنه نافع، سواء أرضاه أم لم يرضه، وأنت إذا فعلت هذا كنت ناصحًا، وأدَّيت ما عليك، ثم إن أخذ به، ورأى أنه صواب فذاك، وإن لم يأخذ برأيك فقد برئت ذِّمَّتُك، مع أنك ربما تستنتج شيئًا خطأ؛ قد تستنتج أنه يريد كذا وهو لا يريده، فتكون خسراناً من وجه ين: من جهة الفهم السَّيِّّئ، ومن جهة القصد السَّيِّّئ. وقال رحمه الله: الإشارة عند المشاورة إلى ما يكون أحسن، وهذا واجب، فكل من استشارك في أمرٍ، فإنه يجب عليك أن تنظر ما هو الأصلح في حاله، وقد تُشير على شخص بشيء، وتشير على آخر بخلافه، والمقصود أنه في المشور ة يجب على الإنسان الذي استُشير أن ينظر إلى حال من استشاره، ما الذي يصلح له؟ ــــ(343)
عدد الصفحات ٣٤٣مناقشة من تستش قال الشيخ رحمه الله: وإذا استشرته، فهل تستسلم لما يقول أو تناقشه؟ الجواب: بل تناقشه حتى يستبين الأمر؛ لأنه قد يشير عليك بما يرى أنه المصلحة؛ لكنه لا يدري ما وراء ذلك مما هو عندك أنت، فلا حرج أن تناقشه، وقد يغضب بعض الناس أن تستشيره ثم تجادله، فقل له: أنا ما جادلتك اعتراضًا؛ لكني جادلتك حتى يتبين الأمر ويُصحص الحق؛ لأن الإنسان قد يبدو له شيء وتغيب عنه موانعه، فإذا وجد من يعارضه تبينَّ تمامًا. فوائد استشارة الإنسان لأهله: قال رحمه الله: لو أقدمت على عمل، فينبغي أن تستشير أهلك لأُمور ثلاثة: أولاً: أنَّك إذا استشرت أهلك رفعت من معنوياَّتهم، وتواضعت لهم، وهذه فائدة عظيمة، وعرف أهلُك أنَّ لهم قيمةً عندك وقدرًا. ثانيًا: رُبما يكُون لديهم رأي خير من رأيك، فكثير ما يكون القاصر عنده من العلم ما ليس عند الكامل؛ لأن الإنسان لا يُكن أن يكمل من كُلِّّ وجهٍ، والقاصرُ لا يُكن أن يكون قاصرًا من كلِّّ وجهٍ، فقد يكون عند أهلك من الرأي ما ليس عندك، ويكون رأيُهم هو الصواب. ثالثًا: في مشاورة الأهل في الأمر الذي يُهمُّك ويُهِّ مهم أن تقنعهم إذا كان رأيك هو الصواب، من أجل أن يستقرُّوا ويطمئنوا ويقبلوا العمل الذي تقوم به وإياهم باِّنشراح صدر. ــــ(344)
عدد الصفحات ٣٤٤فصلالعقل والذكاء **العقل فضيلة العقل والثناء عليه: قال الله جل وعلا: ﴿ واإِّذاا لاقُوا الَّذِّينا آمانُوا قاالُوا آمانَّا واإِّذا ا خالاا بـاعْضُهُمْ إِّلىا بـاعْضٍ قاالُوا أاتُُادِّّثُونهاُمْ بمِّاا فـاتاحا اللََُّّ عالايْكُمْ لِّيُحااجُّوكُمْ بِّهِّ عِّنْدا رابِّّكُمْ أافالاا تـاعْقِّلُونا ﴾ 76] ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ يـُؤْتيِّ الحِّْكْماةا مانْ ياشااءُ وامانْ يـُؤْتا الحِّْكْماةا فـاقادْ أُوتيِّا خايرًْا كاثِّيرًا واماا ياذَّكَّرُ إِّلاَّ أُولُو الأْالْباابِّ ﴾269] الآية: فضيلة العقل؛ لقوله تعالى: ﴿ واماا ياذَّكَّرُ إِّلاَّ أُولُو الأْالْباابِّ ﴾؛ لأن التذكر بلا شك يُُماد عليه الإنسان، فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل، دلَّ ذلك على فضيلة العقل، وقال رحمه الله: العقل لا يُمل صاحبه إلا على السداد والصواب؛ قال الله عز وجل: ﴿ والاقادْ تـاراكْناا مِّنـْهاا آياةً بـايِّّناةً لِّقاوْمٍ يـاعْقِّلُونا ﴾35] قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية الكريُة: فائدة العقل، فإذا أُوتي الإنسان عقلاً، فإن هذا من نعمة الله عليه. ــــ(345)
عدد الصفحات ٣٤٥الحثُّ على التعقل وقال الله جل وعلا: ﴿ وامانْ نـُعامِّّرْهُ نـُناكِّّسْ هُ فيِّ الخْالْقِّ أافالاا يـاعْقِّلُونا ﴾68] قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية الكريُة: الحث على التعقل والتفكر، وحسن التصرف؛ حتى يكون الإنسان من العقلاء. مكان العقل: قال الشيخ رحمه الله: القلب هو هذا الجزء المستقر في الصدر؛ لقول الله تعالى: ﴿ فاإِّنهَّا ا لاا تـاعْماى الأْابْصاارُ والاكِّنْ تـاعْماى الْقُلُوبُ الَّتيِّ فيِّ الصُّدُورِّ ﴾46] وبهذا القلب يكون العقل؛ لقوله تعالى: ﴿ أافـالامْ ياسِّيرُوا فيِّ الأْارْضِّ فـاتاكُونا لهاُمْ قـُلُوبٌ يـاعْقِّلُونا بهِّاا ﴾46]ن العقل في القلب وليس في الدماغ، والعلماء اختلفوا قديًُا وحديثًا، هل العقل في الدماغ، أو العقل في القلب؟ والذي دلَّ عليه القرآن أنه في القلب، والقرآن كلام الخالق، والخالق عز وجل أعلم بما خلق، فالعقل بالقلب، لكن عقل القلب هو عقل التصرف والتدبير، ليس عقل الإدراك والتصور، فإن عقل الإدراك والتصور يكون في المخ، فالمخ يتصور ويعقِّل، وهو بمنزلة المترجم للقلب يشرح ما يريد رفعه إلى القلب، ثم يرفعه إلى القلب، ثم يصدر القلب الأوامر، والذي يبل الأوامر الدماغ، ولهذا تنشط العضلات كلها بنشاط الدماغ، فصارت المسألة سلسة، وا لذي يتصور ويدرك، وفيه عقل الإدراك هو الدماغ، وأما عقل التصرف والتدبير والرشاد والفساد، فهو عقل القلب. وحينئذ يزول الإشكال، وتجتمع الأدلة الحسية والشرعية، فالعقل الإدراكي محله هو الدماغ، والعقل التصرفي الإرشادي الذي به الرشاد والفساد، هو القلب. ــــ(346 ) العقل غزيرة ومكتسب
عدد الصفحات ٣٤٦قال الشيخ رحمه الله: العقل غزيرة يخلقه الله عز وجل في الإنسان، ولكن مع ذلك يكون بالاكتساب، وكم من إنسان ترقَّى في العقل، حتى وصل إلى درجة لا يبلغها أقرانه بسبب ممارسته وتنمية عقله. تمام العقل: قال الشيخ رحمه الله: تمام العقل عند تمام الأربعين: ﴿ والامَّا بـالا ا أاشُدَّهُ وااسْتـاواى ﴾ [14] ينضج النُّضج الكامل العقل: عقلان: قال الشيخ رحمه الله: العقل عقلان: عقل إدراك، وعقل تصرف، فعقل الإدراك هو الذي يترتب عليه التكليف، ويكون في المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وأما عقل التصرف، فهو ما يُصل به الرشد، وهو حُسن التصرف في أفعال الإنسان وأقواله، وهذا خاص بمن آتاه الله الحكمة؛ كما قال تعالى: ﴿ يـُؤْتيِّ الحِّْكْماةا مانْ ياشااءُ وامانْ يـُؤْتا الحِّْكْماةا فـاقادْ أُوتيِّا خايرًْا كاثِّ يرًا واماا ياذَّكَّرُ إِّلاَّ أُولُو الأْالْباابِّ ﴾269] وقال رحمه الله: عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه، يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل، مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل. ــــ(347) لا ينتفع بالقرآن الكريم إلا أصحاب العقول
عدد الصفحات ٣٤٧قال الله عز وجل ﴿ واماا ياذَّكَّرُ إِّلاَّ أُولُو الأْالْباابِّ ﴾ [7] رحمه الله: أي: لا يتعظ وينتفع بالقرآن إلا أولو الألباب؛ أي: إلا أصحاب العقول، فلا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول؛ لقوله: ﴿ واماا ياذَّكَّرُ إِّلاَّ أُولُو الأْالْباابِّ ﴾، وكلما ازداد الإنسان عقلاً، ازداد تذكرًا بكلام الله عز وجل، وكلما نقص تذكُّره بالقرآن، دلَّ على نقص عقله؛ لأنه إذا كان الله حصر التذكر بأولي الألباب، فإنه يقتضي انتفاء هذا التذكر عمَّن ليس عنده لُبٌّ. من خصال الإنسان العاقل: اتباع ما جاءت به الرسل: قال الشيخ رحمه الله:المخالفين للرسل سفهاء لقوله تعالىومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه [130] ألا إنهم هم السفهاء [رة13] سيقول السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم ال كانوا عليها [142] والسياسة هم في الحقيقة سفهاء لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط من حملة القرآن الكريم العاملين به: عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قدم عيينة بن حفن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحُرِّّ بن قيس وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القرء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً، قال الشيخ رحمه الله: كان أصحاب مجالس عمر هم القُرَّاء؛ أي: حملة القرآن؛ لأنهم هم أصحاب العقل وأصحاب الهداية. ــــ(348) يُكثرُ من ذكر الله عز وجل
عدد الصفحات ٣٤٨قال الشيخ رحمه الله: الإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يذكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آية تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى، وعلى حكمته. يستخدم القياس: قال الشيخ رحمه الله: العاقل يقيس الغائب على الشاهد، والمستقبل على الحاضر، ويتبينَّ له الأمر. مُطيع لله عز وجل: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِّينا ياسْتامِّعُونا الْقاوْلا فـايـاتَّبِّعُونا أاحْساناهُ أُولائِّكا الَّذِّينا هادااهُمُ اللََُّّ واأُولائِّكا هُمْ أُولُو الأْالْباابِّ ﴾ [18] الناس أطوعُهم لله تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿ واأُولائِّكا هُمْ أُولُو الأْالْباابِّ ﴾. ينظر إلى نتائج عمله قبل الإقدام عليه: قال الشيخ رحمه الله: ينبغي للإنسان أن يكون عاقلاً، ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه، ولا يتكلم إلا وينظر ما النتيجة من الكلام، ولا يفعل إلا وينظر ما النتيجة من الفعل، وقال رحمه: العاقل لا يتصرف إلا بما يراه مفيدًا وحكمةً. يعتني دائمًا بقلبه: قال الشيخ رحمه الله: العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظر إلى قلبه ومرضه وصحَّته وسلامته وعطابِّه، فمرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد، وقال رحمه الله: الذي ينبغي للعاقل أن يهتم بتنعيم قلبه، ونعيم القلب الإنسان بالفطرة، وهي التزام دين الله عز وجل. ــــ(349) لا يستمع إلى النمام ويُذار منه
عدد الصفحات ٣٤٩قال الشيخ رحمه الله: العاقل إذا نقل إليه أحد شيئًا عن شخص، فإنه يستحضر آية من القرآن وتكفيه، وهي قوله عز وجل: ﴿ والاا تُطِّعْ كُلَّ حالاَّفٍ ماهِّينٍ * هماَّازٍ ماشَّاءٍ بِّنامِّيمٍ ﴾10،11.] يتأنى ولا يستعجل قال الشيخ رحمه الله: كون الإنسان يتأنى ولا يرُدُّ الشيء إلا بعد أن يتبينَّ ف يه الخطأ، لا شكَّ أن هذا من العقل ومن الشرع. يصبر على ما يصيبه: قال الشيخ رحمه الله: قال بعض السلف: العاقلُ يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم. وقال رحمه الله: الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفنَّه أولئك القوم الذين لا يؤمنون بما وعد الله به الصابرين، ولا يهمه كلام الناس حتى يُقِّّق الله له ما وعده. وقال رحمه الله: لا ينبغي للإنسان أن يكثر الشكاية، بل يصبر ويُتسب، ولا يكون كالمرأة، كلما جاءه شيء جاء يشكو هذا غلط فالإنسان العاقل الحازم يتصبرَّ. يتجنب القهقهة: قال الشيخ رحمه الله: الضحك ثلاثة أنواع: ابتدائي ووسط وانتهائي، الابتدائي التبسم، والوسط الضحك، والمنتهى القهقهة، والقهقهة لا تليق بالإنسان العاقل الرزين، والتبسم هو أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والضحك يكون من الأنبياء أحياناً. ــــ(350) من لم ينتفع بعقله فوجوده كعدمه
عدد الصفحات ٣٥٠قال الشيخ رحمه الله: الله تعالى قد ينفي الشيء لانتفاء ثمرته وفائدته، وهذا واقع الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى في آيات كثيرة: وأكثرهم لا يعقلون، وهم عندهم علم، وعندهم عقل، ولكن لما لم ينتفعوا به، صار وجوده كعدمه. من قدم العقل على السمع فهو مشابه لإبليس متبع لخطواته: قال الشيخ رحمه الله: من قدم العقل على السمع، فإنما هو متبع لخطوات الشيطان؛ لأن الشيطان قدَّم ما يدعي أنه عقل على السمع، فأخطأ في ذلك، فهكذا كل من قدم العقل على السمع، سواء في العلميات - وهي علم العقائد - أو في العمليات، فإنه مشابه لإبليس، متبع لخطواته. لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال ولا ينبغي الاعتماد عليه وإهمال النص: قال الشيخ رحمه الله: لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص، فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط، طرف غلا فيه حتى قدَّمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء من أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص، وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون على العقل ويداعون السمع، مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات، لكنهم ينظرون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلى السمع، ومن ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، كل من نفي صفة أثبتها الله لنفسه بشبهة عقلية، فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل. ــــ(351)
عدد الصفحات ٣٥١الطرف الثاني: من أنكر الاعتماد على العقللكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم، أو أي خبر، فأنكروا القياس، وهذا مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائي ا، وقالوا: لا يُكن أن نرجع للعقل في شيء. ومن الناس من هم وسط: رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع، فإن الله تعالى يُُيل عليه في مسائل كثيرة؛ مثل : ﴿ أاتأاْمُرُونا النَّاسا باِّلْبرِِّّّ واتـانْساوْنا أانـْفُساكُمْ واأانـْتُمْ تـاتـْلُونا الْكِّتاابا أافالاا تـاعْقِّلُونا ﴾ [44]واماا أُنْزِّلاتِّ التـَّوْرااةُ واالإِّْنجِّْيلُ إِّلاَّ مِّنْ بـاعْدِّهِّ أافالاا تـاعْقِّلُ ونا ﴾65] بعد موتها، استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به على نظيره الذي لا يخالفه تمامًا، وقال رحمه الله: وأما المعتزلة، فهم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله من أعظم الناس كلامًا وجدلاً؛ لأنهم دائمًا يرجعون إلى العقل، ولا يعبؤون بالنصوص إطلاقًا، حتى فيما لا تدركه العقول يُكِّّمون العقل، والقاعدة عندهم في الصفات يقولون: إن ما أثبته العقل فهو ثابت، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة، أو لم يكن موجودًا، وما نفاه العقل فهو منفي، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة، أم لا، وهم يجادلون في هذا جدالاً عظيمًا. العقل السليم والعقل الفاسد: قال رحمه الله: العقل السليم الذي ليس فيه شبهات وليس فيه شهوات، وأما العقل الذي استولت عليه الشُّبهات أو الشهوات، فهذا عقل فاسد لا يُكم بشيء. وقال رحمه الله: العقل الصريح هو الذي ليس فيه شبة، ولا عنده إرادة سيئة، يعني أنه عقل مبني على علمٍ وعلى إرادة حسنة. ــــ(352)
عدد الصفحات ٣٥٢