المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

درر من مصنفات العلامة ابن عثيمين

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

صفحة ٢١ من ٤٠

قال الشيخ رحمه الله: من بركته أنه يهدي للتي هي أقوم؛ أي: الخصلة التي هي أقوم، وهذه تعتبر قاعدة فيما يهدي القرآن إليه، وقد ألقى فيها الش يخ محمد الأمين الشنقيطي رحمةُ الله عليه، محاضرةً كاملةً، وشرحها شرحًا وافيًا، فمن أراد الاطِّّلاع عليها، فهي منشورة. ومنها: رفعة منزلة مانْ يتلوه: قال الشيخ رحمه الله: من بركات القرآن ما رُتِّّب عليه من الثواب في المنزلة، لا في كثرة الأجر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقٌّ، له أجران)). ومنها أنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه: قال الشيخ رحمه الله: من بركات القرآن أنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، وما أحوج الإنسان للشفع اء! لأن الإنسان محل قصور، فيحتاج إلى من يشفع له عند الله سبحانه وتعالى. ومنها: زيادة الإيُان والمعرفة بالله عز وجل عند تلاوته وتدبُّره: قال عز وجل: ﴿ إِّنمَّاا الْمُؤْمِّنُونا الَّذِّينا إِّذاا ذُكِّرا اللََُّّ واجِّلاتْ قـُلُوبهُُمْ واإِّذاا تُلِّياتْ عالايْهِّمْ آياا تُهُ زااداتهُْمْ إِّيُااناً ﴾2.] قال الشيخ رحمه الله: بركة القرآن: ما يُصل فيه من التأثير في القلب لزيادة الإيُان ومعرفة الله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه. ــــ(321) ومنها: البركة في العمر

عدد الصفحات ٣٢١

قال الشيخ رحمه الله: انظر إلى أعمار من سبقنا من سلف في هذه الأمة، كيف يُصلون على الخير الكثير العظيم؟! ونتعجَّب كيف يكتبون هذا الشيء؟! وكيف يعملون هذا الشيء؟! فضلاً عن الإعداد له، وما يسبقه من تهيئة أبدانهم وقلوبهم وأفكارهم، كل هذا ببركة هذا القرآن العظيم. ومنها تليين القلب وإكسابه خشية الله: قال الشيخ رحمه الله: القرآن الكريم مُبارك في تأثيره؛ يعني: أنه يُؤثر على القلب، ويُلينُ القلب، ويُكسبه خشية الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ لاوْ أانـْزالْناا هاذاا الْقُرْآنا عالاى جابالٍ لاراأايـْتاهُ خااشِّعًا مُتاصادِّّعًا مِّنْ خاشْياةِّ اللََِّّّ ﴾شر: 21] سبحان الله! فهذا وهو جبل حصى يكون خاشعًا ذليلاً، ويتصدَّع من خشية الله عز وجل، فما بالكم بالقلب؟ لو كان القلب حي ا يكون من باب أولى؛ ولهذا قال ابن عبدالقوي رحمه الله: وحافظ على درس القُراانِّ فإنه *** يُلينُِّّ قلبًا قاسيًا مثل جلمـد وقال رحمه الله: القرآن مبارك في أثره بما يُصل به من صلاح القلوب، وإقبال العبد على ربه، وتليين القلب بذكر الله. ــــ(322) بركة الإسلام ورسالة النبي عليه الصلاة والسلام :

عدد الصفحات ٣٢٢

قال الشيخ رحمه الله: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، أعظم الرسالات بركةً وأعمها وأشملها، وملايين الملايين من البشر كلهم انتفعوا بها، وبركاتها كثيرة معروفة لمن تتبع التاريخ. وقال رحمه الله: الله تعالى بارك في دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام بركةً لا نظير لها؛ ولذلك كان أتباعه يُثِّّلون ثلثي أهل الجنة، وهو رسول واحد، والرسل عددهم كثير، ولا شك أن هذا من بركة دعوته؛ ولذلك وصلت إلى مشارق الأرض ومغاربها، ومن بركة دعوته ما يُصل لتابعه من الطمأنينة، والاستقرار، والسعادة، والثبات وغير ذلك. وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنتُ أتُنَّث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقةٍ، وصلة ر حم، فهل فيها من أجرٍ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أسلمت على ما سلف من خير))؛ قال رحمه الله: إذا أسلم الكافر فأعماله السيئة يُحوها الإسلام كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ لِّلَّذِّينا كافارُوا إِّنْ يـانـْتـاهُوا يـُغْفارْ لهاُمْ ماا قادْ سالافا ﴾لأنفال: 38] أعماله الصالحة المتعدية من صدقة أو عنق أو صلة رحم، فإنها تُكتب له، ولا تضيع، لقوله: ((أسلمت على ما سلف من خير))، وفي لفظ: ((على ما أسلفت لك من الخير))، وهذا مقتضى قوله تبارك وتعالى: ((إن رحمتي سبقت غضبي))، ولولا هذا لكان الكافر إذا أسلم يُ ؤاخذ على عمله السَّيئ إلا أنه لا يخلد في النار ولا يُُاسب على عمله الصالح؛ لكن الرحمة سبقت الغضب، وهذه نعمة، والإسلام كله بركة. ــــ(323) بركة شهر رمضان :

عدد الصفحات ٣٢٣

قال الشيخ رحمه الله: في شهر رمضان الكثير من البركات، وبركات هذا الشهر الكر منها ما هو سابق، ومنها م ا هو لاحق، ولنستعرض البركات التي جاءت في هذا الشهر اللاحقة والسابقة: • بركات شهر رمضان السابقة: أولاً: نُزولُ القرآن الكريم: قال الله تعالى: ﴿ شاهْرُ راماضاانا الَّذِّي أُنْزِّلا فِّيهِّ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِّ وابـايِّّنااتٍ مِّنا الهُْداى واالْفُرْقاانِّ ﴾لبقرة:185] والاقادْ آتـايـْنااكا سابـْعًا مِّنا الْماثاانيِّ واالْقُرْآنا الْعاظِّيم ﴾87] القرآن، وتمسَّك به، فإنه غالبٌ لا مغلوب، والعاقبة له بكل حالٍ؛ فسلفنا الصا الذين تمسَّكوا بهذا الكتاب، وطبَّقوه تطبيقًا حقيقي ا، سادوا به العالم، وفتحوا الممالك وكسروا قيصر، وأنفقوا أموالهم من الذهب الأحمر، والفضة البيضاء في سبيل الله عز وجل، فالقرآن الكريم نزل تبياناً لكلِّّ شيءٍ، وهو حبل الله المتين، مان تمسَّك به نجا، ومن أطلقه هلك. ثانيًا: نصر المسلمين في غزوة بدر: نصر المسلمين في غزوة بدر، ونصر موسى على فرعون، هو انتصار للمؤمنين في أي زمان ومكان. ثالثًا: فتح مكة: فتحُ مكة كان نعمةً من الله عز وجل على هذه الأُمَّة إلى يوم القيامة، وكانت مكة بلادا كُفْرٍ، وظهرت فيها عبادةُ الأوثان، والإشراك بالرحمن. ــــ(324 ) • بركات شهر رمضان اللاحقة

عدد الصفحات ٣٢٤

ليلة القدر ليلة القدر فيها خيرٌ ، وبركة سابقًا ولاحقًا، منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى اليوم، قال تعالى : ﴿ لايـْلاةُ الْقادْرِّ خايرٌْ مِّنْ أالْفِّ شاهْرٍ ﴾[القدر3] وقال عز وجل: ﴿ تـانـازَّلُ الْمالاائِّكاةُ واالرُّوحُ فِّيهاا ﴾:4]، أي : تتنـازَّ لُ من السماء بأمر الله عز وجل، والرُّوح هو جبريل....والموطن الذي تتنزل فيه الملائكة وتُلُّ فيه موطنُ خيرٍ ، وبركة ، كما أن الحال الذي يكون فيه ما يُنع د خول الملائكة يكون ناقصا البركة ، فكلُّ بيتٍ فيه صورة لا تدخُله الملائكة، بأمر الله عز وجل، وإذا لم تدخله الملائكة، نقاصت بركتُه. تُصفَّدُ فيه الشياطين: تُصافَّدُ فيه الشياطين؛ أي: تـُغالُّ ، فالشياطين هم أعدى عدوٍّ للإنسان، ﴿ إِّنَّ الشَّيْطاانا لاكُمْ عادُوٌّ فااتخَِّّذُوهُ عادُو ا ﴾6.] فتح أبواب الجنة: في شهر رمضان تُفتاح أبوابُ الجنة، وتُغلَّق فيه أبوابُ النار، ويُقال: ((يا باغيا الخيرِّ أاقْبِّلْ، ويا باغيا الشَّرِّّ أقْصِّرْ))، وهذا من الترغيب في الخير، فالمؤمن إذا علِّم أن أبواب الجنة تُفتاحُ ازداد رغبةً في الأعمال التي تُدخِّله في هذه الأبواب، وأبواب الج نة ثمانية، لكل نوع من أنواع الطاعة بابٌ، فللصلاة باب، وللصيام باب، وللصَّداقة باب، وللجهاد باب، ولكل نوع من أنواع الخيرات التي يعلمها الله عز وجل باب. ــــ(325)

عدد الصفحات ٣٢٥

من البركات في هذا الشهر أن الله تعالى يُزيِّّنُ جنَّته كلَّ ليلة لمن أراد أن يدخلها، وذلك بالقيام بطاعة الله، ومن أسباب ذلك، صيام رمضان؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مانْ صاما رمضانا إيُاناً واحتساباً ، غُفِّر له ما تقدَّم من ذنبه)). بركة المدينة النبوية : قال الشيخ رحمه الله: دعا الرسول عليه الصلاة والسلام للمدينة بالبركة، وأن يجعل مع البركة بركتين ، وهذا شيء مُشاهد حتى الآن، فالذين يسكنون المدينة يقولون: إنا نحُسُّ بأن في طعامنا وشرابنا بركةً لا نُدركها في البلاد الأخرى. وقال الشيخ رحمه الله: نجد الطعام في المدينة يكون دائمًا متوفِّّرًا ومباركًا في زرعه وجنيه. بركة التهاني والتحيات الإسلامية : قال ا لشيخ رحمه الله: التهاني والتحيات الإسلامية تجدها خيرًا وبركة؛ مثلاً: من التحيات التي ليست إسلامية بحتة، أن يقتصر الإنسان على قوله: "مرحبًا، أهلاً"؛ يعني: حللت مكاناً واسعًا، فالفائدة فيها الإكرام فقط؛ لكن "السلام عليكم" تُية دعاء، كذلك "بالرِّّفاء والبنين"، فهي وإن كانت تتضمَّن دعاءً، فهو دعاء في أمر دنيوي؛ لكن "بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير" تشمل الدعاء للدنيا والآخرة؛ الأمر الدنيوي والديني، فأنت إذا تأملت ما يُصل من السنن التي جاء بها الرسول عليه الصلاة والسلام في مثل هذه المناسبات وجدت أنها خير، ودعاء، وبركة، وصلاح. ــــ(326)

عدد الصفحات ٣٢٦

بركة الزمان : قال الشيخ رحمه الله: الله قد يُبارك في الزمن للإنسان، حتى يقضي في اليوم ما لا يقضيه غيره في أيام، وهذا شيء مُشاهد، وإذا رأينا ما كتبه العلماء السابقون رحمهم الله في العلم وما عملوا من التدريس والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، علمنا أنه لولا أن الله بارك لهم في أزمانهم ما عملوا هذا العمل الكثير العظيم. وقال رحمه الله: الإنسان إذا وفَّقه الله لكثرة الذكر بارك الله له في وقته، وبارك في عمله، وهذا شيء نسمع عنه، والعلماء السابقون تجد الواحد منهم يكت ب الكراسات الكثيرة في المدة القليلة، مع أعماله وأحواله، وضيق المعيشة، وعدم الإنارة في الليل. وقال رحمه الله: إذا قيل: ما السبيل الذي يجعل أوقاتنا مباركة؟ قلنا: ذكر الله، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿ والاا تُطِّعْ مانْ أاغْفالْناا قـالْباهُ عانْ ذِّكْرِّناا وااتـَّ باعا هاوااهُ واكاانا أامْرُهُ فـُرُطًا ﴾28] البركة من عمره، والعياذ بالله؛ لكنه إذا كان دائمًا متعلقًا بربِّّه سبحانه وتعالى، دائمًا يذكر الله تعالى، إن لم يذكره بلسانه ذكره بقلبه، وإن لم يذكر ه بجوارحه ذكره بقلبه، فهذا هو الذي يُبارك الله له في عمره. بركة الولد : قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((وبارك لي فيما أعطيت))؛ أي: أنزل البركة فيما أعطيت من: علم وولد ومال، أما بركة الولد فإن يجعل الله تعالى في ذلك معونة على طاعة الله، ويساعدك في أمورك، ومن بركة الأولاد أن يكونوا من طلبة العلم، وينفع الله بهم الناس. ــــ(327)

عدد الصفحات ٣٢٧

بركة العلم : قال الشيخ رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في علمه، بحيث لا يجلس مجلسًا إلا انتفع الناس بعلمه، ولا شك أن من بركات الإنسان أن يكون حريصًا على نشر العلم، ويسلك في نشره الوسائل التي تُشوِّّق الناس إلى العلم، ولا تمُلُّهم. وقال رحمه الله: فبركة العلم: أن يكون الإنسان مباركًا في علمه، في الانتفاع به، وعبادة الله تبارك وتعالى على بصيرة، ويكون مباركًا في علمه بنشره بين الأمة وتعليمهم إياَّه، ويكون مباركًا في علمه بالتأليف والكتابة، وانظر إلى بركة العلماء السابقين الذين كتبوا وألَّفوا، كيف انتفعت الأمة بهم إلى اليوم وإلى ما شاء الله عز وجل، فصار هذا العلم بركة عظيمة لهم. وقال رحمه الله: والغالب أن من دعا لنفسه - والعياذ بالله - أن الله تعالى لا يجعل في علمه بركة، وأن من أراد الحق جعل الله تعالى في علمه بركة حتى لو كان يتكلم بكلام لا يتكلم به إلا أدنى طلبة العلم، ولهذا نجد أناسًا عندهم حسن نية وقصد، يتكلمون بكلام سهل يأتي به أدنى طالب علم، ومع ذلك يكون لهم تأثير بلي ؛ لأنهم يريدون الحق وبيان الحق. بركة الأخلاق : قال الشيخ رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في أخلاقه، بحيث تكون أخلاقه أخلاقًا حسنة، ففيه: السماح، والصدق، ولين الجانب، وما أشبه ذلك، فيقتدي الناس به، وإننا نقتدي بعوامٍّ ليس عندهم علم، نقت دي بأخلاقهم. ــــ(328)

عدد الصفحات ٣٢٨

بركة العمل : قال الشيخ رحمه الله: البركة في العمل أن يوفق الله الإنسان لعمل لا يُوفَّق له من نزعت منه البركة، وقال رحمه الله: يجب أن نكون على بصيرة في أمرنا، وعلى بصيرة في ديننا، وعلى بصيرة فيما نعبد الله به، وفيما نفعل أو ندعو من الأقوال والأعمال، حتى يُنزل الله لنا البركة في عملنا؛ ولهذا نجدُنا نُكثر الأعمال؛ ولكن أعمالنا لا تُصلح قـُلُوبنا، وبركتها قلية على القلوب، وعلى الأخلاق، وعلى الآداب؛ لأن غالب عباداتنا لا يقوم بالقلب، ولا يكون فيه تمام المتابعة؛ بل أحياناً لا يكون فيه تمام الإخلاص، وقال رحمه الله في شرحه لحديث الرجل الذي تصدَّق على سارق وزانية وغني: في هذا الحديث من العبر: أن هذا الرجل لصدق نيته وإخلاصه جعل الله تعالى في عمله بركة. و قال: تأمل قوله تعالى:﴿ فاإِّذاا قُضِّياتِّ الصَّلااةُ فاانـْتاشِّرُوا فيِّ الأْارْضِّ ﴾10] أي تفرقوا، كل في مجال عمله، التاجر في تجارته، والزارع في زرعه، والصانع في صنعته، ﴿ واابـْتـاغُوا مِّنْ فاضْلِّ اللََِّّّ ﴾10] فيه والله أعلم إشارة إلى أن الإنسان إذا قدَّم الوظائف الدينية- وهي عمل الآخرة - على الوظائف الدُّنيوية، فإن ذلك من أسباب بركة العمل الدنيوي؛ حيث أرشد الله تعالى إلى طلب الرزق بعد انقضاء الصلاة. وقال رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع:البركة في نتائج عمله التي لم يقصدها هو بنفسه، فأحياناً يعمل الإنسان عملاً، ولا يخطر بباله أن الناس سينتفعون به هذا الانتفاع، ومع ذلك يجعل الله تعالى فيه خيرًا كثيرًا، ما كان يُلم أن يكون فيه هذا الخير، وهذا شيء يُشاهده الإنسان في بعض الأحيان. ــــ(329)

عدد الصفحات ٣٢٩

بركة إقامة الحدود : عن عروة بن الزبير رحمه الله، أنَّ امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونهُ، قال عروة: فلما كلَّمه أسامة فيها تلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أتُكلِّّمني في حدٍّ من حدود الله؟!))، قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشيُّ قام رسول الله خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهلُهُ، ثم قال: ((أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتُها بعد ذلك، وتزوَّجت، قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال الشيخ رحمه الله: في هذا الحديث دليل على فوائد، منها: أن الحدود قد تكون سببًا للخير والبركة، فإن هذه المرأة رضي الله عنها تابت، وحسنت حالها، وتزوَّجت، وكانت تأتي إلى عائشة رضي الله عنها، فتقضي حاجتها بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. بركة القناعة : قال الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ومن يستغن يُغنِّه الله))، قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن يستغْنِّ))؛ أي: بما عنده ولو كان قليلاً ((يـُغْنه الله)) عز وجل، ويبارك له فيه. ــــ(330)

عدد الصفحات ٣٣٠

بركة المال : قال الشيخ رحمه الله: إذا بارك الله في المال نما وزاد، وإذا نزعت البركة منه نقص وزال. وقال رحمه الله: الصدقة لا تُنقص المال، وإن نقصته عددًا، فإنها تزيدُهُ بركةً، وحماية وكثير من الناس الذين ينفقون ابتغاء وجه الله، يجدون ذاك ظاهرًا في أموالهم بالبركة فيها، ودفع الآفات عنها، حتى أن الرجل يقول: كيف لم أنفق هذا الشهر إلا كذا، يتقالُّ ما أنفق؛ لأن الله أنزل فيه البركة، وبركة الله تعالى لا نهاية لها. وقال رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في المال، فكم من إنسان عنده مال قليل بالنسبة إلى من عنده أموال كثيرة جد ا، ومع ذلك تجد أمواله القليلة قد ينتفع الناس بها، وتجد صاحب الملاين أو المليارات لم ينتفع الناس بماله كما انتفعوا بمال هذا ا لرجل! وقال رحمه الله: من بركات المال أن تؤدي به ما أوجب الله عليك من النفقات في سبيل الله، وفي صلة الرحم، وفي بر الوالدين، وتؤدي ما أوجب الله عليك من زكاته، وتتطوَّع بما شاء تعالى من الصدقات وغيرها، ومن البركة في الأموال أن يكون عند الإنسان محاصيل يكتسب بها أو يكتسبها سواء بالبيع والشراء أو بالزراعة أو بغير ذلك. وقال رحمه الله: المال من أخذه بطيب نفس من الباذل، ولم تتعلق به نفسه، ولم يستشرف له، فإن الله عز وجل يُبارك له فيه. ــــ(331)

عدد الصفحات ٣٣١

بركة شركة المضاربة : قال الشيخ رحمه الله: إعطاء المال لشخص يتاجر به، وله نصيب من الربح، يُسمَّى عند العلماء المُضاربة، وفيه خير وبركة لا سيَّما مع حُسْن النية، فإن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما)). وهذا النوع من العقود فيه بركة كما قلت، ومن بركته أنه يُنمِّّ ي المال لصاحب المال بلا تعب منه، وأنه يفتح باب العمل والرزق للطرف الآخر الذي ليس عنده مال، فيكون هذا مكتسبًا بعمله، وصاحب المال مكتسب بماله، فلو أن الناس سلكوا هذا، وأعطوا من يثقون به دراهما يتَّجر بها، ويكون الربح بينه وبين صاحب المال على حسب ما يتفقان عليه، لحصل خير كثير لهؤلاء العاطلين الذين لا يريدون أن يعملوا بأبدانهم عند الناس كصناعيين، أو بنَّائين، أو ما أشبه ذلك، وليس عندهم مال يتجرون به، فإذا أحسن إليهم أحد من الناس، وقال: خذ هذا المال فتصرف فيه بالبيع والشراء، وما أحل الله، والربح بيننا، كان في ه ذا خير كثير، ومع النية الصالحة يُبارك الله للشريكين في هذا المال. بركة السحور : قال الشيخ رحمه الله: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((تسحَّروا؛ فإن في السحور بركة))، ففيه بركة؛ لكونه مُعينًا على طاعة الله، وفيه بركة؛ لأنه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه بركة؛ لأنه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه بركة؛ لأنه يغني عن عدة أكلات وشربات في النهار، وفيه بركة؛ لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب. ــــ(332)

عدد الصفحات ٣٣٢

بركة الصلاح : قال الشيخ رحمه الله: قول زينب رضي الله عنها: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون" الصالح كل من قام بحق الله، وحق العباد، وفي هذا: دليل على أن وجود الصالحين في المجتمع يكون سببًا لمنعهم من الهلاك، وهذا من بركة الصلاح أن يدفع الله السوء عن الناس بسبب هؤلاء الصالحين. بركة الاجتماع على الطعام وتكثير الأيدي عليه : قال الشيخ رحمه الله : الأفضل الأكل جميعًا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخبر أن في ذلك بركة، وذلك لما شكا إليه رجل أنه كان يأكل ولا يشبع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلعلكم تأكلون متفرقين؟))، قالوا: نعم، قال: ((فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يُ بارك لكم فيه))، فاجتماع الناس على الأكل من أسباب البركة. وقال رحمه الله: تكثير الأيدي على الطعام يُوجب حلول البركة فيه، وأن طعام الواحد يكفي الاثنين، والاثنين يكفي الثلاثة أو يكفي الأربعة أيضًا، وهذا مشاهد أنه في الشركة بركة، فكُلما كثرت الأيدي على الطعام كثُرت البركة فيه. بركة ماء زمزم : قال الشيخ رحمه الله: زمزم ماء مبارك، (طعام طعم وشفاء سقم)، و(ماء زمزم لما شرب له) إن شربته لعطش رويت، وإن شربته لجوع شبعت، حتى إن بعض العلماء أخذ من عموم الحديث أن الإنسان إذا كان مريضًا وشربه للشفاء شفي، وإذا كان كثير النسيان وشربه للحفظ صار حافظًا، وإذا شربه لأي غرض ينفعه، فعلى كل حال هذا الماء مبارك. ــــ(333)

عدد الصفحات ٣٣٣

بركة م : قال الشيخ رحمه الله: منىً مُباركة، فمهما كثر الحجاج فإنها تكفيهم؛ لأنها مشعر، فلا بُدَّ أن يكون هذا المشعر كافيًا لجميع الحجاج؛ لكن إذا حصل الظلم نزعت البركة، قال بعض أهل العلم: إن من خصائص منىً أنها مثل رحم الأنثى، إن حملت بواحد كفاه، وإن حملت باثنين كفاهما، وإن حملت بثلاثة كفاهم، وهذا من بركة المكان أن يتسع لما لا يتسع له مثله في المساحة. بركة المشاورة : قال الشيخ رحمه الله: لما سمِّع عمر رضي الله عنه بخبر الوباء استشار الصحابة - كعادته رضي الله عنه - هل يرجع أو يقدم؟ فأشار بعضهم بالرجوع، وأشار بعضهم بعدم الرجوع، ثم عزم على الرحيل، بناء على ترجيح أكثر الصحابة رضي الله عنهم، وفي أثناء ذلك جاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه - وكان في حاجة له - فحدَّثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه))، فانظر كيف كانت بركة المشورة، أن وفقوا للصواب والحق. بركة البيع على الوجه الشرعي : قال الشيخ رحمه الله: إذا تبايع الناس على وجه شرعي، أنزل الله تعالى لهم البركة في بيعهم وشرائهم، واستقرَّ اقتصادُ الناس؛ حيث لا ظلم، ولا غرر، ولا ربا، واستقامت الأمور؛ لكن إذا تعامل الناس بمعاملات محُرَّمة اختل نظام الاقتصاد؛ لأن الذي نظَّم هذه المعاملات هو الله عز وجل. ــــ(334)

عدد الصفحات ٣٣٤

بركة الصدقة : قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما نقصت صدقة من مال)) أي لا ينقص المالُ بالصدقة، لأن الإنسان قد يظن أن النقص هو النقص الحسيُّ، والحقيقة أن النقص هو النقص المعنوي. مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال تصدَّق منها بعشرة، فستصبح تسعين ريالاً، فيقال: نقصت؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد هذا؛ لأنه يعلم أنه لا بدَّ أن ينقص العدد؛ لكنه لم ينقص من حيث المعنى، وذلك أن الله تعالى يُنزل البركة فيما بقي من المال، ويقي المال الآفات التي قد تُدث للمال نفسه، أو لمالك المال، أرأيت لو كان عند إنسان مائة ريالٍ مثلاً، وأصيب بمرض، واحتاج المائة للمعالجة، ألا تكون قد ذهبت المئة؟! أما إذا تصدَّق من هذا المال، فإنه من أسباب وقايته؛ أي: وقاية ما يتلفه، سواء كان في مرض الإنسان، أو في مرض أهله، أو في ضياع المال، أو في سرقته، أو ما أشبه ذلك. بركة النكاح : عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أعظم النكاح بركةً أيْسارُه مُؤنةً))؛ وسلم: ((أيسرُه مؤنة)) هذا يشمل المهر والنفقات الأخرى التابعة له، فكلما كانت مُؤنة النكاح أيسرا، كانت بركته أعظم، والعكس بالعكس، فكلما كانت مؤنته أكثر، صارت بركته أقلَّ. ــــ(335)

عدد الصفحات ٣٣٥

لا بركة في الر : قال الشيخ رحمه الله: الربا من أكبر الكبائر، لم يرد في أي ذنب دون الشرك مثل ما ورد في الربا من الوعيد؛ وذلك لأن النفوس تدعو إليه، حيث إنه يكثر المال حس ا؛ ولكنه ينقص به معنى وبركةً ، وقال رحمه الله: من أنفقه لم يبارك له فيه، ومن تصدق به لم يقبل منه، ومن استقبله هلك دونه. هذه من بركتك : قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن تقول لشخص: "هذه من بركتك" وما أشبه ذلك، إذا كان سببًا للخير، فإن من الناس من يكون مُباركًا، ويُصل على يديه من الخير والبركات ما لا يُصل لغير ه، ومن الناس ما لا يكون كذلك، فإذا قلت لإنسان مثلاً: "هذه من بركاتك، أنك حضرت وأحضرت فلاناً" أو "هذه من بركاتك، أنك أصلحت بين القوم"، أو ما أشبه هذا، فإن هذا لا بأس به، أما إذا كان من بركات الميت، ولم يكن هذا الشيء وقع في زمنه، فهذا لا يجوز، لكن لو وقع في زمنه فلا بأس، والمقصود أنك إذا قلت: "هذا من بركة فلان" وهو ميت، أنه إن كان حصل الشيءُ بعد موته فهو حرام، ولا يجوز؛ بل قد يصل إلى حدِّّ الشرك الأكبر، وإن كان شيء حصل في حياته، وكان سببًا له، فهذا لا بأس به، وقال الشيخ رحمه الله: قد مرَّ علينا بحث في كون الإن سان يُتبرَّكُ به، وهل يصحُّ هذا أم لا؟ وقلنا فيما سبق: إن كان المرادُ البركة الشخصية، فهذا ليس بصحيح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المراد بالبركة ما يُصل منه من منافع علمية، أو مالية، فإن هذا صحيح؛ لأن بعض الناس قد يكون مجلسه مُباركًا ينفع الحاضرين، إما بالذكر، وإما بالعلم، وإما بالمال، وإما بالآداب، والأخلاق، هذه بركة لا شك. ــــ(336)

عدد الصفحات ٣٣٦