وهمٌ يدعونه عقلاً قال الشيخ رحمه الله: علم الكلام هو علم جدل فقط، يُريدون أن يُولوا العلم المبني على الكتاب والسنة إلى علم مبني على ما يدعونه عقلاً، ومع هذا فالذي يدعونه عقلاً هو في الحقيقة وهمٌ لا عقل. المؤمن يؤمن بما أخبر الله أدركه عقله أم لم يدركه: قال رحمه الله: الواجب على الإنسان أن يؤمن بما أخبر الله به، سواء أدركه عقله، أم لم يدركه، ولو كان الإنسان لا يؤمن إلا بما أدركه عقله، لم يكن مؤ منًا حق ا، فكل ما أخبر الله به يجب أن نؤمن به ولا نعترض، سواء أدركناه بعقولنا، أم لم ندركه. لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول: قال الشيخ رحمه الله: لا يُكن أن يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، هذه قاعدة خذها مضطردة، فإن وجدت ما ينافيه، فاعلم أن الأمر لا يخلو من أحد أمرين، ولا بد: إما أن عقلك ليس بصريح؛ يعني فيه شبهات أوجبت إخفاء الحق عليك، أو شهوات انطمس بها -نسأل الله العافية - وإما أن يكون النص غير صحيح يكون حديثًا ضعيفًا، أو مكذوباً على النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما أشبه ذلك، أما أن يكون عقل صريح سالم من الشبهات والشهوات، ونقل صحيح، فلا يُكن أن يتناقضا أبدًا، وقال رحمه الله: وإذا شئتم أن يتبين لكم هذا فاقرؤوا كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - إن أطقتُموه - المسمى بكتاب العقل والنقل، أو موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وقال رحمه الله: الذي دمر هؤلاء وقوَّض عُقولهم أنهم صاروا يعتمدون على العقل قبل أن ينظروا في النصوص ولو أنهم نظروا في النصوص أولاً، ثم أجروها على العقل، لعلموا علم اليقين أن النقل موافق للعقل ــــ(353)
عدد الصفحات ٣٥٣العقل يُُسِّّنُ ويُقبَّحُ لكنه لا يُوجبُ ولا يُُرِّّم قال الش يخ رحمه الله: العقلُ يُُسِّّنُ ويُقبِّّحُ، لكنهُ لا يُوجِّبُ ولا يُُرِّّمُ، فالإيجاب والتحريم إلى الله، أما التحسين والتقبيح فيحسن ويقبح، لكن من الأشياء ما لا يعلم حُسنه وقُبحه إلا بطريق الشرع. جلساء الإنسان ينبغي أن يكونوا من العقلاء: قال الشيخ رحمه الله: كان الحر بن قيس من أصحاب عمر رضي الله عنه؛ لأنه كان عاقلاً حليمًا وذكي ا، وهذا مما يدلُّك على أن عمر رضي الله عنه لا يختار لمجالسه إلا العقلاء. عقول المتكلمين مريضة: قال الشيخ رحمه الله: عقول المتكلمين الذين نهلوا من الفلاسفة، وحكَّموا عقولهم على الكتاب والسنة، عقولهم مريضة؛ لأنها أوهام، ولأن العقل يقتضي أن يقبل ما جاء من أمور الغيب على ظاهره، أمر غيبي ليس لنا فيه دخل، ولا نستطيع أن ندركه، فنرجع إلى الكتاب والسنة، ولا نتعدى هذا . ــــ(354)
عدد الصفحات ٣٥٤**الذكاء الاختلاف بين العقل والذكاء: قال الشيخ رحمه الله: الذكاء شيء، والعقل شيء آخر. قال رحمه الله: العقل ليس هو الذكاء؛ لأن العقل نتيجته حسن التصرف، وإن لم يكن الإنسان ذكي ا، لهذا نقول: ليس كل ذكي عاقلاً، ولا كل عاقل ذكي ا، لكن قد يجتمعان وقد يرتفعان ، وقال رحمه الله: العقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر إلى أذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو "الرشد في التصرف"، فكلما كان الإنسان أشد رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل؛ لأنه قد يكون من الأذكياء مان هو أبعد الناس عن العقل. تعريف الذكاء: قال الشيخ رحمه الله: الذكاء هو سرعة إدراك الأمور وفاهمها، وقال رحمه الله: الذكاء قوة الفِّطنة. الذكاء غزيري ومكتسب: قال الشيخ رحمه الله: الذكاء غزيري، ومُكتسب، فأما الغريزي فالله تعالى يهبه من يشاء، وأما المُكتسب فهو ما يُصل بفعل الإنسان وممارسته. الذكاء إذا لم يقترن بالإيُان فقد يكون سببًا للضلال: قال الشيخ رحمه الله: لاحِّ ظ أنه أحياناً قد يكون الذكاء المفُرط سببًا للضلال - والعياذ بالله - لأن الرجل الذكي يُورد على نفسه أشياءا، ويفتح على نفسه أشياءا؛ مثل: لو كان كذا لكان كذا، ولو كان غافلاً عن هذا، لكان أحسن له، ولهذا ما ضرَّ أصحاب الكلام والمنطق والفلاسفة إلا حدَّةُ ذكائهم. ــــ(355)
عدد الصفحات ٣٥٥وقال رحمه الله: وكم من ذكي قاده الذكاء إلى النار - والعياذ بالله - وهذا شيء مُشاهد، الذكاء إذا لم يكن مُقترناً بعقل وإيُان، فالغالب أن صاحبه يُدمر ويهلك. ذكي ولكنه ليس بعاقل: قال الشيخ رحمه الله: هرقل أسلام، ولكنه كان ذكي ا - والعياذ بالله - جمع بطارقته وتكلم معهم في الإسلام، فزمجروا وغضبوا غضبًا شديدًا، حتى كادوا يقتلونه، فقال لهم: اسمعوا، لم أجمعكم لهذا، ولكن جمعتكم لأنظر صلابتكم في دينكم، أعوذ بالله، ضنَّ بملكه؛ لأنه كان ذكي ا، لكنه ليس بعاقل، فهو قد أُوتيِّ ذكاءً ولكنه لم يعط زكاءً والعياذ بالله، نسأل الله أن يزكي نفوسنا ونفوسكم. اختبار للذكاء: قال الشيخ رحمه الله: وهنا اختبار للذكاء : هل أمُّ إبراهيم عليه السلام مؤمنة أو غير مؤمنة؟ والجواب: أنها مؤمنة، والدليل في قول الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ رابـَّناا اغْفِّرْ ليِّ والِّواالِّدايَّ والِّلْمُؤْمِّنِّينا يـاوْما يـاقُومُ الحِّْساابُ ﴾41] استغفاره لأبيه، وسكت عن استغفاره لأمِّّه، إذًا هي مؤمنة. هل أبوا نُوحٍ عليه السلام أعني أمه وأباه، هل هما مؤمنان أو كافران؟ الجواب: مؤمنان، والدليل على أنهما مؤمنان قول نوح عليه السلا م: ﴿ رابِّّ اغْفِّرْ ليِّ والِّواالِّدايَّ والِّمانْ داخالا بـايْتيِّا مُؤْمِّنًا والِّلْمُؤْمِّنِّينا واالْمُؤْمِّنااتِّ ﴾28] الاستنباط يُُثُّ طالب العلم على تدبُّر القرآن، والعلم كلُّ العلم في القرآن الكريم، حتى ما بيَّنته السنة من القرآن فهو من القر آن….لكن ما الوسائل التي تُنمي عند الإنسان مالكةا الاستنباط؟ الجواب: التكرار والتدبر. ــــ(356)
عدد الصفحات ٣٥٦أذكياء حذيفة رضي الله عنه: قال رضي الله عنه: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وقد أخذتنا ريحٌ شديدة، وقُر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله عز وجل معي يوم القيامة)، فسكتنا فلم يجُبه منا أحدٌ، ثم قال: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله عز وجل معي يوم القيامة)، فسكتنا فلم يجُبه منا أحدٌ، فقال: (قم يا حذيفة، فأتنا بخبر القوم)، فلم أجد بُد ا إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال: (اذهب فأتني بخبر القوم، ولا تذعرهم عليَّ)، فلما ولَّيت من عنده، جعلتُ كأنما أمشى في حمام حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعتُ سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أارميه، فذكرتُ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا تذعرهم عليَّ )، ولو رميته لأصبتُه، ثم صاح أبو سفيان: لينظر كل واحد منكم مان جليسه؟ فبادرتُ الذي بجانبي وقلتُ له: م ن أنت؟ قال الشيخ رحمه الله: قوله: ثم صاح أبو سفيان: لينظُر كلُّ واحد منكم مان جليسه؟ يقول فبادرت الذي بجانبي وقلت له: من أنت؟ وهذا مما يدل على الذكاء. ابن عباس رضي الله عنهما: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بتُّ في بيت ميمونة ليلة، والنبي صلى الله عليه وسلم عندها، لأنظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل؛ الحديث، قال الشيخ رحمه الله: كان ابن عباس رضي الله عنهم ذكي ا عاقلاً حريصًا على العلم. ــــ(357) الحرُّ بن قيس
عدد الصفحات ٣٥٧عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قدم عيينة بن حفن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحُرِّّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل! وما تُكم بيننا بالعدل! فغضب عمر حتى همَّ أن يقع به، فقال الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خُذِّ الْعافْوا واأْمُرْ باِّلْعُرْفِّ واأاعْ رِّضْ عانِّ الجْااهِّلِّينا ﴾ [199] عمر حين تلاها عليه، كان وقافًا عند كتاب قال الشيخ رحمه الله: وأما قوله: "وما تُكم بيننا بالعدل"، فقد كذب؛ فإن عمر رضي الله عنه مضربُ المثل في العدل، وهو من أعدل الخلفاء ر ضي الله عنه، ولهذا حين غضب همَّ أن يقع به، ولكن ابن أخي عيينة كان ذكي ا حليمًا، فقال: إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خُذِّ الْعافْوا واأْمُرْ باِّلْعُرْفِّ واأاعْرِّضْ عانِّ الجْااهِّلِّينا ﴾. ــــ(358) عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما:
عدد الصفحات ٣٥٨قالت في حادثة الإفك: فلما قضيت شأني، أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي قد انقطع، فالتمستُ عقدي، وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، الذي كنت ركبتُ، وهو يُسبون أني فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافًا، لم يُثقلهنَّ ا للحم، إنما تأكل العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل، وساروا، فوجدتُ عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع أو مجيب، فأممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ؛ عليه؛ قال الشيخ رحمه الله: في هذه الجملة من الحديث فوائدُ؛ منها: ذكاء عائشة رضي الله عنها وعقلها؛ لأنها لما جاءت وفقدت القوم، ما ذهبت تطلبهم هنا وهناك، مع أنه قد يبدو للإنسان أن الأحسن أن تلحقهم وتطلبهم، ولكنها رضي الله عنها جلست في مكانها، وعرفت أنهم سيفقدونه ا قطعًا، وإذا فقدوها فسيرجعون على إثرهم حتى يصلوا إلى مكانها، وهذا من فقهها وعقلها وذكائها رضي الله عنها. وعندما تكلم المنافقون في عرضها رضي الله عنها في حادثة الإفك، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِّ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِّ ألممتِّ بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه)، قالت: قلت لأبي: أجِّب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الحديث: ذكاء عائشة رضي الله عنها؛ لأنها طلبت من أبيها أن يجيب الرسو ل صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وهي بالغة الذكاء - مع كونها حديثة السن، ولا تقرأ شيئًا من القرآن. ــــ(359) أم سلمة رضي الله عنها
عدد الصفحات ٣٥٩عنها رضي الله عنها أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، سألوها عن صلاة الركعت بعد العصر، فقالت: سمعت ا لنبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنهما، وإنه صلى العصر، ثم دخل عليَّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فصلاَّهما، فأرسلت إليه الخادم، فقلت: قومي إلى جنبه، فقولي: تقول أم سلمة: يا رسول الله، ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين، فأراك تُصليهما؟! فإن أشار بيده فاست أخري، ففعلت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: (يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني أُناس من عبدالقيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان؛ الله: في الحديث من الفوائد: ذكاء أم سلمة رضي الله عنها، وهو ليس غريبًا عنها؛ حيث قالت للجارية: فإن أشار بيده فاستأخري؛ لأن الجارية قد لا تفهم ولا تعلم بهذا الأمر، فلعله يشير لها وتُلحُّ عليه، لكن لما أرشدتها بقولها: فإن أشار بيده فاستأخري، كان هذا من ذكائها رضي الله عنها. أم الفضل أم عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: عنها رضي الله عنها أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بعضهم هو صائم وقال: بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبْ و هو واقف على بعيره بعرفة فشرِّبه[قال الشيخ هذا من ذكائها رضي الله عنها أنها أرسلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا؛ لأنه لو سُئل وأجاب فمن سامع ومن غير سامع لكن إذا كان على بعير وهو واقف وشرب والناس ينظرون صار هذا أبل ثمُ إن الشيء إذا رُئي مكث في الذهن أكثر مما إذا سمع ــــ(360) أم سليم رضي الله عنها
عدد الصفحات ٣٦٠عن أنس رضي الله عنه، قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعتُ صوت النبي صلى الله عليه وسلم، ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تُت ثوبي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبتُ به، فوجدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ومعه الناس، فقمتُ عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرسلك أبو طلحة؟)، فقلتُ: نعم، قال: (بطعام؟)، فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: (قوموا)، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم؛ ذكاء أم سليم رضي الله عنها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء بالناس، وقال أبو طلحة رضي الله عنه: جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالناس، قالت: الله ورسوله أعلم، وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل أنسًا رضي الله عنه من قبل: ما الذي عندكم؟ قال: عندنا كذا وكذا، فدعا الناس، فعُلِّما بهذا أنه سوف يكفي الناس، وهذا هو الذي حصل. ــــ(361) امرأة جابر رضي الله عنهما
عدد الصفحات ٣٦١دعا جابر رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الخندق إلى طعام صنعته زوجه رضي الله عنها، وقال للرسول: فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: (كم هو؟) فذكرت له، قال: (كثير طيب ، قُل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا)، فقام المهاجرون والأنصار، فدخل جابر على امرأته وقال: ويُك، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومان معهم، قالت: هل سألك؟ قُلتُ: نعم. قال الشيخ رحمه الله: وفي الحديث من الفوائد ذكاء امرأة جابر رضي الله عنها، حين قال لها: "ويُك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار"، فقالت: "هل سألك؟"، يعني: فإن كان سألك فإنه أعلم، ما جاء بهم إلا والطعام سيكفيهم، أما لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم لكانت مشكلة. ابنة شعيب التي دعت موسى عليهما السلام: قال الله عز وجل: ﴿ فاجااءاتْهُ إِّحْدااهمُاا تماْشِّي عالاى اسْتِّحْيااءٍ قاالاتْ إِّنَّ أابيِّ يادْعُوكا لِّياجْزِّياكا أاجْرا ماا ساقايْتا لاناا ﴾25.] قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية الكريُة: فيها دليل على ذكاء الفتاة، فهي تقل: إن أبي يدعوك من أجل أن يوجه إليه التهمة مثلاً، أو من أجل أن يغدر به، أو يطلبه، أو ما أشبه ذلك، لكنها قالت: ﴿ لِّياجْزِّياكا أاجْرا ماا ساقايْتا لاناا ﴾، وليكون ذلك أدعى إلى إجابة الدعوة. ــــ(362) ملكة سبأ
عدد الصفحات ٣٦٢قال الله عز وجل: ﴿ قاالاتْ ياا أايـُّهاا الْ مالأاُ أافـْتُونيِّ فيِّ أامْرِّي ماا كُنْتُ قااطِّعاةً أامْرًا حاتىَّ تاشْهادُونِّ ﴾32] الملأ حتى إذا نتج عن تصرفها شيء لا يُرضي، يكونُ اللوم على هؤلاء الملأ الذين أشاروا، ولا يجعلون اللوم عليها. طائر اللقلق: قال الشيخ رحمه الله: طائر يوصف بالذكاء والفطنة يأكل الحيَّات. نملة: قال الله عز وجل: ﴿ حاتىَّ إِّذاا أاتـاوْا عالاى واادِّ النَّمْلِّ قاالاتْ نماْلاةٌ ياا أايـُّهاا النَّمْلُ ادْخُلُوا ماسااكِّناكُمْ لاا يُاْطِّمانَّكُمْ سُلايْماانُ واجُنُودُهُ واهُمْ لاا ياشْعُرُونا ﴾18] الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية الكريُة: فصاحة هذه النملة ونُصحها وذكاؤها؛ لأن الكلام الذي قالته يتضمَّن هذا كله، ومن كمال ذكائها أنها استعملت العبارات المثيرة المزعجة في قولها: ﴿ لاا يُاْطِّمانَّكُمْ سُلايْماانُ واجُنُودُ هُ ﴾، وقال رحمه الله: النمل من أذكى الحشرات. ــــ(363)
عدد الصفحات ٣٦٣فصلالحرية الحرية المطلقة من أساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين: قال الشيخ رحمه الله: من أساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين - أن يلقوا الأفكار الرديئة الإلحادية الكفرية بين المسلمين باسم (الناس أحرار - دعوا كل أحد يعتنق ما يشاء - لا تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا)، وما أشبه ذلك من الكلمات الرنانة، التي إذا سمعه الإنسان، قال: هذا هو الدين، ثم تُلل الناس وصار كل يعمل ما يريد... هذه من أساليب اليهود والنصارى التي يُضللون بها الناس، وير دونهم بعد إيُانهم كافرين. العبودية لله عز وجل هي الحرية الحقيقية: قال الشيخ رحمه الله: العبودية لله عز وجل هي الحرية الحقيقية، وسئل رحمه الله عن قول الإنسان: أنا حر؟ فأجاب: إذا قال ذلك رجل حُر وأراد أنه حر من رقِّّ الخلق، فنعم، هو حر من رقِّّ الخلق، وأما إن أراد أنه حر من رقِّّ العُبودية لله عز وجل فقد أساء في فهم العبودية، ولم يعرف معنى الحرية؛ لأن العبودية لغير الله هي الرِّّقِّّ، أما عبودية المرء لربه عز وجل فهي الحرية، فإنَّه إن لم يذلَّ لله ذلَّ لغير الله، فيكون هنا خادعًا لنفسه إذا قال: إنَّه حُر يعني أنه مُ تجرد من طاعة الله ولن يقوم بها وقال رحمه الله: من المعلوم أن وصف الإنسان بالعبودية لله شرف له وعز؛ لأنه ما من إنسان إلا وهو عبد، إما أن يكون عبدًا لهواه، وإما أن يكون عبدًا لمولاه، وكل إنسان له إرادة، وكل إنسان متحرك، ولكن ما الإرادة؟ وإلى أين التحرك؟ إن كانت الإرادة إرادة لله عز وجل، والتحرك لدينه، فهذه هي الحرية. ــــ(364)
عدد الصفحات ٣٦٤مان تُلَّل مِّن الشريعة فهو في غاية الرق قال الشيخ رحمه الله: حرِّّر قلبك من رق المعاصي حتى تتحرر، وقال رحمه الله: فوالله ليس بحُرٍّ من تُلَّل من الشريعة، بل هو في غاية من الرِّّق، فالحرُّ هو الذ ي لا يخضع لأحد إلا الله عز وجل، وقال رحمه الله: كل من خالف الشرع، فإنه رقيق وليس بحرٍّ، ولهذا يشير ابن القيم رحمه الله في بيت أرى أن يكتب بماء الذهب، يقول: هربوا من الرقِّّ الذي خُلقوا له ♦♦♦ وبُلوا برقِّّ النفس والشيـطان يعني أنهم تُرَّروا من الر ق الذي خُلقوا له، وهو الرق لله عز وجل، ولكنهم ابتلوا برق النفس والشيطان الذي هو الذُّلُّ والخسارة في الدنيا والآخرة. وقال رحمه الله: نرى أن هؤلاء الفوضويين الذين يريدون أن يكون الناس فوضى مدعين أن هذه هي الحرية - نرى أن هؤلاء هم الذين ابتُلوا بالرق؛ لأن الشيطان استرقهم وجعلهم عبيدًا له، وقال رحمه الله: الحرية المطلقة هي الرق المطلق؛ لأنك إذا تُررت من قيود الشرع تقيدت بقيود الشر. الحرية الكاملة هي المبنية على كتاب الله وسنة رسوله علية الصلاة والسلام: قال الشيخ رحمه الله: الحرية الكاملة هي المبنية على كتاب الله وسنة رسوله علية الصلاة والسلام، ولا أحد أحكم من الله، ولا أعدل منه، وقد عدل عز وجل في الحرية التي منحها لعباده الإنسان ليس حُر ا في معصية الله: سئل الشيخ عن قول العاصي عند الإنكار عليه: "أنا حُر في تصرفاتي"، فأجاب رحمه الله: هذا خطأ نقول: لست حُر ا في معصية الله، بل إنَّك إذا عصيت ربك فقد خراجت من الرِّّقِّّ الذي تدَّعيه في عُبود ية الله إلى رقِّّ الشيطان والهوى . ــــ(365)
عدد الصفحات ٣٦٥حرية المرأة قال الشيخ رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ ياا أايـُّهاا الَّذِّينا آمانُوا إِّنْ تُطِّيعُوا فارِّيقًا مِّنا الَّذِّينا أُوتُوا الْكِّتاابا يـارُدُّوكُمْ بـاعْدا إِّيُاانِّكُمْ كاافِّرِّينا ﴾100] الآية: أن هؤلاء الفريق من أهل الكتاب لا يرضون منا بما دون الكفر، إلا يكون وسيلة إلى الكفر؛ لأن الغاية قال: يرُدُّكم بعد إيُانكم كافرين، وأساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين ك ثيرة جد ا ومتنوعة، منها: أن يفتحوا على الناس باب الشهوات، ولهذا هم يسعون جادين على أن يعطوا المرأة ما يُسمى بالحرية، وهي في الحقيقة الرق وليست حرية؛ لأن المرأة إذا خرجت عن حدود الله، خرجت من رقٍّ الدين إلى رقِّّ الشيطان، وإذا خرجت إلى رقِّّ الشيطان واسترقَّ ها الشيطان، صارت عبدًا له، ولهذا تجدهم يركزون على المرأة أن تتدهور، وتتحرَّر من عبودية الله؛ لتقع في عبودية الشيطان؛ لأنهم يعلمون أن أشدَّ فتنة على الرجال هي المرأة، فيسعون بكل جهدهم على أن تختلط بالرجال، وتشاركهم الأعمال. حرية الاعتقاد قال رحمه الله : الذي يجيز أن يكون الإنسان حُرَّ الاعتقاد، يعتقد ما شاء من الأديان فإنه كافر، لأن كل من اعتقد أن أحداً يسُوغ له أن يتدين بغير دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كافر بالله عز وجل... ومن يبت غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه [85] إن الدين عندالله الإسلام [19] يجوز لأحد أن يعتقد أن ديناً سوى الإسلام جائز يجوز للإنسان أن يتعبد به، بل إذا اعتقد هذا فقد صرح أهل العلم – يرحمهم الله – بأنه كافر كفراً مخرجاً عن الملة. ــــ(366)
عدد الصفحات ٣٦٦فصل: أمور تدعو إلى التعجب من يأتون إلى قبر ميت فيدعونه ويسألونه: قال الشيخ رحمه الله: إني لأعجبُ غاية العجب من قوم يأتون إلى قبر ميتٍ، ثم يدعونه: يا سيدي! يا مولاي! امرأتي لم تُمل حملها. يا سيدي! يا مولاي! لم أتزوج (هات) لي زوجة. يا سيدي! يا مولاي! عندي مرض السرطان اشفني. يا سيدي! ويا مولاي! أنا فقير أطعمني. فهذا قبر ميت، وهو الآن أضعفُ منك، فأنت تمشي وتذهب وتجيءُ، وتبيع وتشتري، وتتزوج ويُولاد لك، لكن هذا هامد، انقطع كل شيءٍ، لا يُلك لنفسه نفعًا ولا ضر ا، وأشرف الخلق على الله محمد رسول الله، ومع ذلك يقول الله له يأمُرُه أن يعلن للملأ إلى يوم القيامة: ﴿ قُلْ لاا أامْلِّكُ لِّنـافْسِّي ضار ا والاا نـافْعًا ﴾ [49 ] أبعْدا هذا يتعلقُ الإنسانُ بمخلوق؟ ﴿ قُلْ لاا أامْلِّكُ لِّنـافْسِّي ضار ا والاا نـافْعًا ﴾ [ 49] إعلان آخر ﴿ قُلْ إِّنيِّّ لانْ يجُِّيرانيِّ مِّنا اللََِّّّ أاحادٌ والانْ أاجِّدا مِّنْ دُونِّهِّ مُ لْتاحادًا ﴾ [ 22] يُلك محمد أشرف الخلق عند الله لنا ضر ا ولا رشدًا، ولا يُلك لنفسه منعًا ولا دفعًا، فما بالكم بغيره؟ إذن: المسألة عقلي ا - دون أن يكون هناك دليل شرعي - تبطل عبادة كل معبودٍ سوى الله عز وجل. ــــ(367)
عدد الصفحات ٣٦٧من يستدل بقوله تعا ﴿ لاا تُدْرِّكُهُ الأْابْصاارُ واهُوا يُدْرِّكُ الأْابْصاارا ﴾ [ 103] قال الشيخ رحمه الله: أنكر قوم رؤية الله عز وجل، وقالوا: إن الله لا يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك بناءً على عقولهم التي يعتمدون في إثبات الصفات لله عز وجل ونفيها عنه عليها؛ أي: عقولهم، وهذا خطأ عظيم أن يُُكِّّم الإنسان عقله في أمر من أمور الغيب؛ لأن أمور الغيب لا يُكن إدراكها إلا بمشاهدتها، أو مشاهدة نظيرها، أو خبر الصادق عنها، فتجدهم ينكرون رؤية الله، ويُُرفون كلام الله ورسوله بناء على عقيدتهم المبنية على العقل الفاسد؛ لأن حقيقة تُكيم العقل أن يُسلِّّم الإنسان لما أخبر الله به ورسوله تسليمًا تام ا، فإن هذا مقتضى العقل ومقتضى الإيُان؛ قال الله تعالى: ﴿ فالاا وارابِّّكا لاا يـُؤْمِّنُونا حاتىَّ يُُاكِّّمُوكا فِّيماا شاجارا بـايـْنـاهُمْ ثمَُّ لاا يجاِّدُوا فيِّ أانـْفُسِّهِّمْ حاراجًا ممَِّّا قاضايْتا وايُسالِّّمُوا تاسْلِّيمًا ﴾ [65.] وهؤلاء المنكرون لرؤية الله تعالى في الآخرة لم يُسلموا تسليمًا؛ بل أنكروا ذلك وقالوا لا يُكن، فقيل لهم: سبحان الله! النصوص واضحة في هذا؛ ففي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يـاوْمائِّذٍ نااضِّراةٌ * إِّلىا رابهِّّاا نااظِّراةٌ ﴾22،23] حسنة، ﴿ إِّلىا رابهِّّاا نااظِّراةٌ ﴾؛ أي: تنظر إلى الله عز وجل، وإضافة النظر إلى الوجوه يعني أنه بالعين؛ لأن أداة النظر في الوجه هي العين، وقيل لهم: إن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لاا تُدْرِّكُهُ الأْابْصاارُ واهُوا يُدْرِّكُ الأْابْصاارا ﴾ [103] تدل على ثبوت أصل الرؤية؛ لأن معنى لا تدركه؛ أي: تراه ولا تدركه؛ لأنه أعظم من أن يُيط به شيء من مخلوقاته، والعجب أنهم يستدلو ن بهذه الآية على نفي الرؤية، وهي حجة عليهم. ــــ(368)
عدد الصفحات ٣٦٨