قال الشيخ رحمه الله: تعبير الرؤيا ليس مكتسباً، لكنه شيء يقذفه الله في قل ب الإنسان، ولهذا تجدُ بعض المعبرِّّين جُهَّالاً، لا يعرفون شيئاً من الدين ومع ذلك يعبرون، ومع التمرين يكون مكتسباً، وليست هناك قواعد يُشي عليها الإنسان، لأنه قد يخُطئ خطأً كثيراً في التطبيق، إذ قد تكون صورة الرؤيا واحدة وتختلف اختلافاً عظيماً بحسب الرائي وبحسب الحال. وقال رحمه الله : تعبير الرؤى ليس عن كون الإنسان عالماً، أو ذكياً، لكنه فراسة، وممارسة للأشياء، وربط الأشياء بعضها ببعض، والعابرون للرؤيا قد يخطئون، وقد يصيبون كغيرهم من الناس. الرؤى وإن اتفقت صورتها فإنه يختلف تعبيرها بحسب من رآها وزمانها ومكانها: قال الشيخ رحمه الله: الرؤى قد تتفق في صورتها وتختلف في حقيقتها، بحسب من رآها، وبحسب الزمن، وبحسب المكان، فإذا رأينا رؤية على صورة معينة فليس معنى ذلك أننا كلما رأينا رؤية على هذه الصورة يكون تأويلها كتأويل الرؤية الأولى، بل قد تختلف، قد نعبر الرؤيا لشخص بكذا، ونعبر نفس الرؤيا لشخص آخر بما يخالف ذلك. ــــ(289) من رأى رؤيا لغيره تسره فليبشره بها: قال الشيخ رحمه الله: قوله: { أي: مُبشراً المؤمنين، كما قال تعالى في آيات أخرى: ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ﴾ [47.] ولكن ما هيالعلامة التي يُُكن أن يُبشر بها المؤمن؟
عدد الصفحات ٢٨٩فنقول: إذا رأيت هذا الرجل قد يُسر لليسرى، وسهلت له الطاعة، فكان يقوم بطاعة الله فبشره بالخير لأن الله تعالى قال: ﴿ فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى ﴾ [5-7]إذا رأيتهُ يُصلي، ويتصدقُ، ويصومُ، ويُجُّ، ويُسنُ إلى الناس نُبشره بالخير. وكذلك أيضاً إذا رأيت شخصاً بمصائب تتوالى عليه في بدنه، أو في أهله، أو في ماله، وهُو صابر محتسب لا يشتكى ولا يتضجر ولا يتسخط فأنا أبشره بالخير، قال الله تعالى: ﴿ وبشر الصابرين * الذي ن إذا أصابتهم مُصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ { [155-156.] كذلك أيضاً إذا رأيت فيه رُؤيا تسرُّك فإن الرُّؤية الصادقة جزء من ست وأربع جزءاً من النبوة، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الرؤية الصالحة عاجلُ بُشرى المؤمن، فإذا رأيتا فيه رؤيا صالحة فأنا أُبشرهُ، وأقولُ لهُ: أبشر، رأيت فيك كذا وكذا، وهذه علامة خير. ــــ(290) من رأى رؤيا لغيره فيها إنذار له فليخبره بها: سألت امرأة الشيخ: أنه رأت في المنام رجلاً تُوفيِّّ، فبعد أيام عبرَّت هذه الرؤيا، فظهر أن هذا الرجل أُصيب وجهه بالجدر ي، فخافت خشية أن تخبره بأن يكون عليه دين حسب ما عبرَّت هذه الرؤيا، فما توجيهك لهذه المرأة؟
عدد الصفحات ٢٩٠فأجاب الشيخ رحمه الله في الواجب عليها هنا أن تخبره لا أنها رأته ميتاً، أن تخبره وتقول: هذا المرض الذي أصابك إنذار لك بأن تقوم بما يجب عليك من حقوق الله وحقوق العباد، وإذا كان عليك دين فاقضه أو أوصِّ إلى من يقضيه إذا كان لا يُكنك قضاؤه في حياتك. رؤية الإنسان نفسه في المنام: قال الشيخ رحمه الله: انظر في نفسك تجد أنك محتاج إلى الكسوة الحسية لأنك عار، كذلك أيضاً محتاج إلى الكسوة المعنوية وهي العمل الصالح، حتى لا تكون عارياً ، ولهذا ذكر بعض العابرين للرؤيا أن الإنسان إذا رأى نفسه في المنام عارياً فإنه يُتاج إلى كثرة الاستغفار، لأن هذا دليل على نقصان تقواه، فإن التقوى لباس. سئل الشيخ: إذا رأى الإنسان رؤيا مناميه أنه قرب أجله، فهل يتصدق ويُُسنُ إلى الناس؟ فأجاب رحمه الله: لا عبر ة بهذه الرؤيا. ــــ(291) رؤية الأموات في المنام: سئل الشيخ: إذا جاء الميت في المنام وأوصى بوصية، فهل يلزمنا العمل بها؟
عدد الصفحات ٢٩١فأجاب رحمه الله: لا يلزم، ولا يجب العمل بهذه الوصية، فلعله جاء ميت وقال تصدقوا عني بمليون ريال، أو ألف مليون ريال، أو عشرة ريالات، أو أعلمكم أن زوجتي طالق قبل موتي بسنة. على كل حالٍ، لا يجوز العمل بالرؤيا في الوصية وغيرها، اللهم إلا إذا قامت قرينة واضحة جداً جداً على ما رأى، فهنا يعمل بالقرينة لا بالرؤيا. مثل ما جرى لثابت بن قيس بن شمام رضي الله عنها، حين قُتل في غزوة اليمامة، ومرَّ به أحد الجنود وعليه درع – أي على ثابت – فخلع الدرع من ثابت وذهب به إلى رحله ووضعه تُت برمة، وعندها فرس يستن، فرأى صاحب لثابت بن قيس رضي الله عنه، ثابتاً في المنام، فقال له: إنه مرَّ بي رجل، وأخذ درعي ووضعه تُت برمة برمةٍ في آخر العسكر، وحوله فرس يستن، ثم أوصاه بوصايا لأبي بكر رضي الله عنه – وكان هو الخليفة – فنفذ أبو بكر وصيته، والقرينة هنا أنهم ذهبوا إلى المكان الذي عينه ثابت رضي الله عنه، فوجدوا الدرع تُت البرُمه عند الفرس. سئل الشيخ: ما حكم رؤية المتوفى في المنام؟ فأجاب رحمه الله: ليس لها حُكم وليس لها أثر ولا يُبني عليها أي شيءٍ ، لأن الإنسان دائماً إذا فكر في شيءٍ رآه في المنام حتى لو فرض أن الميت رُئي في المنام وهو يقول: تصدقوا عني، فإنه لا تلزم الصدقة عنه، لكن لو رُئي في المنام وهو يقول: اقضوا ديني لفلان، فهنا نقول: اذهبوا إلى فلان الذي أقرَّ له بالدين واسألُوه: إن قال: لي عنده دين فإنه يقضي، وإن قال: ليس لي عنده شيء، فإنه لا عمل على هذه الرؤية. ــــ(292) وسئل الشيخ: هناك امرأة أوصت أن تدفن ببقعة مُعينة، وما تمت الوصية، ويسأل ولدها ويقول: إنها تعرض له في المنام كثيراً، وتعرض لوالده، والآن لهم سنة من دفنها،
عدد الصفحات ٢٩٢فيسأل: هل يعتبر هذا عصياناً، ثم هل يجوز نبش القبر، وإرجاعها إلى المكان الذي أوصت أن تدفن فيه ؟ فأجاب رحمه الله: لا يلزم تنفيذ الوصية إذا أوصى الميت ألا يُدفن إلا في مكان معين، بل يدفن مع المسلمين، إذ أن الأرض كُلها سواء، وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا مات منهم ميت في أي مكان دفنوه، فهذه الوصية لا يلزم تنفيذها، وكونها تعرض له في المنام، لأنه يُفكرُ فيها، ومعلوم إن الإنسان إذا فكر في الشيء فقد يراه في المنام، ولهذا عندنا الناس يقولون: حُلُوم أهل نجد حديث قلوبهم، وهذا لا يدخل تُت إنفاذ الوصية، فلا يجب تنفيذه أبدااًً، لأنه ليس فيه مقصود شرعي. وسئل الشيخ: شخص تُوفي والده ويعرضُ له المنام، وبعض الليالي يعرض له وهو غاضب عليه، فما رأيكم في ذلك؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: لا يهتمُّ بها...فهذا الشيطان يتمثل بصورة أبيه على أنه غاضب عليه ليزعجه ويقلق راحته. وقال رحمه الله لو رأيت أباك في المنام بعد موته وقال يا بني إني جائع، فتصدق عني بخبزٍ من شعير ...فلا تنفذ الوصية لأنه لا تُوجد قرائن والشيطان يتمثل بصورة أي إنسان إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يُكن للشيطان أن يتمثل به لكن غيره ولو بل ما بل من الفضل ومن العلم فيمكن للشيطان أن يتصور به. وسئل الشيخ: امرأة رأت في منامها أُمها تأمرها أن تعطى فلانةً مالاً فما الحكم ؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: مثل هذه الرؤى لا يُعتدُّ بها ولا يؤخذ منها حكم فالشيطان يستطيعُ أن يتمثل في صورة أيَّ إنسان إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ــــ(293) الرؤيا إذا وجد لها قرينة عُمِّلا بها:
عدد الصفحات ٢٩٣قال الشيخ رحمه الله: الرؤيا إن وجد لها قرينة عمل بها، وإلا فلا، لأننا لو عملنا بالرؤيا المطلقة لتمثل الشيطان في تماثيل كثيرة، وأوحى إلى النائم إيُاء كثيراً، وتعب الإنسان بسببها. هل يعرف الميت ما يصنع أهله؟ قال الشيخ رحمه الله: معرفة الميت ما يصنعه أهله في الدنيا، فإنني لا أعلم في ذلك أثراً صحيحاً، يعتمد عليه، ولكن بعض الوقائع، تدل على أن الإنسان قد يعرف ما يأتي على أهله، فقد حدثني شخص أنه بعد موت أبيه أضاع وثيقة له وصار يطلبها ويبحث عنها فرأى في المنام أن أباه يكلمه من نافذة المجلس ويقول له: إن الوثيقة مكتوبة في أول صفحة من الدفتر الفلاني لكن الورقة لاصقة بجلدة الدفتر فافتح الورقة تجد الوثيقة في ذلك المكان ففعل الرجل فرآها كما ذكر أبوه وهذا يدل على أن الإنسان قد يكون له علم بما يصنعه أهله من بعده. والله أعلم. وقال الشيخ رحمه الله: حدثني رجل أثق به قال: إن أباه استأجر بيتاً لمدة خمسين سنة ثم جُدِّّدت الأُجرةُ مرة ثانية...فلما توفى هذا الرجلُ المُستأجر وإذا قد بقي في المدة الأُولى خمسُ سنوات فقط فجاء أصحاب البيت إلى الورثة وقالوا: إن المدة انقضت فبحث أبناء الميت عن وثيقة عقد الإجارة فلم يوجد شيء...فلما كان ذات ليلة يقول أحد أولاد الرجل الميت: أطلَّ عليَّ أبي من نافذة المجلس وقال لي: إن الوثيقة في أول صفحة من الدفتر وهذه الصفحة الأُولى قد علقت بجلد الدفتر وهذا يعني أنه يطلب منهم أن يفتحوها برفق فيجدوها في أول صفحة فلمَّ ا أصبح ذهب هذا الابن إلى الدفتر ووجد أن الأمر كما قال أبوه. ــــ(294)
عدد الصفحات ٢٩٤وسئل الشيخ: بعد الظهر من يوم عرفة وأنا صائم، في المنام نبهني واحد يقول: امرأة تريدك، فانتبهت للمُنبه هذا، فإذا هي والدتي المتوفاة آتية إلى، فسلمت عليها وضممتها إلى صدري، وقالت لي: جزاك الله خيراً، فأفقت من نومي وكان ابني حاجاً، فبلغت أهلي بذلك، وقالوا: إن شاء الله خيراً، وبعد رجوع ابني من الحج أخبرته بذلك، فقال: أنا في كل موقف أتذكر جدتي، وأدعو لها، أفيدونا أفادكم الله؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: الظاهر إن هذا خير - إن شاء الله - ويدُلَّ أن و الدتك علمت بما تهُديه إليها من الدعاء، فشكرت لك هذا الشيء. رؤى سئل عنها الشيخ: سئل الشيخ عن امرأة متزوجة منذ ثلاث عشرة سنة ولها ولد واحد وأسقطت ثماني مرات.وترى في منامها رُؤى عن تلك السقطات للأولاد ففُسر لها بأن ذلك عين فأجاب الشيخ رحمه الله: أرجو من الأُخت السائلة ومن غيرها ألا يعبؤوا بالأحلام، وكلما رأوا مكروهاً، فليستعيذوا بالله من شره ومن شر الشيطان، ولا يخبروا بذلك أحداً، فإنه لا يضرهم، وإذا استدرج الإنسان بالأحلام لعب به الشيطان، وصار كل ليلةٍ أو بعض الليالي يأتيه بما يكره، فدعوا الأحلام. وسئل الشيخ: خطب رجل امرأة، فرأته في المنام حالق اللحية، فهل توافق عليه، أم لا، وهو في اليقظة ظاهره طيب لم يُلق اللحية وهو شخص ملتزم، ولا نزكى على الله أحداً؟ فأجاب رحمه الله: هذه المرأة التي رأت الرجل الذي خطبها في المنام حالق اللحية وهو في الواقع ليس بحالق لها، لا يضرها ما رأت في المنام، ولا ينبغي أن يُنعها من التزوج به، ما دام مستقيماً في دينه وخُلُقه. ــــ(295)
عدد الصفحات ٢٩٥وســئل الشــيخ : أودعــتُ أمــوالاً في البنــك، وتركتهــا فــترة طويلــة، ثم ســحبتها فأخــذتُ فائــدة عليهــا حــوالي عشــرة آلاف ريال، ولكــني رأيــتُ في منــامي أني ألــبسُ ثــوباً جديــداً أبــيض، وقــد احــترق بعضــه في طرفــه، فلــم أقــرب هــذه العشــرة آلاف حــتى الآن فمــاذا أفعل ؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: الله تبارك وتعالى يهبُ من يشاء من عباده ما يكون به راجعـاً عن معصية الله عز وجل، وهذا المـال الـذي أخذتـه مـن الـربا رباً، وحـرام عليـك أخـذه، ويجب عليك أن ترده إلى البنك، وليس حلالاً لك، لأن الله تبارك وتعالى يقـول : يا أيهــا الــذين آمنــوا اتقــوا الله وذروا مــا بقــي مــن الــربا إن كنــتم مــؤمنين فــإن لم تفعلــوا فــأذنوا بحــربٍ مــن الله ورســوله وإن تبــتم فلكــم رءوس أمــوالكم لا تظلمــون ولا تُظلمُــون [278-279]رة آلاف هـذه إلى البنـك، حـ تبرأ ذمتك، والله تبارك وتعـالى – والعلـم عنـد الله – قـد نبهـك بهـذه الـرؤيا الـتي احـترق فيها بعض ثوبك، والثوبُ يرمزُ إلى الدِّّين، فكلما كـان الثـوب سـابغاً في الرؤيـة وواسـعاً فهــو دليــل علــى دِّيــن صــاحبه، إن كــان مــن العابــدين، وعلــى قــدر علمــه إن كــان مــن العلماء، وقد احترق بعـضُ الثـوب ولـيس كُلـه لأن مالـك فيـه الطيـب وهـو رأسُ المـال، وفيـــه الخبيـــث وهـــو الـــرِّّبا، فلـــذلك احـــترق بعـــضُ ثوبـــك، فيجـــبُ عليـــك أن تـــردَّ هـــذه الدراهم إلى البنك. ــــ(296)
عدد الصفحات ٢٩٦رؤى ذكرها الشيخ: رأى المصلين يرقصون في المسجد: قال الشيخ رحمه الله: كثير من الناس اليوم، يقومون رمضان، لأنهم كانوا يعتادون قيامه، ولهذا تجد غالبهم لا يُصل عنده خشوع في صلاته ولا طمأنينة، بل ينقرها نقر الغراب، وحدثني رجل أثق به قال: إنه دخل على مسجد وهو يصلون التراويح ويلعبون بها، ينقرونها هذا النقر المعروف، يقول: فلما نام رأى في المنام كأنه دخل على أهل هذا المسجد وهم يرقصون، يعني كأن صلاتهم صارت لعباً، ولا شك أن بعض الأئمة - نسأل الله لنا ولهم الهداية - يصلون التراويح صلاة لعب، لا يتمكن الإنسان من التسبيح في الركوع، ولا من التحميد بعده، ولا من التسبيح في السجود، حتى في التشهد تشك هل أكملوا التشهد الأول أم لم يكملوه؟ وهذا نقص في الإيُان، لأن المؤمن المحتسب لا يُكن أن يصلي هذه الصلاة. رأى والدته في حالة ليست طيبة: قال الشيخ رحمه الله: في هذه الأيام اتصل بي رجل من نواحي المدينة، وقال: إنه رأى أمَّه - وقد ماتت - في حالة ليست طيبة و متضايقة، وكأن شيئاً ضيق عليها، فقيل لهذا الرجل: لو تكثر الاستغفار لأمك، لعل الله أن يفرج عنها، فاتصل بي وقال: إنه فعل ما قيل له، قال: فرأيتها البارحة في أحسن هيئة، وأحسن ثياب، والقصص كثيرة، ومنها أشياء عجيبة. ــــ(297)
عدد الصفحات ٢٩٧رأى كأنه في يوم القيامة والشمس قري بة من الناس وهم في حرٍّ شديد: قال رحمه الله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال (كُلُّ امرئٍ في ظلَّ صدقته حتى يفصل بين الناس) قوله (في ظل صدقته) يُتمل أن يكون المراد بالظل.أن الله تعالى يُميه من أجل الصدقة ويُتمل أن يكون ظلاً حقيقياً والاحتمال الثاني أولى لأن الحقيقة هي الأصل والصدقة قد تكون ظلاً فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل المعاني أعياناً والأعيان معاني فهو سبحانه قادر على هذا وهذا فهذه الصدقة وإن كنت عملاً مضى وانقضى وهي فعل من أفعال المتصدق لكن المتصدق به شيء محسوس فقد يؤتى به يوم القيامة بصفة شيء محسوس بل قد ثبت عن النبي عليه السلام أن سورتي البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان ، والغياية السحابة الملتفة إذا كانت قريبة من الأرض أو غمامتان أو فرقان من طير صواف تُاجان عن صاحبهما فهذا القرآن كلام الله وهو فعل القا رئ ومع ذلك يجعل الثواب كأنه فرقان من طير صواف فهذه الصدقة يجعلها الله سبحانه وتعالى شيئاً محسوساً يظلُّ صاحبه وحدثني رجل إنه كان بخيلاً ولا يأذن لامرأته أن تتصدق بشيء من ماله. فرأى في المنام كأنه في يوم القيامة وكأن الشمس قريبة من الناس والناس يُوج بعضهم في بعض، وهم في حرٍّ شديد ومشقة فجاء شيء مثل الكساء فظلل عليه لكن فيه ثلاثة خروق تدخل منه الشمس يقول فرأى شيئاً يشبه التمرات جاءت وسدت هذه الخروق فانتبه وهو متأثر من الرؤيا فقصُّها على زوجته قالت الذي رأيته حق جاءني فقير وأعطيته ثوباً وجاء بعده فقير فأعطيته ثلاث تمرات س بحان الله الثوب الكساء والتمرات هي التي جاءت ورقعت الشقوق الثلاثة التي في الثوب وهذا الحديث يشهد لصحتها وفيه دليل على فضيلة الصدقة ــــ(298)
عدد الصفحات ٢٩٨الشيخ لا يعبر الرؤى ولا يفسر الأحلام: فقد سئل: زوجتي رأت رؤيا في المنام، وتريدُ تعبيرها. فأجاب رحمه الله: لستُ ممن يعبرُُ الرؤيا وسئل رأيت حُلماً فهل لكم في تفسيره؟ فأجاب : الحلم لا نعرف أن نفسره وسئل: امرأة رأيت في المنام أنها تشرب لبناً، فما تأويل هذه الرؤيا؟فأجاب رحمه الله: اللبْ في الرؤيا طيب، ولكني لستُ من الذين يعرفون تأويل الرؤى. وسئل: حلمت بأن حيةً تُلاحقني وتنهشني مع العلم أنه تكرر نفس الحلم ثم انقطع، ثم رجع إليَّ ، فماذا أفعل؟ فأجاب رحمه الله: أنا لستُ من الذين يعبرون الرؤيا من رأى الشيخ مع الرسول صلى الله عليه وسلم: سئل الشيخ: أسالك يا فضيلة الشيخ وأنا الآن في منى، الشيخ رحمه الله في م أمامي مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فكان الرسول يعطيه حصيات في يده ويقول لك: سلمها للولد هذا ويقسمها على أصحابه تنفعهم.... فأجاب الشيخ رحمه الله: وأما الرؤيا لا أؤولها ولا أدري ما هي، الله أعلم. من رأى الشيخ يجُيبهُ على أسئلته : سئل الشيخ: في كثير من الليالي أرى في المنام كأني في درس فضيلتكم، ويكون عندي بعض المسائل، فأسألك فيها فتجيبني! فما هو حكم الجواب؟ فأجاب رحمه الله: أنا لا استحضر هذا، ولا أشعر إذا حلمت أنك تسأليني لا تعتمد على هذا إن سمعت من الشريط فلا بأس، أما نحن فلا نُدرس في النوم فلا تأخذ مني شيئاً في المنام ولو تأتي بالمسائل وتعرضها علينا يُكن تكون صحيحة. ــــ(299)
عدد الصفحات ٢٩٩عدم التعلق بالأحلام: قـــال الشـــيخ رحمـــه الله : ينبغـــي للإنســـان ألا يتعلـــق بالأحـــلام، ولا يهـــتم بهـــا، وليُعـــرض عنهــا، لأنــه إذا اهــتمَّ بهــا، واغــتمَّ عنــد المكــروه منهــا لعِّــب بــه الشــيطان، وصــار يُريــه في منامــه أشــياء تزعجــه وتشــوش عليــه، فــالأولى للإنســان أن يتناســى الأحــلام، وألا يبــالي بها، وألا يذكرها إذا استيقظ. الكذب في الحلم للمصلحة: قــال الشــيخ رحمــه الله : الكــذب في الحُلــم حــرام، بــل مــن كبــائر الــذنوب، لأن الإنســان إذا كـذب في الحلـم، أي قــال : إني رأيـت في المنــام كـذا وكــذا، وهـو لم يــره، فإنـه يُعــذب يوم القيامة، كما جـاء عـن النـبي صـلى الله عليـه وسـلم : مـن تُلَّـم بحُِّلـمٍ لم يـره كُلِّّـف أن يعقــد بــين شــعيرتين ولــن يفعــل ) ولا يقــال : إنــه إذا كــان هنــاك مصــلحة جــاز الكــذب، لأنه لا يُكن أن يُدعى إلى الله بمعصية الله أبداً. عدم جواز تأويل الرؤيا لمن لا يعرف ذلك: قــال ارحمــه الله : الــرؤيا...لا يجــوز لأحــد أن يؤولهــا، ولــيس مــن أهــل التأويــل، بمعــنى أن يعبرُهــا ويفســرها، وهــو لــيس مــن أهــل التأويــل والتفســير والمعرفــة، لأنــه قــد يؤولهــا علــى خلاف ما هي له، ويقع الأمر على حسب ما أوَّل، ويكون في هذا ضرر عظيم من فوائد الرؤى: قــال الشــيخ رحمــه الله: واعلــم أنــه يُكــن أن تكــون الــرُّؤى المكروهــة تنبيهــاً للإنســان ، فتسُرُّ الإنسان باعتبار نتائجها، لأن الإنسان أحياناً قد يتلـبسُ بمعصـية. أو بأكـل مـالٍ لأحد، أو بظلم أحد، و يرى في الرؤيا مـا يُنبهُـهُ، فهـذه لا تكـون مكروهـةُ في نفسـه، بـل يُمدُ الله سبحانه وتعالى أن نبَّههُ على هذا الأمر بهذه الرؤيا. ــــ(300)
عدد الصفحات ٣٠٠الرؤيا قد يكون فيها تصديق للإنسانعلى شيءٍ عمله: عن شعبة قال : أخبرنا أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال : تمتعـتُ، فنهـاني ناس، فســألتُ ابــن عبــاس رضــي الله عنهمــا، فــأمرني، فرأيــتُ في المنــام كــأن رجــلاً يقــولُ لي : حج مبرور، وعمرة متقبلة، فـأخبرتُ ابـن عبـاس، فقـال : الله أكـبر سـنة النـبي صـلى الله عليه وسلم، مالي، قال شعبة : فقلت : لمِّا ؟ فقال للرؤيا التي رأيت قال الشيخ رحمه الله: في هذا الحديث دليل على فوائـد، منهـا : أن مـا أفـتى بـه عبـدالله بـن عبــاس رضـي الله عنهمــا هـو الصــواب، لأنـه رأى في المنــام أن رجـلاً دعــا لـه بقبولهــا، ولو كانت غير صواب لكانت مردودة، لقول النبي صلى الله ع ليه وسلم : ( من عمـل عمــلاً لــيس عليــه أمــرنا فهــو رد)...وقــول ابــن عبــاس رضــي الله عنهمــا " الله أكــبر ســنة أبي القاســم " إنمــا كــبر تعجبــاً ممــا حصــل، حيــث أُيــد ابــن عبــاس رضــي الله عنهمــا بهــذه الرؤيا. وقـــال رحمـــه الله: في هـــذا الحـــديث دليـــل علـــى الاســـتئناس بالـــرؤيا الصـــالحة في إصـــابة الصــواب، وكــذلك في بيــان الخطــأ، قــد يكــون الإنســان أخطــأ، وظــن أنــه علــى صــواب، فيرى في المنام ما يدُلُّ على أنه أخطأ، وهذه من نعمة الله عز وجل على العبـد، وتثبيتـه لــه أن يــرى في منامــه مــا يُؤيــد مــا فعــل، ولهــذا كــبر ابــن عبــاس رضــي الله عنهمــا تعجُّبــاً وفرحـاً بنعمــة الله عــز وجــل عليــه، حيــث كـان هــو يأمــر بالتمتــع، وأكثــر النــاس في زمانــه ينهون عن التمتع. ــــ(301 )
عدد الصفحات ٣٠١الرؤيا قد يكون فيها تنبيه للإنسانعلى تقصيره: عن ابن عمر رضـي الله عنـه قـال: كـان الرجـل في حيـاة النـبي صـلى الله عليـه وسـلم إذا رأى رؤيا قصــها علــى رســول الله صــلى الله عليــه وســلم فتمنيــتُ أن أرى رُؤيا فأقصــها علــى رســول الله صــلى الله عليــه وســلم وكنــتُ غلامــاً شــاباً وكنــتُ أنامُ في المســجد علــى عهد رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم، فرأيـتُ في النـوم كـأن ملكـين أخـذاني، فـذهبا بي إلى النــار، فــإذا هــي مطويــة كطــي البئــر، وإذا لهــا قــرنان، وإذا فيهــا أناس قــد عــرفتهم، فجعلتُ أقولُ : أعوذ بالله من النار ! قال : فلقينا ملك آخر، فقال : لم تـُراع. فقصصتها على حفصـة، فقصـتها حفصـة علـى رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم، فقـال : (نعـــم الرجـــلُ عبـــدالله! لـــو كـــان يصـــلي مـــن الليـــل) فكـــان بعـــدُ لا ينـــامُ مـــن الليـــل إلا قليلاً: في هـذا الحــديث فوائــد منهــا : أن الله تعــالى قــد يُنبــه المــرء إذا كــان مقصــراً في شــيء، إمــا بــرؤيا، أو بغــير ذلــك، لأن الله تعــالى نبــه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما بهذا التنبيه. ــــ(302)
عدد الصفحات ٣٠٢فصلأئمة وأعلام في الميزان عمر بن عبدالعزيز قال الشيخ رحمه الله : عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، أحد خلفاء بني أُمية، وعدَّه بعض العلماء رحمهم الله من الخلفاء الراشدين، ولا شك أنه من الخلفاء الراشدين، ولكنه لا يساوي الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، بما لهم من صُحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلم والفضل والجهاد، وغير ذلك، لكن في الولاية لا شك أنه من الخلفاء الراشدين رحمه الله. ولم يبق في الخلافة إلا سنتين وأشهراً، ومع ذلك هبَّطا الله تعالى به فتن الخوارج، فالخوارج الذين كانوا خارجين على من قبله كُلُّهم استسلموا له، وانقادوا له، ووضعوا السلاح، لأن الرجل كان عنده نية صالحة، وعمل صالح، وزهد، وورع، وبُعد عن استغلال المنصب والجاه، وكان جُلساؤُه أهل العلم وأهل الدين. عبدالملك بن مروان: قال رحمه الله: الخليفة الجيد الذكي. الحجاج: قال رحمه الله: الرجل معروف بأن لديه غُشمًا وظلمًا، وله حس نات، لكن سيئاته تغلب على حسناته، وقال: نسأل الله أن يعفو عنه رجل ظالم يقتل الناس بغير حق العلامة ابن القيم: قال الشيخ رحمه الله: ابن القيم رحمه الله قلمُه سيَّال، ومن نعمة الله على العبد أن يكون قلمه سيَّالاً، ويكون كلامه منتظمًا ومتآلفًا. ــــ(303)
عدد الصفحات ٣٠٣شيخ الإسلام ابن تيمية علم منير ومجاهد كبير: قال الشيخ رحمه الله: كان رحمه الله عالِّمًا كبيرًا، وعلمًا منيرًا، ومجاهدًا شهيرًا، جاهد في الله بعقله وفكره، وعلمه وجسمه، وكان قوي الحجة لا يصمد أحد لمحاجَّته، ولا تأخذه في الله لومة لائم إذا بان له الحق أن يقول به، ومن ثم حصلت له محن، فحبس مرارًا، وتوفي محبوسًا في قلعة دمشق في 20 شوال728هـ وقال رحمه الله: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وناهيك به علمًا، وناهيك به فقهًا، وناهيك به ورعًا. بحر العلوم العقلية والنقلية: قال الشيخ رحمه الله: العالم الرباني، بحر العلوم العقلية والنقلية، تلقَّى العلم حتى بل الذروة فيه، كان رحمه الله عالِّمًا كبيرًا، وعلمًا مُنيرًا، ومجُاهدًا شهيرًا، جاهد في الله بما استطاع من قوله وفعله، وكان قويَّ الحُجَّة، حُرَّ التفكير، صائب الرأي. وقال رحمه الله: شيخ الإسلام رحمه الله بحر، ما هو نهر أو جدول؛ بل بحار رحمه الله، ما تكلم بفنٍّ إلا قلت: هو إمامه... ما تكلم بشيءٍ من نحوٍ، أو منطق، أو فلسفةٍ، أو عقيدةٍ، أو فقهٍ، إلا قلت: هو إمامه، كأن العلم يتفجر بين عينيه رضي الله عنه ورحمه. وقال رحمه الله: ممن اشتهر في الأُمَّة الإسلامية، ولا سيَّما في العصور المتأخِّّرة؛ وذلك لأنه جمع الله له بين العلوم الشرعية والعقلية، فصار من آيات الله في حفظه وفهمه وورعه وشجاعته، وغير ذلك من صفاته التي تعرف من تراجمه. ــــ(304)
عدد الصفحات ٣٠٤