قال الشيخ رحمه الله: اعلم أن العين تُصيبُ كلَّ شيء، ومن ذلك: أنه مرَّ رجلٌ على سيارة -وذلك قبل أن تكثُر السيارات - مرَّ بقوم يشتغلون بالطين، وكانوا في البرِّّ، فقال بعضهم لبعض: ليت هذه السيارة تتأخَّر إلى آخر النهار حتى نركب فيها إلى البلد، وقد مرَّ بهم بعد الظهر، فقال أحدهم وهو عائن: سيبقى إلى أ ن ندخل! فلما تجاوزهم قليلاً وقف جاء ليُشغِّّلها فلم تعمال فنظر في المحرِّّك وفي كل شيء، وما وجد فيها شيئًا، وإذا ركب ليُشغِّّلها فلا تعمل، فلما انتهى هؤلاء مِّن عملهم بعد العصر ماشوا، فمرُّوا على صاحب السيارة، فسألوه، وقالوا: تريد أن ندفعها معك وتُركِّبنا معك إلى البلد؟ قال: نعم، فذهب العائن ونفخ في المحرِّّك، وقال لأصحابه: ادفعوها وهي لا تُتاج إلى دفع؛ لأنه لامَّا نفخ على المحرِّّك زال كل شيء، فعمِّلت السيارة. وقال رحمه الله: أخبرني رجلٌ أن صاحبًا له أُصيب بعين إنسان، وبقي هذا الرجل الْمُصاب خمسة عشر يومًا لا ينام ليلاً، ولا يستريح نهارًا من عينه، وكانت له إبل، فضاعت إبلُه... وكان له صاحب فجاءه يـاعُودُه، فقال: ما الذي أصاباكا؟ قال: أصابني فلان، فذهب هذا الصاحب إلى العائن في الضُّحى، وقال له: مالك على فلان؟! ماذا تُصيبه؟! مُرِّضا بعينه، وضاعت إبلُه، ولكن اخترا إحدى ثلاث: إما أن نُصلِّّي عليك العصر في الجامع ميتًا، وإما أن نحبساكا في بيتِّكا لا تخرج، وإما أن تُعطيني عهدًا بأنه من المكان الفلاني إلى المكان الفلاني لا يُصاب أحدٌ منهم بعين، فاختار الأخيرة ... ثم أخذ طاقيته، وذهب بها للمصاب، ووضعها في ماء حتى تشرَّبات الماء، ثم شرب منه، ومسح عينه، وخرج مع الناس يُصلِّّي الظهر، وفي آخر النهار جاءه الخبر بأن جميع إبله رجعت، ما فُقِّد منها بعيرٌ. ــــ(273) من طُلِّبا منه أن يُعطي المُعان فضل وضوئه أو غسله، فلا يرفض :
عدد الصفحات ٢٧٣قال الشيخ رحمه الله: بعضُ الناس يـُتَّهمُ بأنه أصاب أخاه بالعين، إما لكلمةٍ قالها أو قرينة تدلُّ على ذلك، فيأتي إليه الْمُصاب أو أهله يطلبون منه أن يستغسل بالوضوء أو بالغسل، فينفر منهم ويسبُّهم ويشتمهم، ويأبى أن يُطيعا، وهذه خطأ؛ لأنه ربما يكون الأمر واقعًا، فإن كان واقعًا حصل دافْع الأذيَّة التي حصلت منه بفعله بنفسه، وإن لم يكن واقعًا فإنه لا يضرُّه؛ لأنه إذا لم يُشْفا المريض بذلك، عالِّما أنه لم يُصِّبْه بالعين، وإذا شُفِّي بذلك عالِّم أنه أصابه وسلِّم من أذيَّة أخيه، ومن العقوبة التي تترتَّب على ذلك إذا كان هو الذي أصابه، وهذا لا يضُرُّه. لكن بعض الناس - والعياذ بالله - تأخُذُه العِّزَّة بالإثم ويأبى ويقول: هل أنا عائن؟ وما أشبه ذلك، وهذا خطأ؛ بل انفاعْ أخاك إن كانت العين منك، فتكون قد تخلَّصْتا منها وشفى اللهُ صاحباكا، وإن لم تكن منك، فإنه لا يضُرُّكا ولم ينفعه ما أخاذ منك، وحينئذٍ يُعرافُ أنك بريء من العين. على من يعرف من نفسه أنه يُصيب الناس بالعين أن يُكثر التبريك: قال الشيخ رحمه الله: ينبغي لمن عراف من نفسه أنه عائن أن يُكثِّر التبريك إذا رأى ما ياسُرُّه، فيقول: تبارك الله، ما شاء الله، وما أشبه ذلك، وقال رحمه الله: يوجد أُناس نسماع عنهم أنهم تابوا من العين، وصاروا كلما رأوا شيئًا ذكروا الله تعالى. ــــ(274) الوقاية والتحرُّز من الع:
عدد الصفحات ٢٧٤قال الشيخ رحمه الله: التحرُّز من العين مقدَّمًا، لا بأس به، ولا يُنافي التوكُّل؛ بل هو التوكُّل؛ لأن التوكُّلا الاعتماد على الله سبحانه مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعوِّّذ الحسن والحسين ويقول: ((أعيذكما بكلماتِّ الله التامَّة من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عينٍ لامَّة))، ويقول: ((هك ذا كان إبراهيم يُعوِّّذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام))؛ وقال رحمه الله: خير وقاية منها، وقاية دافعة، أن الإنسان يستعمل الأوراد الواقية من العين وغيرها مثل آية الكرسي؛ قال الرسول عليه الصلاة والسلام فيها: ((مانْ قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظٌ، ولا يقرابه شيطان حتى يُصبِّح)). قال الشيخ رحمه الله: توجد طريقة لدفع عين العائن؛ أنك إذا مررت به تقول: "اللهم إني أجعلك في نحاْرِّه، وأعوذ بك من شرِّّه"، فهذه تفيدُكا كثيرًا، وهناك أيضًا أن تظهر الشيء له بمظهر لا يُسُدُكا عليه، فهذا من دارْء العين ألاَّ تظاهر أمام العائن بمظهر يُسُدُكا عليه. وقال رحمه الله: للعين أشياء تقي؛ منها: دافعة ورافعة. أما الأشياء الدافعة، فأن يُكثِّر الإنسان من الأوراد التي جاءت بها السنة؛ مثل: قراءة آية الكرسي، والآيتين من آخر سورة البقرة، وسورة الإخلاص، والفلق، والناس. ــــ(275) العلاج الشرعي لمن أُصيب بالع:
عدد الصفحات ٢٧٥قال الشيخ رحمه الله: العلاج الشرعي لمن أُصيب بالعين، ولا يعرف مانْ أصابه بالعين، فعلاجُه بكثرة قراءة القرآن، ومن ذلك سورة الفاتُة، وآية الكرسي، وسورة الإخلاص، والفلق، والناس، ويقرأ مثل قوله تعالى: ﴿ وانـُنـازِّّلُ مِّنا الْقُرْآنِّ ماا هُوا شِّفااءٌ واراحمْاةٌ لِّلْمُؤْمِّنِّينا ﴾82] ياا أايـُّهاا النَّاسُ قادْ جااءاتْكُمْ ماوْعِّظاةٌ مِّنْ رابِّّكُمْ واشِّفااءٌ لِّماا فيِّ الصُّدُورِّ ﴾57] المناسبة وقال رحمه الله: من أصيب بالعين، إذا علِّم عائنه فإنه يطلب منه أن يتوضَّأ ويؤخُذ ما يتساقاط من ماء وضوئه، ثم يُعطي للعائن يصُبُّ على رأسه وعلى ظهره، ويُسقى منه، وبهذا يُشفى بإذن الله، وقد جرت العادةُ عندنا أنهم يأخذون من العائن ما يُباشر جسمه من اللباس مثل الطاقية وما أشبه ذلك، و يرسِّّبونه في الماء، ثم يسقونه المصاب، ورأينا ذلك يفيده حسبما تواتار عندنا من النُّقول، فإذا كان هذا هو الواقع فلا بأسا باستعماله؛ لأن السبب إذا ثبت كونه سببًا شرعًا أو حِّس ا، فإنه يعتبر صحيحًا. من يجعل الله تعالى في رُقيته بركة: قال الشيخ رحمه الله: التكسُّ ب بالرقية كثـُرا جد ا، ومن أُناسٍ الله أعلمُ بحالهم من ناحية الاستقامة؛ لكن المؤمن الذي يُريدُ أن ينفع أخاه، وهو الذي يقرأ، فإن أُعطي أخاذ، وإن لم يـُعْطا لم يسأل، وهذا هو الذي يجعل اللهُ تعالى في رقيته بركتاه، أما من جعل القرآن الكريم وسيلةً للتكسُّب، فقد اشترى الدنيا بعمل الآخرة - والعياذ بالله - وما له في الآخرة من نصيب. ــــ(276) القارئ لا يُسُّ المرأة مهما كان:
عدد الصفحات ٢٧٦سُئل الشيخ: بالنسبة للقارئ على المرضى، ما هي الأماكن التي يجوز أن يُسكاها من المرأة، هل له الحقُّ أن يُُسِّك الرأس أو يُُسِّك غير ذلك؟ فأجاب رحم ه الله: والله، لا أرى له ذلك مهما كان، لا يضعُ يده على موضع الألم بالنسبة للمرأة، أما بالنسبة للرجل، فإنه من المستحسان أن يضاعا الرجُلُ يداه على موضع الألم، ويقولُ: أُعيذك بعزَّةِّ الله وقُدْرته من شرِّّ ما تجدُ وتُُاذر، وما أشبه ذلك مما وردت به السنة. قال الشيخ رحمه الله: الوهم له أثرٌ كبيرٌ في اعتلال الصحة واعتلال العقل أيضًا، وكثيرٌ من الناس يتوهَّم أنه مسحورٌ، أو أنه مُصابٌ بالعين، وليس كذلك؛ لكن لامَّا كثُر التوهُّمُ والتخيُّلُ انفعال في النفس، وظنَّ أنه حاقٌّ، وأنه مسحورٌ أو مُصابٌ بالعين. الحذر من الأوهام والتخيلات: قال الشيخ رحمه الله: كثُر في هذه الآونة الأخيرة أوهامُ الناس وتخيُّلاتهم بأن ما يُصيبهم هو عينٌ أو سِّحْر، أو جِّنٌّ، حتى لو أُصيب بعضُهم بالزُّكام، قال: إنه عينٌ، أو سِّحْر، أو جِّنٌّ، وهذا غلطٌ، فأعرِّض أيُّها الأخ المسلم عن هذا كله، وتوكَّل ع لى الله، واعتمِّد عليه، ولا تُوسوس حتى يزول عنك؛ لأن الإنسان متى جعل على باله شيئًا شُغِّل به، وإذا تغافالا عنه وتركاه، لم يُصابْ به. ــــ(277) فصل: السحرة والجن ** السحر والسحرة
عدد الصفحات ٢٧٧أسباب كث رة السحرة: سئل الشيخ : كثُر في زماننا هذا السحر، فما هي الأسباب ؟ فأجاب رحمه الله: الأسباب قلة خوف الله عز وجل، وضعف الإيُان في النفوس، وحُبُّ العُدوان على الغير. ومن أسبابه انفتاح الناس علينا، وانفتاحنا على الناس، لأن كثيراً من هذا النوع إنما أخذه الناس من الخارج، ذهبوا إلى الناس، وجاء الناس إليهم، وحصل الشر والفساد. وقال رحمه الله: ما كثر في الناس في الآونة الأخيرة من السحرة والحساد وما أشب ه ذلك إلا من أجل غفلتهم عن الله، وضعف توكلهم على الله عز وجل ، وقلة استعمالهم للأوراد الشرعية التي بها يتحصنون. تأثير السحر على بدن المسحور وعقله وتصوره: قال الشيخ رحمه الله: للسحر ح قيقة ولا شك وهو مؤثر حقيقية...ويؤثر على المسحور حتى يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً، إذن فله حقيقة، ويؤثر على بدن المسحور وحواسه. قال الشيخ رحمه الله: السحر...فيؤثر في بدن المسحو ر بإضعافه شيئاً فشيئاً حتى يهلك وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه وفي عقله فربما يصل إلى الجنون والعياذ بالله. ــــ(278) التفريق بين الرجل وزوجته من أشدِّّ أنواع السحر إيذاء وضرراً : قال الشيخ رحمه الله : من أعظم أنواع السحر التفريق بين الرجل وزوجته، لقوله: فيتعلمون منهما ما يُفرقون به بين المرء وزوجه وهذا يسمىلعطف والصرف، فإن من أنواع السحر ما إذا سحر به الإنسان انعطف على غيره انعطافاً بالغاً شديداً، لا
عدد الصفحات ٢٧٨يُلك أن يتصرف بنفسه معه، حتى يكون وراء هذا الشخص الذي عُطِّفا عليه، كما تكون الشاة وراء الراعي الذي يدعوها، ومن السحر ما يكون بالعكس، يوضع للشخص ليفرق بينه وبين حبيبه، مثل أن يفرق بينه وبين زوجته، فيصبح يرى زوجته وكأنها من أعدى أعدائه أو العكس، وهذا من أشدِّّ أنواع السحر إيذاء وضررا. السحر والوهم: قال الشيخ رحمه الله : الوهم له أثر كبير في اعتلال الصحة واعتلال العقل أيضاً، وكثير من الناس يتوهم أنه مسحور، أو أنه م صاب بالعين، وليس كذلك، لكن لما كثر التوهم والتخيُّل انفعل في النفس، وظن أنه على حق، وأنه مسحور، أو مصاب بالعين. فأولاً: أنصحُ إخواني المسلمين أن لا يخضعوا لهذه الأوهام، لأن هذه الأوهام من إملاء الشيطان، والإنسان إذا غفل وتلهى عنها زالت – بإذن الله – مع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، لكن إن إذا وقع الأمر حقيقةً وصار الإنسان معتل الصحة، أو معتل التفكير، فإنه ينقض السحر بالآيات الكريُات مثل: المعوذتين الفلق والناس، وآية الكرسي...أو بأدوية إذا كان السحر بأدوية، فهو يقابل بأدوية أُخرى معروفة عند الذين يعالجو ن الناس. ــــ(279) الوقاية والعلاج: قال الشيخ رحمه الله: ينبغي للمسحور أن يلجأ إلى الله تعالى، وأن يسأله رفع ما نزل به بصدق، وإخلاص، وضرورة، فإن الله تعالى يقول: أمن يجُيبُ المُضطر إذا دعاهُ ويكشف السُّوء ويجعلكم خُلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرو ن [62]
عدد الصفحات ٢٧٩وشدة تضرعه إليه من أقوى الأدوية تأثيراً إن لم يكن أقوى الأدوية تأثيراً، ولهذا لما سُحِّرا النبي صلى الله عليه وسلم بسحر عظيم، أنزل الله عليه سورتي المعوذتين : قُل أعُوذُ بربّالفلق و قُل أعُوذُ بربِّّ الناس فرقاه بهما الملك، فشفاه تعالى من ذلك. وقال رحمه الله : حل السحر عن المسحور (النشرة) الأصح فيها أنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون بالقرآن الكريم، والأدعية الشرعية، والأدوية المباحة فهذه لا بأس بها، لما فيها من المصلحة وعدم المفسدة. القسم الثاني: إذا كانت النشرة بشيء محرم كنقض السحر بسحر مثله، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم: فمن العلماء من أجازه للضرورة. ومنهم: من منعه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: ( هي من عمل الشيطان) وإسناده جيد رواه أبو داود، وعلى هذا يكون حل السحر بالسحر محرماً، وعلى المرء أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والتضرع إزالة ضرره والله سبحانه وتعالى يقول: وإذا سألك عبادي عنيِّّ فإنيّ قريب أُجيبُ دعوة الداعِّ إذا دعان [186] ــــ280) الجنُّ والشياط الجن قد يُرو ن: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن عفريتاً من الجنِّّ تفلت البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منهُ فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي
عدد الصفحات ٢٨٠سُليمان: ربِّّ هب لي مُلكاً ينبغي لأحدٍ من بعدي فرددته خاسئاً قال الشيخ رحمه الله : في الحديث دليل على أن الجنَّ قد يُرون، لقوله: ( حتى تنظروا إليه ) وهو كذلك، فالجن قد يُرون، والأصل فيهم أنهم لا يُرون، ولكن قد يُرون، فيتمثلون أمام الإنسان، ثم إنهم يتمثلون على صور شتى، إمَّا على صورة عجوز، أو على صورة شيخ، أو على صورة دب، أو على صورة سبع، المُهم يتصورون بالصورة التي يُزعجون بها بني آدم. فالمهم أن في هذا الحديث دليلاً على أن الجنَّ يُكن أن يروا وهو كذلك، لكنه نادر، فالأصل أنهم عالم غيبي، كالملائكة، الأصل أنهم عالم غيبي لا يرون، لكن قد يُريهم الله تعالى الناس، كما جاء جبريل في حديث عمر الطويل المعروف في صورة رجل نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يُعيذنا من الشيطان الرجيم، وألا يجعل له سلطاناً علينا، إنه جواد كريم. وقال رحمه الله: الجن قد يظهرون أمام الناس ويُشاهدون، إما بصورهم التي هم عليها، وإما بتصورات ثانية، وإما على صورة قطط، أو على صورة الدواب، كما جاء في الحديث الصحيح في النهي عن قتل الجنان التي تكون في البيوت، لأن بعضها قد يكون من الجن. ــــ(281) أذية الجن للإنس قال الشيخ رحمه الله: لا شك أن الجن لهم تأثير على الإنس بالأذية التي قد تصل إلى القتل، وربما يؤذونه برمي الحجارة، وربما يرعون الإنسان إلى غير ذلك من الأشياء التي ثبتت بها السنة، ودل عليها الواقع...فإنه قد تواترت الأخبار واستفاضت بأن الإنسان قد يأتي إلى الخربة فيرُمى بالحجارة وهو لا يرى أحداً من الإنس في هذه
عدد الصفحات ٢٨١الخربة، وقد يسمع حفيفاً كحفيف الأشجار، وما أشبه ذلك مما يستوحش به ويتأذى به. وقال رحمه الله: الجنّ ربما يتلبسون بالإنسان، أي: يدخلون في جوفه حتى يكون كاللباس لهم، فيصرعونه ويُؤذونه. وقد أشار الله بقوله: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقومُ الذي يتخبطه الشيطانُ من المس [275] وهذا الصرع، أي: صرع الجني للإنسي لا ينكره إلا الملاحدة، كما قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: إنهم لم يصلوا إلى هذا النوع من الصرع فجعلوا ينكرونه، ويُُيلون جميع أنو اع الصَّرع إلى صرع الأعصاب والمُخِّّ وما أشبه ذلك، وصرع الجنِّّ للإنسِّ معلوم بالمشاهدة أيضاً، فلا ينكره إلا مُكابر، لأنه شوهد من يُصرع، ويخاطب الجني الذي صرعه مخُاطبة صريُة واضحة، وجرى ذلك على يد أئمة الإسلام، كالإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهما الله ، وغيرهم إلى يومنا هذا. وقال رحمه الله: قد يدخل الجني إلى جسد الآدمي، إما بعشق، أو لقصد الإيذاء، أو لسبب آخر من الأسباب. ــــ(282) وقال رحمه الله: ومن عدوان الجن على الإنس أنهم يتسلطون عليهم بالوسوسة ال يلقونها قلوبهم ولهذا أمر الله تعالى بالتعوذ من ذلك فقال قل أُعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوسُ صدور الناس من الجَّنةِّ والناس وتأمل كيف قال الله تعا من الجَّنة والناس فبدأ بذكر الجن، لأن وسوستهم أعظم، ووصولهم إلى الإنسان أخفى
عدد الصفحات ٢٨٢منأسباب كث رة تسلًط الجنِّّ على الإنس: وقال رحمه الله: لا أستبعد أن كثرة مسِّّ الجن – في الوقت الحاضر – من أسباب الغفلة عن ذكر الله تعالى في مواضع الذكر وقال رحمه الله: وما ضر الناس اليوم من كثرة تسلُّط الجنِّّ على الإنس إلا بسبب إعراضهم عن الأوراد الشرعية، فتأتي الجنُّ فلا تجد أحداً محروساً، فتسلَّط عليه، هذا مع ضعف الإيُان بالله عز وجل، وضعف التوكل عليه، وكثرة الأوهام والخيالات، وصار الناس الآن تلعب بهم الجنُّ كما شاءت. الشياطين تُطرد بالعبادة: سئل الشيخ : امرأة تخرج من البيت وتتركُ المذياع مفتوحاً على إذاعة القرآن الكريم بحُ جة طرد الشياطين، فهل هذا وارد ؟ فأجاب رحمه الله: هذا لم يرد، لم تظهر إلا أخيراً، وهذا لا ينفع في طرد الشياطين، لأن الشياطين إنما تُطرد بالعبادة، وهذا ليس بعبادة، وإنما غاية ما فيه أن الإنسان إذا استمع إليه اتعظ بما في القرآن فقط. ــــ(283) القراءة على الملح وذرَّه في البيت حتى لا تقربه الشياطين خطأ: قال الشيخ رحمه الله: قولهم : إنه إذا قُرِّئ على الملحِّ، وذُرَّ في البيت لا تقربه الشياطين، هذا خطأ وليس بصحيح، ولا يجوز العمل به. الوقاية والعلاج:
عدد الصفحات ٢٨٣قال الشيخ رحمه: الوقاية: تكون بقراءة الأوراد الشرعية، من كتاب الله تعالى، وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقوة النفس، وعدم الجريان وراء الوساوس، والتخيلات التي لا حقيقة لها، فإن جريان الإنسان وراء الوساوس والأوهام يؤدي إلى أن تتعاظم هذه الأوهام والوساوس حتى تكون حقيقة. وقال رحمه الله: الوقاية المانعة من شر الجن أن يقرأ الإنسان ما جاءت به السنة مما يتحصن به منهم مثل آية الكرسي، فإن آية الكرسي إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. والله الحافظ. وقال رحمه الله: عليك يا أخي بالاستعاذة بالله من الشياطين، واستعمل الأور اد الشرعية صباحاً ومساءً حتىَّ تسلم من شرِّّهم. وقال رحمه الله : نحن نعلم أن الأوراد الشرعية حصن منيع، أشدُّ من سد يأجوج ومأجوج، لكن مع الآسف أن كثيراً من الناس لا يعرفون عن هذه الأوراد شيئاً، ومن عرف فقد يغفل كثيراً، ومن قرأها فقلبه غير حاضر، ولو أن الناس استعملوا الأوراد على ما جاءت به الشريعة لسلموا من شرور كثير ة، نسأل الله العافية والسلامة. ــــ(284) وقال الشيخ رحمه: ما نراه اليوم من سحر الناس الذين يقرؤون سورة البقرة، فإما أن يكون داخل في قوله : إلا بإذن أو يقال إنهم لا يقرونها بإيُان، أو لا يقرؤونها بتدبّر، أو يقرؤونها مع شك في بعض الآيات، لأن الرسول صلى الله عليه وسم لا يتكلم إلا عن الحق، فإذا تخلّف هذا فقد يكون لسبب أو لوجود مانع.
عدد الصفحات ٢٨٤وقال رحمه الله: الآيات التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من فوائدها، فإن الواجب على المرء أن يتلوها وهو موقن بصحة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يتم إيُانه، وحتى ينتفع بها. ــــ(285) فصل: الرُّؤى والأحلام أقسام الرؤيا قال الشيخ رحمه الله: الرؤيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من وحي الشيطان
عدد الصفحات ٢٨٥وهي الحلم، وهذه غالباً ما تكون فيما يُزنُ الإنسان ويضيقُ صدرهُ، ويقلقُ نفسه، فيضربُ الشيطان للنائم أمثالاً تزعجه، وهذا من الشيطان، وهو حريص على إزعاج بني آدم، كما قال تعالى: ﴿ إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ﴾ [10.] فالشيطان قد يضرب للإنسان النائم أمثالاً تزعجه، ويرى مثلاً في المنام عقارب تلدغه، وحياتٍ وذ باً تعدو عليه، وجمالاً تنهشُه، فتجدُهُ يق وم فزعاً ويخشى، فهذا من الشيطان. القسم الثاني: رؤيا هي حديث النفس يعني الإنسان يهتمُّ بشيءٍ وبشغلُ باله في اليقظة فيراهُ في المنام، فتجده مثلاً يريدُ أن يقوم برحلة مع زملائه، فإذ ا نام في الليل رأى أنه يهيئُ لهذه الرحلة، ويشترى المتاع، ويهيئُ السيارة، وما أشبه ذلك، فهذا نُسميه حديث النفس، وهو يكونُ مطابقاً للواقع، ومعلوم أن هذا لا يضر. القسم الثالث: رؤيا حق وهي التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا الصالحة جُزء من ستة وأربعين جُزءاً من النبوة). ــــ(286) الفرق بين الرؤيا والحلم: قال الشيخ رحمه الله: الغالب أن الرؤيا تكون سارة يفرح بها المؤمن، وينشرح لها صدره، وتكون مركزة، وأما الحلم فمن الشيطان، يأتي بالأمثال يضربها للنائم لتزعجه وتُروعه، وتقلق راحته، وهناك ما يشبه الح لم مما لا أساي له ولا معنى له، ومثاله عندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رأيتُ في المنام
عدد الصفحات ٢٨٦كأن رأسي قُطع، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يُُدثُ به الناس).وقال رحمه الله: ليعلم أن الشيط ان يتمثل للإنسان وهو نائم فيما يكره، ويُُدثهُ بما يكره، من أجل إدخال الحزن عليه، لأن الشيطان يُُبُّ أن يُدخل الحزن على الإنسان والانقباض، وألا يسر الإنسان بشيءٍ لأنه عدو، قال تعالى: ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ﴾ [6] ويكره ما يسرُّهم، وهو يستطيع أن يتمثل لنسان في منامه بما يكره حتى يُزن من رأى رؤيا خير فلا يُدث بها إلاّ من يُُبُّ : قال الشيخ رحمه الله: إذا جرى لإنسان رؤية فليهتد بما دله النبي صلى الله عليه وسلم، إن رأى رؤيا خير يُبها، وتأولها على خير، فليخبر بها من يُب، مثل أن يرى رؤيا أن رجلاً يقول له: أبشر بالجنة أو ما أشبه ذلك فليحدث بها من يُب. وقال رحمه الله: ولا يُدث بها من لا يُُبُّه، لأنهم ربما يكيدون له كيداً، كما فعل إخوة يوسف في يوسف. ــــ(287) الطريق للخص من الأحلام المزعجة المحزنة العمل بالهدي النبوي: قال الشيخ رحمه الله: سنعطيكم فائدة تستريُون فيها: كل حلم مُزعج فهو من الشيطان، كما قال علية الصلاة والسلام، فأيُّ حلم تراهُ مُزعجاً فهو من الشيطان، إذن ما هو الطريق إلى التخلص منه: نقول: الطريق كما أمر الن بي علية الصلاة والسلام، أن تقول: أعوذ بالله من شر الشيطان، ومن شر ما رأيت، وتتفل عن
عدد الصفحات ٢٨٧يسارك، وإذا استيقظت وأنت في مرقدك انقلب على الجانب الثاني، فإن عاد إليك وأزعجك، فقم وتوضأ وصل، ولا تخُبر أحداً، لأنك لو أخبرت أحداً ثم عبره على حسب الرؤيا وقع، فإن الرؤيا على جناح طائر إذا عبرت وقعت، وما أكثر الذين يسألون عن رؤى يرونها في المنام تزعجهم، ولكننا نرشدهم إلى ما أرشد إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أن يقول: (أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت) ولا يخُبر أحداً، وليتغافل عنها، ويلهُ عنها. وقال رحمه الله في: الذي أنصح به إخواننا أن لا يهتموا بهذا الأمر كثيراً، لأنهم إذا اهتموا بهذا كثيراً لعب بهم الشيطان في منامهم، فيأتيهم كل ليلة يُريهم رؤيا تُفزعهم، ثم يطلبون من يُؤولها أو من يُعبرها، والإعراض عن هذا أحسن بكثير. و قال رحمه الله: أنصح من يبلغه كلامي هذا ألا يُرص على تتبع الرؤى لأن الشيطان إذا علم من الإنسان تتبعه للرؤى صار يؤذيه بأن يريه ما يكره حتى يُزن. وقال: وإن فعل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم عند رؤيا ما يكره فإنها لن تضره أبداً ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يرون الرؤيا يكرهونها، ويُرضون منها حتى حدثهم النبي بهذا الحديث صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن أمته خيراً فكانوا يعملون بما أرشدهم إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، ويسلمون من شرها ــــ(288) عدم الاعتماد في تعبير الرؤى على كتب تفسير الأحلام : قال الشيخ رحمه الله: من المهم ألا نعتمد على ما يوجد في بعض الكتب ككتاب تفسير الأحلام لابن سيرين وما أشبهها فإن ذلك خطأ وذلك لأن الرؤيا تختلف بحسب الرائي وبحسب الزمان وبحسب المكان وبحسب الأحوال. تعبير الرؤيا نور يقذفه الله في قلب الإنسان:
عدد الصفحات ٢٨٨