**وسائل علاج الأمراض النفسية الالتزام بأحكام الشريعة: قال الشيخ رحمه الله: الشريعة كُلُّ أحكامها تُزيلُ القالاق والهمَّ والغامَّ ... الشريعة كُلُّها لإزالة الهامِّّ والغامِّّ عن بني آدم، حتى يبقوا فرِّحين مستبشرين دائمًا، وهذا كما أنه غذاء للقلب، فإنه غذاء للنفس والرُّوح، وفي نفس الوقت غذاء للبادان، فإن البادانا يتمدَّد وتزُول عنه الآلام والأوجاع، إذا صار فرحًا مسرورًا ... وإدخال السرور والفرح أمرٌ ينتعش معه البادانُ، و القلب يطمئنُّ. كثرة دعاء الله جل جلاله وسؤاله بإلحاحٍ وطاماعٍ في الإجابة: قال الشيخ رحمه الله: الواجب على مانِّ ابتُلي بمرض نفسي من وساوس وغيرها - أن يلجأا إلى ربِّّه عز وجل، ويُكثِّرا السؤال بإلحاحٍ وطاماعٍ في الإجابة، وحُسْن ظنٍّ بالله عز وجل. وسئل الشيخ: أشعر بعض الأحيان بالضيق والاكتئاب، فما العلاج مأجورين؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: هناك شيء ينتفع به المرء ، وهو أن يقول ما جاءت به السنة﴿لاا إِّلاها إِّلاَّ أانْتا سُبْحااناكا إِّنيِّّ كُنْتُ مِّنا الظَّالِّمِّينا ﴾87] الثاني: أن يقرأ حديث ابن مسعو د رضي الله عنه: ((اللهم إني عبدُكا، وابنُ عبدِّكا، وابنُ أاماتِّكا، ناصيتي بيدِّكا، ماضٍ فيَّ حُكْمُكا، عادْلٌ فيَّ قضاؤكا، أسالُكا بكلِّّ اسمٍ هو لاكا، سمَّيْتا به نفساكا، أو أنزلتاه في كتابِّكا، أو علَّمْتاه أحادًا من خالْقِّكا، أو استأثرْتا به في علم الغيب عن دكا - أنْ تجعلا القرآنا ربيعا قلبي ونورا صادْري، وجلاء حُزني وذاهاب همِّّي)). وقال رحمه الله: وليُكثر أيضًا من هذا الدعاء: ربِّّ اشرح لي صدري ويسِّّر لي أمري ــــ(257)
عدد الصفحات ٢٥٧الإكثار من ذكر سُئِّل الشيخ: ماذا يفعل الإنسان إذا أحسَّ بضيقٍ في نفسه؟ فأجاب رحمه الله: ليعلم أنَّ مانْ أُصيبا بمثل هذا ثمَّ أكثر من ذكر الله بلسانه وقلبه، فإنه لا بُدَّ أن تتغيرَّ حالُه، ويطمئنُّ قلبُه لقول الله تعالى: ﴿ أالاا بِّذِّكْرِّ اللََِّّّ تاطْمائِّنُّ الْقُلُوبُ ﴾28] لزالاتْ عنهم هذه الأمور. وسُئِّل الشيخ: ما العلاج المناسب لانشراح الصدر؛ حيث إنني أعيش في ضيق شديد، وجِّّهُوني مأجورين؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: العلاج المناسب هو كثرة ذكر الله عز وجل؛ قال الله تعالى: ﴿ أالاا بِّذِّكْرِّ اللََِّّّ تاطْمائِّنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [28.] الإيُان والعمل الصا قال الشيخ رحمه الله: الإيُان والعمل الصالح يطردُ الخوف، ويطردُ الحزن في الدنيا والآخرة؛ ولهذا كان أشرف الناس صدرًا، وأشدهم طمأنينة - أي: أشدهم طمأنينة في القلب - هم المؤمنين العاملون عملاً صالحًا؛ ولهذا قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالادُونا عليه بالسيوف. وقال رحمه الله: لا أحد أنـْعام بالاً ولا أشد انشراحًا في الصدر ولا أطيب نفسًا من المؤمن، وكلما ازداد الإنسان إيُاناً ازداد صدرُه انشراحًا، وقلبُه طُماأْنينةً، وصار لا يرى شيئًا يُُزِّنُه إلا وفرح به رجاء ثو ابه عند الله عز وجل...وقال رحمه الله: الطاعة لها تأثيرٌ بال ٌ على القلب وانشراح الصدر والسرور، والأُنْس والحياة الطيبة، أسألُ الله تبارك وتعالى أن يُعيننا جميعًا على ذكره وشُكْره وحُسْن عبادته. ــــ(258)
عدد الصفحات ٢٥٨وقال رحمه الله: من فوائد قوله تعالى: ﴿ واكاذالِّكا نجاْ زِّي الْمُحْسِّنِّينا ﴾84 ] أن كل محسن فإن الله تعالى يجعل له من كل هامٍّ فرجًا وقال رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ وامانْ يـاتَّقِّ اللََّّا يجاْعالْ لاهُ مخاْراجًا * وايـارْزُقْهُ مِّنْ حايْثُ لاا يُاْتاسِّبُ ﴾ ﴿ وامانْ يـاتَّقِّ اللََّّا يجاْعالْ لاهُ مِّنْ أامْرِّهِّ يُسْرًا ﴾2-3-4] آيتان تدلان على أن الإنسان كلما اتقى الله زالاتْ عنه الهموم وفـُرِّّجت عنه تناسي مصائب الماضي والاعتماد على الله في أمور المستقبل: قال الشيخ رحمه الله: الإنسان في الحقيقة له ثلاث حالات: حالة ماضية، وحالة حاضرة، وحالة مستقبلة. الماضية: يتناساها الإنسان، وما فيها من الهموم، انتهت بما عليه، إن كانت مصيبة، فقل: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، وتناساها. حال مستقبلة: عِّلْمُها عند الله عز وجل، اعتمد على الله، وإذا جاءتك الأمور فاطلُب لها الحلَّ، لكن الشيء الذي أمرك الشارع بالاستعداد له استعدَّ له. وحال حاضرة: هي التي بإمكانك معالجتها، حاول أن تبتعد عن كل شيء يجلب الهمَّ والغمَّ والحزن، لتكون دائمًا مستريًُا، منشرح الصدر، مقبلاً على الله عز وجل، وعلى عبادته، وعلى شؤونك الدنيوية والأخروية، وإذا جربت هذا استرحْتا، أما إن أتعبت نفسك بما مضى، أو بالاهتمام بالمستقبل على وجه لم يأذن به الشَّرْعُ، فاعلام أنك ستتعب، ويفوتك خيرٌ كثيرٌ. قراءة القرآن: قال رحمه الله: هناك أمراض لا ينفع فيها الأدوية الحسيَّة مثل الأمراض النفسية، فلا ينفع فيها إلا القراءة، وليعلم أن الذي يشكُّ في قراءة القارئ أو في نفثه لا يستفيد. ــــ(259)
عدد الصفحات ٢٥٩البـُعْد عن كل ما يجلب الاكتئاب والضيق قال رحمه الله: كل ما يُدث الندم للإنسان، فإن الشرع يأمرنا بالبـُعْد عنه، ولهذا أصول منها: أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ إِّنمَّاا النَّجْواى مِّنا الشَّيْطاانِّ لِّياحْزُنا ا لَّذِّينا آمانُوا والايْسا بِّضاارِّّهِّمْ شايـْئًا ﴾10] أن نتجنَّب هذا الشيء، ليس مجرد خبر أن الشيطان يريد إحزاننا؛ بل المراد أن نبتعد عن كل ما يُُزِّن؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يتناجى اثنان دون الثالث، من أجل أن ذلك يُزنه))؛ منهيٌّ عنه. ثانيًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر مانْ رأى رؤيا يكرهها ((أن يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من شرِّّها، ومن شرِّّ الشيطان، وينقلب إلى الجنب الثاني، ولا يُُدِّّث بها أحدًا، ويتوضَّأ ويُصلِّّي))؛ كل هذا من أجل أن يطردا الإنسان عنه هذه الهموما التي تأتي بها هذه المرائي؛ ولهذا قال بعض الصحابة: "لقد كنا نرى الرؤيا فنمرض منها، فلما حدَّثانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، يعني: استراحوا" و لم يبق لهم همٌّ، فكل شيء يجلب الهمَّ والحزنا والغامَّ، فإن الشارع يريد منا أن نتجنـَّباه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ فامانْ فـاراضا فِّيهِّنَّ الحْاجَّ فالاا رافاثا والاا فُسُوقا والاا جِّداالا فيِّ الحْاجِّّ ﴾197] يجعل الإنسان يُتمي، ويتغ فكرُه من أجل المجادلة، فيحصُل له همٌّ يـُلْهيه عن العبادة، المهم اجعل هذه نصبا عينيك دائمًا أن الله عز وجل يريد منك أن تكون دائمًا مسرورًا، بعيدًا عن الحزن. ــــ(260 )
عدد الصفحات ٢٦٠عدم اليأس فالله جل جلاله على كل شيء قدير قال الشيخ رحمه الله: من آمن بأن الله على كل ش يء قدير، فإنه يطرد عنه اليأس؛ لأن الإنسان قد يُصاب بمرض مثلاً فيـايـْئاس مِّن برئه بعد العلاج، فيُقال له: لا تيئس، إن الله على كل شيء قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقي المرض بك، فقد يكون خيرًا لك؛ لأنك تكسب من ورائه الثواب من الله عز وجل؛ لأنه لا يصيب المؤمن من همٍّ ولا غمٍّ ولا أذًى حتى الشوكة يُشاكها، إلاَّ كفَّر الله به - يعني: من ذنوبه - فأنت لا تيئس إذا أصابك مرضٌ لا يُرجى زوالُه مثلاً، فإن الله على كل شيء قدير. قول: قدر الله وما شاء فعل عند إصابة الإنسان بشيءٍ غير مرغوب: قال الشيخ رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خيرٌ، احرِّص على ما ينفعُكا، واستعن بالله ولا تعجِّز، وإن أصاباكا شيءٌ فلا تقُل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))؛ [ جزى الله عنا نبيَّنا خيرا الجزاء؛ فقد بينَّ لنا الحكمة من ذلك؛ حيث قال: ((فإن لو تفتح عمل الشيطان))؛ أي: تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم، حتى تقول: لو أني فعلت لكان كذا، فلا تقل هكذا والأمر انتهى، ولا يُكن أن يتغيرَّا عما وقع، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخُالق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وسيكون على هذا الوضع مهما عملت. ــــ(261)
عدد الصفحات ٢٦١عدم الاهتمام بالدنيا سُئِّل: ما العلاج المناسب لانشراح الصدر؛ حيث إنني أعيش في ضيق شديد؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: من العلاج ألاَّ يهتمَّ الإنسانُ بأمور الدنيا، وألاَّ يكون له همٌّ إلا الآخرة. الصدقة وبذل المعروف: قال الشيخ رحمه الله: من فضائل الصدقة أنها سبب لشرح الصدر وسرور القلب؛ لأن الإنسان كلَّما كثُر إنفاقُه في الخير، ازداد انشراحُ صدره للإسلام، وفرِّح بذلك. سُئل الشيخ: م ا العلاج المناسب لانشراح الصدر؛ حيث إنني أعيش في ضيق شديد؟ فأجاب رحمه الله: من العلاج أن يكون الإنسان باذلاً لمعروفه، سواء ببذل المال، أو ببذل المنافع، وبذل البدن يساعد إخوانه، أو ببذل الجاه، فإن هذا يوجب انشراح الصدر. ** إرشادات وتوجيهات البكاء نتيجة الضغوط النفسية لا يعتبر تسخُّطًا من القضاء والقدر: سُئل الشيخ: إذا بكى الإنسان نتيجة الضغوط النفسية، هل يعتبر ذلك البكاء منافيًا للصبر واعتراضًا على القضاء والقدر؟ فأجاب رحمه الله: لا يُعتبر اعتراضًا على القضاء والقدر، ولا تسخُّطًا من القضاء والقدر؛ لأن هذا أمر تمُليه الطبيعة، وليس باختيار الإنسان، وتجد الإنسان حازمًا قويا ، وإذا نابه نائبةٌ من الدهر جعل يبكي كأنه صبيٌّ، مع أنه لا يُُِّبُّ هذا. ــــ(262)
عدد الصفحات ٢٦٢الموت لا يُلُّ المشكلات قال الشيخ رحمه الله: كون هذه المرأة لا ترى حلا لمشكلاتها إلاَّ بالموت أعتقد أن ذلك نظر خاطئ، فإن الموت لا تنحلُّ به المشاكل؛ بل ربما تزداد به المصائب، فكم من إنسان مات وهو مُصابٌ بالمشكلات والأذى، ولكنه كان مسرفًا على نفسه لم يُستعتب من ذنبه، ولم يتُبْ إلى الله عز وجل، فكان في موته إسراعٌ لعقوبته، ولو أنه بقِّي على الحياة، ووفَّقه الله تعالى للتوبة والاستغفار والصبر، وتُمُّل المشاقِّّ، وانتظار الفرج - لكان في ذلك خيرٌ كثيرٌ له. لا يجوز الدعاء على النفس بالموت: قال الشيخ رحمه الله: لا يُلُّ لأحد أن يدعو على نفسه بالموت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يتمنَّينَّ أحدٌ منكم الموت لِّضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بُدَّ مُتمنيًا للموت فليقُلِّ: اللهُمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي))، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتمنىَّ الإنسان الموت، فكيف بالذي يدعو على نفسه بالموت؟ والواجب على مانْ أُصيب بأمرٍ يضي ق به صدرُه، ويزداد به غمُّه أن يصبر، ويُتسب الأجر من الله، وينتظر الفاراج، فهذه ثلاثة أمور: الصبر، واحتساب الأجر، وانتظار الفاراج من الله عز وجل. ــــ(263)
عدد الصفحات ٢٦٣ما يُعين على الصبر على الابتلاء والأمراض: قال الشيخ رحمه الله: يُعين المرء على ما يُصل عليه من الابتلاء عدة أمور؛ منها: الأمر الأول: الإيُان بأن الله سبحانه وتعالى ربُّ كُلِّّ شيءٍ ومليكه، وأن الخلق كلهم خلقه وعبيده، يتصرَّف فيهم كيف يشاء لحكمة قد نعلامها وقد لا نعلمها، فلا اعتراض عليه سبحانه وتعالى في ملكه؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ لاا يُسْأالُ عامَّا يـا فْعالُ واهُمْ يُسْأالُونا ﴾23.] الأمر الثا : أن يؤمن بأن هذه المصائب التي تصيبه تكفيرٌ لسيئاته، فتحطُّ عنه الخطايا ويُغفار له بها الذنوب؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل يقول: إني إذا ابتليتُ عبدًا من عبادي مؤمنًا، فحمِّدني على ما ابتليتُه، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمُّه من الخطايا))، وقد ذكر أن امرأة من العابدات أُصيباتْ في أصبعها، ولكنها لم تتسخَّط، ولم يظهار عليها أثرُ التشكِّّي، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارةا صبرها. ومن المعلوم أن الصبر درجة عالية لا تُنال إلا بوجود شيء يصبر الإنسان عليه حتى يكون من الصابرين؛ قال تعالى: ﴿ إِّنمَّاا يـُوافىَّ الصَّابِّرُونا أاجْراهُمْ بِّغايرِّْ حِّساابٍ ﴾ [10.] الأمر الثالث أن يتسلَّى بما يصيب الناس سواه، فإنه ليس وحده الذي يُصاب بهذه المصائب، بل في الناس مانْ يُصاب بأكثر من مصيبته، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق عند الله يُصاب بالمصائب العظيمة، حتى إنه يوعك كما يوعك الرجلان منا، ومع ذلك يصبر ويُتسب، وفي التسلي بالغير تهوينٌ عن المصاب. ــــ(264)
عدد الصفحات ٢٦٤الأمر الرابع أن يُتسب الأجر على الله عز وجل بالصبر على هذه المصيبة، فإنه إذا احتسب الأجر على الله عز وجل بالصبر على المصيبة، فإنه مع تكفير السيئات به يرفع الله له بذلك الدرجات بِّناءً على احتسابه الأجر على الله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن كثيرًا من الناس منغمرٌ في سيئاته، فإذا جاءت مثل هذه المصائب: من المرض، أو فِّقدان الأهل، أو المال أو الأصدقاء، أو ما أشبها ذلك هان عليه الشيء بالنظر إلى ما له من الأجر والثواب على الصبر عليه، واحتساب الأجر من الله، وكلما عظُم المصابُ كثُر الثواب. الأمر الخامس: أن يعلم أن هذه المصائب من الأمراض وغيرها لن تدوم؛ فإن دوام الحال من المحال، بل ستزول إن عاجلاً أو آجلاً، لكن كل ما امتدَّت ازداد الأجر والثواب، وينبغي في هذه الحال أن نتذكَّر قول الله تبارك وتعالى: ﴿ فاإِّنَّ ماعا الْعُسْرِّ يُسْرًا * إِّنَّ ماعا الْعُسْرِّ يُسْرًا ﴾5،6] وسلم: ((واعلام أن النصرا مع الصبر، وأن الفاراج مع الكرب، وأن مع العسرِّ يسرًا الأمر السادس: أن يكون لديه أمل قوي في زوال هذه المصيبة، فإن فتح الآمال يوجب نشاط النفس، وانشراح الصدر، وطُمأنينة القلب، والإنسان كلما مضى عليه ساعة رأى أنه أقرب إلى الفاراج وزو ال هذه المصائب؛ فيكون في ذلك منشطًا نفسه حتى ينساى ما حلَّ به، ولا شكَّ أن الإنسان الذي ينسى ما حلَّ به أو يتناساه، لا يُُسُّ به، فإن هذا أمر مشاهد إذا غفل الإنسان عمَّا في نفسه من مرض أو جرح أو غيره، يجد نفسه نشيطًا وينسى، ولا يُسُّ الألماا، بخلاف ما إذا ركَّز شعوره على هذا المرض أو على هذا الألم، فإنه سوف يزداد. ــــ(265)
عدد الصفحات ٢٦٥الأمر السابع أن يؤمن بأن الجزاع والتسخُّط لا يزيل الشيء؛ بل يزيده شدَّة وحاسرةً في القلب، كما هو ألم في الجسد. تأثير الأدوية الشرعية في علاج الأمراض النفسية أسرع من تأثير الأدوية الحسية قال الشيخ رحمه الله: لا شكَّ أن الإنسان يُصاب بالأمراض النفسية، وتفعل الأمراض النفسية بالبدن أكثر ما تفعل الأمراض الحسِّّية البدنية، ودواء هذه الأمراض بالرُّقية الشرعية أنجحُ من علاجها بالأدوية الحسية كما هو معلوم؛ لكن لما ضعُف الإيُانُ ضعُف قبول النفس للأدوية الشرعية، وصار الناس يعتمدون على الأدوية الحسية أكثرا من اعتمادهم على الأدوية الشرعية، ولما كان الإيُان قويا كانت الأدوية الشرعية مؤثرةً تمامًا، بل إن تأثيرها أسرعُ من تأثير الأدوية الحسِّّية. اللهم يا رحمن يا رحيم، مُنَّ بالشفاء العاجل التامِّّ على كل مانْ أُصيبا بمرض نفسيٍّ أو غيره، واجعل ما أصابه كفَّارةً لذنوبه، ورفعةً لدرجاته، واجعله ممن يُوفَّق للصبر واحتساب الأجر وانتظار الفاراج. ــــ(266)
عدد الصفحات ٢٦٦فصل: الحسد والعين تعريف الحسد: قال الشيخ رحمه الله: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن التفسير الصحيح للحاساد ليس أن يتمنىَّ الإنسان زوال نعمة الله على غيره، ولكن التفسير الصحيح للحاساد، هو أن يكره الإنسان ما أنزل اللهُ على غيره من الخير، سواء تمنىَّ زواله أو لم يتمانَّ، وهذا التفسير لشيخ الإسلام هو الأقرب. حكم الحسد: قال الشيخ رحمه الله: الحاسادُ محُ رَّمٌ، ومن كبائر الذنوب. تاريخ الحسد: قال الشيخ رحمه الله: الحاساد أصلٌ ثبت في بني آدم منذ نشؤوا، فأحادُ ابني آدم عليه السلام قال لأخيه: لأقتلنَّكا؛ لأن الله تعالى تقبَّل من أخيه، ولم يتقبَّل منه، وأخوه لم يفعل به شيئًا؛ ولكن أنـْعام الله تعالى عليه بنِّعْ مة القابول، فحاساده حتى هدَّده بالقتل: ﴿ قاالا لأااقـْتـُلانَّكا ﴾27] الساعة، والله أعلم ــــ(267)
عدد الصفحات ٢٦٧مضارُّ الحاساد: قال الشيخ رحمه الله: الحاسادُ مضارُّه كثيرةٌ: منها: أنه اعتراض على قضاء الله وقا داره، وعدم رضا بما قدَّره الله عز وجل؛ لأن الحاسد يكره هذه النِّّعْمة التي أنعم الله بها على المحسود. ومنها: أن الحاسد يبقى دائمًا في قـالاقٍ وفي حُرْقة وفي نكادٍ؛ لأن نِّعاما الله على العباد لا تُُصى، فإذا كان كلما رأى نعمة على غيره حاساداه، وكرِّه أن تكون ه ذه النِّّعْمة، فلا بد أن يبقى في قـالاقٍ دائمٍ، وهذا هو شأن الحاسد، والعياذ بالله. ومنها: أن الحاسد فيه شاباهٌ من اليهود الذين يُاسُدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ومنها: أن الحاسد-في الغالب- يبغي على المحسود، فيحاول أن يكتما نِّعْمة الله على هذا المحسود أو أن يُز يل نِّعْمةا الله على هذا المحسود فيجمع بين الحاساد وبين العدوان ومنها: أن الحاسد يُتقر نعمة الله عليه؛ لأنه يرى أن المحسودا أكملُ منه وأفضلُ، فيـازْداري نعمة الله عليه، ولا يشكُره سبحانه وتعالى عليها. ومنها: أن الحاساد يدلُّ على دناءة الحاسد، وأنه شخصٌ لا يُبُّ الخيرا للغير، بل هو سافل، لا ينظر إلاَّ إلى الدنيا، ولو نظر إلى الآخرة لأعراض عن هذا. ــــ(268)
عدد الصفحات ٢٦٨دواء الحسد: قال الشيخ رحمه الله: وقد أرشد الله تعالى إلى دواء نافع للحاساد؛ فقال: ﴿ والاا تـاتامانـَّوْا ماا فاضَّلا اللََُّّ بِّهِّ بـاعْضاكُمْ عا لاى بـاعْضٍ لِّلرِّّجاالِّ ناصِّيبٌ ممَِّّا اكْتاسابُوا والِّلنِّّسااءِّ ناصِّيبٌ ممَِّّا اكْتاسابْْا ﴾32] وااسْأالُوا اللََّّا مِّنْ فاضْلِّه ﴾ [32] هذه النِّّعْمة لأخيك،ولا تتمنَّ زوالها؛ ولكن قل: اللهمَّ إني أسألُك من فضلك، ويجوز أن تقول: اللهم أعطني أكثرا ممَّا أعطيتا فلاناً، تسأل الله تعالى أكثرا مما أعطى فلاناً، فهذا مِّن الدواء. وقال الشيخ رحمه الله: ولهذا الحاساد ما يقابله ويضادُّه - ولله الحمد - وهو الإيُان بالله تعالى وبقادارِّه، وأن يعلم أن الله تعالى إذا أنـْعام على غيره نعمةً، فليس مُقتضى ذلك أن يُُرام الحاسدُ هذه النعمة، فقد يُاُنُّ الله تعالى عليه بها، بل ربما يكون الحاسد في نعمةٍ أكبرا وأعظما. وقال رحمه الله: وأما دواء الحاساد فهو: أن يعلم أن حسده لن يُنعا فضلا الله على المحسود أبدًا، ولو كان يُنع فضلا الله عن المحسود، لكان كل إنسان يُسُدُ غيراه. أن يذكر عواقب الحاساد وشُؤْمه وعقوبته، حتى يخشى هذا الشُّؤْم والعقوبة فياداعُه، فإن التفكُّر في مضارِّّ العمل يُوجِّب النـُّفُور منه، ثم يجُرِّّب إذا أحبَّ الخيرا لغيره، واطمأنَّ لِّما أعطاه الله، هل يكون هذا خيرًا، أو الخيرُ أن يتتبَّع نِّعاما الله على الغير، ثم تبقى حُرْقة في نفسه وتسخُّطًا لقضاء الله وقدره؟ ولياخْتراْ أي الطريقين شاء! ــــ(269)
عدد الصفحات ٢٦٩أسباب كثرة الحُسَّاد بين الناس: قال الشيخ رحمه الله: ما كثُر الأمرُ في الناس في الآونة الأخيرة من السَّحارة والحُسَّاد، وما أشبه ذلك، إلاَّ بسبب غفلتهم عن الله، وضاعف توكُّلهم على الله عز وجل، وقلة استعمالهم للأوراد الشرعية التي بها يتحصَّنُون، وإلاَّ فنحن نعلم أن الأوراد الشرعية حِّصْن منيعٌ أشدُّ من سدِّّ يأجوج ومأجوج، لكن - مع الأسف - فإن كثيرًا من الناس لا يعرفُ عن هذه الأوراد شيئًا، ومانْ عراف فقد يغفل كثيرًا، ومن قرأها فقلبُه غيرُ حاضرٍ، وكل هذا نقصٌ، ولو أن الناس استعملوا الأوراد على ما جاءت بها الشريعة، لسلِّموا من شرورٍ كثيرةٍ. العين من حسد الحاسد: قال رحمه الله: أصل العين من الحا ساد، وقال يُطلا ق الحاساد على آثاره وهو العين قال الشيخ رحمه الله: الحُسَّاد نوعان: نوعٌ يُسُدُ ويكره في قلبه نعمة الله على غيره؛ لكن لا يتعرَّض للمحسود بشيءٍ، تجدُهُ مهمُومًا مغمومًا من نِّعامِّ الله على غيره، لكن لا يتعدَّى على صاحبه، والشَّرُّ والبلاءُ إنما هو بالحاسد إذا حساد؛ ولهذا قال: ﴿ إِّذاا حاسادا ﴾5] ــــ270)
عدد الصفحات ٢٧٠العين حقٌّ ثابتٌ شرعًا وحِّس ا : قال الشيخ رحمه الله: العين حقٌّ ثابتٌ شرعًا وحِّس ا؛ قال الله تعالى: ﴿ واإِّنْ ياكاادُ الَّذِّينا كافارُ وا لايـُزْلِّقُوناكا بأِّابْصاارِّهِّمْ ﴾51] أي ليعينوك بأبصارهم، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العاينُ حاقٌّ، ولو كان شيءٌ ساباقا القادارا سابـاقاتْهُ العينُ، وإذا استـُغْسِّلتُم فاغسِّلُوا))؛ رواه مسلم. ومن ذلك ما رواه أحمد وابن ماجه أن عامر بن ربيعة مرَّ بسهل بن حنيف وهو يغتسل، فقال: "لم أرا كاليوم ولا جِّلدا مخُبَّأةٍ!" فما لبثا أنْ لُبِّطا به، فأُتيِّا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أدرك ساهلاً سريعًا، فقال: ((مانْ تتَّهِّمُون؟))، قالوا: عامر بن ربيعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((علاما يقتُل أحدُكم أخاه؟! إذا رأى أحدُكم من أخيه ما يُعجِّبُه، فـالْيادْعُ له بالبركة))، ثم دعا بماء فأمار عامرًا أن يتوضَّأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه، وداخلة إزاره، وأمره أن يصُبَّ عليه وفي لفظ: ((ياكْفأ الإناءا من خلفه))، والواقع شاهدٌ بذلك، ولا يُكن إنكارُه. العين تخرج بغير اختيار من العائن وباختيار منه : قال الشيخ رحمه الله: العين: أن يُصابا الإنسانُ بنفسٍ خبيثة، تكون مملوءةً حاسادًا، فيخرج من هذه النفس الخبيثة المملوءة حاسادًا قوةٌ خفيَّةٌ تُصيب المعانا كما يُصيب السَّ هْمُ الرميَّة، وتأتي أحياناً بغير اختيار من العائن، بل بمجرد ما يرى الشيء الذي يُعجبه ينطلق منه هذا السَّهْمُ، وأحياناً تكون باختيار منه، ويتحكَّم فيها، حتى إن بعضهم يخُيرِّّ المعانا، ويقول: ماذا تريد أن أصنع بك: كذا، أو كذا، أو كذا، أو كذا؟ ــــ(271) العين قد تأتي من أحبِّّ الناس للإنسان :
عدد الصفحات ٢٧١قال الشيخ رحمه الله: الحاسد إذا حاساد العائن أيضًا خفي، تأتي العينُ من شخصٍ تظُنُّ أنه من أحبِّّ الناس إليك، وأنت من أحبِّّ الناس إليه، ومع ذلك يُصيبك بالعين. الإنسان المُتدين قد يُصاب بالعين: قال الشيخ رحمه الله: قد يُصابُ الإنسان بالعين في كل شيء، في كل نعمة؛ لقول الله تعالى: ﴿ وامِّنْ شارِّّ حااسِّدٍ إِّذاا حاسادا ﴾5] "كُلُّ ذي نعمةٍ محسودٌ"، فقد يُصاب الإنسان المتديِّّنُ بالعين، ويضيقُ صدرُه بالعبادة، أو قد يُصاب بالعين، فينسى ما حفِّظ، أو يُصاب بالعين، فلا يستطيع أن يُفاظ. العين تُصيب بإذن الله، فالمُصاب به قد يُوتُ وقد يُرضُ وقد يجُانُّ : قال الشيخ رحمه الله: الرُّوح الخبيثة تؤثِّّر في هذا المحل الذي فيه النِّّعْمة تأثيرًا مباشرًا، حتى إن بعضهم قد يُهدِّّد الآخرين بالموت، وربما يُصيبه بالعين حتى يسقُط مغشي ا عليه، وذاك الرجل العائن ذو الرُّوح الخبيثة مستريحٌ لا يُهِّمُّه شيء من ذلك! وقال رحمه الله: الحاسد، هذا الرجل - نسأل الله العافية - عنده كراهية لنِّعام الله على الغير، فإذا أحسَّ بنفسه أن الله أنـْعام على فلان بنِّعْمة، خراج من نفسه الخبيثة معنىً لا نستطيع أن نصِّفاه؛ لأنه مجهول، فيُصيبُ بالعين مانْ تسلط عليه، أحياناً يُوتُ، وأحياناً يُرضُ، وأحياناً يجُانُّ، حتى الحاسد يتسلَّطُ على الحديد فيوقفُ اشتغاله، ربما يُصيبُ السيارة بالعين وتنكسر أو تتعطَّل، أو ربما يُصيبُ رافعة الماء أو حرَّاثة الأرض، المهم أن العين حقٌّ تُصيبُ بإذن الله عز وجل. ــــ(272) قصص عن الإصابة بالع:
عدد الصفحات ٢٧٢