المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

درر من مصنفات العلامة ابن عثيمين

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

صفحة ١٣ من ٤٠

عقوبة الله إذا وقعت لا ينفع فيها محاولة قال الشيخ رحمه الله عن بني إسرائيل: ابتلوا في طعامهم بأربعة أنواع من العقوبات: الأولى: الطوفان للبذر، وهو الماء يُفسد الزرع قبل أن يخرج ويُغرقه. الثانية: الجراد للزرع النابت، أُرسل عليه الجراد. الثالثة: القمل الذي هو السوس، أُرسل على المُدَّخر. الرابعة: الدم لِّماا أُكل؛ لأن الطعام يتحوَّل في البدن إلى دمٍ يتغذَّى به الجسم، فإذا ابتلوا بالنزيف ضاعت فائدة الطعام. وهذا ابتلاء بالتدرج في الطعام ، أما ال شراب فابتلوا به في الضفادع ، إذا جاؤوا يشربون وإذا الإناء مملو ء ضفادع والعياذ بالله وليست واحدة يُ بعدها بل ربما تكون صغيرات جد ا لا يستطيع أن يتخلص منها وعقوبة الله لا ينفع فيها محاولة، كما في قصة الرجل لامَّا قال الله عز وجل: ﴿ فامانْ يأاْتِّيكُمْ بمِّااءٍ ماعِّينٍ ﴾[30] تأتي به المعاول فأصبح وقد غار معينه فلا ينفع فيه المعول نسأل الله السلامة. ــــ(193)

عدد الصفحات ١٩٣

** الحذر من الدنيا كلما كثر المال كثُرت الفتن: قال الشيخ رحمه الله: حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ فقال: ((سبحان الله!)) تعجُّبًا من هذين الأمرين: ما أنزل من الخزائن، وما أنزل من الفتن، والخزائن خزائن الدنيا التي تفتح على المسلمين، والفتن ما يُصل بمعية هذه الخزائن من الفتن؛ لأنه كلما كثر المال كثرت الفتن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والله ما الفقر أخشى عليكم؛ وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا، فتنافسوها كما تن افسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم)). وقال رحمه الله: الغالب أن من كثر ماله قلَّ عمله؛ لأن دنياه تُلهيه، وكثير من الناس نجدهم كانوا في الأول على حال الاستقامة والثبات والأعمال الصالحة الكثيرة، فلما كثرت أموالهم أغرَّتهم، وصدوا كثيرًا، ورُبما كانوا لا يُبُّ ون هذا؛ لكن رغمًا عنهم تُكرههم الدنيا أن ينصاعوا لها، ولو أنهم كانوا مُقلِّّين، لكان أطيب لهم في الغالب. وقال رحمه الله: الزمان يتغيرَّ ويتغيرَّ إلى ما هو أشرُّ، نرى اختلافًا كثيرًا بين سنين مضت وسنين الوقت الحاضر. حدثني من أثق به أن هذا المسجد مسجد الجامع كان لا يؤذن لصلاة الفجر إلا وقد تم الصفُّ الأول، يأتي الناس إلى المسجد يتهجَّدون، أين المتهجِّّدون اليوم إلا ما شاء الله؟ قليل! تغيرَّت الأحوال. ــــ(194) حذَّر المؤمن من نعيم الدنيا أن تكون طيباته قد عجلت له

عدد الصفحات ١٩٤

قال الشيخ رحمه الله: على المرء أن يُذر من هذا النعيم العظيم الذي نتمتَّع به في هذه البلاد، وليعلم بأن من سبقنا من سلف هذه الأمة كانوا حين فُتحت عليهم الدنيا يُُذِّّرون منها هذا الحذر، وهذا عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه كان صائمًا، والصائم يشتهي الطعام إذا أفطر؛ لكنه لما قُدِّّم له طعامه تذكَّر إخوانه ممن سلف، ثم جعل رضي الله عنه يبكي، فترك الطعام وهو يشتهيه، وهكذا ينبغي للمؤمن أن يعتبر ويتَّعظ بما يجري في وقته وقبل وقته، وأن يخشى من بسط الدنيا وفتحها أن تكون طيِّّباته عُجِّّلت له، فإن الدنيا لو كانت هي المقصودة، وهي السعادة، لكان أحق الناس بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يُضي عليه الشهران والثلاثة ما يُوقد في بيته نار؛ وإنما طعامه الماء والتمر، وما شبع ثلاث ليالٍ تباعًا من خبز البر. خطورة الرفاهية والترف: قال الشيخ رحمه الله: نحن عشنا حياة الرفاهية وعشنا ما قبلها، وجدنا أن العيشة الأولى خيرٌ من هذه بكثير، هذه فيها أشياء مريُة للبدن من أشياء مُبردة، وماء بارد، وظل بارد، وسيارات فخمة، وغير ذلك، وفيما سبق ليس الأمر هكذا؛ لكن راحة القلب والطمأنينة وتعلُّق القلب بالله عز وجل أكثر بكثير مما هو عليه الآن. وقال رحمه الله: الناس كلما ازدادوا في الرفاهية، وكلما انفتحوا على الناس انفتحت عليهم الشرور، إن الرفاهية هي التي تدمر الإنسان؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى الرفاهية وتنعيم جسده غفل عن تنعيم قلبه، وصار أكبر همِّّه أن ينعم هذا الجسد الذي مآله الديدان والنتن. ــــ(195)

عدد الصفحات ١٩٥

وقال رحمه الله: الحذر من لعبِّ أعداء المسلمين بالمسلمين حيث يغزونهم بوسائل؛ ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزة والكرامة، فإن هذه الوسائل هي في الحقيقة حابٌّ مسموم للدجاج، تغترُّ به تجده حب ا منتفخًا ليِّّنًا فتفرح به، وتبتلعه ب سرعة؛ ولكنه يُقطِّّع أمعاءها. وقال رحمه الله: الناس يذهبون إلى كل مكان ليرفِّّهوا عن أنفسهم، ليزيلوا عنها الألم والتعب لكن لا يزيل ذلك حق ا إلا الإيُان فالإيُان الح قيقي هو الذي يؤدي إلى الطمأنينة فالنفس المطمئنة هي المؤمنة مؤمنة في الدنيا آمنة من عذاب الله يوم القيامة وقال رحمه الله: المسلمون مع الأسف الشديد أكثرهم في غفلة وفي ترفٍ، ينظرون إلى ما يترف به أبدانهم وإن أتلفُوا أديانهم. وقال رحمه الله: قول الله تعالى: ﴿ حاتىَّ إِّذاا أاخاذْناا مُترْافِّيهِّمْ باِّلْعاذاابِّ إِّذاا هُمْ يجاْأارُونا ﴾ [64] وتأمَّل هذا مع قوله تعالى: ﴿ واإِّذاا أارادْناا أانْ نهُْلِّكا قـارْياةً أامارْناا مُترْافِّيهاا فـافاساقُوا فِّيهاا ﴾ [16] يتبين لك أن للترَّف عواقبا وخيمةً، وأن غالب الانحراف إنما يأتي من الترَّف، وأن الذي ينبغي للإنسان أن يتباعد عن الترَّف ما أمكنه، ولستُ أقولُ: لا تتمتعوا بنعم الله، بل تمتعوا بها؛ لكن لا تجعلوها أكبر همِّّكم، بحيث يجعل الإنسان نفسه كالمخلوق لهذا الأمر، كما هي حال كثير من الناس اليوم، فإن الناس اليوم عندما يتحدثون تجده يتحدث عن المال وكثرته، وعن الترف والإرفاه والترفيه، والمنتزهات، والألعاب التي أقل ما فيها أن تُلهي الناس عمَّا هو أنفع منها، وربما تُلهيهم عن الأمور الواجبة، وما أشبه ذلك؛ لكن لا تجد إلا النادر من يتحدث بنعمة الإسلام، والقلب إذا انشغل باللهو فسد وصُدَّ عن الله عز وجل، وعن الإقبال عليه، وصُدَّ عن ذكر الله عز وجل. ــــ(196)

عدد الصفحات ١٩٦

الاتِّّعاظ بمصارع الدنيا قال الشيخ رحمه الله: من العجب أن مصارع الدنيا التي وعظت بها بني ها كثيرة، ولكن عن مصارعها عموا ...ما أكثر ما نرى من الأغنياء يعودون فقراء، فبينما يتكفف الناس إليهم أيديهم، صاروا يتكففون الناس! فمثل هؤلاء، الموت خير لهم من الحياة؛ لأنهم ذاقوا الذل بعد العز، وكم من إنسان قوي العضلات، في عنفوان شبابه، ونضارة وجهه، أُصيب بحادث أهزله بعد السمن، واغبرَّ وجهُه بعد النضارة، وصار من رآه يرقُّ له، ويُزن عليه، وكم من إنسان بنى وأمَّل، وذهب خياله إلى زمن بعيد ولكنه لم يسكن ما بنى، وكم من إنسان غرس، وحرث، يؤمل أن يستمتع بثمرات ما غرس، وما زرع؛ ولكن يُال بينه وبينه، وخذ من هذه الأمثلة الكثير! وكم من أناس نحن عالِّمناهم في عصرنا وسمِّعنا عنهم فيما سبقنا كانوا كثرة مجتمعين، أخ مع أخيه مع أبنائهم، مع بناتهم، مع أهليهم مجتمعين في بيت، أو في بيوت متقاربة، وعلى أحسن ما يكون من الأنس والفرح والسرور، فإذا بهم يتفرَّقُون بموت أو مصائب أو فقر أو عدو أو غير ذلك، أليس هذا واقعًا؟! بلى واقع وكثير فلماذا لا نتَّعِّظ؟! يجب علينا أن نتَّعظ بما تعظ به الدنيا بنيها ، ولكن كيف نتعظ؟!ليس الاتِّّعاظ معناه أن نبكي إذا ذكرنا هذه الأحوال؛ بل الاتعاظ أن نتخذ منها عبرة وأن هذه الدنيا ليست دار مقرٍّ وليست دار نعيم مقيم وأن الآخرة هي دار المقر وهي دار النعيم المقيم، فنأخذ من هذه الدنيا ما نجعله سُلَّمًا للآخرة، كأنما تقدم الثمن لسلعة منتظرة وحينئذٍ تربح الدنيا والآخرة ولا أحد ألذ و أعم عيشًا وأطيب قلبًا وأهدأ بالاً مثل المؤمن العامل للصالحات ﴿ مانْ عامِّلا صاالحًِّا مِّنْ ذاكارٍ أاوْ أُنـْثاى واهُوا مُؤْمِّنٌ فـالانُحْيِّيـانَّهُ حايااةً طايِّّباةً ﴾[97] ــــ197)

عدد الصفحات ١٩٧

الدنيا ما فيها من صفوٍ لا بدَّ من كدرٍ، فلا تؤثر على الحياة الآخرة: قال الشيخ رحمه الله: الدنيا ليست خيرًا وليست أبقى، فمتاعها قليل، وما جاء فيها من صفوٍ، فإنه يُكدر، قال الشاعر الحكيم: فيوم علينا ويـوم لنا = ويوم نُساءُ ويوم نُسرُّ فلا تكاد تمرُّ عليك عشرةُ أيام صافية بدون كدر؛ بل لا بدَّ من كدرٍ، إمَّ ا في نفسك، أو أهلك، أو بلدك، ثم مع ذلك لا يدري الإنسانُ في أيِّّ ساعة يدعوه الداعي وفي أيِّّ لحظةٍ، فكم من إنسان سقطت منهُ اللقمة من يده ومات، وسقط منه، فنجان الشاي ومات، فمن السفه أن نُؤثر الحياة على الحياة الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿واالآْخِّراةُ خايرٌْ واأا بـْقاى ﴾ [17.] ــــ198)

عدد الصفحات ١٩٨

** التوبة التوبة ليست مجرد قول باللسان: قال رحمه الله: التوبة التي تردُ على الألسن كثيراً ما أكثر ما نقول وما أكثر ما يُقال: أستغفر الله وأتوب إليه!والتوبة ليست مجرد قول باللسان بل التو بة إنابة وإقبال على الله عز وجل وهرب من معصيته إلى طاعته، ولهذا نقول: التوبة الرجوع من معصية الله إلى طاعته، هذه هي التوبة، فإذا كنت في ترك واجب فالتوبة فعل الواجب، وإذا كنت في فعل محرم فالتوبة الإقلاع عن ذلك المحرم وأما من قال في ترك الواجب: أتوب إلى الله وهو مصر على تركه، فهو كاذب في توبته، بل هو إلى الاستهزاء بالله أقرب منه إلى التوبة إلى الله كيف تقول: أستغفر الله من ترك الواجب وأنت مضيع للواجب لم تقم به ؟ ومن قال في فعل محرم: أتوب إلى الله منه، وهو مُصر عليه فهو إلى الاستهزاء بالله أقربُ منه إلى التوبة إلى الله كيف تقول: اللهم إني أتوب إليك من فعل محرم وأنت متلبس به ؟لو كنت مخُ اطباً بشراً مثلك، نهاك عن شيءٍ وقلت له : أتوب إليك من هذا الشيءِّ وأنت مُصر على معصيته على هذا الذي نهاك عنه لقال :إنك تستهزئُ بي فكيف بربِّّ العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور شروط وعلامة التوبة المقبولة: قال رحمه الله: التوبة الصادقة هي التي جمعت خمسة شروط، الأول: الندم على ما وقع من..من معصية الثاني: الإقلاع عنها في الحال، الثالث العزم على ألا يعود في المستقبل الرابع: ألا تكون بعد حضور الأجل ، الخامس: أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها...وعلامة التوبة المقبولة أن الله سبحانه وتعالى يشرحُ صدر المرء ويُنيرُ قلبهُ، ويرى أنه أسقط عنهُ حملاً ثقيلاً كان عليه. ــــ(199)

عدد الصفحات ١٩٩

تُدث التائبين عن عصيانهم: قال الشيخ رحمه الله: فإن قيل : يوجد بعض الكتاب المعاصرين المشهورين قد تابوا إلى الله عز وجل، وقد كانوا من العصا ة، فهل يتحدثون بما عصوا الله به لأجل أن يعتبر أولو الأبصار، ويعتبر من يقلدونه من أهل المعاصي، حتى يرق قلب من يقرأ له، فهل يعتبر هذا غير ساترٍ على نفسه ؟ قلنا : هذا حسب حال الإنسان ونيته، فإذا كان يقصد بذلك مصلحة فلا بأس، وقديُاً حكى عمرو بن العاص رضي الله عنه، عن نفسه أن كان على ثلاثة أطوار : منها أنه كان يود أن يتمكن من الرسول صلى الله عليه وسلم ويقتله، فلا بأس إذا كان المقصود بذلك التحدث بنعمة الله عز جل، أو حمل الآخرين على التوبة. وقال رحمه الله: فإن قال قائل: رجل كان مُسرفاً على نفسه، كان مُنحرفاً في عقيدته، وفي أخلاقه، وفي عبادته، وفي معاملته، فهل له أن يقول: كنت كذا، فهداني الله ؟فالجواب: على سبيل التفصيل لا تقُل، لأني أخشى أن يكون هذا من المجاهرين الذين يفعلون المنكر فيسترهم الله، ثم يتحدثون به، لكن على سبيل الإجمال لا بأس أن تقول: والله كنتُ ضالاً ضا ئعاً تائهاً، فمنَّ اللهُ عليَّ بالهداية وبالاستقامة، فلا بأس، أما على سبيل التفصيل، فهذا أخشى أن يكون من المجاهرة التي قال فيها رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم:(كُلُّ أُمتي مُعافى إلا المجاهرين ) وقال رحمه الله: أرى أن التي تابت لا يجوز لها أن تبوح بذلك ، ولا يجوز لأحدٍ أن ينشُر هذا..وأيُّ فائدةٍ أن نقول: فتاة خرجت مع شاب وفعل بها ثمُ ندمت وتابت؟ أليس هذا يوجب أن يهُون الأمرُ في نفوس السامعين والقارئين؟ ــــ(200)

عدد الصفحات ٢٠٠

** رقائق متنوعة من آثار الذنوب والمعاصي: قال الشيخ رحمه الله: للذنوب آثار على القلوب، فإن المعاصي تكون عنده نقطة سوداء في القلب، فإن تاب الإنسان انصقل قلبه، وعاد إلى بياضه، وإلا توسَّعاتْ هذه النقطة السوداء، وأصبح القلب مظلمًا - والعياذ بالله - بل يخُتمُ عليه حتى لا يصل إلى الخير، فللذنوب آثار عظيمة على القلب تُوجب أن يكون مُنقبضًا، وإذا تلذَّذ بعض الشيء في هذه المعصية، فإنه يعقُبُ ذلك حسرة عظيمة في القلب وضيق. وقال رحمه الله: الإنسان المؤمن يُصل له من المعصية أثر سيِّّئ في نفسه، حتى إن بعض الناس يضيق صدره، ولا يدري ما السبب، لكن سببه معصية خفيت عليه. وقال رحمه الله: الذي يُوجب ضِّيق الصدر، وتشتُّت الفكر، هو المعاصي. وقال رحمه الله: الذنوب تُول بين الإنسان وبين رؤية الحق. وقال الشيخ رحمه الله: فإن قال قائل: ما سبب هذه الأكنَّة التي تُجب الحق عن القلب؟ فالجواب: أن سببها المعاصي؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ إِّذاا تـُتـْلاى عالايْهِّ آيااتـُناا قاالا أاسا اطِّيرُ الأْاوَّلِّينا • كالاَّ بالْ راانا عالاى قـُلُوبهِِّّمْ ماا كاانُوا ياكْسِّبُونا ﴾[ 13،14] فالمعاصي تُول ب الإنسان وبين الفقه في دين الله ــــ(201)

عدد الصفحات ٢٠١

حديث كلما قرأه الإنسان خاف على نفسه قال الشيخ رحمه الله: الخوارج قوم أشداء في القتال، أشد اء في الأعمال، صبَّارون عليها، حتى إن أحدهم ليُصلي الصلاة يُقر الصحابة صلاتهم عند صلاته، وقراءتهم عند قراءته، ولكن وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن القرآن لا يتجاوز حناجرهم، وهذا الحديث كلما قرأه الإنسان على نفسه، يخشى أن يكون علمه وقراءته على لسانه فقط، والمسألة خطيرة، فربما تجد هذا الرجل عنده غيرة وقوة في الحق، وصوم وصلاة، وصدقة؛ ولكن لا يصل إلى القلب؛ لأنه ليس عنده الإيُان الذي يُصلح به نفسه أولاً، وهو يريد من الناس أن يصلحوا، وأما نفسه فقد أهملها؛ ولهذا تجد الخوارج استباحوا دماء الصحابة واستحلُّوها. من أُعجب بعمله خُذل: قال عز وجل: ﴿ وايـاوْما حُناينٍْ إِّذْ أاعْجابـاتْكُمْ كاثـْراتُكُمْ فـالامْ تـُغْنِّ عانْكُمْ شايـْئًا واضااقاتْ عالايْكُمُ الأْارْضُ بمِّاا راحُباتْ ثمَُّ والَّيـْتُمْ مُدْبِّرِّينا ﴾25] كان الصحابة يوم حنين كثيرين ، وقالوا: لن نُغلب اليوم من قلة، فأعجبوا بكثرتهم، والله جل وعلا حكيم، أراد أن يريهم أن إعجاب الإنسان بنفسه يُوكل به إلى نفسه، فيُذلُّ، ولا شك أن من نعمة الله عز وجل على العبد إذا أُعجب بشيء من عمله أن يخُذل، وذلك من أجل أن يكون في ذلك تربية له، فيعرف قدر ن فسه، ويعرف قدر نعمة الله عليه، ولولا مثل هذه الأمور، لكان الإنسان يعتزُّ بنفسه، ولا ينظر إلى نعمة الله، ولكن إذا أُصيب بمثل هذه المصائب عند إعجابه بنفسه، فإنه يعرف قدر نفسه، ويعرف قدر نعمة الله عليه فيما مضى، ولهذا كان هذا الذي جرى للصحابة رضي الله عنهم نعمة من الله عز وجل، وتربية منه لهم. ــــ(202)

عدد الصفحات ٢٠٢

من غرور الشيطان للإنسان قال الشيخ رحمه الله: الشيطانُ يغُرُّ الإنسان بالله سبحانه وتعالى، فمثلاً يقول له: لو أنك على باطل لعاقبك الله تعالى، أو يقول له: إن رحمة الله واسعة والله غفور رحيم، أو يُُنِّّيه بالتوبة، يقول: صحيح هذه معصية، والإنسان معرض نفسه للعقوبة، لكن التوبة أمامك، فالآن تمتع بهذه المعصية وبعدئذٍ تتوب. ومن ذلك ما يُُنيه بعض الناس بأن يقول: لا تُصلِّّ حتى تبل أربعين سنةً، وهذا موجود عند بعض الناس؛ يقولون: إن أهلهم يقولون: ما تجب عليكم الصلاة إلا بعد بلوغ أربعين سنة؛ ولهذا يسألون دائمًا عن الصلاة الماضية: هل يقضونها أم لا؟ وهذا من غرور الشيطان. ومن غرور الشيطان أيضًا أنه يقول في الشيء الذي يعتقد الإنسان أنه معصية: هذه مسألة خلافية، وما دام فيها خلاف تجشَّمها، مع أنه يعتقد أنها معصية. وكذلك من غروره أنه يقول في الشيء الذي يعتقد الإنسان أنه واجب، يقول له: هذه المسألة خلافية، فهو يعتقد أن الصلاة في المساجد جماعة واجبة، وأنه لا يجوز لإنسان أن يترك الجماعة، ولا يجوز أن يصليها جماعةً في بيته، لكن إذا صار له شُغل يختار: المسألة خلافية. ومن غرور الشيطان أيضًا أن يُفتي للناس بشيء، ويُفتي لنفسه بشيءٍ آخر، فيرُخص لها ويُسهل لها، ولغيره يُشدِّّد، فمثل هذه المسائل كلِّّها من خداع الشيطان، والواجب أن يكون الإنسان على دين واحد: على دين الله تعالى لنفسه ولغيره، وفي جميع أحواله. ــــ(203)

عدد الصفحات ٢٠٣

الموفق من اعتبر بالمصائب للماضي والمستقبل، أما من مات قلبه فلا يهتم بها: قال الشيخ رحمه الله: من نعمة الله على العبد: أن يجعل له في المصائب عبرًا؛ لأن كثيرًا من الناس تمرُّ به المصائب؛ لكن لا يعتبر بها، والموفق هو الذي إذا مرَّت به المصائب اعتبر بها للماضي وللمستقبل. فيعتبر بها للماضي فيقول: ما أُصبت بهذه المصيبة إلا بسبب ذنوب ارتكبتها؛ لقوله تعالى: ﴿ واماا أاصااباكُمْ مِّنْ مُصِّيباةٍ فابِّماا كاساباتْ أايْدِّيكُمْ ﴾ [30] يُفكر في نفسه: ما هو الذنب الذي حصل؟ ما هي الأمور التي لا أزال مُطالبًا بها و أفعلها؟ وما هي الذنوب التي ارتكبتها من المحارم؟ فيُوجب ذلك له توبةً. ويعتبر بها في المستقبل، فتكون تربيةً له، فإذا أُصيب بشيء من الأشياء، ففي المستقبل يتجنَّب هذا الشيء؛ لأنه يعرف أنه سيُصاب بمصيبة من أجله، فالمصائب التي تُصيب الإنسان هي مواعظ للمعتبرين، أمَّا من ماتت قلوبهم فلا يهتمون بها. أدركنا من إذا قيل له: "اتق الله" ارتعد وخاف: قال الشيخ رحمه الله: التقوى فُسِّّرت بعدة تفاسير، وأحسنها أن يقال: إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وقد كان بعض السلف إذا قيل له: اتق الله ارتعد، وربما سقط من مخافة الله ع ز وجل، وأدركنا من الناس من هذه حاله؛ أي: أنك إذا قلت له: اتقِّ الله، اضطرب واحمرَّ وجهُه وخشع، والآن بالعكس، إذا قلت له: اتق الله، قال: ماذا فعلت؟ مع أنه منتهكٌ لحرمات الله عز وجل، فالواجب على العبد تقوى الله عز وجل امتثالاً لأمره تعالى. ــــ(204)

عدد الصفحات ٢٠٤

إذا أردت معرفة تقصيرك فانظر إلى حال من سبقك: قال الشيخ رحمه الله : لا تنظر إلى تقصيرك باعتبار زمانك، فإنك إن فعلت فقد تُعجب بنفسك، أنك قد ترى كلَّ من حولك أقل منك في عبادة الله، لكن انظر إلى تقصيرك بالنسبة لمن سبقك، انظر إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال الصحابة رضي الله عنهم، عمر بن الخطاب لما سمع القارئ يقرأ :  إن عذاب لربك لواقع  ما له من دافع  [7-8] من الله عز وجل، ونحن تمرُّ على قلوبنا هذه وكأنها قطعة ثلج لا يهتم بها الإنسان...ونحن إذا نظرنا إلى حال الصحابة وحال التابعين وجدنا أن بيننا وبينهم كما بين الثرى والثريا، وعرفنا تقصيرنا تماماً. حسن الظن بالله: قال الشيخ رحمه الله: حسن الظن بالله إذا عمل الإنسان عملاً صالحًا يُسن الظن بربِّّه أنه سيقبل منه، إذا دعا الله عز وجل يُسن الظن بالله أنه سيقبل منه دعاءه ويستجيب له، إذا أذنب ذنبًا ثم تاب إلى الله ورجع من ذلك الذنب يُسن الظن بالله أنه سيقبل توبته، إذا أجرى الله تعالى في هذا الكون مصائب يُسن الظن بالله، وأنه جل وعلا إنما أحدث هذه المصائب لحكم عظيمة بالغة، يُسن الظن بالله في كل ما يقدره الله عز وجل في هذا الكون، وفي كل ما ش رعه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه خير ومصلحة للخلق، وإن كان بعض الناس لا يدرك هذه المصلحة، ولا يدرك تلك الحكمة مما شرع، ولكن علينا جميعًا التسليم بقضاء الله تعالى شرعًا وقدرًا، وأن نحسن به الظن؛ لأنه سبحانه وتعالى أهل الثناء والمجد. ــــ(205)

عدد الصفحات ٢٠٥

تزكية النفس: قال الشيخ رحمه الله: الزكاة نوعان : زكاة النفوس، وهي الأهم، وزكاة المال، وهي من أركان الإسلام العظام. وزكاة النفس هي زكاتها من الإشراك بالله، بأن يكون الإنسان في جميع عباداته مخُلصاً لله عز وجل، وما أحقنا بالإخلاص لله ! لأن العباد لا ينفعوننا ولا يضروننا إلا بما كتبه الله علينا، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما في وصيته المشهورة : ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك ) ومن زكاة النفس : اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن ما جاء به علية الصلاة والسلام هو الزكاء، وهو الحق، وهو الخير، كلُّ الخير. ومن زكاة النفس : حسن الأخلاق والمعاملة مع الناس، كما قال الله تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وآله وسلم :  وإنك لعلى خلق عظيم  [4] عليه الصلاة والسلام عظيم، أحسن أخلاق بني آدم، إن جئت في الحلم وجدت أنه أوسع الناس حلماً وإن جئت في الكرم وجدته أكرم الناس كان عليه الصلاة والسلام يبيتُ الليالي ذوات العدد لا يوقد في بيته نار، ويعطي عطاء من لا يخشي الفاقة –أي الفقر- إن بحثت في الشجاعة، وجدته أشجع الناس ومن تزكية النفس : الإحسان إلى الخلق، أحسن إلى الناس يُبك الله عز وجل، قال الله تعالى :  وأحسنوا إن الله يُبُّ المحسن  [195] إليك، وليس جزاء الإحسان جزاء أُخروياً فقط، بل جزاء أُخروي ودُنيوي. ــــ(206)

عدد الصفحات ٢٠٦

التزاحم على أبواب المستشفيات والغفلة عن أبواب المساجد: قال رحمه الله: إذا رأيتا الناس يتزاحمون على أبواب المستشفيات، ولكنهم في غفلة عن أبواب المساجد، فاعلام أن الوضع ليس بحسنٍ؛ لأن تكالُب الناس وحرصاهم على شفاء الأمراض البدنية دون الأمراض القلبية، دليلٌ على أن هناك انتكاسًا - والعياذ بالله - لأن الحقيقة أنه من العقل ومن الدين أن يكون الإنسان على الشفاء من الأمراض الدينية القلبية، أحرصا منه على الشفاء من الأمراض الجسمية. علم الإنسان بقرب أجله منحة ومحنة: قال الشيخ رحمه الله: فإن قال قائل: وهل علم الإنسان بالعلامات على قرب أجله تدلُّ على فضله ؟ نقول: إن انتفع بذلك فهو منحة، وإن لم ينتفع فهو محنة، لأنه ليس كل من علم بقرب أجله تصلح حاله، بل ربما يعتريه من الجزع والتسخط ما يجعله يرتدُّ والعياذ بالله...لكن إذا وفق الإنسان وانتفع بهذا فهو من نعمة الله عليه. من البشرى للمؤمن : قال الله عز وجل:  والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد  [17] الإنسان لنفسه أو يراها له مؤمن...مثلأن يرى من يُبشرُ بالجنة، أن يرى أنه في نعيم..ومن البشرى أيضاً: أن يُوفق للعمل الصالح، فإذا رأيت الله سبحانه وتعالى وفقك للعمل الصالح المبنى على الإخلاص والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا من البشرى، ومن البشرى أيضاً: أن يوفقك الله عز وجل لمصاحب ة الأخيار..ومن البشرى أيضاً: أن يُب الإنسانُ ما يُُبُّه الله. ــــ(207)

عدد الصفحات ٢٠٧

حلاوة الصبر على المصيبة قال الشيخ رحمه الله: ما أحلى أن يصاب الإنسانُ بمصيبة ثم يتصبر ويصبر، ويجد حلاوة عجيبة، حلاوة وطُمأنينة في القلب، وراحة في النفس، لا يجدها في أعظم واعظ، فلو وعظك إنسان من الصباح إلى الصباح فلا يؤثر فيك تأثير بعض المصائب، حتى إن المعاصي إذا فعلها الإنسان ثم استحضر عظمة الله، وخجل من الله، واستحيا من الله، ورجع إلى الله، يجد لذة عظيمة للطاعة، التي كان يفعلها من قبل كأنها عادة. حسن الخاتمة: قال الشيخ رحمه الله: فإن قال قائل كان النبي صلى الله عليه وسلم يوعك كما يوعك الرجلان منا، فهل يفهم من هذا أن الإنسان إذا كان معروفاً بالصلاح وشُدِّّد عليه المرض الذي مات فيه أن هذا يدل على حسن الخاتمة؟ فالجواب: رُبما يدل على هذا، وقد ابتُلي الرسول علية الصلاة والسلام بهذا ليتم له مقام الصبر، لأن مقام الصبر مقام عالٍ، يُتاج إلى أمر يُصبر عليه. وقال رحمه الله: كيف يستطيع الإنسان ألا يُوت إلا وهو مسلم؟ الجواب: يستطيع ذلك، بأن يثابر على العمل الصالح في حياته، والله سبحانه وتعالى أكرم من أن يخذل شخصاً أمضى عمره في طاعة الله، فإذا نشأ الإنسان في طاعة الله، ومرَّن نفسه على الطاعة فإن الله يشكر له، حتى يُسن له الخاتمة. ــــ(208)

عدد الصفحات ٢٠٨