المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

درر من مصنفات العلامة ابن عثيمين

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

صفحة ١٢ من ٤٠

فصلالسيرة و التاريخ أهمية وفوائد دراسة سيرة الرسول علية الصلاة والسلام: قال الشيخ رحمه الله: اقرؤوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ترشدوا، وتفلحوا، أنصحكم ونفسي بوجوب معرفة سيرة الرسول علية الصلاة والسلام؛ لأن معرفتها تُكسب الإنسان أسوةً حسنة، فمعرفة السيرة أمر مهم جد ا، أكررُ على إخواني المسلمين أن يقرؤوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك يزيد في الإيُان، ويزيد في محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتزيد القلب خشوعًا، وتزدادُ به معرفة منهجه عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، وتبصير عباد الله. وقال رحمه الله: أهمية القراءة في السيرة النبوية لأمور كثيرة: أولاً: أن نعرف حال النبي صلى الله عليه وسلم نسبًا وشرفًا وحسبًا وعبادةً وخُلُقًا، وجميع الأحوال؛ لأن هذا يزيدنا إيُاناً به علية الصلاة والسلام، ومحبَّةً له، وتعطرًا بذكره علية الصلاة والسلام. ثانيًا: أن نعرف الأحكام التي تترتب على هذه السيرة النبوية في حال الحرب والسِّّلم والشِّّدَّة والرخاء والغضب، وغير ذلك. ثالثًا: أن كثيرًا من السيرة النبوية لها علاقة بالقرآن الكريم وتفسير له، نحتاجُ إلى فاهمها؛ حتى نُطبق عليها ما جاء في القرآن الكريم. رابعًا: أنه لا يليق بنا ونحن أمة مسلمة نتَّبع هذا الرسول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أن نكون جاهلين بحاله وسيرته ،وقال: علاج قسوة القلب: كثرة قراءة القرآن بتدبر، ثانيًا: القراءة في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ــــ(177)

عدد الصفحات ١٧٧

أهمية وفوائد دراسة سِّيرا الخلفاء الراشدين قال الشيخ رحمه الله: دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وخُلفائه الراشدين - من الدين؛ لأنها كلها أحكام وفِّقه. وقال رحمة الله: مراجعة كتب التاريخ الحر يصة على الضبط والموثُوقة، تزيد الإنسان إيُاناً بالله، لكن إن كانت هذه الحوادث من السيرة النبوية وسير الخلفاء الراشدين، ازداد بها مع الإيُان بالله أن يصطب بصبغتها، ويُتذي حاذوها في السير. الحذر من كتب التاريخ التي فيها إساءة للصحابة رضي الله عنهم: قال الشيخ رحمه الله: نرى في كتب التاريخ أشياءا مشوهة إن كان صدقًا، وأشياء كثيرة مزورة مكذوبة، لا سيما فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم مما هم فيه معذرون؛ لأنهم مجتهدون، ومن أصاب منهم له أجران، ومن أخطأ فله أجر وخطؤه مغفور. فيجب على المرء أن يُذار من مثل هذه الكتب المزورة، أو المشوهة بزيادة أو نقص، لا سيما إذا يشعر بأن هذا الكتاب مثلاً يُسيء إلى الصحابة رضي الله عنهم في تشويه حياتهم ومجتمعاتهم، وكتب التاريخ قد يكون بعضها متناولاً لهذا الأمر؛ مما يكون دالا على القدح في الصحابة؛ إما تصريًُا أو تلميحًا، فليحذر المؤ من من مثل هذه التواريخ التي تُضله، والله والمستعان. ــــ(178)

عدد الصفحات ١٧٨

أهمية علم التاريخ قال الشيخ رحمه الله: علم التاريخ علم مهم.. قال الله عز وجل: ﴿ واجاحادُوا بهِّاا وااسْتـايـْقانـاتـْهاا أانـْفُسُهُمْ ظُلْمًا واعُلُو ا فاانْظُرْ كايْفا كاانا عااقِّباةُ الْمُفْسِّ دِّينا ﴾ 14.] قال الشيخ رحمه الله : من فوائد الآية الكريُة: فيها دليلٌ على فضيلة التأمل والتفكر في أخبار من مضى، وأن دراسة علم التاريخ من الأشياء التي جاء بها الشرع، فإننا لا يُكن أن ننظر كيف كان عاقبتهم إلا بدراسة أخبارها وتتبُّعها، فعلم التاريخ إذًا من الأمور المقصودة، لكن هل من الأُمور المقصودة ذاتي ا أو عرضي ا؟ عرضي ا. قراءة تاريخ الأمم السابقة من المصادر الثابتة الصحيحة: قال الشيخ رحمه الله: ينبغي أن نقرأ تاريخ الأمم السابقة، وأفضل ما نقرؤه منه هو القرآن وصحيح السنة؛ لأن من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن الأمم السابقة ما لا يُصيه إلا الله عز وجل، والعبرة بالصحيح، وما أكثر الأحاديث التي فيها الأخبار عن الأمم السابقة. وقال رحمه الله : مصدر التاريخ في الأمم السابقة ما أخبر الله به ورسوله؛ قال الله تعالى: ألم يأتيهم نبأ الذين من ﴿أالماْ يأاْتهِِّّ مْ نـاباأُ الَّذِّينا مِّنْ قـابْلِّهِّمْ قـاوْمِّ نُوحٍ واعاادٍ واثماُودا واقـاوْمِّ إِّبـْرااهِّيما ﴾70] واالَّذِّينا مِّنْ بـاعْدِّهِّمْ لاا يـاعْلامُهُمْ إِّلاَّ اللََُّّ ﴾ [9]. ــــ179)

عدد الصفحات ١٧٩

فوائد قراءة كتب التاريخ : وقال رحمة الله: من السير في الأرض بالقلوب مراجعة كتب التاريخ والأمم؛ لأن من راجعها - لا سيما التواريخ الحريصة على الضبط والموثُوقة - يتبينَّ له العجب العجاب في خلق الله عز وجل ومداولته الأيام بين الناس، وتغييره للأمور، وتزيد الإنسان إيُاناً بالله. وقال ر حمه الله: ينبغي للإنسان أن يقرأ كتب التاريخ الماضية للاعتبار، وقال رحمه الله: في التاريخ عبر يعتبرُ بها العاقل؛ لقوله تعالى: ﴿ أاوالماْ ياسِّيرُوا فيِّ الأْارْضِّ فـايـانْظُرُوا كايْفا كاانا عااقِّباةُ الَّذِّينا مِّنْ قـابْلِّهِّمْ ﴾9.] وقال رحمه الله: ينبغي للإنسان أن يكون عنده علم بأحوال الأُمم السابقة، من أجل أن يكون معتبرًا بمن مضى فيمن بقي. وقال رحمه الله: اقرأ التاريخ يتبينَّ لك ما قدره الله على العباد، وأن سنة الله سبحانه وتعالى في السابقين ستكون في اللاحقين. وقال رحمه الله: تدبروا التاريخ من أوله إ لى آخره، وانظروا ماذا حصل من الفتن والبلاء وتمزق الأُمة بسبب الخروج على الأئمة، فالأمةُ الإسلاميةُ كانت تُت رايةٍ واحدة، وتمزقت بالخروج بعضها على بعض حتى تفرقت الأمة...اقرءوا التاريخ في الماضي...ماذا حصل في القيام على الحكام من البلاء والشرِّّ واستحلال الدم اء، وانتهاك الأعراض المسلمة، واستحلال الدماء والأموال. ــــ(180)

عدد الصفحات ١٨٠

كتب التاريخ بعضها غير صحيح قال الشيخ رحمه الله: كتب التاريخ بعضها مزيف ليس على حقيقته، وقال رحمه الله: يجب أن يعلم أن التاريخ أصابه شيء من الوضع؛ أي: من التحريف والتغير والكذب والزيادة والنقص. وقال رحمه الله: التاريخ حوادث ووقائعُ ينقلها الناسُ، قد تكون محررة مضبوطة وقد تكون غير محررة مضبوطة. "زاد المعاد" لابن القيم، و"البداية والنهاية" لابن كثير - من أحسن الكتب. قال الشيخ رحمه الله: أما السيرة، فمن أحسن ما رأيتُ كتاب زاد المعاد لابن القي م رحمه الله تعالى في باب السيرة؛ لأنه يذكر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام في جميع أحواله؛ في أحواله الشخصية، وأحواله الاجتماعية، وأحواله العسكرية القتالية، وغير ذلك، ثم هو مع هذا يضيف رحمه الله استنباط أحكام كثيرة من الغزوات، فهو كتاب نافع لطالب العلم. وقال رحمه الله: بالنسبة للكتب المؤلفة فيما مرَّ عليَّ، فإن أحسن كتاب يرجع إليه في ذلك هو: البداية والنهاية لا بن كثير؛ لأنه رجل محدث ومحقِّّق، فهو من خير مان كتاب في تاريخ الرسل وأُممهم، فالمرجع إليه جيد، من خير ما هو مؤلف في السيرة، وفيه تمحيص جيد، مِّن أحسن ما رأيت، وأنا لم أر كثيرًا في كتب التاريخ والسيرة. ــــ(181)

عدد الصفحات ١٨١

فصل: الرقائق ** العناية بصلاح القلب الحرص على إصلاح القلب وغسله بالتوبة والاستغفار: قال الشيخ رحمه الله: يجب علينا -يا إخوان - العنايةُ بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح فعملُ الجوارح علامةٌ ظاهرة لكنَّ عملا القلب هو الذي عليه المدار؛ ولهذا أخبرا النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوارج وهو يخاطب الص حابة، فيقول: (يُاقِّر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصياماه مع صيامهم) أي: إنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة لكن قلوبهم خالية - والعياذ بالله - لا يتجاوز الإسلامُ حناجراهم، ((يُارُقون من الإسلام كما يُارُقُ السهمُ مِّن الرَّميَّة))، فعلينا أيها الإخوة أن نعتني بالقلوب وإصلاحها، وأعمالها، وعقائدها، واتجِّّاهاتها؛ قال بكر بن عبدالله المزني: ما فضالهم أبو بكر بفضل صومٍ، ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقار في قلبه، والإيُان إذا وقار في القلب، حمال الإنسانا على العمل، لكن العمل الظاهر قد لا يُامِّل الإنسان على إصلاح قلبِّه ، فعلينا أن نعتني بقلوبنا وإصلاحها، وتخليصها مِّن شوائب الشِّّرك والبدع، والحقد والبغضاء، وكراهة ما أنزال الله على رسوله، وكراهة الصحابة رضي الله عنهم، وغير ذ لك مما يجب تنزيه القلب عنه، فنسأل الله تعالى أن يُصلحا قلو بنا وقلوبكم، وأعمالنا وأعمالاكم وأن يـاها با لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب .وقال:أنا أُحذِّّر نفسي أولاً وأستغفر الله وأتوب إليه مما أنا عليه وأُحذِّّركم أيضًا من أن تكونوا دائمًا على صِّلة بقلوبكم..يجب علينا دائمًا أن نكون على صلة بهذا القلب ناغسله بالتوبة والاستغفار وسؤالِّ الله عز وجل الثباتا وأن ياقِّياك شرورا نفسك ــــ(182)

عدد الصفحات ١٨٢

الحذر من كمائن القلب : قال العلامة ابن القيم رحمه الله في الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية: واحذار كمائنا نفسِّك اللاتي متى *** خراجتْ عليك كُسِّرْتا كاسْرا مُهانِّ قال الشيخ رحمه الله: قوله: (كمائن نفسك)؛ أي: ما كمان فيها وخافِّيا، والنفس أمَّارةٌ بالسوء إلا ما رحِّم ربي. فهو يقول: احذار كمائن نفسك، فللنفس كمائنُ - يعني: أشياءا مُستترةً - لا ياعلامُها إلا الله عز وجل؛ كما قال القحطاني: واللهِّ لو علِّموا قابيحا ساريرتي *** لأابىا السلاما عليَّ مان يالقاني فالإنســان في نفســه كمــائنُ لا ياعلامُهــا إلا الله، فاحــذار هــذه الكمــائنا، والكمــائن كثــيرة؛ فقد تكون شِّـركًا بالله - نسـأل الله العافيـة - وقـد تكـون رياءً؛ فالإنسـان يُـبُّ الـرياء، وأن يـــراه النـــاس علـــى عمـــلٍ صـــالح، وقـــد تكـــون حســـدًا لعبـــاد الله وهـــو مِّـــن خصـــال اليهود، وقد تكـون كراهـةا أن يانتصـر ديـنُ الله عـز وجـل، أو أن ينتصـر أوليـاءُ الله، وقـد تكون بإيثار الدنيا على الآخرة، وقد تكـون بإيثـار الأولاد والأزواج علـى الآخـرة؛ قـال تعالى: ﴿ ياا أايـُّهاا الَّذِّينا آمانُو ا لاا تـُلْهِّكُمْ أامْـواالُكُمْ والاا أاوْلاادُكُـمْ عاـنْ ذِّكْـرِّ اللََِّّّ واماـنْ يـافْعاـلْ ذالِّكا فاأُولائِّكا هُمُ الخْااسِّرُونا ﴾9] تكون بالعداوة والباغضاء للمؤمنين، وغير ذلك مما لا يُُصى المهم أن هناك كمائنا في القلب خفيَّةً، تُتاج إلى تماحيصٍ، وإلى غاسْل القلب من ظاهره وباطنه؛ فاحذار هذه الكمائن، وكُلما وجادتا في قلبك شيئًا من هذه الكمائن، فافزاع إلى الله عز وجل، فلا مالجأا ولا مانجا إلا إلى الله عز وجل. ــــ(183)

عدد الصفحات ١٨٣

أسباب فساد القلب وقسوته: قال الشيخ رحمه الله: اعلام أن القلب لا يزي إلا لسببٍ، يكون في القلب عِّرقٌ خبيثٌ خفيٌّ، هو يرى أنه مُهتدٍ وماشٍ على الهداية، لكن في قلبه هذا الشيء الذي ياظالُّ يزيد، حتى يزي قلبه نهائي ا؛ قال الله تعالى: ﴿ فـالامَّا زااغُوا أازااغا اللََُّّ قـُلُوبهاُمْ ﴾ [5.] وأأُريد أن أُفزعكم، بل أُريد أن أُحذِّّراكم، وأن تُارِّصوا دائمًا على إصلاح القلب، فلناضرِّب مثلاً أن رجلاً كارِّه شيئًا من شريعة الله عز وجل، لم ياكره الشريعة كلَّها، لكن في مسألة من الأمور المُستحبة البسيطة بالنسبة إلى غيرها من مسائل العلم والدين، فلا تاستهنْ بهذا الأمر، فربما يكون سببًا لفساد قلبك. قد يكون في قلب الإنسان حسدٌ يُاسُدُ الإنسانا حتى في إقامة دين الله عز وجل، يعني لو حسدتا إنساناً على إقامة دين الله عز وجل، وتعليم عباد الله عز وجل معناه أنك لا تتمنى أن الشرع لا يقوم، وأن الناس لا يعلمون، فهذا أمر خطير جد ا، والحسد داءٌ عظيمٌ، وهو من أخلاق اليهود؛ قال تعالى: ﴿ أامْ يُاْسُدُونا النَّاسا عالاى ماا آتااهُمُ اللََُّّ مِّنْ فاضْلِّهِّ ﴾54] ياشعُر بها، وتكون سببًا لضلاله النهائي وزايغه وقال رحمه الله: تغيرُّ ات القلب تغيرُّات سريعة وعجيبة، ربما ينتقل مِّن كُفرٍ إلى إيُان، أو مِّن إيُان إلى كفرٍ في لحظة، نسأل الله الثبات! تغيرُّ القلب يكون على حسب ما يُُيطُ بالإنسان، وأكثر ما يُوجبُ تغيرُّ القلب إلى الفساد: حبُّ الدنيا، وهذه آفةٌ، والعجب أننا متعلقون بها، ونحن ن علم أنها متاعُ الغرور، وأن الإنسان إذا سُرَّ يومًا أُسيءا يومًا آخرا. ــــ(184)

عدد الصفحات ١٨٤

وقال رحمه الله: قسوةُ القلب أسبابهُا كثيرة؛ منها: الإعراض عن ذِّكر الله، وكون الإنسان لا يذكرُ الله إلا قليلاً، تجادُهُ حتى في الصلاة المفروضة لا ياذكُرُ الله بقلبه، يقرأُ، وير كع، وياسجُد، ويُسبحُ، ويدعو والقلب غافلٌ، فهذه من أسباب القسوة. ومن أسباب قسوة القلب أيضًا: كثرةُ المِّزاح واللعب والتلهِّّي بالأصدقاء والأهل؛ ولهذا قال بعض الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام: إننا إذا كُنَّا عندك، فإننا نخاشاعُ حتى كأننا نُشاهد الجنة والنار، وإذا ذهابنا عافاسنا الأهل والأولاد، نسينا، قال: ((ساعةً وساعةً)). ومن أسباب قسوة القلب أيضًا: الانكبابُ على الدنيا وتفضيلها على الآخرة، وألا يكون همُّ الإنسان إلا جمعا المال، ولها أسباب كثيرة. وقال رحمه الله: قال الله عز وجل: ﴿ فابِّماا نـاقْضِّهِّمْ مِّيثااقـا هُمْ لاعانَّاهُمْ واجاعالْناا قـُلُوبهاُمْ قااسِّياةً ﴾13] حداثت اليوم في كثير من المسلمين، لهي من أعظم العقوبات، ولكننا لا نشعُر بها وقال رحمه الله: أسبابُ قسوة القلب الإعراض عن الله عز وجل، والبُع د عن تلاوة القرآن، واشتغال الإنسان بالدنيا، وأن تكون الدنيا أكبرا همِّّه، فلا يهتم بأمور دينه. العفة من أسباب نور القلب والفجور من أسباب ظلمته: قال رحمه الله : سورة النور...إذا تأملت السورة ووجدت ذكر النور فيها، وأن الله نور السموات والأرض وقوله  ومنعل الله له نوراً فما له من نورٍ  تبين لك أن العفة من أسباب نور القلب، وأن ضدها -وهو الفجور- من أسباب ظُلمة القلب ولذا كان تأثير الزنى سواء كان بالعين أو بالرجل أو باليد أو باللسان أو بالفرج على القلب وعلى نور القلب أعظم من غيره وتأثير العفة في نور القلب أبل ــــ(185)

عدد الصفحات ١٨٥

ميزان لمعرفة قسوة القلب: قال الشيخ رحمه الله: القلب اللينُ يتأثر فرحًا بآيات الوعد، ويتأثر خوفًا وهرباً بآيات الوعيد، فهذا في الحقيقة ميزانُ قسوة القلب، إذا رأيتا القلب لا يتحرَّك في طلب ثوابٍ أو خوفِّ عقابٍ، ففيه قسوةٌ، نسأل الله العافية. و قال رحمه الله: علامةُ رِّقَّة القلب أن يخاشاعا لذكر الله، وعلامةُ قسوته ألا يُباليا بما سماِّعا من آيات الله. ...وقال رحمه الله: إذا كنتا تاقرأ القرآن ولا تتأثر به، فعليك بمداواة نفسك؛ فإن القلب إذا لم يانتفعْ بالقرآن ولم يتَّعظ به، فإنه قلبٌ قاسٍ. وقال رحمه الله: الإنسان كُلما قسا قلبُه لا يتأثرُ بالمعصية، لكن إذا كان قلبه حي ا وفعل المعصية، تجاِّدُهُ يُازنُ وياندام، ويخاجال، ويُُدِّثُ توبةً، فإذا وجدتا مِّن نفسك أن قلبك لا يتأثَّر بمعصية الله، فاعلام أنه مختومٌ عليه - والعياذ بالله - وإذا رأيتاه يتأثرُ كلما عصى، فأحسَّ بالذنب، ورجع إلى الله، وأناب إليه، واستغفر ربَّه، فاعلم أن قلبك حيٌّ؛ لأن الميتا لو أتيتاه بشُواظٍ من نار وأصبتا به جسده، فهل يتأثر؟ أبدًا، ولا يُُسُّ، والحيُّ يُُسُّ، فهكذا القلوبُ متى أحسَّت بالمعصية وتركِّ الطاعة، فاعلام أن فيها حياةً، ومتى لم تُُِّسَّ فاعلم أنها ميتةٌ، وأنها قد خُتِّما عليها. وقال رحمِّه الله: اعلم أنك كُلما حُجِّبتا عن فـاهْم كلام الله، فإنما ذلك مِّن معاصٍ تراكمات على قلبك، وإلا لو كان قلبك نقي ا صافيًا، لرأيتا أن كلاما الله تعالى أعظمُ الكلام، وأصدقُ الكلام، وأحسنُ الكلام، وخيرُ الكلام. ــــ(186)

عدد الصفحات ١٨٦

علاج قسوة القلب: سُئِّل فضيلة الشيخ فقيل له: أشكو إلى الله ثم لكم قسوةً أجدُها في قلبي، فماذا أعمل؟ جزااك الله خيرًا، فأجاب رحمه الله: اعمال شيئين: الأمر الأول: الإكثار من قراءة القرآن؛ فإن الله تعالى يقول في هذا القرآن: ﴿ لاوْ أانـْزا لْناا هاذاا الْقُرْآنا عالاى جابالٍ لاراأايـْتاهُ خااشِّعًا مُتاصادِّّعًا مِّنْ خاشْياةِّ اللََِّّّ ﴾21] ولا أظن شيئًا أشدَّ قسوةً من الحجارة، ومع ذلك لو نزال عليها هذا القرآن، لرأيتا ه خاشعًا مُتصدعًا من خشية الله... ولكن ليس المرادُ مجُرد التلاوة مع غ فلة القلب، بل التلاوة مع استحضار القلب وتدبُّره، فإن ذلك لا شك يُلينُ القلب على كُلِّّ حال. الأمر الثاني: ذكر الله عز وجل: التهليل، والتكبير والتسبيح، والتحميد، وما أشبها ذلك، بشرط أن يتواطأا القلب مع اللسان؛ لأن مدار الحياة على القلب، فإذا حياا القلبُ حياا الجسم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ والاا تُطِّعْ مانْ أاغْفالْناا قـالْباهُ عانْ ذِّكْرِّناا ﴾ [28] أاغْفالْناا قـالْباهُ ﴾، وكم مِّن إنسانٍ يذكُرُ بلسانه، لكنَّ قلباه لاهٍ! فالذكر حينئذ يكون ضعيفًا، وأثر ه رديئًا، لكن إذا اجتمع القلب واللسان، فهذا مما يُسبب حياة القلب وليناه؛ قال تعالى: ﴿ اللََُّّ نـازَّلا أاحْسانا الحْادِّيثِّ كِّتااباً مُتاشاابهًِّا ماثاانيِّا تـاقْشاعِّرُّ مِّنْهُ جُلُودُ الَّذِّينا يخاْشاوْنا رابهَُّمْ ثمَُّ تالِّينُ جُلُودُهُمْ واقـُلُوبهُُمْ إِّلىا ذِّكْرِّ اللََِّّّ ذالِّكا هُداى اللََِّّّ يـاهْدِّي بِّهِّ مانْ ياشااءُ ﴾ [23] هُداةً مُهتدين وصالحين مُصلحين، إنه على كل شيءٍ قدير ــــ(187)

عدد الصفحات ١٨٧

وقال رحمه الله: القلب إذا لم تُلينه يابق ى قاسيًا؛ لأن زهرة الدنيا وزخارفها والأصحاب، وما أشبه ذلك، قد يوجب هذا أو بعضه، فلا بد أن تتعاهد قلباك بما يُلينه، وأحسنُ ما يُلينه كتابُ الله عز وجل إذا قرأتاه بإمعانٍ وتدبُّرٍ، فإنه يلين القلب؛ كما قال ابن عبدالقوي رحمه الله: وواظِّبْ على دارْسِّ القرانِّ ف إنَّه *** يُلينُِّّ قلبًا قاسيًا مِّثْلا جالْمادِّ ومصداق ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿ لاوْ أانـْزالْناا هاذاا الْقُرْآنا عالاى جابالٍ لاراأايـْتاهُ خااشِّعًا مُتاصادِّّعًا مِّنْ خاشْياةِّ اللََِّّّ واتِّلْكا الأْامْثاالُ ناضْرِّبهُاا لِّلنَّاسِّ لاعالَّهُمْ يـاتـافاكَّرُونا ﴾ [ 21] وقال رحمه الله: القراءة في سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ كسيرة ابن هشام، والبداية والنهاية، وزاد المعاد لابن القيم، فإن القراءة في السيرة النبوية الصحيحة تزيدُ الإنسان إيُاناً، وتزيد القلب خشوعًا. وقال رحمه الله: قراءة السيرة لها تأثيرٌ عجيب على القلب؛ لأن الإنسان يتذكَّر وكأنه مع الصحابة، فيالين قلبُه. ومن أسباب لِّينِّ القلب رحمةُ الأطفال، والتلطُّف معهم، فإن ذلك يُلينُ القلب، وله تأثيرٌ عجيب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الراحمون يارحماُهم الرحمن، ارحماوا مان في الأ رض، يارحماْكم مان في السماء)). ومن أسباب لينِّ القلب: سماعُ المواعظ والقصائد التي تُُيي القلب؛ ولذلك تجد الرجلا إذا سمع قصيدة مؤثرةً، يخاشاعُ قلبُه وتادماع عيناه. ومن أسباب لين القلب: حضورُ القلب في الصلاة؛ فإن ذلك من أسباب الخشوع، ولين القلب، نسأل الله تعالى أن يُلينا قلوبنا لذكره، وأن يُعيذانا من قسوة القلب. ــــ(188)

عدد الصفحات ١٨٨

انتظار الصلاة بالقلب: قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((انتظارُ الصلاة بعد الصلاة)): الانتظار يكون بالبدن ويكون بالقلب؛ أما البدن فيبقى في مكان صلاته، حتى تأتى الصلاة الأخرى، وأما القلب فيكون كلما انتهى من صلاة، إذا هو ينتظر الصلاة الأخرى متى تأتي؟ ليقف بين يدي ربه؛ لأنه يُب الصلاة، فقد جعل الله قرةا عينه في الصلاة، وهذا دليلٌ على إيُانه؛ لأن الصلاة إيُان؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال تعالى: ﴿ واماا كاانا اللََُّّ لِّيُضِّيعا إِّيُااناكُمْ ﴾143] العلماء: صلاتُكم إلى بيت المقدس. رفع القلب عند الدعاء: قال الشيخ رحمه الله: تجد الكثير منا يُافظ على سُنة رفع الإصبع عند الدعاء، لكن رفع القلب عند الدعاء لا أحدا يهتم به، مع أن هذا هو الأهم، والحقيقة أن الله يتو ب علينا إذا فكَّرنا في أنفسنا، وإذا بنا ظاهريُّون لا باطنيُّون. ضياع الأوقات لا يكون إلا من غفلة القلب : قال الشيخ رحمه الله: إذا رأيتا من نفسك أن أوقاتك ضائعةٌ بلا فائدة، فيجب عليك أن تُلاحظ قلبك، فإن هذا لا يكون إلا من غفلة القلب عن ذِّكر الله تعالى، ولو ن ظرتا فيما سباق من التاريخ كيف أنتج العلماء رحمِّهم الله ما أنتجوا من المؤلفات، ومِّن فطاحل العلماء الذين تخرَّجوا على أيديهم في أوقات قد تكون أقلَّ مِّن الوقت الذي عِّشتاه أنت، وذلك بسبب ما ملأ الله تعالى به قلوبهم من ذكره، حتى صارت أعمارُهم لا يضيع منها لحظةٌ واحدة، فعليك أن تانتبها لمرض قلبك، وأن تبادر بمُداوته. ــــ(189)

عدد الصفحات ١٨٩

مرض الكبر للقلب كمرض السرطان للبدن : قال الشيخ رحمه الله: إذا رأيتا من نفسك تكبرًا على أحدٍ، فعالِّجْ هذا الداء، عالِّج هذا المرض قبل أن ياستشري؛ لأن هذا المرض للقلب بمنزلة السرطان للبدن، إن لم تبادر بعلاجه فإنه يقضي عليك، ولا تتهاون بالكِّبر، فالكِّبر خُلُق رذيلٌ ذميمٌ، وجرِّّب نفساك إذا تواضاعتْ تجد راحةً وطُمأنينة، ويُاصُل لك في قلوب العباد محبةٌ وأُلفة، وعليك بالتواضع ولين الجانب، وإذا انضمَّ إلى ذلك أنك تُريد بها الوصول إلى كرامة الله عز وجل، والخضوع لله تعالى، فإنك تزداد ثواباً ورِّفعةً؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مان تواضاع لله رفاعه)). سليم القلب لا ترتاح نفسُه للإثم قال الشيخ رحمِّه الله: من كان سليم القلب، فإن الله تعالى قد يـاهابُه فِّراسةً ياعرِّف بها الإثم، حتى إن نفسه لا تاطمئن له ولا ترتاح، وهذه نعمةٌ مِّن الله على الإنسان. قال جامعه: نسأل الله الكريم أن يُصلح قلوبنا أجمعين، وأن يُثبتها على طاعته؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: سمِّعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن قلوب بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد، يا صرِّفُه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم مُصرِّّف القلوب، صرِّّف قلوبنا على طاعتك))؛ أخرجه مسلم . ــــ(190)

عدد الصفحات ١٩٠

** العقوبات أشدُّ العقوبات العقوبات الدينية، ولا ينتبه لها إلا من وفَّقه الله: قال الشيخ رحمه الله: العقوبة أنواع كثيرة: منه ا ما يتعلق بالدين، وهي أشدُّها؛ لأن العقوبات الحسية قد يتنبَّه لها الإنسان، أما هذه فلا ينتبه لها إلا من وفَّقه الله، وذلك كما لو خفت المعصية في نظر العاصي، فهذه عقوبة دينية تجعله يستهين بها، وكذلك التهاون بترك واجب، وعدم الغيرة على حرمات الله، وعدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ذلك مصائب، ودليله قوله تعالى: ﴿ فاإِّنْ تـاوالَّوْا فااعْلامْ أانمَّاا يُرِّيدُ اللََُّّ أانْ يُصِّيبـاهُمْ بِّبـاعْضِّ ذُنُوبهِِّّمْ ﴾49.] وقال رحمه الله: يقول عز وجل: ﴿ واماا أاصااباكُمْ مِّنْ مُصِّيباةٍ ﴾30] يشمل المصائب الدينية والمصائب الدنيوية، وأعظمهما المصائب الدينية، فإنها أعظمُ من المصائب الدنيوية، فإذا قُدِّّر أن أحدًا أُصيب بانتكاسة - والعياذ بالله - فهو أشدُّ من أن يهلك أهله وماله، فإن المصائب الدينية أعظم بكثير من المصائب الدنيوية؛ إذ إن المصائب الدُّ نيوية تزولُ وتنسى، أما المصائب الدينية - والعياذ بالله - فخسارة في الدنيا والآخرة. ومصائب الدين؛ كالمعاصي، والبدع، وكراهة الحق، وكراهة أهل الحق، وما أشبه هذا، فمثلاً: الإنسان إذا أصابه فتور في الطاعة، أو إعراض عن الطاعة لا شك أنها مصيبة، لكنها لا يقرُّ ع ليها، يجب عليه أن يهرب منها كما يهرب من المصائب الحسية. ــــ(191)

عدد الصفحات ١٩١

عقوبة العبد قد تكون بمرض القلب وقسوته: قال الشيخ رحمه الله: العقوبة لا تنحصر في فِّقدان النعمة، بل العقوبة تكون بفِّقدان النعمة وتكون بقسوة القلب ومرضِّه.والواقع أن عقوبات القلوب بالمرض والقسوة والإعراض عن الله وعن ذكره وهذه أكبر عقوبة.فإن هذا يوجب للإنسان ضيقا الصدر والتعب من الحياة...إن مِّن أعظم العقوبات على العاصي أن ياقسوا قلبُه عن طاعة الله، فإن قسوة القلب توجب الإعراض وتوجب الغفلةا ومِّن ثماَّ تُوجب موتا القلب، والهلاك في الدنيا والآخرة، قال عز وجل:﴿ فابِّماا نـاقْضِّهِّمْ مِّيثااقـاهُمْ لاعانَّاهُمْ واجاعالْناا قـُلُوبهاُمْ قااسِّياةً ﴾13]وقال رحمه الله: إذا تراكامت المعاصي على القلوب، سدَّت عنها طُرقا الخير؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿ إِّذاا تـُتـْلاى عالايْهِّ آيااتـُناا قاالا أاسااطِّيرُ الأْا وَّلِّينا * كالاَّ ﴾13,14] ليست أساطيرا الأوَّلين: ﴿ كالاَّ بالْ راانا عالاى قـُلُوبهِِّّمْ ماا كاانُوا ياكْسِّبُونا ﴾13،14] عليها ما كانوا يكسِّبون من الأعمال السيئة، حتى رأوا أعظما كلامٍ أساطيرا الأول ــــ(192)

عدد الصفحات ١٩٢