فصلالقضاء والإفتاء ** القضاء حديث القاضي العادل إما إنه باطل أو شاذ شذوذاً عظيماً: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يُدعي بالقاضي العادل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره ) قال الحافظ ابن حجر ر حمه الله في بلوغ المرام: أخرجه ابن حبان، وأخرجه البيهقي ولفظه: في تمرة، قال الشيخ رحمه الله: هذا الحديث -كما هو واضح من لفظه-: التحذير من تولى القضاء، وفيه أيضاً مصادمة لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) ومصادم أيضاً للحديث الذي فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم القُضاة إلى ثلاثة أقسام. وبناء على ذلك يكون هذا الحديث إما باطلاً، وإما شاذّاً شُذوذاً عظيماً، لأننا لو أخذنا به لفرَّ الناس كلهم من القضاء، مع أن تولى القضاء فرضُ كفاية، لا يُكن للناس أن يقوموا بلا قاضٍ. وكيف يُاسب هذا الحساب الشديد الذي يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة واحدة وهو عادل، فهذا غير موافق لحكمة الله عز وجل، فالصواب أن هذا الحديث باطل أو شاذ، حتى لو قيل أن المقصود هو أن يشدد عليه الحساب لا أن يعذب، فإن الذي يُؤجر لا يشدد عليه الحساب، والرسول صلى الله عليه وسلم، قال: ( من نوقش الحساب عُذِّّب ) فلا يصح عن الرسول علية الصلاة والسلام. ــــ(161)
عدد الصفحات ١٦١لا ينبغي أن يتهرَّ ب من القضاء من هو أهل له: قال الشيخ رحمه الله: القضاء من أفضل الولايات التي يقوم بها المسلم، لأنه يُنفذ حكم الله في عباده، ولأنه إذا لم يتولَّ القضاء من هو أهل له، تولاه من ليس له بأهلٍ، ولهذا قال العلماء رحمهم الله : إن تولي القضاء فرض كفاية إن قام به من يكفي، وإلا هو عين عليه، وتهرُّب بعض السلف منه لأن العلماء كانوا في وقته كثيرين، فإذا تهرب منهم أحد كان من غيره من تكون به الكفاية، لكن إذا قلّ العلماء الموثوقون فإنه لا ينبغي أبداً أن يتهرَّب العالم منه متى يعرض القاضي الصلح على المتخاصمين: قال الشيخ رحمه الله : لو تُاكم رجلان إلى القاضي وهو يعلم أن الحق لأحدهما على الآخر، فإنه لا يجوز أن ي عرض الصلح، أما إذا كان لا يعلم فلا بأس أن يعرض الصلح، إلا إذا صرح، وقال : أنا أعرف أن فلاناً هو صاحب الحق، لكن ائذنا لي أن أُصلح بينكما، فلا بأس. وقال رحمه الله: إذا اشتبه الأمر على القاضي، إما في الحكم، بحيث تكون الأدلة متكافئة، أو في القضية، بحيث تكون هناك ملابسات يخشي أن القضية ليست على وجهها، فحينئذ له أن يسعى بالصلح، بل يتعين عليه، فإن وافقوا على الصلح فذاك، وإن لم يوافقوا صرفهم، وقال : انتظروا، حتى يتبين له الأمر. ــــ(162)
عدد الصفحات ١٦٢كلام لقاضي فقيه: قال رحمه الله: ما أحسن ما قاله بعض القضاة لما سئل عن هيئة التميز وكيف تجُعلُ هيئة التمييز فوق القاضي؟!– وهيئة التمييز تكون فيما إذا حكم القاضي ثم اعترض المحكوم عليه على الحكم رُفع لهذه الهيئة-قال: أنا أحمد الله أن كان هناك هيئة تمييز لأنه إذا كان الخطأ مني فهيئةُ التمييز تمنعني من الخطأ، فتمنعني من أن أظلم فلاناً وأُعطى فلاناً الذي لا يستحق وهذا من عقله ومن فقه أيضاً فائدة: قال الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العقيل رحمه الله، خدمت الدولة مدة اثنتين وخمسين عاماً تقريباً.وفي تلك المدة لم يُنقض لي حكم من فضل الله..وليس هذا بحول مني ولا قوة وإنما هو بمحض فضل الله وستره وتوفيقه وأستغفر الله وأتوب إليه. والشيخ صالح بن علي الغصون رحمه الله، كانت خدمته في القضاء إحدى وأربعين سنة، لم يذكر أنه نقض له حكم قضائي خلالها. أهمية الفراسة والمعرفة بأحوال الناس للقاضي: قال الشيخ رحمه الله: ينبغي للقاضي أن يكون عنده فراسة ومعرفة بأحوال الناس، لأن هذه تخدمه كثيراً، فقد يتحاكم اثنان وظاهر الحال مع الأول، ولكن بالفراسة ومعرفة الأحوال يكون الحق مع الثاني. بتصويب النظر إلى الخصمين قد يعرف القاضي بفراسته المحقَّ من المُبطل: عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم الحديث يدل على أنهما يجلسان بين يدي الحاكم، وذلك ليصوب إليهما النظر، لأنه بتصويب النظر قد يعرف بفراسته المحق من المبطل، من صفحات وجهه. ــــ(163)
عدد الصفحات ١٦٣جمع ما وردمن أشياء غريبة في الفراسة عن السلف وتوزيعها بين القضاة: قال الشيخ رحمه الله : يُذكر عن قضاة من السلف ومن الخلف أشياء غريبة في الفراسة، ولهذا أتمنى أن يتَّبعا أحد من الناس مثل هذه القصص، وتؤلف في مؤلف، وتوزع بين القضاة، حتى يستعينوا بها على تُرى الحكم والحق. فراسة قاضي قال الشيخ رحمه الله: حدثني أحد الثقات عن بعض القضاة أن شخصين كان بينهما عقد مزارعة، أي: يعطيه الأرض يزرعها بسهم، وكان العقد في أول الشتاء، والأمطار قليلة، وفي مثل هذه الحال يكون نصيب مالك الأرض قليلاً، لأن المزارع سوف يعمل كثيراً في السقي، وأراد الله فنزل المطر وارتفعت الأسهم، فعاد المالك إلى المزارع، وطلب منه زيادة حصته عما كانت في العقد، فرفض المزارع محتجاً بالعقد، فقال له المالك: وهل عندك شهود على هذا العقد. فقال المزارع: ليس معي شهود، ولكن بيني وبينك الله. وترافعا إلى القضاء، وكان القاضي ذا فراسةٍ وعلمٍ بأحوال الناس، وعرف أن الحق مع المزارع، فأدلى كلَّ واحدٍ منهما بحجته، وكان هذا القاضي يعرف أن هذه الأرض موقوفة، فقال القاضي للمزارع: إن هذا الرجل ناظر على الوقف، والناظر يجب عليه أن يتبع الأصلح، وما دام العقد الذي بينكما كان في زمن الرخص وزادت الأسهم الآن فهو يريد الأحظ للوقف، حتى ولو تم العقدُ بينكما، لأنها أمانة، ثم قال لصاحب الأرض: فما تقول ؟ فقال مباشرة: صحيح يا شيخ، جزاك الله خيراً، فقال القاضي: إذن الأرض للمزارع، وهكذا استدرجه حتى أقرَّ بأنه عقد لكن زادت الأسهم فتراجع.....لذا فإن القضاء يُتاج إلى فراسة، وفطنة. ــــ(164)
عدد الصفحات ١٦٤المرأة والقضاء عن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة بالرجل إمامة صغرى، فكيف بالإمامة الكبرى، لذا لا يصح أن يكو ن للمرأة إمرة ولا ولاية ولا حكم، فلا تكون واليةً ولا وزيرةً، لأن العلة واحدة لقصور عقل المرأة، ولأنها سريعة العاطفة، ولأن نظرها قريب، وتخُدع وقد أتى المصنف رحمه الله، بهذا الحديث في باب القضاء لنستفيد منه أنه لا يصلح أن تتولى المرأة القضاء، لأننا لو ولّيناها القضاء لكُنا ولَّينا أمرنا امرأةً، فلا يجوز أن تتولى القضاء. كتاب " إعلام الموقعين عن رب العالمين " للعلامة ابن القيم، كتاب مهم للقضاة قال الشيخ رحمه الله: كتاب عظيم، لاسيما للقضاة، من أحسن ما ألف في بابه. وقال رحمه الله: كتاب ينبغي للقاضي أن يقرأه..وه و كتاب عظيم. وقال رحمه الله: كتاب لا يستغني عنه المسلم ولاسيما القضاة. وقال رحمه الله: الكتاب المشهور الذي ينبغي لكل قاضٍ أن يعضَّ عليه بالنواجذ. كتاب"فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام" للعلامة السعدي نافع للقضاة قال الشيخ رحمه الله: ذكر فيها فوائد كثير ة، مستنبطة من قصة يوسف...فهذه الفوائد...فوائد مهمة، وفيها أشياء نافعة تنفع القضاة. ــــ(165)
عدد الصفحات ١٦٥**معالم منهجية وتربوية في الإفتاء عدم التسرع في الفتوى في المسائل التي تخالف الجمهور: قال رحمه الله: لا يتسرَّع الإنسان في الفتوى خصوصًا في المسائل التي تخالف رأي جمهور العلماء، فالمسألة التي تخالف رأي جمهور العلماء لا تتسرَّع فيها إلا بعد التروِّّي والتأنيِّّ والنظر في أدلة الفريقين؛ لأن الأكثر أقربُ إلى الصواب من الأقل. عدم التسرُّع في الفتوى بمخالفة ما عليه علماء البلد: قال رحمه الله: ما كان عليه الناس؛ أي: ما أقرَّه علماءُ البلد لا تتسرَّع في مخالفته؛ لأن أُمَّةً قامت على العمل بهذا الرأي مع وجود علمائها ليس بالأمر الهينِّّ أن يُنقل إلى رأي آخر بدون دليل واضح، على أن القول الذي هم عليه قول مرجوح؛ ولذلك تجد العامة إذا أفتى إنسان بخلاف ما يعهدونه يقولون: أتى بدين جديد؛ ولذلك إذا رأيت قولاً صواباً لا إشكال فيه مخُالفًا لما عليه علماء البلد فاجتمِّعْ بالعلماء، وناقِّشْهم وبينِّّ لهم الصواب، واتَّفِّقُوا على قولٍ، والحقُّ ضالَّةُ المؤمن، . عدم الإفتاء في مسألة صدر فيها حكم أو فتوى حتى لا يُدث بلبلة للسائل: قال الشيخ رحمه الله: أنا لا أُجيب عن مسألة انتهت بواسطة أحد من أهل العلم؛ لأنها فتوى أو حكم انتهى أمادُه؛ وإنما يُسأل عن المسائل التي لم يتقدَّم فيها فتوى أو حكم، وأنا لا أُحِّبُّ لأحد أن يكون وقَّافًا عند باب كل عالم، يسأله عما حصل أو عما جرى عليه، ولو كان قد استفتى عنه؛ لأنه يُصل بذلك بلبلة وتشتيت لفكره، وشكٌّ في أمره؛ وإنما عليه إذا أراد أن يستفتي أو يتحاكم إلى أحد، أن يختار مانْ يرى أنه أقرب إلى الحق من غيره لعلمه وأمانته وصلاحه ويكتفي بما يفتيه به أو يُكم به. ــــ(166)
عدد الصفحات ١٦٦عدم التسرُّع في الإفتاء قال الشيخ رحمه الله: من آ داب طالب العلم الواجبة ألاَّ يتسارَّع في الإفتاء؛ لأن المفتي مُعبرِّّ عن شريعة الله ورسوله، فإذا أفتى على وجهٍ لا يجوز له فيه الفتوى كان كاذباً على الله ورسوله، والعياذ بالله، وما أسرع الذين اتخَّذُوا الإفتاء مهنةً للرِّّفْعة، فصاروا يتصدَّرُون للإفتاء بغير علم، وهؤلاء من أشدِّّ الناس ضرارًا بالأُمَّة! وقال: كل إنسان يُفتي بغير علم فإنه ظالم لنفسه، وظالم لإخوانه، ولا يُوفَّق للصواب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ إِّنَّ اللََّّا لاا يـاهْدِّي الْقاوْما الظَّالِّمِّينا ﴾51] هؤلاء أن يتَّقوا الله في أنفسهم، وأن يتَّقوا الله في إخوانهم، وألاَّ يتعجَّلُوا، فإن كان الله أراد بهم خيرًا ألهمهم رشدهم، ورزقهم العلم، وصاروا أئمة يُقتدى بهم في الفتوى، فلينتظروا وليصبروا، أما بالنسبة للمستفتين، فإننا نحُذِّّرهم من الاستفتاء لأمثال هؤلاء، ونقول: العلماء الموثوق بعلمهم وأما نتهم والحمد لله موجودون، فيمكنهم الاتصال عليهم بالهاتف، فيحصل المقصود إن شاء الله. وقال رحمه الله: الإفتاء بغير علم مع كونه محرَّمًا خلاف الأدب مع الله ورسوله، فإن الإفتاء بغير علم تقدَّم بين يدي الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿ ياا أايـُّهاا الَّذِّينا آما نُوا لاا تـُقادِّّمُوا باينْا يادايِّ اللََِّّّ واراسُولِّهِّ وااتـَّقُوا اللََّّا إِّنَّ اللََّّا سماِّيعٌ عالِّيمٌ ﴾ 1] الواراع، وأن يقولوا لما لا يعلمون: لا نعلم، فإن هذا والله هو العلم، فإني أُعِّيدُ وأُكرِّّر: التحذير من الفتوى بغير علم، وأقول للإنسان: أنت في حلٍّ إذا لم يكن عندك علم أن تصرف المستفتي إلى شخص آخر، وكان الإمام أحمد رحمه الله إذا سُئل عن شيء ولا علم له به، يقول: اسأل العلماء. ــــ(167)
عدد الصفحات ١٦٧التربية والفتوى قال الشيخ رحمه الله: لما ظهرت الفتوى من بعض العلماء المعتبرين بأن وجه المرأة لا يجب ساترُْه، قال بعض العلماء الذين درَّسونا، ونعتبرهم رحمهم الله من أشياخنا، قال: عجبًا لهذا المفتي أن يُفتي بهذا، والناس سائرون على ستر الوجه، وستر الوجه أفضل حتى عند الذي أفتى بجواز كشف الوجه! وهذه في الحقيقة تربية، وما ضارَّنا إلا أن بعض الناس يُعامل المسلمين في العلوم بحسب النظر فقط دون التربية، مع أن الإنسان إذا تأمَّل القرآن والسنة وهدي السلف يجد أنهم يُلاحظون التربية ملاحظةً عظيمةً. وكيف يُعقال أن نقول للمرأة: اكشفي عن هذا الوجه الجميل الجذَّاب، واستري الرجل القبيحة؟ لا يُكن أن تأتي الشريعة بهذا؟ والأمم التي أباحت الكشف عن الوجه هي الآن تئِّنُّ من حالها اليوم، وتُِّنُّ إلى الحال الأولى؛ لأن النساء ما اقتصرْنا على الوجه، ولا اقتصرْنا على الوجه الطبيعي؛ بل بدأت تكشف عن الرأس والرقبة، واليد إلى المرفق، وليتها تُبقي الوجه على حاله؛ بل تُضفي عليه شيئًا من التجميل؛ كالمكياج، وتُمير الشفاة، وتسويد الأجفان، وتزجيج الحواجب، وما أشبه ذلك، فنسأل الله أن يُوفِّّق الأُمَّة الإسلامية إلى ما فيه الخير والصلاح. ــــ(168)
عدد الصفحات ١٦٨النظر للعواقب التي تنتجعن الفتوى بشيء لا توجبه الحاجة: قال الشيخ رحمه الله: ينبغي لأهل العلم أن يكونوا علماء مربِّّين؛ لا علماء مخبرين فقط، فتجد بعض الناس يعتمد على قول الفقهاء في مسألة ما دون أن ينظر في عواقبها، وما ينتج عنها من مفاسد، وهذا لا ينبغي، بل ينبغي للإنسان أن ينظر ماذا يترتَّب على هذا القول، أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ قال لمعاذ: ((أتدري ما حقُّ الله على العباد، وما حاقُّ العباد على الله؟))، قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((حاقُّ الله على العباد أن يعبدوه، ولا يُشركوا به شيئًا، وحاقُّ العباد على الله ألا يُعذِّّ ب مانْ لا يُشرِّك به شيئًا))، فقال: يا رسول الله، أفلا أُبشِّّر الناس؟ قال: ((لا تُبشِّّرهم فيتَّكِّلوا))، فمنعه من نشر هذا العلم العظيم المتعلق بالعقيدة خوفًا من أن يتَّكِّل الناس، وألا يعملوا وألا يقوموا بالعمل، فكيف بمسألة دون ذلك بكثير يخُشى أن يترتَّب عليها شارٌّ كثيرٌ! لذلك أدعو إخواننا المفتين أن يكونوا علماء مربِّّين، وأن ينظروا ماذا ينتج عن الشيء المباح أما الشيء الواجب فلا بُدَّ من إعلانه ونشره، ولا يُكن لأحد أن يكتمه؛ لكن الشيء المباح الذي يفتح للناس باب شرٍّ عظيم لا نخُبرِّ الناس به، وهذه نقطة تفوت كث يرًا من طلاب العلم، وهي النظر إلى العواقب التي تنتج عن الفتوى بشيء لا توجبه الحاجة. الرجوع إلى الحق متى ما تبينَّ ضعف الرأي الذي كان عليه: قال الشيخ رحمه الله: الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. وقال رحمه الله: متى تبينَّ للإنسان ضعف ما كان عليه من الرأي، وأن الصواب في غيره، وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صواباً بمقتضى الدليل الصحيح. ــــ(169) عمل المُفتي بما يُفتى به
عدد الصفحات ١٦٩قال الشيخ رحمه المفتي إذا أفتى يكون هو أول الناس عملاً بهذه الفتوى. عدم الإجابة عن سؤال يُطلاب فيه أن تكون إجابته على مذهب من المذاهب: سُئِّل الشيخ: هل لمس المرأة ناقضٌ للوضوء على المذهب الشافعي أم لا؟ فأجاب رحمه الله: في الحقيقة أنا شخصي ا لا أُجيب عن السؤال الذي يُطلاب فيه أن تكون الإجابة على مذهب من لا يجب اتِّّباعه، سواء كان مذهب الشافعي، أم الإمام أحمد، أم الإمام مالك، أم الإمام أبي حنيفة؛ لأن الفرض على المسلم أن يسأل عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي يجب اتِّّباعه، لا أن أسأل عن مذهب فلان وفلان. نصيحة السائل: قال الشيخ رحمه الله ينبغي للمفتي إذا سُئِّل عن شيءٍ، ورأى أن المستفتي أخطأ فيما هو أهم أن ينصحه، وقال: ينبغي لطالب العلم إذا جاءه مستفتٍ وهو على حال غير مرضية، أن ينتهز الفرصة من أجل نصحه؛ لأنه الآن جاء مُستعطِّفًا مُستجدياً، فالفرصة سانحة لنصحه، وقال: لو قال لك رجل أنا طُفْتُ من دون حجر إسماعيل! فصحِّّح كلامه أولاً ثم أجبه ثانيًا، والتصحيح قبل الجواب هو داأْبُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن يوسف عليه الصلاة والسلام لما سأله الرجلان عن الرؤيا التي رآها كل واحد منهما دعاهما إلى التوحيد قبل أن يجُيباهما، وهذه مسألة هامة، فإذا جاء إنسان يسألك، فاعلم أنه جاء مفتقرًا إليك سيقبل ما تريد، فابدأه أولاً بنصيحة إذا كان مُتلبِّّسًا بشيء يجب إنكاره، وقد طبق الشيخ رحمه الله ما ذكره، ومن الأمثلة لذلك: أنه سئل: ما الحكم في المرأة التي تخرج من بيت زوجها بدون إذنه؟ ــــ(170)
عدد الصفحات ١٧٠فأجاب: أولاً هذا السؤال نوجه فيه نصيحة قبل أن نجيب عليه، وهو أننا ننصح جميع أخواتنا المؤمنات ألاَّ يخرُجْنا من بيوتهن إلاَّ في حاجةٍ لا بد من الخروج فيها؛ لأن بيتها أصون لها، وأبعد لها عن الفتنة، وأسلم لدينها وخلقها، وأحفظ لزوجها، ثم نقول في الجواب عن السؤال ثانيًا. وقال الشيخ رحمه الله لسائل: يجب عليك قبل كل شيء أن تشكر الله تعالى على نعمته عليك بالتزام الدين والشريعة، فإن هذا من أكبر النعم، بل هي أكبر النعم في الواقع، فاحمد الله تعالى على هذا، واشكره عليه، وسالْهُ الثبات والاستمرار. وقال الشيخ رحمه الله لسائل: نصيحتي لك أن تتحلَّل من زوجتك، وأن تطلب منها السماح، ونصيحتي لها أن تعفو عنك؛ لأنها أُمُّ أولادك، والحياة بينكما شركة الآن. الدعاء للسائل: الشيخ لا يترك السائل دون أن يدعوا له إذا رأى أنه يُتاج إلى ذلك، ومن الأمثلة: قال رحمه الله في إجابة سائلة: نسأل الله لنا ولها الهداية والثبات على الحق. وقال رحمه الله لسائل: أسأل الله أن يُعافيك، وأن يُقوِّّيا كا على العبادة. وقال رحمه الله في إجابة سائلة: نرجو الله لها الشفاء والعافية. قال رحمه الله في إجابة سائلة: أسأل الله تعالى أن يصلح حالها مع زوجها. قال رحمه الله لسائل: بارك الله تعالى في هذا الولد، وجعله بار ا بوالديه. قال رحمه الله لسائلة: أسأل الله تعالى أن يُُدَّ في عمر زوجك وفي عمرك على طاعة الله، وأن يرزقنا جميعنا الصبر والاحتساب، والرحمة بمن يستحقُّون الرحمة. ــــ(171)
عدد الصفحات ١٧١شكر السائل الشيخ رحمه الله إذا رأى في سؤال السائل ما يستلزم شكره، شكره، ومن ذلك: قال رحمه الله لزوجة تعامل زوجها المريض معاملةً جيدةً: أنا أشكرك على ما تقومين به، حسب قولك من الرأفة به والإحسان إليه، والقيام بحقِّّه. وقال رحمه الله لرجل ربىَّ أبناء عمِّّه وهم صِّغار: صُنـْعُك هذا طيِّّب، فجزاك الله خيرًا حيث عملت هذا من أجل إصلاح أولاد عمِّّك، وهذا من صِّلة الرَّحِّم. وقال رحمه الله لسائل: أولاً نشكرك على التزوُّج بزوجة أخيك بعد وفاته من أجل رعاية أبنائه؛ لأن هذا بلا شك من صلة الرَّحِّم ومن الخير والمعروف. وقال رحمه الله لسائلة: تقول: إنها تدخل الفصل حين أذان الظهر وإن الحصة أو الدراسة تبقى لمدة ساعتين، وإنها تبقى مشغولة في حين الدراسة بالتفكير في صلاتها، فنشكرها على هذه اليقظة وعلى حياة قلبها. تهنئة السائل: في بعض الأسئلة التي تُوجَّه للشيخ رحمه الله، يذكر السائل من حاله أن الله عز وجل مانَّ عليه بالهداية والتوبة، وسلوك طريق الاستقامة، فيقوم الشيخ بتهنئته على ذلك، ويسأل الله له الثبات، ومن الأمثلة على ذلك: سئل الشيخ عن إنسان كان في ضلال، ثم مانَّ الله عليه بالهداية، فهل الفترة التي كان فيها في ضلال محسوبة عليه؟ فأجاب رحمه الله: قبل الإجابة عن هذا السؤال أحِّبُّ أن أهنِّّئ الأخ الذي مانَّ الله عليه بالاستقامة، ولزوم الصراط المستقيم، بعد أن كان منحرفًا في متاهات البدع والضلال، فإن هذا من نعم الله، بل هو أكبر نعمة ينعم الله بها على عبده، فأسأل الله أن يثبتني وإخواني المسلمين على دينه المستقيم، إنه جواد كريم. ــــ(172)
عدد الصفحات ١٧٢وقال الشيخ رحمه الله لسائل: أقول: الحمد الله الذي هداه، حتى صار يصلي، فهو في الحقيقة أسلم بعد ردَّة، فعليه أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة. وقال رحمه الله لسائل: أقول: هنيئًا له بما منَّ الله عليه من هذا الرجوع إلى ربه عز وجل، والاستقامة على دينه، وبرِّّه بوالدته، وحبِّّه للخير، وأسأل الله أن يزيده من فضله. وسئل الشيخ عن ابن نصح والده بعدم الإسهام في أحد البنوك، فأجاب رحمه الله: أقول لهذا الأخ الذي نصح أباه: هنيئًا لك، وثبـَّتاك الله، وأكثـارا من أمثالِّكا، وأقول له أيضًا ولغيره: إن محاولة منع الأب أو الأم من معصية الله هو البر الحقيقي حتى إن غضبوا عليك، فإن القلوب بيد الله، وسوف يجعل الله هذا الغضب رضًا وسرورًا؛ لأن القلوب بيد الله عز وجل. تنبيه السائل أن سؤاله من فضول العلم وإشغال نفسه به ليس فيه كبير فائدة: بعض الأسئلة التي تُوجَّه للشيخ ليس في معرفتها كبير فائدة، فيُوجِّّه الشيخ السائل إلى الانشغال بما هو أنفع له، ومن الأمثلة على ذلك: سئل الشيخ هل صحيح أن للأرض حركتين أم لا؟ فأجاب رحمه الله: إن البحث في هذا من فضول العلم، وليس من الأمور العقدية التي يجب على الإنسان أن يُققها ويعمل بما تقتضيه الأدلة، وإشغال النفس بمثل ذلك ليس فيه كبير فائدة. وقال رحمه الله لسائل: مسألة دوران الأرض وعدم دو رانها الخوض فيها في الواقع من فضول العلم؛ لأنها ليست مسألة يتعينَّ على العباد العلم بها، ويتوقَّف صحة إيُانهم على ذلك، ولو كانت هكذا لكان بيانها في القرآن والسنة بياناً ظاهرًا لا خفاء فيه؛ فلا ينبغي أن يُتعِّبا الإنسان نفسه في الخوض بذلك. ــــ(173)
عدد الصفحات ١٧٣وسُئِّل الشيخ: هل هناك أدلة تدل على أفضلية الملائكة على الصالحين من البشر؟ فأجاب رحمه الله:.وأخيرًا إن الخوض فيها وطلب المفاضلة بين صالح البشر والملائكة من فضول العلم الذي لا يضطر الإنسان إلى فهمه والعلم به، والله المستعان. وسئل الشيخ عن مدة حمل مريم عليها السلام، هل كان تسعة أشهر أم ماذا؟ فأجاب رحمه الله: قبل الإجابة عن هذا السؤال أوادُّ أن أقول: إن مثل هذه الأسئلة التي قد يكون الجواب عنها عديم الفائدة، لا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بها، فالإنسان لديه مسؤوليات لله عز وجل، ولعباد الله، لديه مسؤوليات لله تعالى عقيدة وقولاً وعملاً، فعليه أن يهتمَّ بذلك دون مثل هذه الأمور التي هي من فضول العلم، فلا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بما ليس له فيه فائدة، ويدع ما له فيه فائدة. وسئل الشيخ: لقمان والخضر، هل هما من الأنبياء، أم رجلان صالحان؟ فأجاب رحمه الله: ما رأيك لو قلتُ: إنهما من الأنبياء هل تتبعهما، والجواب أنك لن تتبعهما، حسنًا، ولو قلتُ: إنهما من غير الأنبياء، هل يضرهما شيء إن كانا من غير الأنبياء ؟! بالطبع لا، إذًا ما الفائدة من هذا البحث؟ توجيه السائل: الشيخ رحمه الله في إجابته عن أسئلة المستفتين لا يقتصر على الإجابة عن السؤال فقط، إذا كان في سؤال السائل ما ياستلزم التوجيه أو التنبيه، فيقوم الشيخ بالتنبيه والتوجيه، ومن الأمثلة على ذلك: سُئِّل الشيخ عن قول شخص: اللهم ارزُقني زوجة جميلة وهو في الصلاة، ما حكمه؟ فأجاب رحمه الله: لا بأس به؛ لكن أُحِّبُّ أن أضيف إلى ذلك شيئًا آخر: ذات دين، تقول: اللهم ارزُقني زوجة جميلة ذات دين. ــــ(174)
عدد الصفحات ١٧٤وقال رحمه الله لسائل: قبل أن أذكر الإجابة عن سؤاله أحب أن أنبهه وغيره على أن قوله: "شاءت الظروف" كلمة منكرة؛ فهذه العبارة "شاءت الظروف" أو "شاءت الأقدار" أو ما أشبه ذلك، لا يجوز، فعلى المرء أن يكُفَّ ع ن ذلك. وقال رحمه الله لسائل: وأما قولك في سؤالك: "حكمت عليَّ الظروف الصحية"، فإن الظروف لا تُكم بشيء؛ بل الحكم لله، والتقدير لله، فإن الله هو الحكم وإليه الحكم، والله أعلم. وقال رحمه الله لسائل: أولاً في قولك: الشيطان لعنه الله، ينبغي أن تقول: أعاذني الله منه، فإن هذا هو الأولى؛ لقوله تعالى: ﴿ واإِّمَّا يـانـْزاغانَّكا مِّنا الشَّيْطاانِّ نـازْغٌ فااسْتاعِّذْ باِّللََِّّّ إِّنَّهُ سماِّيعٌ عالِّيمٌ ﴾200.] والشيخ رحمه الله، كان يُب الأسئلة التي يسأل فيها السائل عن معنى آية في كتاب الله؛ قال: سؤال هذا الرجل من أجود الأسئلة وأحبِّّها إليَّ، وذلك أنه سؤال عن تفسير آية من كلام الله سبحانه وتعالى، الذي هو خير الكلام، وقال لسائل آخر: يعجبني مثل هذا السؤال، أعني السؤال عن آيات الله عز وجل، وذلك أن القرآن الكريم لم ينزل لمجرد التعبُّد بتلاوته، بل نزل للتعبُّد بتلاوته، و تدبُّر آياته، وتفكُّر معانيه، وللعمل به، وقال لثالث: أشكر أخي السائل الذي سأل عن معنى الآية الكريُة، وذلك لسروري بتفكُّر الناس في معاني القرآن الكريم وطلبهم تفسيره. كما أن الشيخ كان يدعو للمسلمين في إجا بته عن أسئلة السائلين، سئل عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لله عز وجل، فأجاب رحمه الله، ثم قال: أسأل الله تبارك وتعالى لي ولإخواني النظر إلى وجه الله الكريم، وأسأل الله الهداية لمن أنكروا هذه الرؤية العظيمة التي هي ألذُّ ما يجده أهل الجنة في الجنة، والله على كل شيء قدير. ــــ(175)
عدد الصفحات ١٧٥وسئل الشيخ عن الحوض المورود ما هو؟ وبعد أن أجاب رحمه الله، قال: اللهم اجعلنا ممن يشرب منه، اللهم اجعلنا ممن يشرب منه، اللهم اجعلنا ممن يشرب منه، يا رب العالمين. وسئل الشيخ رحمه الله عن: رجل أُصيب ابنه بسحر، فهل يجوز له أن يذهب إلى أحد السحرة ليفكَّ عنه السِّّحْر، وبعد أن أجاب الشيخ ق ال: نسأل لنا ولإخواننا المسلمين السلامة من الآفات، وأن يقينا شرَّ عباده. ــــ(176)
عدد الصفحات ١٧٦