خاؿ عن الفاقدة، وإذا فَ يكن خاليا عن الفاقدة وجب ا لقطع بأنو تعافُ ما أغواىم، فهذا صار حجة لنا من ىذا الوجو. الثافٓ: أنو لو ثبت اب٢كم عليهم بأف ا﵁ تعافُ أغواىم لصار ىذا عذرا ب٥م في عدـ إتيانهم بالإبٲاف ولصار نوع منقطعا في مناظرتهم، لأنهم يقولوف لو إنك سلمت أف ا﵁ إذا أغوانا فإنو لا يبقى في نصحك ولا في ج دنا واجتهادنا فاقدة، فإذا ادعيت بأف ا﵁ تعافُ قد أغوانا فقد جعلتنا معذورين فلم يلزمنا قبوؿ ىذه الدعوة، فثبت أف الأمر لو كاف كما قالو اب٣صم، لصار ىذا حجة للكفار على نوح عليو السلبـ، ومعلوـ أف نوحا عليو السلبـ لا بٯوز أف يذكر كلبما يصبّ بسببو مفحما ملزما عا جزا عن تقرير حجة ا﵁ تعافُ، فثبت بٗا ذكرنا أف ىذه الآية لا تدؿ على قوؿ آّبرة ، ثم إنهم ذكروا وجوىا من التأويلبت: الأوؿ: أولذك الكفار كانوا ب٦برة، وكانوا يقولوف إف كفرىم بإرادة ا﵁ تعافُ، فعند ىذا قاؿ نوح عليو السلبـ: إف نصحو لا ينفعهم إف كاف الأمر كما قالوا، ومثالو أف يعاقب الرجل ولده على ذنبو فيقوؿ الولد: لا أقدر على غبّ ما أنا عليو، فيقوؿ الوالد فلن ينفعك إذا نصحي ولا زجري، وليس اب٤راد أنو يصدقو على ما ذكره بل على وجو الإنكار لذلك. الثافٓ: قاؿ اب٢سن معبُ يغويكم أي يعذبكم، واب٤عبُ: لا ينفعكم نصحي اليوـ إذا نزؿ بكم العذاب فآمنتم في ذلك الوقت، لأف الإبٲاف عند نزوؿ العذاب لا يقبل، وإب٭ا ينفعكم نصحي إذا آمنتم قبل مشاىدة العذاب. الثانية: قولو: {ولا ينفعكم نصحي إف أردت أف أنصح لكم إف كاف ا﵁ يريد أف يغويكم } جزاء معل على شرط بعده شرط آخر وىذا يقتضي أف يكوف الشرط اب٤ؤخر في اللفظ مقدما في الوجود وذلك لأف الرجل إذا قاؿ لامرأتو أنت طال إف دخلت الدار، كاف اب٤فهوـ كوف ذلك الطلبؽ من لوازـ ذلك الدخوؿ، فإذا ذكر بعده شرطا آخر مثل أف يقوؿ: إف أكلت اب٣بز كاف اب٤عبُ أف تعل ذلك اب١زاء بذلك الشرط الأوؿ مشروط بٕصوؿ ىذا ال شرط الثافٓ والشرط مقدـ على اب٤شروط في الوجود فعلى ىذا إف حصل الشرط الثافٓ تعل ذلك اب١زاء بذلك الشرط الأوؿ أما إف/ فَ يوجد الشرط اب٤ذكور ثانيا فَ يتعل ذلك اب١زاء بذلك الشرط الأوؿ، ىذا ىو التحقي في ىذا البَكيب، فلهذا اب٤عبُ قاؿ الفقهاء: إف الشرط اب٤ؤخر في اللفظ مقدـ في اب٤عبُ، واب٤قدـ في اللفظ مؤخر في اب٤عبُ.
عدد الصفحات ١٧٧واعلم أف نوحا عليو السلبـ ب٤ا قرر ىذه اب٤عافٓ قاؿ: ىو ربكم وإليو ترجعوف وىذا نهاية الوعيد أي ىو إب٥كم الذي خلقكم ورباكم وبٲلك التصرؼ في ذواتكم وفي صفاتكم قبل اب٤وت وعند اب٤وت وبعد اب٤وت مرجعك م إليو وىذا يفيد نهاية التحذير.ٔ المطلب الثالث عشر: {وإذْ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورِىِم ذُرّْيتهم وأشهدىم على أنفسهم }روى سعيد بن جبير لما خلق الله آدم، أخذ ذريتو من ظهره مثل الذرّ، فقبض قبضتين، فقال لأصحاب اليمين ادخلوا الجنة بسلبم، وقال للآخرين ادخلوا النار ولا أبالي (الطبري في تفسير [الأعرافٚ: ٕٚٔ]. فهل ىذا ىو طريق الخلبص الذي عند كم؟ الرد : في ىذه الآية تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة البٍ فطر ا﵁ عليها البشر؛ وأخذ ّٔا عليهم اب٤يثاؽ في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وىم بعد في عافَ الذر!.. إف الاعبَاؼ بربوبية ا﵁ وحده فطرة في الكياف البشري. فطرة أودعها اب٣ال في ىذه الكينونة وشهدت ّٔا على نفسها بٕكم وجودىا ذاتو، وحكم ما تستشعره في أعماقها من ىذه اب٢قيقة. أما الرسالات فتذكبّ وبٙذير ب٤ن ينحرفوف عن فطرتهم الأوفُ، فيحتاجوف إفُ التذكبّ والتحذير.. إف التوحيد ميثاؽ معقود ببْ فطرة البشر وخال البشر منذ كينونتهم الأوفُ، فلب حجة ب٥م في نقض اب٤يثاؽ - حبٌ لو فَ يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم وبٰذرونهم - ولكن ربٞتو وحدىا اقتضت ألا يكلهم إفُ فطرتهم ىذه فقد تنحرؼ؛ وألا يكلهم كذلك إفُ عقوب٥م البٍ أعطاىا ب٥م فقد تضل؛ وأف يبعث إليهم رسلبً مبشرين ومنذرين لذلب يكوف للناس على ا﵁ حجة بعد الرسل! {- من ظهورىم - ذريتهم، وأشهدىم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا! أف تقولوا يوـ القيامة: إنا كنا عن ىذا غافلبْ. أو تق ولوا: إب٭ا أشرؾ آباؤنا من قبل. وكنا ذرية من بعدىم. أفتهلكنا بٗا فعل اب٤بطلوف؟.. وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعوف ( ٔ ) - تفسبّ الرا زي اب٤سمى مفاتيح الغيب ( ٚٔ/ٖٖٗ) ، مرجع ساب .
عدد الصفحات ١٧٨إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياؽ القرآفٓ في صورة مشهد - على طريقة القرآف الغالبة - وإنو ب٤شهد فريد.. مشهد الذرية اب٤كنونة في عا فَ الغيب السحي ، اب٤ستكنة في ظهور ببِ آدـ قبل أف تظهر إفُ العافَ اب٤شهود، تؤخذ في قبضة اب٣ال اب٤ري ، فيسأب٥ا ألست بربكم؟ - سبحانو - بالربوبية؛ وتقر لو - سبحانو - بالعبودية؛ وتشهد لو - سبحانو - بالوحدانية؛ وىي منثورة كالذر؛ ب٦موعة في قبضة اب٣ال العظيم! إنو مشهد كوفٓ راقع باىر، لا تعرؼ اللغة لو نظبّاً في تصوراتها اب٤أثورة! وإنو ب٤شهد عجيب فريد حبْ يتملبه اب٣ياؿ البشري جهد طاقتو! وحينما يتصور تلك اب٣لبيا البٍ لا بٙصى، وىي ب٘مع وتقبض. وىي بٚاطب خطاب العقلبء - بٗا ركب فيها من اب٣صاقص اب٤ستكنة البٍ أودعها إياىا اب٣ال اب٤بدع - وىي تستجيب استجابة العقلبء، فتعبَؼ وتقر وتشهد؛ ويؤخذ عليها اب٤يثاؽ في الأصلبب! وإف الكياف البشري لبّتعش من أعماقو وىو يتملى ىذا اب٤شهد الراقع الباىر الفريد. وىو يتمثل الذر السابح. وفي كل خلية حياة. وفي كل خلية اس تعداد كامن. وفي كل خلية كاقن إنساف مكتمل الصفات ينتظر الإذف لو بالنماء والظهور في الصورة اب٤كنونة لو في ضمبّ الوجود آّهوؿ، ويقطع على نفسو العهد واب٤يثاؽ، قبل أف يبرز إفُ حيز الوجود اب٤علوـ! لقد عرض القرآف الكرفٔ ىذا اب٤شهد الراقع الباىر العجيب الفر يد، لتلك اب٢قيقة اب٥اقلة العميقة اب٤ستكنة في أعماؽ الفطرة الإنسانية وفي أعماؽ الوجود. عرض القرآف ىذا اب٤شهد قبل قرابة أربعة عشر قرناً من الزماف، حيث فَ يكن إنساف يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقاققها إلا الأوىاـ! ثم يهتدي البشر بعد ىذه القروف إفُ طر ؼ من ىذه اب٢قاق وتلك الطبيعة. فإذا " العلم " يقرر أف الناسلبت، وىي خلبيا الوراثة البٍ بٙفظ سجل " الإنساف " وتكمن فيها خصاقص الأفراد وىم بعد خلبيا في الأصلبب.. أف ىذه الناسلبت البٍ بٙفظ سجل ثلبثة آلاؼ مليوف من البشر، وتكمن فيها خصاقصهم كلها - لا يزيد حجمها على سنتيمبَ مكعب، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع اب٣ياطة!.. كلمة لو قيلت للناس يومذاؾ لاتهموا قاقلها باب١نوف واب٣باؿ! وصدؽ ا﵁ العظيم: {[ٖ٘]
عدد الصفحات ١٧٩أخرج ابن جرير وغبّه - بإسناده - عن ابن عباس قاؿ: " مسح ربك ظهر آدـ، فخرجت كل نسمة ىو خالقها إفُ يوـ القيامة.. فأخذ مواثيقهم، وأشهدىم على أنفسهم: { (ٔ). فأما كيف كاف ىذا اب٤شهد؟ وكيف أخذ ا﵁ من ببِ آدـ من ظهورىم ذريتهم وأشهدىم على أنفسهم؟ وكيف خاطبهم عليو: أف كيفيات فعل ا﵁ - سبحانو - غيب كذاتو. ولا بٲلك الإدراؾ البشري أف يدرؾ كيفيات أفعاؿ ا﵁ ما داـ أنو لا بٲلك أف يدرؾ ذات ا﵁. إذ أف تصور الكيفية فرع عن تصور اب٤اىية. وكل فعل ينسب ﵁ سبحانو مثل الذي بٰكيو قولو ىذا كقولو تعافُ: {[ٔٔ] {[ٗ٘] {[ٜٖ] {[ٚٙ] {[ٕٕ] {وى ثلبثة إلا ىو رابعهم [ٚ] إفُ آخر ما بٙكيو النصوص الصحيحة عن فعل ا﵁ سبحانو، لا مناص من التسليم بوقوعو، دوف ب٧اولة إدراؾ كيفيتو.. إذ أف تصور الكيفية فرع عن تصور اب٤اىية كما قلنا.. وا﵁ ليس كمثلو شيء فلب سبيل إفُ إدراؾ ذاتو ولا إفُ إدرا ؾ كيفيات أفعالو. إذ أنو. لا سبيل إفُ تشبيو فعلو بفعل أي شيء، ما داـ أف ليس كمثلو شيء.. وكل ب٧اولة لتصور كيفيات أفعالو على مثاؿ كيفيات أفعاؿ خلقو، ىي ب٧اولة مضللة، لاختلبؼ ماىيتو - سبحانو - عن ماىيات خلقو. وما يبَتب على ىذا من اختلبؼ كيفيات أفعالو عن كيفيات أفعاؿ خلقو.. وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلبسفة واب٤تكلمبْ - وصف كيفيات أفعاؿ ا﵁، وخلطوا خلطاً شديداً! ٔ - تفسبّ الطبري (ٖٔ/ٖٕٖ) .مرجع ساب . وتفسبّ ابن كثبّ ٖ/ٔٓ٘ مرجع س اب .
عدد الصفحات ١٨٠على أف ىناؾ تفسبّاً ب٥ذا النص بأف ىذا العهد الذي أخذه ا﵁ على ذرية ببِ آدـ ىو عهد الفطرة.. فقد أنشأىم مفطورين على الاعبَاؼ لو بالربوبية وح ده . أودع ىذا فطرتهم فهي تنشأ عليو، حبٌ تنحرؼ عنو بفعل فاعل يفسد سواءىا، وبٲيل ّٔا عن فطرتها. قاؿ ابن كثبّ في التفسبّ (ٔ): قاؿ قاقلوف من السلف واب٣لف: إف اب٤راد ّٔذا الإشهاد إب٭ا ىو فطرىم على التوحيد - كما تقدـ في حديث أي ىريرة وعياض بن بٞار آّاشعي ومن رواية اب٢سن البصري عن الأسود ابن سريع - وقد فسر اب٢سن الآية بذلك. قالوا: وب٥ذا قاؿ ظهره {اء الأرض وقاؿ وقاؿ: { ثم قاؿ بذلك قاقلبْ لو.. حالاً.. وقالوا: والشهادة تارة تكوف بالقوؿ كقولو: { الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وتارة تكوف حالاً كقولو تعافُ: { أي حاب٥م شاىد عليهم بذلك، لا أنهم قاقلوف ذلك.. وكذلك قولو تعا { كما أف السؤاؿ تارة يكوف با ب٤قاؿ وتارة يكوف باب٢اؿ. كقولو: { قالوا: وب٩ا يدؿ على أف اب٤راد ّٔذا ىذا أف جعل ىذا الإشهاد حجة عليهم الإشراؾ. فلو كاف قد وقع ىذا، كما قاؿ من قاؿ، لكاف كل أحد يذكره ليكوف حجة عليو. فإف قيل: إخبار الرسوؿ بو كاؼ في وجوده ، فاب١واب: أف اب٤كذببْ من اب٤شركبْ يكذبوف بٔميع ما جاءتهم بو الرسل من ىذا وغبّه. وىذا جعل حجة عليهم، فدؿ على أنو الفطرة ( 1 )- ابن كثير3 /566) . دار طيبة ط2 ، مرجع سابق
عدد الصفحات ١٨١البٍ فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. وب٥ذا قاؿ القيامة إنا كنا عن ىذا و تقولوا: إب٭ا أشرؾ آباؤنا أما الأحاديث البٍ أشار إليها في أوؿ ىذه الفقرة فهي: " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية. " على ىذه اب٤لة " - فأَبواه يهودانو وينصرانو وبٲجسانو، كما تولد ّٔيمة بٝعاء، ىل بٙسوف فيها من جدعاء؟ " (ٔ). " يقوؿ ا﵁ إفٓ خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطبْ فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت ب٥م ".(ٕ) روى الطبري بإسناده عن الأسود بن سريع من ببِ سعد قاؿ: غزوت مع رسوؿ ا﵁ - صلى ا﵁ عليو وسلم - فاشتد عليو، ثم قاؿ: " ما باؿ أقواـ يتناولوف الذرية؟ " فقاؿ رجل: يا رسو ؿ ا﵁. أليسوا أبناء اب٤شركبْ؟ فقاؿ: " إف خياركم أبناء اب٤شركبْ! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة. فما تزاؿ عليها حبٌ يببْ عنها لسانها، فأبواىا يهودانها وينصرانها " .قاؿ اب٢سن: لقد قاؿ في كتابو الآية.(ٖ) وب٫ن لا نستبعد أف يكوف قوؿ ا﵁ تعا ذريتهم وأشهدىم على أنفسهم.. الآيات يقع كما أخبر عنو ا﵁ سبحانو. وليس ىناؾ ما بٲنع أف يقع حبْ يشاؤه.. ولكنا كذلك لا نستبعد ىذا التأويل الذي اختاره ابن كثبّ، وذكره اب٢سن البصري واستشهد لو بالآية.. وا﵁ أعلم أي ذلك كاف.. وفي أي من اب٢البْ بٱلص لنا أف ىناؾ عهداً من ا﵁ على فطرة البشر أف توحده. وأف حقيقة التوحيد مركوزة في ىذه الفطرة؛ بٱرج ّٔا كل مولود إفُ الوجود؛ فلب بٲيل ع نها إلا أف يفسد فطرتو عامل خارجي عنها! عامل يستغل الاستعداد البشري للهدى وللضلبؿ . وىو استعداد كذلك كامن بٚرجو إفُ حيز الوجود ملببسات وظروؼ. ( ٔ ) - البخاري ح (ٖٖ٘ٔ) ومسلم ح( ٕٛ٘ٙ) . وغبّىم . ( ٕ ) - مسلم ح(ٜٕٚٔ) وابن حباف ح(ٖ٘ٙ) . ( ٖ ) - تفسبّ الطبري ( ٖٔ / ٖٕٔ ) مرجع ساب بٙقي شاكر
عدد الصفحات ١٨٢إف حقيقة التوحيد ليست مركوزة في فطرة " الإنساف " وحده؛ ولكنها كذلك مركوزة فطرة ىذا الوجود من حولو - وما الفطرة البشرية إلا قطاع من فطرة الوجود كلو. موصولة بو غبّ منقطعة عنو، ب٧كومة بذات الناموس الذي بٰكمو - بينما ىي تتلقى كذلك أصداءه وإيقاعاتو اب٤عبرة عن تأثره واعبَافو بتلك اب٢قيقة الكونية الكببّة.. إف ناموس التوحيد الذي بٰكم ىذا الوجود، واضح الأثر في شك ل الكوف، وتنسيقو، وتناس أجزاقو، وانتظاـ حركتو، واطراد قوانينو، وتصرفو اب٤طرد وف ىذه القوانبْ.. وأخبّاً - حسب العلم القليل الذي وصل إليو البشر - وحدة اب١وىر الذي تتألف منو ذراتو، وىو الإشعاع الذي تنتهي إليو اب٤واد بٝيعاً عند بٙطيم ذراتها وإطلبؽ شحناتها.. ويوماً بعد يوـ يكشف البشر أطرافاً من ناموس الوحدة في طبيعة ىذا الكوف، وطبيعة قوانينو البٍ بٙكم تصرفاتو - في غبّ آلية حتمية ولكن بقدر من ا﵁ مطرد متجدد وف مشيذة ا﵁ الطليقة - ولكننا ب٫ن لا نعتمد على ىذا الذي يكشفو علم البشر الظبِ - الذي لا بٲكن أف يكوف يقينياً بٕكم وساقلو البشرية - في تقرير ىذا الناموس. إب٭ا ب٫ن نستأنس بو ب٦رد استذناس. واعتمادنا الأوؿ في تقرير أية حقيقة كونية مطلقة، على ما قرره لنا اب٣ال العليم بٗا خل . والقرآف الكرفٔ لا يدع ب٦الاً للشك في أف الناموس الذي بٰكم ىذا الكوف ىو ناموس الو حدة، الذي أنشأتو اب٤شيذة الواحدة للخال الواحد سبحانو. كما أنو لا يدع ب٦الاً للشك في عبودية ىذا الكوف لربو، واعبَافو بوحدانيتو، وعبادتو لو بالكيفية البٍ يعلمها ا﵁ ولا نعرؼ عنها إلا ما بٱبرنا بو؛ وما نراه من آثارىا في انتظامو ودأبو واطراده. ىذا الناموس الذي يصرؼ الكوف كلو - بقدر ا﵁ اب٤طرد اب٤تجدد وف مشيذة ا﵁ الطليقة - سارٍ كذلك في كياف الإنساف - بوصفو من كاقنات ىذا الكوف - مستقر في فطرتو، لا بٰتاج إفُ وعي عقلي للئحساس بو؛ فهو مدرؾ بالفطرة، مستقر في صميمها، تستشعره بذاتها، وتتصرؼ وفقو، ما فَ يطرأ عليها اب٣لل والفساد، فتنحرؼ عن إدراكها الذاتي لو، وتدع للؤىواء العارضة أف تسبّىا، بدلاً من أف تسبّ وف قانونها الداخلي القوفٔ. ىذا الناموس - بذاتو - ىو ميثاؽ معقود ببْ الفطرة وخالقها. ميثاؽ مودع في كيانها، مودع في كل خلية حية منذ نشأتها. وىو ميثاؽ أق دـ من الرسل والرسالات. وفيو تشهد كل خلية
عدد الصفحات ١٨٣بربوبية ا﵁ الواحد، ذي اب٤شيذة الواحدة، اب٤نشذة للناموس الواحد الذي بٰكمها ويصرفها. ف سبيل إفُ الاحتجاج بعد ميثاؽ الفطرة وشهادتها - سواء أكاف بلساف اب٢اؿ ىذا أـ بلساف اب٤قاؿ كما في بعض الآثار - لا سبيل إفُ أف يقو ؿ أحد: إنو غفل عن كتاب ا﵁ اب٥ادي إفُ التوحيد. وعن رسالات ا﵁ البٍ دعت إفُ ىذا التوحيد. أو يقوؿ: إنبِ خرجت إفُ ىذا الوجود، فوجدت آباقي قد أشركوا فلم يكن أمامي سبيل ب٤عرفة التوحيد. إب٭ا ضل آباقي فضللت فهم اب٤سؤولوف وحدىم ولست باب٤سؤوؿ! ومن ثم جاء ىذا التع قيب على تلك الشهادة: { قبل، وكنا ذرية من بعدىم. أفتهلكنا بٗا فعل اب٤بطلوف؟ (ٔ) المطلب الرابع عشر : {واتَّقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصّةً } روى أحمد في مسنده إن الله ليعُذّْب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وىم قادرون على أن ينكروه، ولا ينكروه. فإذا فعلوا ذلك عذّب الله الخاصة والعامة (المنار في تفسير الأنفال ٛ: ٕ٘). لكن ورد في الإسراء ٚٔ: ٘ٔ {لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} . فكيف تتفق ىذه الآية مع ما جاء في الحديث؟ علّمنا الله أن النفس التي تخطئ ىي تموت، لأنو لا يوجد إنسان كامل حتى يزِر وازرة إنسانٍ آخر، ولكن الله بمحبتو أرسل لنا المسيح الذي حمل كل أوزارنا وصالحنا مع الله إلى الأبد . الرد : {﵁ شديد العقاب والفتنة: الابتلبء أو البلبء.. واب١ماعة البٍ تسمح لفري منها بالظلم في صورة من صوره ولا تقف في وجو الظاب٤بْ؛ ولا تأخذ الطري على اب٤فسدين . . بٝاعة تستح أف تؤخذ بٔريرة الظاب٤بْ اب٤فسدين.. الإسلبـ منهج تكافلي إبٯاي لا يسمح أف يقعد ا لقاعدوف عن الظلم والفساد واب٤نكر يشيع (فضلب على أف يروا دين ا﵁ لا يتبع؛ بل أف يروا ألوىية ا﵁ تنكر وتقوـ ألوىية العبيد مقامها!) وىم ساكتوف. ثم ىم بعد ذلك يرجوف أف بٱرجهم ا﵁ من الفتنة لأنهم ىم في ذاتهم صاب٢وف طيبوف !. وب٤ا كانت مقاومة الظلم تكلف الناس التكاليف ( ٔ )- في ظلبؿ القرآف آّلد الثالث ٜٖٙٔ وما بعدىا . مرجع ساب .
عدد الصفحات ١٨٤في الأنفس والأمواؿ فقد عاد القرآف يذكر العصبة اب٤سلمة بٗا كاف من ضعفها وقلة عددىا، وبٗا كاف من الأذى الذي يناب٥ا، واب٣وؼ الذي يظللها.. وكيف آواىا ا﵁ بدينو ىذا وأعزىا ورزقها رزقا طيبا.. فلب تقعد إذف عن اب٢ياة البٍ يدعوىا إليها رسوؿ ا﵁. ولا عن تكاليف ىذه اب٢ياة، البٍ أعزىا ّٔا ا﵁، وأعطاىا وبٞاىا فقاؿ بعد الآية السابقة : {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفوف في الأرض، بٚافوف ...} .. اذكروا ىذا لتستيقنوا أف الرسوؿ يدعوكم ب٤ا بٰييكم كي لا تقعدوا عن مكافحة الظلم في كل صوره وأشكالو(ٔ) . لأف اب٤عاصي الإجتماعية وآّتمعية تتضافر فتشمل اب١ميع ثم تتكاثر فلب يستطيعوف ب٥ا رداً . {٘ٔ} "[سورة الإسراء ] أي: لا بٰمل أحد ذنب أحدٍ، ولا يؤاخذ أحد بٔريرة غبّه، وكلمة: {٘ٔ} " ومنها كلمة الوزير: أي الذي بٰمل الأعباء الثقيلة عن الرقيس، أو اب٤لك أو الأمبّ. فعدؿ ا﵁ يقتضي أف بٰاسب الإنساف بعملو، وأف يسأؿ عن نفسو، فلب يرمي أحد ذنبو على أحد، كما قاؿ تعافُ: {ٖٖ}"[سورة لقماف] وحوؿ ىذه القضية بٙدث كث من اب٤ستشرقبْ الذين يبحثوف في القرآف عن مأخذ، فوقفوا عند ىذه الآية: {٘ٔ} "[سورة الإسراء ] وقالوا: كيف نوف بينها وببْ قولو {ٖٔ} " [سورة العنكبوت ] وقولو تعا {ملة يوـ القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغبّ علم أ ساء ما يزروف "ٕ٘}"[سورة النحل ] ونقوؿ: التوفي ببْ الآية الأوفُ والآيتبْ الأخبّتبْ ىبْ لو فهموا الفرؽ ببْ الوزر الآية الأوفُ، والوزر في الآيتبْ الأخبّتبْ . ففي الأوفُ وزر ذاتي خاص بالإنساف ن فسو، حيث ضل ىو في نفسو، فيجب أف يتحمل وزر ضلبلو. أما في الآية الثانية فقد أضل غبّه، فتحمل وزره اب٣اص بو، وبٙمل وزر من أضلهم. ويوضح لنا ىذه القضية اب٢ديث النبوي الشريف: "من سن في الإسلبـ سنة حسنة فلو أجرىا وأجر من عمل ّٔا بعده من غبّ أف ينقص من أجورىم شيء، ومن سن في ٔ - في ظلبؿ القرآف آّلد الثالث / ٜٙٗٔ ، مرجع ساب
عدد الصفحات ١٨٥الإسلبـ سنة سيذة كاف عليو وزرىا ووزر من عمل ّٔا من بعده من غبّ أف ينقص من أوزارىم شيء " . قاؿ الألوسي : { أي لا بٚتص إصابتها ب٤ن يباشر الظلم منكم بل تعمّو وغبّه واب٤راد بالفتنة ا لذنب وفسر بنحو إقرار اب٤نكر واب٤داىنة في الأمر باب٤عروؼ والنهي عن اب٤نكر وافبَاؽ الكلمة وظهور البدع والتكاسل في اب١هاد حسبما يقتضيو اب٤عبُ ... الآية ب٨برة بأف إصابة الفتنة لا بٚص بالظاب٤بْ بل تعم غبّىم أيضاً ... ثم لا بٱفى أف اب٣طاب إذا كاف عاماً للؤمة وفسرت الفتنة بإ قرار اب٤نكر لا بٯيء الإشكاؿ على عموـ الإصابة بقولو سبحانو [ }الأنعاـ: ٗٙٔ، الإسراء: ٘ٔ، فاطر: ٛٔ، الزمر : ٚ ] الذنب الانتهاء عنو بٯب على الباقبْ رفعو وإذا فَ يفعلوا كانوا آبٜبْ فيصيبهم ما يصيبهم لأبٜهم . ويدؿ للوجوب ما روى عن ابن عباس رضي ا﵁ تعافُ عنهما أمر ا﵁ تعافُ اب٤ؤمنبْ أف لا يقروا اب٤نكر ببْ أظهرىم فيهمهم ا﵁ تعافُ بعذاب يصيب الظافَ و غبّ الظافَ .(ٔ) عن أي بكر رضي ا﵁ عنو قاؿ : ب٠عت رسوؿ ا﵁ يقوؿ«إف الناس إذا رأوا الظافَ فلم يأخذوا على يده أوشك أف يعمهم ا﵁ تعافُ بعقاب »(ٕ) و عن ابن مسعود قاؿ : قاؿ رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو وسلم : ب٤ا وقعت بنو إسراقيل في اب٤عاصي نهاىم علماؤىم فلم ينتهوا فجالسوىم في ب٦السهم و واكلوىم وشاربوىم فضرب ا﵁ تعافُ قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لساف داود وعيسى ابن مرفٔ ذلك بٗا عصوا وكانوا يعتدوف (ٖ) . يقوؿ د. سيد طنطاوي: يؤكد سبحانو ترىيبو ب٥م من البَاخى فى تغيبّ اب٤نكر فيقوؿ واتقوا فِتػْنَةً لاَّ تُصِيبَََّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً واعلموا أَفَّ ا﵁ شَدِيدُ العقابوالفتنة: من الفبً .وأصلو: إدخاؿ الذىب النار لتظهر جودتو من رداءتو ، واستعمل في إدخاؿ الإنساف النار كما فى قولو تعافُ { العذاب فتنة فيستعمل فيو ب٫و قولوتعافُ { :رة فى ا ختيار ب٫و ( ٔ ) - تفسبّ الألوسي (٘ / ٓٛٔ-ٕٛٔ )، الناشر: دار الكتب العلمية – ببّوت ، الطبعة: الأوفُ، ٘ٔٗٔ ىػ ، ا﵀ق : علي عبد الباري عطية ( ٕ ) - أخرجو البَمذي ح(ٕٛٙٔ) وأبو داود ح(ٖٖٛٗ) حكم الالبافٓ صحيح عن قيس بن حازـ وأبٞد ح( ٖٓ) قاؿ شاكر صحيح على شرط الشيخبْ. ( ٖ ) - رواه البَمذي ح(ٖٚٗٓ) وقاؿ: ىذا حديث حسن غريب ، وأبٞد ح( ٖٖٔٚ) و وأبو داود (ٖٖٙٗ)
عدد الصفحات ١٨٦قولو تعا {ٔ. واب٤راد بالفتنة ىنا العذاب الدنيوي ، كالأمراض ، والقحط ، واضطراب الأحواؿ ، وتسلط الظلمة ، وعدـ الأماف . . وغبّ ذلك من ا﵀ن واب٤صاقب والآلاـ البٌ تنزؿ بالناس بسبب غشيانهم الذنوب ، وإقرارىم للمنكرات ، واب٤داىنة فى الأمر باب٤عروؼ والنهى عن اب٤نكر . واب٣طاب ب١ميع فى كل زماف ومكاف . فاب٤عبُ : دواموا أيها اب٤ؤمنوف على طاعة ا﵁ بقوة ونشاط ، واحذروا من أف ينزؿ بكم عذاب سيعم عند نزولو الأخيار والفجار وا﵀سنبْ واب٤سيذبْ . وقولو﵁ شَدِيدُ العقاب من عقاب ا﵁ - تعافُ - . أى : واعلموا أف ا﵁ شديد العقاب ب٤ن خالف أمره ، وانتهك حرماتو . (ٕ) ىذا ، وقد دلت الآية الكربٲة على وجوب الإِقلبع عن اب٤عاصى ، ووجوب ب٧اربة مرتكبيها ، فإف الأمة ا لبٌ تشيع فيها اب٤عاصى واب٤ظافَ واب٤نكرات . . ثم لا ب٘د من بٰارّٔا ويعمل على إزالتها ، تستح العقوبة جزاء سكوتها واستخذاقها وجبنها . وقد ذكر بعض اب٤فسرين أف ىذه الآية الكربٲة نزلت فى ح بعض الصحابة الذين اشبَكوا فى وقاعة اب١مل فيما بعد . ولكن ىذا القو ؿ غبّ صحيح؛ لأف الآية الكربٲة بٚاطب اب٤ؤمنبْ بٝيعاً فى كل زماف ومكاف ، وأمرىم بالبعد عن اب٤عاصى واب٤نكرات البٌ تفضى ّٔم إفُ العذاب الدنيوى قبل الأخروى . وليست خاصة بفري دوف فري . لذا قاؿ ابن كثبّ : والقوؿ بأف ىذا التحذير يعم الصحابة وغبّىم الصحيح ، ويدؿ عليو الأحاديث الواردة فى التحذير من الفبً .(ٖ) عن عدى بن عمبّة قاؿ : ب٠عت رسوؿ ا﵁ يقوؿ : " إف ا﵁- تعافُ - لا يعذب العامة بعمل اب٣اصة حبٌ يروا اب٤نكر ببْ ظهرانيهم وىم قادروف على أف ينكروه فلب ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذب ا﵁ اب٣اصة والعامة ". و قاؿ : " ما من قوـ يعمل فيهم باب٤عاصى وىم أعز وأكثر ب٩ن يعملوف ، يغبّوه ، إلا عمهم ا﵁ بعقاب " (ٗ). وقاؿ الإِماـ القرطبى : قاؿ ابن عباس : أمر ا﵁ ( ٔ ) - اب٤فردات في غريب القرآف ص ٖٔٚ للراغب الأصفهافٓ. مرجع ساب . ( ٕ ) - تفسبّ الوسيط لطنطاوي ٙ/ ٙٚ ، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة – القاىرة ، الطبعة: الأوفُ سنة ٜٜٚٔ-ٜٜٛٔ ( ٖ ) - اب٤رجع الساب ص ٚٚ وابن كثبّ ٗ / ٖٖ ( ٗ ) - اب٢ديثبْ في مسند الإماـ أبٞد (ٜٕ/ٕٛ٘) ، مؤسسة الرسالة ٕٔٓٓ بٙقي شعيب الأرناؤوط .
عدد الصفحات ١٨٧اب٤ؤمنبْ ألا يقروا اب٤نكر ببْ أظهرىم فيعمهم العذاب ففى صحيح مسلم " عن زينب بنت جحش أنها سألت رس وؿ ا﵁ فقالت لو : يا رسوؿ ا﵁ ، أنهلك وفينا الصاب٢وف؟ قاؿ نعم إذا كثر اب٣بث " " . وفى صحيح البَمذى : " إف الناس إذا رأوا الظافَ وفَ يأخذوا على يديو ، أو شك أف يعمهم ا﵁ بعقاب من عنده " . وفى صحيح البخارى والبَمذى عن النعماف بن بشبّ عن النبى قاؿ: " مثل القاقم على حدود ا﵁ والواقع فيها كمثل قوـ استهموا - أى اقبَعوا - على سفينة فأصاب بعضهم أعلبىا وبعضهم أسفلها فكاف الذين فى أسفلها إذا استقوا من اب٤اء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقاً وفَ نؤذ من فوقنا ، فإف يبَكوىم وما أرادوا ىلكوا بٝيعاً ، وإف أخذوا على أيديهم ب٪وا وب٪وا بٝيعاً " . ففى ىذا اب٢ديث تعذيب العامة بذنوب اب٣اصة . قاؿ علماؤنا: فالفتنة إذا عمت ىلك الكل وذلك عند ظهور اب٤عاصي، وانتشار اب٤نكر وعدـ التغيبّ. وإذا فَ تغبّ وجب على اب٤ؤمنبْ اب٤نكرين ب٥ا بقلؤّم ىجراف تلك البلدة واب٥رب منها. روى ابن وىب عن مالك قاؿ: تهجر الأرض البٍ يصنع فيها اب٤نكر جهارا ولا يستقر فيها. واحتج بصنيع أبى الدرداء في خروجو عن أرض معاوية حبْ أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذىب بأكثر من وزنها.(ٔ) فإف قيل : فقد قاؿ ا﵁ تعاتَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى كَسَبَتْ رَىِينَةٌ الذنب؟ فاب١واب أف الناس إذا تظاىروا باب٤نكر فمن الفرض على كل من رآه أف يغبّه ، فإذا سكت عليو فكلهم عاص؛ ىذا بفعلو وىذا برضاه ، وقد جعل ا﵁ فى حكمو الراضى بٗنزلة العامل؛ فانتظم فى العقوبة .(ٕ) وقاؿ بعض العلماء : وذكر القسطلبفْ " أف علبمة الرضا باب٤نكر عدـ التأفَ من اب٣لل الذى يقع فى الدين بفعل اب٤عاصى ، فلب يتحق كوف الإِنساف كارىا لو ، إلا إذا تأفَ للخلل ( ٔ ) - الوسيط لسيد طنطاوي ٙ / ٛٚ . مرجع ساب . ( ٕ ) - تفسبّ القرطبي ج ٚ ص ٜٖٔ- ٖٜٖ . مرجع ساب .
عدد الصفحات ١٨٨الذى يقعفى الدين ، كما يتأفَ ويتوجع لفقد مالو أو ولده . فكل من فَ يكن ّٔذه اب٢الة ، فهو راض باب٤نكر ، فتعمو العقوبة واب٤صيبة ّٔذا الاعتبار . (ٔ) المطلب الخامس عشر : (مَن كفر بالله مِن بعد إيمانو، إلا مَن أُكرِهَ وقلبو مطمئنٌ بالإيمان ) ، نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه وأمو وغيرىم فعذّبوىم، وقتلوا أباه وأمو، وأما عمار فوافقهم وكفر بمحمد وقلبو كاره. فأتى عمارُ محمداً وىو يبكي فقال لو محمد: كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان فجعل محمد يمسح عينيو وقال: إن عادوا فعُدْ لهم بما قلت (الرازي في تفسير ىذ ه الآية). يعني يجوز الكفر باللسان إذا كان في القلب الإيمان ، وىذا تعليم فاسد، فهل يرضى الله بالشِرْك بو باللسان؟ قال المسيح: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوىا، بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم.. . مَن ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً قدَّام أبي الذي في السموات (متى ٓٔ: ٕٛ ، ٖٖ) الرد : {من كفر با﵁ من بعد إبٲانو إلا من أكره وقلبو مطمذن بالإبٲاف ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من ا﵁ وب٥م عذاب عظيم [} ٙٓٔ] اب٢ سبحانو وتعافُ سب وأف بٙدث عن حكم اب٤ؤمنبْ وحكم الكافرين، ثم بٙدث عن الذين بٱلفوف العهد ولا يوفوف بو، ثم بٙدث عن الذين افبَوا على رسوؿ ا﵁ والذين كذبوا بآيات ا﵁، وىذه كلها قضايا إبٲانية كاف لابد أف تثار ، وفي ىذه الآية الكربٲة يوضح لنا اب٢ سبحانو وتعافُ أف الإبٲاف ليس ب٦رد أف تقوؿ: لا إلو إلا ا﵁ ب٧مد رسوؿ ا﵁. فالقوؿ وحده لا يكفي ولابد وأف تشهد بذلك، ومعبُ تشهد أف يواطئ القلب واللساف كل منهما الآخر في ىذه اب٤قولة. واب٤تأمل ب٥ذه القضية بٯد أف القسمة اب٤نطقية تقتضي أف يكوف لدينا أربع حالات: الأوفُ: أف يواطئ القلب اللساف إبٯاباً بالإبٲاف؛ ولذلك نقوؿ: إف اب٤ؤمن منطقي في إبٲانو؛ لأنو يقوؿ ما يضمره قلبو. ( ٔ ) - تفسبّ القاب٠ى ج ٘ ص ٕٚٚ. الناشر: دار الكتب العلميو – ببّوت ، الطبعة: الأوفُ - ٛٔٗٔ ىػ ، ا﵀ق : ب٧مد باسل عيوف السود
عدد الصفحات ١٨٩الثانية: أف يواطئ القلب اللساف سلباً أي: بالكفر، وكذلك الكافر منطقي في كفره باب٤ع الساب . الثالثة: أف يؤمن بلسانو ويضمر الكفر في قلبو، وىذه حالة اب٤ناف ، وىو غبّ منطقي في إبٲانو حيث أظهر خلبؼ ما يبطن ليستفيد من مزايا الإبٲاف. الرابعة: أف يؤمن بقلبو، وينط كلمة الكفر بلسانو. وىذه اب٢الة الرابعة ىي اب٤رادة في ىذه الآية. فاب٢ تبارؾ وتعافُ يعطينا ىنا تفصيلبً ب٤ن كفر بعد إبٲاف، وما سبب ىذا الكفر؟ وما جزاؤه؟ قولو: {ر با﵁ من بعد إبٲانو .. "ٙٓٔ}"[سورة النحل ] ىذه بٝلة الشرط تأخر جوأّا إفُ آخر الآية الكربٲة، لتقف أولاً على تفصيل ىذا الكفر، فإما أف يكوف عن إكراه لا دخل للئنساف فيو، فيجبر على كلمة الكفر، في حبْ قلبو مطمذن بالإبٲاف. { مطمذن بالإبٲافٙٓٔ}"[سورة النحل ] ثم سكت عنو القرآف الكرفٔ ليدلنا على أنو لا شيء عليو، ولا بأس أف يأخذ اب٤ؤمن بالتقية، وىي رخصة تقي الإنساف موارد اب٥لبؾ في مثل ىذه الأحواؿ. وفي تاريخ الإسلبـ ب٭اذج متعددة أخذت ّٔذه الرخصة، ونطقت كلمة الكفر وىي مطمذنة با لإبٲاف. وفي اب٢ديث الشريف: "رفع عن أمبٍ: اب٣طأ، والنسياف، وما استكرىوا عليو". ويذكر التاريخ أف ياسر أبا عمار وزوجو ب٠ية أوؿ شهيدين في الإسلبـ، فكيف استشهدا؟ كانا من اب٤سلمبْ الأواقل، وتعرضوا لكثبّ من التعذيب حبٌ عرض عليهم الكفار النط بكلمة مقابل العفو عنهما، فماذا حدث من ىذين الشهيدين؟ صدعاً باب٢ وأصراً على الإبٲاف حبٌ نالا الشهادة في سبيل ا﵁، وفَ يأخذا برخصة التقية. وكاف ولدبٮا عمار أوؿ من أخذ ّٔا، حينما تعرض لتعذيب اب٤شركبْ. وقد بلغ رسوؿ ا﵁ أف عمار بن ياسر كفر، فأنكر صلى ا﵁ عليو وسل م ىذا، وقاؿ: "إف إبٲاف عمار من مفرؽ رأسو إفُ قدمو، وإف الإبٲاف في عمار قد اختلط بلحمو ودمو". فلما جاء عمار أقبل على رسوؿ ا﵁ وىو يبكي، ثم قص عليو ما تعرض لو من أذى اب٤شركبْ، وقاؿ: وا﵁ يا رسوؿ ا﵁ ما خلصبِ من أيديهم إلا أفٓ تناولتك وذكرت آب٥تهم
عدد الصفحات ١٩٠بٖبّ، فما كاف من النبي إلا أف مسح دموع عمار بيده الشريفة وقاؿ لو "إف عادوا إليك فقل ب٥م ما قلت". وقد أثارت ىذه الرخصة غضب بعض الصحابة، فراجعوا فيها رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو وسلم وقالوا: فما باؿ بلبؿ؟ فقاؿ: "عمار استعمل رخصة، وبلبؿ صدع باب٢ " ولاشك أف ىا تبْ منزلتاف في مواجهة الباطل وأىلو، وأف الصدع باب٢ والصبر على البلبء أعلى منزلة، وأب٠ى درجة من الأخذ بالرخصة؛ لأف الأوؿ آمن بقلبو ولسانو، والآخر آمن بقلبو فقط ونط لسانو الكفر. لذلك، ففي حركة الردة حاوؿ مسيلمة الكذاب أف يطوؼ بالقباقل لينتزع منهم شهاد ة بصدؽ نبوتو، فقاؿ لرجل: ما تقوؿ في ب٧مد؟ قاؿ: رسوؿ ا﵁، قاؿ: فما تقوؿ في؟ فقاؿ الرجل في لباقة: وأنت كذلك، يعبِ أخرج نفسو من ىذا اب٤أزؽ دوف أف يعبَؼ صراحة بنبوة ىذا الكذاب. فقابل آخر وسألو: ما تقوؿ في ب٧مد؟ قاؿ: رسوؿ ا﵁، قاؿ: وما تقوؿ في؟ فقاؿ الرج ل متهكماً: اجهر لأفٓ أصبحت أصم الآف، وأنكر على مسيلمة ما يدعيو فكاف جزاؤه القتل. فلما علم رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو وسلم خبربٮا قاؿ: "أحدبٮا استعمل الرخصة، والآخر صدؽ باب٢ . وقد بٙدث العلماء عن الإكراه في قولو تعافُ: {ٙٓٔ}" [سورة النحل ] وأوضحوا وجوه الإكراه وحكم كل منها، على النحو التا إذا أكره الإنساف على أمر ذاتي فيو. كأف قيل لو: اشرب اب٣مر وإلا قتلتك أو عذبتك قالوا: بٯب عليو في ىذه اب٢الة أف يشرّٔا وينجو بنفسو؛ لأنو أمر يتعل بو، ومن الناس من يعصوف ا﵁ بشرّٔا. فإف قيل لو: اكفر با﵁ وإلا قتلتك أو عذبتك، قالوا: ىو ب٨بّ ببْ أف يأخذ بالتقية ىنا، ويستخدـ الرخصة البٍ شرعها ا﵁ لو، أو يصدع باب٢ ويصمد. ػ أما إذا تعل الإكراه بٕ من حقوؽ الغبّ، كأف قيل لك: اقتل فلبناً وإلا قتلتك، ففي ىذه اب٢الة لا بٯوز لك قتلو؛ لأنك لو قتلتو لقتلت قصاصاً، فما الفاقدة إذف؟
عدد الصفحات ١٩١وبعد أف بٙدث اب٢ تبارؾ وتعافُ عن حكم من أكره وقلبو مطمذن بالإبٲاف، يتحدث عن النوع الآخر: {ٙٓٔ}"[سورة النحل ] أي: نط كلمة الكفر راضياً ّٔا، بل سعيدة ّٔا نفسو، منشرحاً ّٔا صدره، وىذا النوع ىو اب٤قصود في جواب الشرط {ن ا﵁ وب٥م عذاب عظيم"ٙٓٔ}"[سورة النحل ] فإف كانت الآيات قد سكتت عمن أكره، وفَ ب٘عل لو عقوبة لأنو مكره، فقد بينت أف من شرح بالكفر صدراً عليو غضب من ا﵁ أي: في الدنيا. وب٥م عذاب عظيم أي: في الآخرة. وكما رأينا في تاريخ ا لإسلبـ ب٭اذج للنوع الأوؿ الذي أكره وقلبو مطمذن بالإبٲاف، كذلك رأينا ب٭اذج ب٤ن شرح بالكفر صدراً، وىم اب٤نافقوف، ومنهم من أسلم بعد ذلك وحسن إسلبمو، ومنهم عبد ا﵁ ابن سعد بن أي السرح من عامر بن لؤي . المطلب السادس عشر : ( إكراه أو لا إكراه ) . {ولو شاء ربك لآمَنَ مَن في الأرض كلّْهم، أفأنت تُكرِه الناسَ حتى يكونوا مؤمنين } [يونس ٜٜ] {قاتلوىم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكون الدّْينُ كلّو} [الأنفالٛ: ٜٖ] والسؤال كيف تتفق آيات الإكراه وعدم الإكراه؟ في بداية دعوة محمد في مكة رأى أنو ليس من صالحو إعلبن الحرب على خصومو. ولكن حينما استتبَّ لو الأمر في المدينة أعلن ىذه الحرب، حتى قال في الحديث أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلو إلا الله (متفق عليو مشكاة المصابيح حديث رقم ٕٔ). وغاية ما اعتذر بو المسلمون عن ىذا قولهم إن بعض ىذه الآيات ناسخ للآخر . الرد : قولوقاتلوىم حبٌ لا تكوفَ فتنةٌ ويكوف الدّْينُ كلّو ﵁ } [الأنفاؿٛ: ٜٖ]. تقوؿ القتاؿ بسبب الفتنة وعليو ب٤ا ببّْ تعافُ أفّ ىؤلاء الكفار إف انتهوا عن كفرىم حصل ب٥م الغفراف، وإف عادوا فهم متوعدوف بسنة الأولبْ، أتبعو بأف أمر بقتاب٥م إذا أصروا فقاؿ وَقَتِلُ وىُمْ حَبٌَّ لاَ تَكُوفَ فِتػْنَةٌ دين ا﵁، فافتبً من اب٤سلمبْ بعضهم وأمر رسوؿ ا﵁ اب٤سلمبْ أف بٱرجوا إفُ اب٢بشة، وفتنة ثانية وىو أنو ب٤ا بايعت الأنصار رسوؿ ا﵁ بيعة العقبة، تآمرت قريش أف يف تنوا اب٤ؤمنبْ بٗكة عن دينهم، فأصاب اب٤ؤمنبْ جهد شديد، فهذا ىو اب٤راد من الفتنة، فأمر ا﵁
عدد الصفحات ١٩٢