المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تنزيه القرآن عن التهم والشبهات

محمد أحمد صبرة

صفحة ١٠ من ٣٤

الرب لب إسراقيل وىم ملتفتوف إفُ آب٥ة أخرى وب٧بوف لأقراص الزبيب (ىوشع ، الإصحاح ٖ) ٓٔ - عنصرية الرب :فقد جاء في أشعيا (ٜٗ/ٕ )أف الرب أمر كل أجنبي إذا لقي يهوديا أف يسجد لو على الأرض ويلحس غبار نعليو ...ٜٗ: ٖٕ و يكوف اب٤لوؾ حاضنيك و سيداتهم مرضعاتك بالوجوه افُ ا لارض يسجدوف لك و يلحسوف غبار رجليك فتعلمبْ افٓ انا الرب الذي لا بٱزي منتظروه ..... غبّ اليهود كلبب في نظر الرب :مبٌّ ٘ٔ: ٖٕلكِنَّوُ فََْ بٯُِبػْهَا بِكَلِمَةٍ. ..ٕٗفَأَجَابَ: «مَا أُرْسِلْتُ إِلاَّ إِفَُ اب٣ِْرَاؼِ الضَّالَّةِ، إِفَُ بػَيْتِ إِسْرَاقِيلَ »! .. ٕٙفَأَجَابَ: «لَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ أَفْ يػُؤْخَذَ خُبػْزُ الْبَنِبَْ وَيُطْرَحَ ب١ِِرَاءِ الْكِلبَبِ »ػ مرقص ٚ: وَ ارْبََٛتْ عَلَى قَدَمَيْوِ، ٕٚوَلكِنَّوُ قَاؿَ ب٥ََا: «دَعِي الْبَنِبَْ أَوَّلاً يَشْبػَعُوفَ! فػَلَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ أَفْ يػُؤْخَذَ خُبػْزُ الْبَنِبَْ وَيُطْرَحَ لِلْكِلبَبِ » ٔٔ- الرب يأمر نبيو حزقياؿ بأف يأكل اب٣راء : (حزقياؿ ٗ: ٕٔ) قاؿ الرّبّ ب٢زقياؿ: وتأكل كعكًا من الشّعبّ على اب٣راء الذي بٱرج من الإنساف: بٚبزه أماـ عيونهم... ىكذا يأكل بنو إسراقيل خبزىم النّجس... قلت: آه يا سيّد الرّبّ: ىا نفسي فَ تتنجّس ومن صباي إفُ الآف فَ آكل ميتة ولا فريسة ولا دخل فمي ب٢م ب٪س. فقاؿ فِ: انظر قد جعلت لك خثي البقر بدؿ خراء الإنساف. فتصنع خبزؾ عليو. ٕٔ- الرب يعش ا﵀ارؽ واللحم اب٤شوي حسب زعمهم : يرسم الكتاب اب٤قدس للرب الإلو صورة كريهة جدا ً. فهو ر ب بٰب اللحم اب٤شوي جدا ً. ومستعد أف يتنازؿ عن كل شئ في سبيل وجبة دب٠ة من اللحم اب٤شوي تقدـ لو كقرباف .. والعهد القدفٔ من أولو لآخره يذكر القراببْ اب٤شوية . ولا يكاد إصحاح واحد بٱلو من ذكر ىذه القراببْ ومن اللحم اب٤شوي ، وفي الإصحاح الواحد عشرات اب٤رات ، في بعض الأحياف لدرجة تسبب الغثياف وضي النفس والربو من كثرة دخاف اللحم اب٤شوي .

عدد الصفحات ١٤٥

ولا نرى الأنبياء من لدف آدـ إفُ آخر أنبياء ببِ إسراقيل يعبدوف ا﵁ أو يدعوف الناس إ عبادة الإلو الواحد الأحد ... ولا نراىم يأمروف بٗعروؼ أو ينهوف عن منكر .. بل ب٪دىم ىم والكهن ة مشغولوف جدا ً بقضية اللحم اب٤شوي ، والذين بٰصلوف بٗوجبو على بٝيع طلباتهم ، بٗجرد أف يتنسم الرب راقحة اللحم اب٤شوي ، تنبسط أساريره ، ويفعل ب٥م ما يشاءوف : تعذيب الأمم ، قتلها .. حرقها ، يدخل اب٤عارؾ معهم في وسطهم داخل تابوت ، يقاتل معهم ، يعطيهم أراضي الغ بّ ... بٯعل الكل عبيدا ب٥م ، ولا يهم بعد ذلك إف عبدوا الأوثاف أو سرقوا الأمواؿ كما لا يهم أف يكوف اللحم اب٤شوي من عجوؿ أغناـ مسروقة ، كما يزعموف أف يعقوب سرؽ أغناـ خالو وقدـ اللحم اب٤شوي للرب فتنسم الرب نسيم الرضا بعد أف امتلؤت خياشيمو بدخاف اب٤شوي . وأعطى يعقوب العهد لو ولأولاده وأعطاىم أرض فلسطبْ .. وأعطاىم الأرض حوب٥ا من النيل إفُ الفرات .. إفٍ ويبدأ مسلسل اللحم اب٤شوي بأف ىابيل قرب ب٢ما ب٠ينا ، بينما قدـ أخوه قابيل شيذا قليلب من بٜار الأرض "فنظر الرب إفُ ىابيل وقربانو ، ولكن إفُ قابيل وقربانو فَ ين ظر ، فأغتاظ قابيل جدا " (التكوين الإصحاح الرابع ٙ-ٖ ) ..وأدى ذلك إفُ أف يقوـ قابيل بقتل أخيو وارتكاب أوؿ جربٲة على الأرض) .. واب٤نظر الثافٓ يأتي بعد أف أغرؽ ا﵁ الأرض بالطوفاف .. وما تكاد السفينة تستقر على جبل أراراط حبٌ بٱرج نوح ويقدـ قربانا للرب : فقد جاء في سفر التكوين ، ( الإصحاح ٛ ) : وببِ نوح مذبٕا للرب . وأخذ من كل البهاقم الطاىرة ومن كل الطيور الطاىرة وأصعد ب٧رّقات على اب٤ذبح . فتنسم الرب راقحة الرضا . وقاؿ الرب في قلبو لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنساف ويظهر ابراىيم عليو السلبـ فلب نراه يدعو افُ ا﵁ وافُ توحيده ، ولا ينكر على قومو ما ىم فيو من عبادة الأوثاف ، ولا ترد قصتو مع النمرود و لا ب٦ادلتو لو ، ولا قصتو مع أبيو . بل كل ما يرد أف إبراىيم يقدـ ب٧رقات للرب فيتنسم الرب راقحة اللحم اب٤شوي "فيقوؿ

عدد الصفحات ١٤٦

الرب لإبراـ : اذىب من أرضك وعشبّت ك ومن بيت أبيك افُ الأرض البٍ أريك . فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اب٠ك " ( سفر التكوين ، الإصحاح ٕٔ .. ) وبعد رحلبت طويلة يعود ابراىيم من مصر وقد ملك أموالا ضخمة من الذىب والفضة والأغناـ البٍ أعطاىا لو فرعوف مصر عندما قدـ ابراىيم زوجتو سارة ليتزوجها فرع وف حسب زعمهم . وقدـ إبراىيم اللحم اب٤شوي مرة أخرى . "في ذلك اليوـ قطع الرب مع إبراـ - أي إبراىيم - ميثاقا قاقلب : لنسلك أعطي ىذه الأرض من نهر مصر إفُ النهر الكببّ نهر الفرات القينيبْ والقنزيبْ والقدمونيبْ واب٢ثيبْ والفرزيبْ والرفاقيبْ والأموريبْ واب١رجاشي بْ واليبوسيبْ " (التكوين ، الإصحاح ٘ٔ : ٕٓ-ٛٔ ) دـ اب٣تاف : " وقاؿ ا﵁ لإبراىيم وأما أنت فتحفظ عهدي . أنت ونسلك من بعدؾ في أجياب٥م . ىذا ىو عهدي الذي بٙفظونو بيبِ وبينكم . ابن بٜانية أياـ بٱبً منكم كل ذكر من أجيالكم ( سفر التكوين ، الإصحاح ٚٔ : ٕٔ-ٜ )" وأما الذكر الأغلف الذي لا بٱبً من ب٢م غرلتو فتقطع تلك النفس من شعبها أنو قد نكث عهدي " اب٤هم راقحة اللحم اب٤شوي ودـ الغرلة .. ولا يهم بعد ذلك أف يقتل أو يسرؽ أو يزفٓ أو أف يعبد الأوثاف .. علبمة العهد دـ الغرلة وعلبمة الرضا اللحم اب٤شوي . ويتكرر منظر اللحم اب٤شوي ويقدّـ ابراىيم حسب زعمهم قربانا وراء قرباف للحصوؿ على مزيد من اب٤نافع الدنيوية ، حبٌ أنو قرر أف يقدـ ابنو إسحاؽ قربانا وسُر الرب جدا ّٔذا القرباف ، وأنزؿ كبشا بدلا منو ليذبح ويشوى .. وقطع الرب مزيدا من العهود لإبراىيم بأنو سيعطيو أرض الكنعانيبْ وبٝيع الأراضي حوب٥ا من النيل إفُ الفرات .. وستكوف بٝيع ىذه الأراضي لنسلو أبد الآبدين !! وقاـ إسحاؽ بالدور ذاتو ، وقدـ ا﵀رقات وحصل على مزيد من العهود واب٤واثي . وأما يعقوب فقد قدـ اللحم اب٤شوي عدة مرات ، من الغنم الكثبّة البٍ سرقها من خالو لاباف .

عدد الصفحات ١٤٧

فقد جاء في سفر التكوين الإصحاحٕٔ ومن الواضح جدا أف الرب حسب زعم الكتاب اب٤قدس بٰب شيذبْ اثنبْ حبا بٝا .... وبٮا اللحم اب٤شوي والدـ .. وبٯعل عهده مع ابراىيم دـ اب٣تاف .. وتنقذ صفورة زوجة موسى ابنها من يدي الرب بأف تقطع غرلة الصبي وبٛسح رجلي الإلو بدـ اب٣ت اف ، وتقوؿ لو : عريس دـ من أجل اب٣تاف ، فينفك عن الصبي قاقلب : عريس دـ ... ويطلب الرب من ببِ اسراقيل أف يضعوا الدـ علبمة على بيوتهم حبٌ يعرفها عندما بٲر الليل ويهلك كل بكر من اب٤صريبْ ودوأّم . والآف : بعد ىذه الرحلة البٍ تزعج وبٚبط بعقل مربٙلها نأتي ب٤ا ر موا بو القرآف اب٢كيم حوؿ الذات الإب٥ية من أباطيل وتهم خداعا وإسقاطا ب٤ا في نصوصهم علينا : المطلب الأول : نسبة صفات النقص إلى الله تعالى في القرآن :!! قالوا: القرآف نسب إفُ ا﵁ صفات لا تلي بو، وىي اب٤كر واب٣داع والكيد والنسياف، وذلك في مثل قوؿ ا﵁: {[النساءٕٗٔ]، وقولو وَبٲَْكُرُ ا﵁ [الأنفاؿٖٓ]، وقولو[الطارؽ ٙٔ]، وقولو[التوبةٚٙ]. في البدء القرآف ىو الك تاب الوحيد الذي ينزه ا﵁ عن النقاقص، وىو لا ينسب إفُ ا﵁ تعافُ إلا صفات الكماؿ واب١لبؿ، ولا يسميو إلا بأحسن الأب٠اء فَادْعُوهُ َِّٔا[الأعراؼ ٓٛٔ]، وكذلكوَ لَوُ الأَْب٠َْاء اب٢ُْسْبَُ[طوٛ]. وقاؿ : ىُوَ ا﵁ُ الَّذِي لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلبَـُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ اب١َْب ارُ الْمُتَكَبػّْرُ سُبْحَافَ ا﵁ِ عَمَّا يُشْرِكُوفَ ىُوَ ا﵁ُ اب٣َْالِ ُ الْبَارِئُ الْمُصَوّْرُ لَوُ الأَْب٠َْاء اب٢ُْسْبَُ )[ اب٢شر ٕٕ – ٕٗ]. والقرآف لا يسمى ا﵁ بأب٠اء تنتقص ذاتو العلية؛ كاب٤اكر واب٤خادع والكاقد، فهذه الأب٠اء لا كماؿ فيها، فلب يسمى ّٔا الرب تبارؾ وتعافُ، كما لا يوصف باب٤كر واب٣داع والكيد، أما

عدد الصفحات ١٤٨

باب الأفعاؿ أوسع من الصفات. والسؤاؿ: كيف نسب القرآف إفُ ا﵁ فعل الكيد واب٤كر واب٣داع؟ إف آفة اب١هل بلغة العرب وطراققهم في التعببّ عن اب٤عافٓ من أعظم بلبيا ىذا الزماف، حيث اضمحلت معرفة الناس باللغة، وأصبح أىلها أعاجم فيها، فالعرب تعرؼ في أساليبها اب٤شاكلة اللفظية، وىي استخداـ اللفظ في غبّ معناه؛ ب٤قابلتو مع فعل آخر. يقوؿ أبو بكر ابن حجة في تعريف اب٤شاكلة: "اب٤شاكلة في اللغة ىي اب٤ماثلة، ... اب٤شاكلة ىي ذكر الشيء بغبّ لفظو لوقوعو في صحبتو"(ٔ). وعند ابن عاشور اب٤شاكلة ىي: "استعارة لفظ لغبّ معناه مع مزيد مناسبة مع لفظ آخر مثل اللفظ اب٤ستعار. فاب٤شاكلة ترجع إفُ التلميح، أي إذا فَ تكن لإطلبؽ اللفظ على اب٤عبُ اب٤راد علبقةٌ ببْ معبُ اللفظ واب٤عبُ اب٤راد إلاّ ب٧اكاة اللفظ، ب٠يّت مشاكلة" .(ٕ) وأمثلتها في لغة العرب كثبّة ، منها قوؿ الشاعر أي الرقعم الأنطاكي: قالوا اقبَحْ شيذاً ب٪ُِد لك طبخَو ... قلتُ اطبخوا فِ جبّةً وق ميصاً فالطبخ إب٭ا يكوف في الطعاـ، وليس في اب١بة والقميص، لكن الشاعر العري تزيد حاجتو إفُ اب١بة والقميص على حاجتو إفُ الطعاـ، فطلب اب٤لببس بكلبـ شاكل فيو قوب٥م: (ب٪ُِد لك طبخو)، فسأب٥م حاجتو: (اطبخوا فِ جبة وقميصاً). ومثلو في اب٤شاكلة اللفظية قوؿ عمرو بن كلثوـ في معلقتو: ألا لا بٯهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهل فَوؽَ جهل اب١اىلينَا أي ب٪ازيو على جهلو، فسمى آّازاة جهلبً للمشاكلة فحسب، وإلا فإف اب١هل لا يفخر بو، بل يستحى منو. ومثلو قوؿ أي بٛاـ: من مبلغٌ أفناء يعربَ كلَّها ... أفٓ بنيت اب١ار قبل اب٤نزؿ . ( 1 )- (خزاغةمالأدبموشاؼةمالإرب،مابنمحفةمالحؿويم(2/م252)مدارموعؽؿؾةمالهلال-بيروت،مدارماظؾقار-بيروتماظطؾعةمالأخيرةم2004م،مواغظر:مالإؼضاحمفيم سؾومماظؾلاشة،مالخطقبماظؼزوؼني،مصم(327.)مدارمالجقلم–مبيروتمطم/اظـاظـةم ( ٕ ) - (التحرير والتنوير، ابن عاشور ( ٘/ٜٖٕ). الدار التونسية للنشر – تونس سنة النشر: ٜٗٛٔ ىػ

عدد الصفحات ١٤٩

ومن اب٤علوـ أف اب١ار بٯاور ولا يببُ، لكن حقيقة (بنيتُ) اللغوية غبّ مرادة، فهو فَ يرد حقيقة البناء في (بنيتُ) كما فَ يرد حقيقة اب١هل في (فنجهل) ولا حقيقة الطبخ في (اطبخوا). ومثل ىذا يفهمو الناس والعواـ في كلبمهم حبٌ في أيامنا ىذه، فلو تواعد اثناف على موعد، فغاب عنو أحدبٮا، واعتذر لذلك بالنسياف، فقابلو الآخر بالتخلف عن موعد آخر، ليقابل خلفو بٖلف مثلو، ثم يقوؿ لو: نسيت موعدؾ كما نسيت موعدي، أو نسيتك كما نسيتبِ، والسامع ب٤ثل ىذا يدرؾ أنو لا يريد أنو نسيو على اب٢قيقة، إب٭ا أراد ب٦ازاتو على نسيانو بالتخلف اب٤تعمد، وأف قولو: (نسيت) من باب اب٤شاكلة اللفظية فحسب. وىذا الأسلوب الذي عرفو العرب في كلبمهم جاء في القرآف صور كثبّة منو، لنزولو بلساف عري مببْ، ومن صور اب٤شاكلة اللفظية في القرآف قولو تعا مّْثػْلُهَآٗ)، فسمى عقوبة السيذة وقصاصها سيذة؛ مع أنها ليست سيذة على اب٢قيقة، بل ىي عدؿ وح ، فاب٤عبُ: وجزاء سيذة عقوبةٌ، واستخدمت كلمة سيذة للمشاكلة اللفظية، وليس اب٤راد منها معبُ السوء حقيقة. ومثلو قوؿ ا﵁ تعالِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة ٜٗٔ]، فرد الاعتداء ليس اعتداء، لكن جاز تسميتو كذلك في باب اب٤شاكلة اللفظية، ومثلو {[البينةٛ]، فكل منهما على معبُ، وأمثالو في القرآف كث إذا تببْ ذلك وجب إعادة قراءة الآيات اب٤ شكلة للوقوؼ على معافٓ ىذه الألفاظ وف سياقاتها، فالآيات حبْ بٙدثت عن مكر ا﵁ بالكافرين أو ب٨ادعتو ب٥م وأمثالو فَ تكن تنسب إفُ ا﵁ ىذه الأفعاؿ ابتداء، إب٭ا ذكرت ىذه الألفاظ في مقابل فعل اب٤شركبْ، فحبْ وقع منهم اب٤كر واب٣داع والكيد، رد ا﵁ كيدىم وخداعهم و مكرىم، فسمى ا﵁ فعلو بألفاظ من جنس ما صنعوا، للمشاكلة اللفظية مع ما وقع من الكفار، من غبّ أف تكوف اب٢قيقة اللغوية ب٥ذه الألفاظ مُرادة. وىذه اب٤شاكلة في الأسلوب تتضح ب٤ن قرأ تلك الآيات اب٤ستشكلة، كمثل قولو تعافُ: { [النساءٕٗٔ]، وقولو {[الأنفاؿ

عدد الصفحات ١٥٠

ٖٓ]، وقولو[الطارؽ ٘ٔ– ٙٔ]، وقولو مِنػْهُمْ سَخِرَ ا﵁ُ مِنػْهُمْ [التوبةٜٚ]، وقولو [التوبةٙٚ]، فلم تنسب ىذه الأفعاؿ (اب٣داع، اب٤كر، الكيد ... ) إفُ ا﵁؛ إلا في باب اب٤قابلة لفعل الكافرين، من غبّ أف تكوف معانيها مُرادة على اب٢قيقة. والتدقي في معافٓ تلك الآيات يببْ أنها لا تدؿ على معاف سيذة في حديثها عن أفعاؿ ا﵁، فمكر ا﵁ في قصة قوـ صافٌ ىو إىلبكهم لكفرىم لَنػَقُولَنَّ لِوَلِيّْوِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَىْلِوِ وَإِنَّا لَصَادِقُوفَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَىُمْ لاَ يَشْعُرُوفَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَافَ عَاقِبَةُ مَكْرِىِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاىُمْ وَقػَوْمَهُمْ أَبَْٝعِبَْ [النملٜٗ – ٔ٘] فاب٤كر الإب٥ي ىنا ىو عذاب ا﵁ الذي أتاىم وىم لا يشعروف، وليس في ىذا أي معبُ يستقبح. وأما اب٣داع في قولو تعا وحسبوا أف حيلتهم وكيدىم راجَا على اب٤سلمبْ، وأفّ ا﵁ ليس ناصرىم .. فإطلبؽ اب٣داع على استدراج ا﵁ إيّاىم استعارة بٛثيلية، وحسنَّتػَهْا اب٤شاكلة (ٔ). وب٤ا أراد اليهود باب٤سيح السوء، وحاكوا مؤامرتهم للقبض عليو مكر ا﵁ ّٔم فأب٪ى اب٤سيح بأسلوب خفي عليهم، ول ذلك قاؿ ا﵁ وَا﵁ُ خَيػْرُ الْمَاكِرِينَ [آؿ عمراف: ٗ٘]، فمكر ا﵁ ىو إب٪اء اب٤سيح منهم، وعدـ بٙقي أىدافهم، وىو غاية نبيلة ومقصد كرفٔ. ومثلو إب٪اء ا﵁ نبيو ب٧مداً  من مؤامرة قريش حبْ اجتمعوا على بابو يريدوف قتلو يوـ اب٥جرة، فقاؿ ا﵁كُرُ ا﵁ُ وَا﵁ُ خَيػْرُ الْمَاكِرِينَ[الأنفاؿٖٓ]، فإب٪اء نبيو ليس فيو ما يستقبح ونطوي التفصيل في بقية الصور فهي على مثل ما بيناه. ولن يفوتنا التنبيو إفُ أمر صحيح ذكره أىل العلم باللغة، حبْ قالوا: ىذه الألفاظ (اب٤كر والكيد واب٣داع) لا تُستقبَح معانيها في لغة العرب ابتداء، إب٭ا تستقبح باعتبار ما أضيفت إليو، فاب٤كر - مثلبً - ىو التوصل بالأسباب اب٣فية إفُ الإيقاع بالعدو، فمكرؾ بأحدىم بٛكنك منو من غبّ أف يتنبو إفُ فعلك وتدببّؾ، فهذا في اللغة (مكر)، ولا يوصف بٗدح أو ذـ إلا بٗعرفة ما ينضاؼ إليو، فتوصل ( ٔ ) - " (التحرير والتنوير، ابن عاشور (٘/ ٜٖٕ)، وانظر: مفردات ألفاظ القرآف، الراغب الأصفهافٓ (ٔ/ ٕٜٛ). دار القلم، الدار الشامية - دمش ببّوت الطبعة: الأوفُ - ٕٔٗٔ ىػ .

عدد الصفحات ١٥١

اب٤رء إفُ حقو بأسلوب خفي (مكر) ب٩دوح، وتوصلو إفُ حقوؽ الناس بأسلوب خفي (مكر مذموـ. وىكذا فإف ا﵁ عز وجل يقابل مكر الكافرين السيء (أي سعيهم للئيقاع بالأنبياء على وجو خفي) باب٤كر اب٢سن (إب٪اء الأنبياء بوجو خفي)، فهذا معبُ قولو تعا بٲَْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوؾَ أَوْ يػَقْتػُلُوؾَ أَوْ بٱُْرِجُوؾَ وَبٲَْكُرُوفَ وَبٲَْكُرُ ا﵁ُ وَا﵁ُ خَيػْرُ الْمَاكِرِينَ [انفاؿ: ٖٓ]، ولأجل ذلك قاؿ ا﵁ عن فعلوٖٓ)، وفَ يقل بأنو: (أمكر اب٤اكرين)، لأنو لا بٲكر إلا بٖبّ، فهو بٲكر باب٤اكرين، ومكره اب٣بّ فعل بٝيل يقابل مكرىم السيء. وأما اب٣داع فهو حسب الفبّوزبادي : إرادة الشر باب٤ خدوع وىو لا يعلم (ٔ) ، وأما ابن دريد فعرفو بأنو الكتماف والإخفاء، وكلب اب٤عنيبْ لا يستقبح؛ إلا إذا انضاؼ إليو مقصد السوء، وإلا فمخادعة العدو الظافَ لنيل اب٢قوؽ اب٤شروعة لا يستقبحها أحد، فا﵁ جازى الكافرين شراً على أفعاب٥م وىم لا يدروف (بٖفاء)، فقابل ا﵁ خداع الكافرين اب٤شبْ بٖداع ب٩دوح. وأما الكيد في مثل قولو[الطارؽ ٘ٔ]، فهو كما عرفو اب١رجافٓ بأنو إرادة مضرة الغبّ خفية، وىو من اب٣ل : اب٢يلة السيذة، ومن ا﵁: التدببّ باب٢ ّٓازاة أعماؿ اب٣ل . وعرفو غبّه بأنو التدببّ ضد العدو (ٕ). وىذه اب٤عافٓ لا عيب فيها، إلا إذا كانت سبيلبً للتوصل إفُ غاية مرذولة، أما مقاومة كيد الكاقدين (إرادتهم الضر باب٣فاء) بكيد مثلو، أي (بإضرار خفي ّٔم)، فهذا غبّ مستنكر، إذ لا يلزـ أف يكوف الإضرار بالعدو على وجو ظاىر حبٌ يستساغ من ا لناحية الأخلبقية. ولذلك يقوؿ ا﵁ على لساف إبراىيم[الأنبياءٚ٘]، ويع أنو سيتخلص منها بوجو خفي، وىذا كيد ب٩دوح يتخلص بو النبي إبراىيم عليو السلبـ من الأصناـ البٍ تعبد من دوف ا﵁؛ من غبّ أف يدري بو سفهاء اب٤شركبْ، فيتعرضوا لو بالقتل والإيذاء، وقد فعل ىذا الكيد، فحطم أصنامهم من غبّ أف يعرفوا ذلك بِآب٥َِتِنَا إِنَّوُ لَمِ نَ الظَّالِمِبَْ [الأنبياءٜ٘] (1 )- (القاموس ا﵀يط، الفبّوزبادي (ٖ/ ٙٔ - ٚٔ). مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، ببّوت – لبناف ،الطبعة: الثامنة، ٕٙٗٔ ىػ - ٕ٘ٓٓ ـ ( 2 )- (التعريفات، اب١رجافٓ، ص (ٜٛٔ). دار الكتب العلمية ببّوت –لبناف ، الطبعة: الأوفُ ٖٓٗٔىػ -ٖٜٛٔـ مادة "الكيد "

عدد الصفحات ١٥٢

ومثلو قوؿ ا﵁[يوسفٙٚ]، أي صنع ا﵁ صنيعاً خفياً جلب فيو اب٣بّ ليعقوب وبنيو بإحضارىم من آّاعة إفُ أرض مصر. وىكذا فالكيد اب٢سن واب٣داع اب٢سن لا يستبشعو أحد، ومن مثل ىذا اب٤خادعة واب٤كر بٗن أراد الاعتداء على العرض واب٤اؿ والنفس، فمخادعة اب٤عتدي واب٤كر بو طلباً للئب٪اء منو وللئيقاع بو على وجو خفي من ب٧ اسن الأمور وفاضل الأفعاؿ. وفي خابٛة ىذا اب٤بحث أرى أف أذكّْر القارئ الكرفٔ أف ىذه الفرية يثبّىا قوـ ينسب كتأّم ﵁ مثل ىذه اب٤عافٓ، ولكن أعياىم أف بٯدوا في القرآف ملمزاً صحيحاً، وتقطعت ّٔم السبل، فرموا القرآف بٗا نراه في كتبهم، فاعجب لذلك، وليطل عجبك وأنت تقرأ اب٤نسوب إفُ النبي داود حيث قاؿ: «إفُ مبٌ يا رب تنسافٓ كل النسياف »(اب٤زمور ٖٔ/ ٔ)، ونسب سفر إرمياء إليو أنو خاطب ا﵁ بقولو: "آه يا سيد الرب، حقاً إنك خداعاً خادعت ىذا الشعب وأورشليم قاقلبً: يكوف لكم سلبـ. وقد بلغ السيف النفس" (إرميا ٗ/ ٓٔ)، فالكتاب ينسب إفُ ا﵁ - وحاشاه - نسياناً وخداعاً ينطوي على الكذب؛ إذ وعِد بالسلبـ، لكنو أعطى القتل والدمار!! سبحانك ىذا ّٔتاف عظيم.(ٔ) المطلب الثاني : ىل يضل الله عباده؟ قالوا: أتى القرآف باب٤نكر من القوؿ حبْ ذكرت آياتو أف ا﵁ يضل من يشاء، والإضلبؿ عمل مشبْ، فكيف ينسبو القرآف إفُ ا﵁ عز وجل؟! وكيف يعذب ا﵁ بناره من أضلهم وحجب عنهم ىدايتو؟! اب١واب: من الضروري أف يتببْ لكل أحد أنو لا يوجد كتاب امتدح ا﵁ وعظمو بٗثل ما ب٪د في القرآف العظيم، ولكنا نؤمن أيضاً أنو ما من فعل حسن أو قبيح بٯري في ىذه الدنيا؛ إلا وىو واقع بٗشيذة ا﵁ وإرادتو، فاب٤سلموف يؤمنوف أف ا﵁ ىو اب٤هيمن على ىذا الكوف، فلب رب فيو سواه، وكل ما بٯري في الكوف من خبّ أو شرور فإب٭ا يقع وف قدره الأزفِ، فلن يعصى ا﵁ أو يطاع إلا بإرادتو وعلمو، وىو تعافُ وحده دوف سواه خال اب٣بّ والشر، (1 ) - راجع تنزيو القرآف الكرفٔ عن دعاوى اب٤بطلبْ ، منقذ بن ب٧مود السقار ص ٘ٔٔ -ٕٕٔ مرجع ساب .

عدد الصفحات ١٥٣

فاسلموف لا يقولوف بقوؿ آّوس الذين زعموا أنهم ينزىوف ا﵁ عن النقاقص، فجعلوا للكوف خالقبْ، خالقاً للخبّ، وآخر للشر. وعليو فإف ا﵁ ىو الذي بٱل ويرزؽ وبٰيي ويعطي وينفع ويهدي، وىو أيضاً من بٲيت وبٲنع وبٲرض ويضل، فنسبة مثل ىذه الأفعاؿ إليو لتعلقها بطلبقة قدرتو وىيمنتو جل وعز. وأما مسألة تعذيب ا﵁ ب٤ن أضلو وقوؿ القاقلبْ بأنو مناؼ لعدؿ ا﵁، فإب٭ا يصدؽ لو كاف إضلبؿ ا﵁ للناس ابتداء، وىذا ب٧اؿ على عدؿ ا﵁ تبارؾ وتعا بػَعْدَ إِذْ ىَدَاىُمْ حَبٌَّ يػُبػَبَّْْ ب٥َُم مَّا يػَ تػَّقُوفَ إِفَّ ا﵁ُ بِكُلّْ شَيْءٍ عَلِيمٌ[التوبة٘ٔٔ]، فقد خل الناس بٝيعاً على الفطرة موحدين، لذا خطب النبي - صلى ا﵁ عليو وسلم - الناس فقاؿ: «ألا إف ري أمرفٓ أف أعلمكم ما جهلتم ب٩ا علمبِ يومي ىذا .. وإفٓ خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطبْ فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت ب٥م، وأمرتهم أف يشركوا ي ما فَ أنزؿ بو سلطاناً ».ٔ وىكذا فا﵁ عز وجل خل البشر مؤمنبْ، وإب٭ا ضل من ضل باتباع الشياطبْ بإرادتهم واختيارىم. ولتقوـ حجة ا﵁ على عباده فإنو وىبهم العقل؛ ليميزوا بو ببْ سبيل اب٣بّ وسبيل الشر: {[البلدٓٔ]، ولأجل ذلك أرسل إليهم الرسل وأنزؿ الكتب، ولو كانت اب٥داية والإضلبؿ جبرية حتمية ب٤ا كاف من ضرورة لإرساؿ النبي وَمُنذِرِينَ لِذَلبَّ يَكُوفَ لِلنَّاسِ عَلَى ا﵁ِ حُجَّةٌ بػَعْدَ الرُّسُلِ وَكَافَ ا﵁ُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء ٘ٙٔ]. واب٤تأمل في آيات القرآف يرى جلياً أف إضلبؿ ا﵁ ب٥ؤلاء الذين أضلهم كاف بٗقتضى أفعاب٥م السيذة، فقد أضلهم لاختيارىم العماية ورفضهم اب٥داية وتنكبهم طرقها، فا﵁ يضل من اختار الضلبؿ، وفي اب٤قابل ىو يهدي من اختار اب٥دى والرشاد. وقد نبو القرآف على ىذا اب٤عبُ في آيات كثبّة، منها قولو الْفَاسِقِبَْ [الصف٘] (وقد ورد مثل ىذا في آيات كثبّة ذكرت أف ا﵁ لا يهدي الظا والكافرين واب٣اقنبْ وغبّىم ب٩ن تنكب طري اب٢ واختار العماية على اب٥داية.) ، فكاف ( 1 )- مسلم حٕ٘ٙٛ). )،

عدد الصفحات ١٥٤

إضلبؿ ا﵁ ب٥م ومنعو اب٥داية عنهم بسبب زيغانهم، ومثلو قولو مَرَضاً وَب٥َُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بَِٗا كَانُوا يَكْذِبُوفَ[البقرة ٓٔ]. ومثلو حاؿ أولذك الذين صرؼ ا﵁ قلؤّم عن النور واب٥دى بسبب استكبارىم عن قبوؿ ا يػُؤْمِنُوا َِّٔا وَإِف يػَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يػَتَّ خِذُوهُ سَبِيلبً وَإِف يػَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيّْ يػَتَّخِذُوهُ [الأعراؼ ٙٗٔ]. ووف ىذه القاعدة أيضاً أضل ا﵁ من نقض عهده وميثاقو وأفسد في الأرض باب٤عاصييػَقْطَعُوفَ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ أَف يُوصَلَ وَيػُفْسِدُوفَ فيِ الأَرْضِ أُولَذِكَ ىُمُ اب٣َْاسِرُوفَ [البقرة ٕٙ – ٕٚ]، فهذا الفاس يستح الضلبلة بسبب إفساده في الأرض وعملو اب٤شبْ. ويؤكد ىذا اب٤عبُ قولو تعا كَمَا فََْ يػُؤْمِنُوا بِوِ أَوَّؿَ مَرَّةٍ وَنَذَرُىُمْ فيِ طُغْيَانهِِمْ يػَعْمَهُوفَ [الأنعاـٓٔٔ]، وقولو[النحلٖٚ] ، فكل ىؤلاء الذين أضلهم ا﵁ لا يستحقوف ىداية ا﵁ بسبب فعاب٥م القبيحة يػَهْدِي ا﵁ُ قػَوْماً كَفَرُوا بػَعْدَ إِبٲَانهِِمْ وَشَهِدُوا أَفَّ الرَّسُوؿَ حَ ّّ وَجَاءىُمُ الْبػَيػّْنَاتُ وَا﵁ُ لاَ يػَهْ دِي الْقَوْـَ الظَّالِمِبَْ أُوْلَذِكَ جَزَآؤُىُمْ أَفَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ا﵁ِ وَالْمَلآقِكَةِ وَالنَّاسِ أَبَْٝ عِبَْ[آؿ عمراف ٙٛ – ٚٛ]. وكما أف الإضلبؿ نتيجة للضلبؿ [الشورى ٓٗ]، فكذلك ىداية ا﵁ إب٭ا ىي توفي وجزاء ب٤ن اختار طري الطاعة وَاعْتَصَمُوا بِوِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فيِ رَبَْٞةٍ مّْنْوُ وَفَضْلٍ وَيػَهْدِيهِمْ إِلَيْوِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً [النساء ٘ٚٔ]، وَكَذَّبَ بِاب٢ُْسْبَُ فَسَنػُيَسّْرُهُ لِلْعُسْرَ ى[الليل٘ – ٓٔ]. ومثل ىذه اب٤عافٓ البٍ يستنكرىا أىل الكتاب على القرآف وردت في كتبهم، ومنو قوؿ بولس: " لأنهم فَ يقبلوا ب٧بة اب٢ حبٌ بٱلصوا، ولأجل ىذا سبّسل إليهم ا﵁ عمل الضلبؿ حبٌ يصدقوا الكذب، لكي يداف بٝيع الذين فَ يصدقوا اب٢ ، بل سروا بالإثم " (تسالونيكي (ٕ) ٕ/ ٓٔ - ٕٔ).

عدد الصفحات ١٥٥

وبعد ثبوت براءة القرآف ب٩ا نسبوه إليو فإفٓ أتساءؿ والعَجب يلفبِ: ىل جهل أصحاب ىذه الشبهة وجود ما استنكروه على القرآف في كتبهم؟ أفَ يقرؤوا ما جاء في سفر حزقياؿ، وىو من الأسفار اب٤قدسة البٍ يؤمن ّٔا الطاعنوف في القرآف من ال يهود والنصارى: "النبي إذا ضل وتكلم بكلبـ، فأنا الرب أضللت ذلك النبي" (حزقياؿ ٗٔ/ ٜ)؟! (وقد تكرر ىذا في نصوص كثبّة نكتفي بالإشارة إفُ بعضها: انظر: (اب٣روج ٚ/ ٖ)، (الأياـ (ٕ) ٛٔ/ ٕٕ)، (تسالونيكي (ٕ) ٕ/ ٔٔ). )، وفي العهد اب١ديد يذكر بولس أف ا﵁ يقسي قلوب من أراد ضلبب٥م: "ىو يرحم من يشاء، ويقسي من يشاء" (رومية ٜ/ ٛٔ)، فماذا ىم قاقلوف؟ وبعيداً عن التعليل القرآفٓ الذي ذكرناه لإضلبؿ ا﵁ أىل الشر من عباده؛ فإف بولس لا بٯعل اب٥داية والإضلبؿ بسبب اختيار البشر ونتيجة أفعاب٥م، بل يسنده وما يستتبعو من العذاب إفُ ح ا﵁ اب٤طل في فعل ما يشاء، فيقوؿ: "فتقوؿ فِ: ب٤اذا يلوـ بعد؟ لأف من يقاوـ مشيذتو! بل من أنت أيها الإنساف الذي ب٘اوب ا﵁؟ ألعل اب١بْلة تقوؿ ب١ابلها: ب٤اذا صنعتبِ ىكذا؟ أـ ليس للخزاؼ سلطاف على الطبْ أف يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة، وآخر للهواف" (رومية ٜ/ ٛٔ - ٕٔ)، فالإضلبؿ حسب النص الإب٪يلي لا يتعل إلا باب٤شيذة الإب٥ية، وليس بسبب ظلم العباد وضلبب٥م وطغيانهم. ٔ المطلب الثالث : ىل يأمر الله بالفحشاء؟ قالوا: القرآف ينسب إفُ ا﵁ الأمر بالفاحشة في قولو مُتػْرَفِيهَا فػَفَسَقُوا فِيهَا فَحَ َّ عَلَيػْهَا الْقَوْؿُ فَدَمَّرْنَاىَا تَدْمِبّاً [الإسراء ٙٔ]، ففهموا منو أف الآية تقوؿ: ا﵁ أمر اب٤بَفبْ بالفس ، ثم عاقبهم على ذلك! واب١واب:ٔ- فَ يظهر في منطوؽ الآية صربٰاً حقيقة ما أمر بو ا﵁، فالآية تقوؿ: { أمرىم بالطاعة قاؿ ابن منظور: "{ الرطبة من قشرىا: قد فسقت الرطبة من قشرىا، وكأف الفأرة إب٭ا ب٠يت فويسقة ب٣روجها من جحرىا على الناس، والفس اب٣روج عن الأمر وفس عن أمر ربو أي خرج" . (ٕ) ( 1 )- راجع تنزيو القرآف الكرفٔ عن دعاوى اب٤بطلبْ ، منقذ بن ب٧مود السقار ص ٕٕٔ - ٕ٘ٔ ( 2 )- لساف العرب، ابن منظور (ٓٔ/ ٖٛٓ) . مرجع ساب . الناشر: دار صادر – ببّوت الطبعة: الثالثة - ٗٔٗٔ ىػ

عدد الصفحات ١٥٦

ومن ىذا تببْ أف فسقهم ىو خروجهم عن أمر ا﵁ الذي أمرىم بالصافٌ، فخرجوا عن أمره، وا﵁ عز وجل لا يأمر إلا ب الصافٌ، ولا يدعو تبارؾ وتعافُ إفُ الفاحشة ولا إفُ السيء من القوؿ أو الفعل يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتػَقُولُوفَ عَلَى ا﵁ مَا لاَ تػَعْلَمُوفَ[الأعراؼ: ٕٛ]. ٕ- بٗاذا يأمر ا﵁.؟؟ ((اف ا﵁ يأمر بالعدؿ والإحساف وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء واب٤نكر والبغي يعظكم لعلكم تذكروف)) [النحل]ٜٓ ،اف ا﵁ لا يأمر بالفس ولا بالفجور كما بينت الآية التالية واف كلمة الامر بٝعو أمور الامر ىو الشأف في الشيء . ومصدره أمرتو إذا كلفتو بشيء أي التكليف ا﵁ عز وجل يصف الأمر انو أمرىم بالصلبح فكلمة (أمرنا مبَفيها )= أي امرناىم بالطاعة . فماذا بدر منهم ؟ غبّ الامر الذي كلفهم بو ماذا قاؿ؟ قاؿ ففسقوا فيها ((أفمن كاف مؤمنا كمن كاف فاسقا )) [السجدة،ٛٔ] الفسوؽ أعم منالكافر لأنو أخل بٕكم ما ألزمو العقل واقتضتو الفطرة !كذلك عن قولو في سورة الكهف (( ففس عن أمر ربو )) [الكهفٓ٘] ، وىذا يدؿ علي اف الفسوؽ ىو خروج عن طور تكليف واخلبؿ بأمر الزمو اياه اب٤كلف ما بإخلبؿ بٔميع احكامو او ببعضها وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقو ا وخلبصة القوؿ : انو بقولو (وإذا أردنا أف نهلك قرية أمرنا مبَفيها) بٗعبِ رؤساءىا أي بالطاعة علي لساف رسلنا (ففسقو ا فيها) أي خرجوا عن امرنا (فح عليها القوؿ عليها القوؿ) بالعذاب (فدمرناىا تدمبّا) اىلكناىا بإىلبؾ أىلها وبٚريبها فالآية دلالة علي اف ا﵁ سبحانو لا يعذب إلا بعد الانذار والوعيد ،إذ تببْ لنا أف العذاب لا يكوف الا بعد التبياف وبعد اف نببْ ب٥م ما بٯب عليهم. ودلالة قولو تعافُ: {وما كنا معذببْ حبٌ نبعث رسو } [٘ٔ]إخبار عن عدلو تعافُ وأنو لا يعذب أحدا إلا بعد قياـ اب٢جة عليو بإرسا ؿ الرسوؿ إليو ، كقولو تعافُ { كلما ألقي فيها فوج سأب٥م خزنتها أفَ يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزؿ ا﵁ من شيء إف أنتم إلا في ضلبؿ كببّ [}ٛ-ٜ]، وكذا قولو ( وسي الذين كفروا إفُ جهنم زمرا حبٌ إذا جاءوىا فتحت أبوأّا وقاؿ ب٥م خزنت ها أفَ يأتكم رسل منكم

عدد الصفحات ١٥٧

يتلوف عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم ىذا قالوا بلى ولك ن حقت كلمة العذاب على الكافرين [}ٖٚ] إفُ غبّ ذلك من الآيات الدالة على أف ا﵁ تعافُ لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرساؿ الرسوؿ إليو واف يكوف اب٢جة قاقمة عليهم فى حجة ب٥م ب عدـ إبلبغهم .. فالذين رتّبوا الفس على الأمر ليسوا فقط ب٨طذبْ بل متقصدين للخطأ فأمر ا﵁ تعافُ في القرآف لا يكوف إلا بطاعة وخبّ، ولا يأمر سبحانو بفس أو فحشاء، كما ذكر القرآف الكرفٔ، وعلى ىذا يكوف اب٤راد من الآية: أمرنا مبَفيها بطاعتنا وبٗنهجنا، ولكنهم خالفوا وعصوا وفسقوا؛ لذلك ح عليهم العذاب ، فالفهم اب٤ستقيم للآية أنهم فسقوا فأراد ا﵁ إىلبكهم. و(قرية) أي أىل القرية. وقولو: كما قاؿ تعا على الذين فسقوا " ٖٖ} "[يونس] ،وقد أوجب ا﵁ ب٥ا العذاب لتسلم حركة اب٢ياة، وليحمي اب٤ؤمنبْ من أذى الذين لا يؤمنوف بالآخرة. المطلب الرابع : ىل يتحسر الله؟ قالوا: نسب القرآف إفُ ا﵁ التحسر في قولو إِلاَّ كَانُوا بِوِ يَسْتػَهْزِقُوف[يسٖٓ]، والتحسر أشد الندـ، فهل ا﵁ يتحسر؟ واب١واب: أف الآية فَ تذكر مطلقاً صدور اب٢سرة من ا﵁، بل بٙكي بٙسر الكافرين على تكذيبهم الرسل وىم يلقوف في النار، ولو كاف التحسر من ا﵁ ػ عياذاً با﵁ من ىذا اب٤عبُ ػ فإف ا﵁ قادر على إخراجهم من النار وإدخاب٥م اب١نة؛ فهذا أوفُ لو من التحسر الذي يصنعو من لا بٲلك حيلة ولا دفعاً ب٤ا يتحسر عليو. وىذا اب٤عبُ فهمو مفسرو الإسلبـ ونقلوه عن التابعبْ، قاؿ ابن كثبّ: "قاؿ قتادة حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ في جنب ا﵁ ... ومعبُ ىذا: يا حسرتهم وندامتهم يوـ القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل ا﵁، وخالفوا أمر ا﵁" (ٔ). قاؿ ابن عباس ( ٔ ) - (تفسبّ القرآف العظيم، ابن كثبّ ( ٙ/ ٗٚ٘)) مرجع ساب .

عدد الصفحات ١٥٨

ويصدؽ ىذا قوؿ ا﵁ تعا وَإِ ف كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر ٙ٘]، فاب٤تحسر ىو الكافر، لا ا﵁ عز وجل، فبطلت الشبهة واستباف اب٢ ب٤ن ألقى السمع وىو شهيد. والعجب أف كتب أصحاب ىذه الشبهة لا بٛل من كثرة نسبة التحسر والندـ إفُ ا﵁ تعافُ، ومن ذلك أف الرب قاؿ: "ندمتُ على أفٓ جعلتُ شاوؿ ملكاً، لأنو رجع من وراقي، وفَ يقم كلبمي " (صموقيل ( ٔ) ٘ٔ/ ٓٔ)، وأنو رفع عن ببِ إسراقيل العذاب بيد أعداقهم "لأف الرب ندـ من أجل أنينهم " (القضاة ٕ/ ٛٔ). (ٔ) المطلب الخامس : ىل الكبر صفة محمودة حتى يصف القرآن الله سبحانو بها ؟ قالوا: الكبر صفة مذمومة ينفر منها العقلبء، ومع ذلك فإف القرآف يصف ا﵁ ويسميو باب٤تكبر في قولو الْعَزِيزُ اب١َْبَّارُ الْمُتَكَبػّْرُ سُبْحَافَ اللَّوِ عَمَّا يُشْرِكُوفَ }[اب٢شرٖٕ]. واب١واب: بداية فإف ا﵁ عز وجل وصف نفسو وب٠اىا في القرآف الكرفٔ بأب٠اء وصفات اب١ماؿ واب١لبؿ والكماؿ، ب٩ا يلي بٔلبؿ ا﵁ وعظمتو. وىذا اب٤عبُ يلبزـ صفات ا﵁ ، وإف دلت ىذه الصفات على غبّ الكماؿ واب١لبؿ حبْ تضاؼ إفُ العباد؛ فإف الاسم في إطلبقو على ا﵁ يتعافُ عن كل معبُ مشبْ. وقد ب٠ى ا﵁ تعافُ نفسو باب٤تكبر لتعاليو وتنزىو عن كل النقاقص واب٤عايب، قاؿ قتادة: "تكبر عن كلّ شر" (ٕ). ولو تساءلنا عن معبُ الكبر في لغة العرب؛ لوجدنا اب٤رتضى الزبيدي بٯيب بالقوؿ: "الكِبر: الرفعة والشرؼ ... والتكبر والاستكبار: التعظم .. "، وا﵁ عز وجلَّ مستح للرفعة والشرؼ والتعظم، بل لو من ذلك أكملو وأبٛو. ( ٔ ) - تنزيو القرآف الكرفٔ عن دعاوى اب٤بطلبْ ، منقذ بن ب٧مود السقار ص ٕٚٔ ( ٕ ) - (جامع البياف، الطبري (ٖٕ/ ٕٖٓ).) مرجع ساب .

عدد الصفحات ١٥٩

قاؿ ابن الأثبّ: "اب٤تكبر والكببّ أي العظيم ذو الكبرياء، وقيل: اب٤تع افِ عن صفات اب٣ل ، وقيل: اب٤تكبر على عتاة خلقو .. والكبرياء العظمة واب٤لك، وقيل ىي عبارة عن كماؿ الذات وكماؿ الوجود، ولا يوصف ّٔا إلا ا﵁ تعافُ" . (ٔ) وأما كِبر الإنساف فهو مذموـ - باب١ملة - إذا طلب فيو الإنساف ما لا يستحقو، فالناس سواسية، لا يتميز بعضهم على بعض إلا بقدر ما أنعم ا﵁ بو على الواحد فيهم، فمن كاف ىذا حالو؛ فحقو اب٤زيد من التواضع والصَّغار ﵁ اب٤نعِم، لا التباىي والكبر على عباد ا﵁، يقوؿ الزبيدي: " الكبر والتكبر والاستكبار متقاربة، فالكبر: حالة يتخصص ّٔا الإنساف من إعجابو بنفسو، وأف ير ى نفسو أكبر من غبّه" (ٕ)، فمثل ىذا الكبر مذموـ؛ لأف البشر متساووف، فتعظم يعضهم واستكبارىم على بعضهم غبّ مستح ، فلح صاحبو الذـ. كما أف من كِبر العباد ما ىو ب٩دوح ؛ كاستكبارىم واستعلبقهم عن الذنوب والدنايا واب٣ساقس، فالعاقل يتكبر ويبَفع على مواقعتها، و تكبره عليها غبّ مذموـ. ومن الكبر غبّ اب٤ذموـ ما يقع طبيعة؛ كاستكبار الإنساف على غبّه من اب٢يوانات، فبّى أنو أفضل منها وأعلى، وأنو أح باب٢ياة منها، وأف حياة كثبّ منها رىن مصلحتو وحاجتو، وأنو الأح بٗنافع الكوف اب٤سخر لو، فاستكباره عليها وتكبره بذبٕها وإىدار مصاب٢ها ليس بٗذموـ؛ لأنو حقو، فإذا كاف كذلك؛ فتكبر ا﵁ اب٤نعم على عباده أوفُ. (ٖ) المطلب السادس : ىل الله لا يعلم الأشياء إلا بعد حدوثها؟ قالوا: القرآف ينسب إفُ ا﵁ أنو لا يعلم الأشياء إلا بعد حدوثها، واستدلوا بآيات، منها قولوفَ ا﵁ُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَفَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [الأنفاؿٙٙ]، وقولو جَعَلْنَا الْقِبػْلَةَ الَّبٍِ كُنتَ عَلَيػْهَا إِلاَّ لِنػَعْلَمَ مَن يػَتَّبِعُ الرَّسُوؿَ ب٩َِّ ن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبػَيْوِ [البقرة ٖٗٔ]. واب١واب: أف القرآف نسب إفُ ا﵁ الع لم اب٤طل بكل شيء، فهو الذي يعلم ما كاف وما سيكوف، وما فَ يكن لو كاف كيف يكوف، والآيات القرآنية في ىذا الصدد لا تكاد بٙصى لكثرتها، منها قولو[البقرة ٖٕٔ]، وقولو ( ٔ ) - ( لساف العرب، ابن منظور (٘/ ٕ٘ٔ). ) مرجع ساب . ( ٕ ) - (تاج العروس، الزبيدي (ٖ/ ٗٔ٘).) مرجع ساب . ( 3 )- تنزيو القرآف الكرفٔ عن دعاوى اب٤بطل ، منقذ بن ب٧مود السقار ص ٕٔٛ – ٜٕٔ مرجع ساب .

عدد الصفحات ١٦٠