المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحل الإسلامي لمعالجة التطرف والغلو المادي والديني

سيد مبارك

صفحة ٦ من ١٥

81 وفي هذه الطبقات من الغلو والدواهي أفظع مما ذكرناه هنا كمثال ففي طبقات ال شعراني سرد لقصص خيالية وكرامات وهمية من وحي الشياطين يعجز العقل عن تصديقها لما فيها من كفر وشرك وتخاريف ومع ذلك لا يري الشعراني حرج في وصف صاحبها بأنه ولي من أولياء الله تعالي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيْ. - ومنها فصوص الحكْ لابن عربي وهو من غلاة المتصوفه سموه بالشيخ الْكبر والكبريت الاحمر ويُعدُّ كتابه الفصوص من أعظْ كتب ابن عربيّ ، ، وقد نظمه في سبع وعشرين فصًّا ، ابتدأها بفصّ حكمة إلهيّة في كلمة آدميّة ، ، ثمَُّ ختمها بفصّ حكمة فرديّة في كلمة محمَّدية. وفيه من الزّندقة والغلو والانحراف عن العقيدة الصحيحة الشّيء الكثير. ولنتأمل نماذج من في كتابه الفصوص عن وحدة الوجود لندرك مدي انحراف الرجل بفكره عن الشريعة الربانية لشريعة من وحي هواه تنبعث منها رائحة الكفر البواح فلا عجب أن علماء الْمة سلفا وخلفا اتفقوا علي ضلالته وكفره: -قال "ابن عربي" في الفصوص "فص (4) بعنوان: حكمة قدوسية في كلمة إدريسية:"ما مختصره:"ومن أسمائه العلي: على من، وما ثم إلا هو، فهو العلي لذاته أو عن ماذا؟ وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه، ومن حيث الوجود فهو عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليس إلا هو ". (180 ) -ونموذج آخر في فصوص الحكْ صرح ابن عربي أَنَّ الولاية أعظْ من النّبوّة ، ومن كلامه في ذلك قوله : مقام النّبوّة في برزخٍ.......فويق الرَّسول ودون الوليّ (181) 180 -انظر كتاب "فصوص الحكْ" لابن عربي الصو -(ص/76)- نشردار الكتاب العربيّ بيروت لبنان -الطّبعة الثّانية 1400 ه ،-تحقيق أبي العلاء عفيفي. 181 -انظر المرجع السابق ص/ 134

عدد الصفحات ٨٢

82 - ونموذج ثالث وبالتحديد في الفصّ الرَّابع " فصّ حكمة قدّوسيّة في كلمة إدريسيّة : " إِنَّ الحقّ المنزَّه هو الْل ق المشبَّهة "( 182) ويقصد بقوله : " الحقّ المنزّه " الله تبارك وتعالى ، والمعني : لا فرق بين الْالق والمخلوق ، وهذه عقيدة أصحاب وحدة الوجود. وما ذكرناه هنا من كتابه الفصوص دليل علي ضلال الرجل وقوله بالحلول و و حدة الوجود بكلام سقيْ منحرف عن العقيدة الصحيحة حتي قال ابن تيمية-رحمه الله - في مجموع الفتاوي ما مختصره: فأما أصل ابن عربي فهو أن الوجود واحد وأن الوجود الواجب هو عين الوجود الممكن والقول بأن المعدوم شيء وأعيان المعدومات ثابتة في العدم ووجود الحق قاض عليها فوجود كل شيء عين وجود الحق عنده وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. -وقال عنه ايضاَ في موضع آخر من الفتاوي : و قال عنه من عاينه من الشيوخ: إنه ك ان كذابا مفتريا وفي كتبه - مثل الفتوحات المكية وأمثالها - من الْكاذيب ما لا يُفى على لبيب - هذا وهو أقرب إلى الإسلام من ابن سبعين ومن القونوي والتلمساني وأمثاله من أتباعه فإذا كان الْقرب بهذا الكفر - الذي هو أعظْ من كفر الي هود والنصارى - فكيف بالذين هْ أبعد عن الإسلام؟ ولم أصف عشر ما يذكرونه من الكفر.اه (183) قلت: وكثيراً من هذه السطحية والكلام السقيْ الْبيث الذي يكذب الرسل في إخبارهْ عن الله والغيب طافح في كتب هؤلاء القوم ، وعموماً لا حجة لْحد في أتباع هؤلا ء ولو من باب الجهل فالله تعالي لم يبح لهْ ويأمرهْ به بل بالعلْ وسؤال أهله لما أشكل 182 - انظرالمرجع السابق ص/ 78 (183) - انظر " مجموع الفتاوى" لابن تيمية 2 /121)-تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسْ - نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية -سنة: 1416ه1995م

عدد الصفحات ٨٣

83 عليهْمن أفعال وأقوال فقال –جل شأنه-: { فَاس أَلُوا أَه لَ الذِّك رِ إِن كُن تُْ لاَ ت َع لَمُونَ }(184) ونري علاج هذه المسألة بما بأمرين -الْمر الْ و ل: بيان حقيقة التوحيد للناس بأنواعه الثلاثة توحيد الالوهية والربوبية والاسماء والصفات بكل الوسائل المتاحة ليفقه حقيقته الجميع ونبينها هنا بإيجاز شديد: 1-(توحيد الربوبية .. أي لا رب سواه وإفراده سبحانه و تعالي بالْلق، والملك، والتدبير.. قال تعالي:{هَل مِن خَالِقٍ غَي رُ اللَّهِ ي َر زُقُكُْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْ َر ضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنىَّ ت ُؤ فَكُونَ }(185) 2- ( توحيده الْلوهية ..أي لا اله سواه وإدراك أن من يشرك به وماوت علي ذلك مصيره النار.. لقوله تعالي:{ وَاع بُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُش رِكُوا بِهِ شَي ئًا } (186) 3-( توحيد الْسماء والصفات )..أي إفراد الله سبحانه و تعالي بما سمي ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلْ ، مثل صفة الن زول من السماء والضحك والفرح والعجب واليد والعين والرجل..الخ ، وذلك بإثبات ما أثبته سبحانه و تعالي لنفسه وما أثبته له رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَي هِ وَسَلََّْ من غير تحريف، ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ، ولا تمثيل لقوله تعالي:{ لَي سَ كَمِث لِهِ شَي ءٌ وَهُوَ السَّمِي عُ ال بَصِيرُ }(187).. ومما المسه واسمعه منكثير من الناس من العامة والْاصة اصحاب الْلفية الدينية ومن لا خلفية له نلمس أدراكهْ لمفهوم توحيد الْ لوهية والربوبية ولكنهْ يجهلون ت وحيد (184) – الْنبياء:7 185 -فاطر3 (186) - النساء36 (187) - سورة الشورى 11

عدد الصفحات ٨٤

84 الْسماء والصفات ويلحدون في أسمائه دون قصد وفي حاجة شديدة من أهل العلْ في بيان هذا النوع بالذات من التوحيد . -الْمر الثاني: بيان حقيقة أو لياء الله و أو لياء الشيطان ومن هو علي حق ومن هو علي باطل وبيان شطحاتهْ بالدليل الشرعي وما علي الرسول إلا البلغ وتوزيعها ونشرها بكل وسيلة ممكنة وأفهام العباد بأن العبرة بتحكيْ الشريعة وطاعة لله ورسوله وليس بكلام من وحي الهوي كما ق ال تعالي:{فَأَمَّا الزَّبَدُ ف َيَذ هَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا ي َن فَعُ الناسَ ف َيَم كُثُ في الْ َر ضِ كَذَلِكَ يَض رِبُ اللَّهُ الْ َم ثَالَ }(188) -قال الحافظ ابنكثير-ما مختصره : { فَأَمَّا الزَّبَدُ ف َيَذ هَبُ جُفَاءً } أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح . وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب، لا يرجع منه شيء ، ولا يبقى إلا الماء وذلك الذهب ونحوه ينتفع به؛ ولهذا قال: { وَأَمَّا مَا ي َن فَعُ النَّاسَ ف َيَم كُثُ في الْر ضِ كَذَلِكَ يَض رِبُ اللَّهُ الْم ثَالَ } كما قال تعالي:{ وَتِل كَ الْم ثَالُ نَض رِب ُ هَا لِلنَّاسِ وَمَا ي َع قِلُهَا إِلا ال عَالِمُونَ }(189).اه (190) 7- حب الزعامة والمقام والْمارة تدفع المرء لْداع الناس وهذا السبب مرض نفسي يصيب قلوب بعض ضعاف الإماان ممن أصابهْ نوع من الشعور بالعظمة والعبقرية ويكون هذا المرض فتاك لو كان هدفه ديني وليس دنيوي لْن الديني يبتغي صاحبة السمع والطاعة والمكانة وقطعاً لو كان جاهلاً بأحكام الشريعة متساهلاً فيها فسوف يكون خطره عظيْ فكل الشطحات والطامات في الشرك التي (188) –الرعد 17 (189) - العنكبوت43 (190) - انظر "تفسير القرآن العظيْ "للحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي 4 /447 )- تحقيق سامي بن محمد سلامة-دار طيبة للنشر والتوزيع –الطبعة الثانية (1420ه- 1999 م

عدد الصفحات ٨٥

85 وقع ومازال يقع فيها الكثير من العامة والْاصة الجاهلين بالعلْ الشرعي سببه أهل الْهواء وحبهْ للزعامة والْمارة. وجدير بالذكر هنا كما يقول أهل الطب النفسي أن حب الزعامة شهوة مرتبطة ار تباطا وثيقا بحب الظهور والسيطرة وصاحبها حريص كل الحرص عليها وهذا كما لا يُفي غلو وانحراف عن تحكيْ الشريعة فقد حذر منها رسول الله صل ى الله عليه وسلْ بقوله " إِنَّكُْ سَتَح رِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ ، وَسَتَصِيرُ نَدَامَةً وَحَس رَةً ، فَنِ ع مَ تِ ال مُر ضِعَةُ ، وَبِئ سَتِ ال فَاطِمَةُ " (191) ولي تجربة شخصية مع شيخاً من أدعياء العلْ ومحب الإمارة والزعامة وكان مناعضاء جماعة التبليغ والدعوة بمنطقة الطوابق بفيصل في محافظة الجيزة بمصر حيث كنت اسكن هناك لمدة تزيد عن 25 سنة وكنت معروفا ككاتب وداعية ولي الكثير من المحب والمريدين في المنطقة ولله الحمد والمنة، وانفصل الشيخ عن الجماعة أو ك ما سمعت طردوه منها لشطحاته، واتخذ المسجد الذي اصلي فيه كمكان لْ قامته هو ومن أتبعه ممن يقتنعون بفكره وشطحاته حتي أن أحد اتباعه الجدد من العاطلين الذين لا عمل له سألني مرة هل أخرج معه في سبيل الله تعالي أنه وعدني بمبلغ مائتان جنيهاً كل شهر فهل هذا حرام؟ ورغْ تحفظاتِ على أسلوب هذه الجماعة وطريقتها في الدعوة ولكن اشهد الله أنهْ أخوة لنا في الله وعلي خلق ممن عرفتهْ شخصياً ، ومن أهل أيثار و الكرم و غير ذلك من الآداب الإسلامية. ورداً على سؤال هذا الحائر قلت له: أن اردت ان تخرج لاقتناعك بهذه الطريقة في الدعوة فلا تخرج إلا لله -تعالي-لا تبتغي بذلك أجراً من أحدٍ ، ثم لاحظت أنا وغيري (191) - أخرجه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 7148)- باب ما يكره من الحرص على الإمارة -تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه

عدد الصفحات ٨٦

86 من رواد المسجد الذي نصلي فيهأن الصلاة تقام وتنتهي بسرعة عجيبة ولم أدرك بعضها أكثر من يوم فصليتها في مسجد آخر مازال الصلاة فيه قائمة ثم بدأت أسمع عن شطحات وأوهام ومنامات يقولها الناس عنه لا أدري صحتها . وكانت الطامة الكبرى عندما انفرد بي يوماً بعد الصلاة يسألني الانضمام لجماعته الوليدة لْنهْ في حاجة لداعية معروف في المنطقة يتبعه الناس لتنشيطها. فقلت له: ليس من طبيعتي وقناعتي الانضمام لجماعة غير جماعة المسلمين ومن باب الفضول قلت: له وماذا أن فعلت قال بثقة ادهشتني: لو فعلت والله العظيْ أنت من أهل الجنة –قالها حرفياً ؟ وكنت لا أدرى ماذا أقول؟ أأضحك أم ابكي. الله تعالي يقول للنبي-صلي الله عليه وسلْ-:{ قُل مَا كُن تُ بِد عًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَد رِي مَا ي ُف عَلُ بيِ وَلاَ بِكُْ إِن أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليََّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ }.(192). وهويقسْ لي بالله العظيْ أنني من أهل الجنة أن خرجت معه وكأنه نبي يو حي إليه! حقاً أن حب الزعامة والسيطرة تجعل علي القلب غشاوة فلا يهتدي بهدي الله -تعالي- ، ثم ما لبثت الْيام أن دارت وتم ا لقبض عليه هو وجماعته من جهاز الْ من المصري و نشرت المجلات والجرائد خبر القبض لادعائه أنه المهدي المنتظر ! وانتشرت قصص وحكايات ومنامات اعضاء هذه الجماعة التي كونها بماله بر ؤيتهْ لهذا الشيخ وهو يأخذ الناس لسفينة كسفينة نوح –عليه السلام-وينجو ومن معه وتغرق مصر كلها في طوفان و كثير من هذا الهذيان وصدق هو كل هذا . فالحاصل أن حب الزعامة في الدين وغيره لمجرد السيطرة والفخر مرض نفسي و هو يؤدي للغلو والانحراف والتخبط . (192) -الْحقاف9

عدد الصفحات ٨٧

87 -يقول صاحب كتاب " مشكلة الغلو في الدين" مبيناً أثر التركيبة النفسي ة علي السلوك ما مختصره : أن كثيراً من الاختلال النفسي عائد إلى الضغوط التي يتعر ض لها الإنسان، و الإنسان لا يولد معوج النفس بل تتشكل نفسيته بحسب التربية والظروف التي يتعر ض لها. انه قد توجد قابلية نسية عند بعض الغلاة، حيث استجابوا للضغوط، فنتجت ردة الفعل ( الغلو) وخصوصا عند فئة الشباب ، إذ انهْ أكثر فئات المجتمع تعرض ا للوقوع في الغلو، لهذه الفئة من الإمكانات والطاقات مع ضعف التجربة وقلة التعلْ . ان الغلو ماثل رد فعل ، أو افرازا طبيعيا لسلسة من المشكلات الثقافية الاجتماعية والسياسية والاقصادية، إذ وقع الغلاة تحت التأثير الشديد للضغوط في هذه ىالمجالات. اه (193) قلت ولا يعيب أن هناك من الزعماء والحكماء من تولي الإمارة علي غير رغبة منهْ أو سعي لها وكانت أمارتهْ وفترة حكمهْ شرفاً للأمارة والزعامة نفسها واستطاعوا أن يجمعوا بين رضا الله وتطبيق شرعه دون غلو أو انحراف وبين العدل بين الناس والرضا بالسوية والفاروق عمر بن الْطاب-رضي الله عنه-وأمارته مثال لا تخطئه العين لمن تدبر التاريخ جيداً. وأحري بالمسلْ السوي أن يُاف منها ويتجنب ها كما هو حال السلف في رفضها وكما ثبت علي النبي-صلي الله عليه وسلْ –مما روي عنه أَبيِ موسى الَْشعرِي ، رَضِيَ اللَّهُ عَن هُ قَالَ : " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلْ. أنا ورجلان من بني عمي . فقال أحد الرجلين : يا رسول الله ! أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل . وقال الآخر مثل (193) - مشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر: الْسباب- الآثار – العلاج (ص:42 )- د عبدالرحمن بن معلا اللويحق. - الطبعة: الثانية 1420ه--طبع 1999 مؤسسة الرسالة -بيروت-المصدر مكتبة الالوكة

عدد الصفحات ٨٨

88 ذلك. فقال " إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه" (194) قلت: وعلاج هذه المسألة بأمرين ثالث لهما: -او لهما: مناصحة هؤلاء المخدوعين المحبين للأمارة وليس أهلاً لها من علماء الْمة من باب النصيحة وأنها –أي الْمارة -ليس تشريف اً بل مسئوليتها جسيمة وأمانة في أعناقهْ يسألون عنها يوم القيامة. -وثانيهما: تطبيق مبدأ الثواب والعقاب الشرعي للخارجين عن الدين أن ظهرت الن زعة الإجرامية والدعوة للفتنة للسيطرة علي الناس وفرض هيمنتهْ وذلك لردع هْ بالوسيلة التي يراها أهل الحل والعقد ليكونوا عبرة لغيرهْ، فأن كان أهل الحل هْ أنفسهْ من المخدوعين الْارجين عن الحدود الشرعية فليس هناك إلا النصيحة والمشورة لحرمة الْروج عليهْ إلا عند الكفر البواح الذي لنا فيه عند الله برهان. وقد اطلنا في بيان هذه الغلو والانحراف العقدي لْهميته في اصلاح العقيدة وخلوها من الشرك ونطرح هنا النوغ الثاني من الغلو وهو الغلو الجزئي أو العملي والانحراف به عن الشريعة والله المستعان. 2- الغلو والانحراف الفكري الدي الجزئي أو العملي : الغلوّ الجزئي أو العملي هو ما كان غلواً أو انحرافاً في جزئية من جزيئات الشريعة و متعلقاً بباب الْعمال دون الاعتقاد ومن ثم فهو محصور في جانب الفعل سواء أكان قولاً باللسان أم عملاً بالجوارح. (194) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صل ى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ ( 1733)- باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م

عدد الصفحات ٨٩

89 والمقصود به ما كان واقعا في دائرة الْحكام الشرعية الْمسة وهي الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم، والإباحة. فمن جعل المندوب بمن زلة الواجب، أو المكروه بمن زلة المحرم، أو جعل المباح مكروها أو محرما فقد غلا في الدين وانحرف عن الصراط المستقيْ. يقول ابن تيمية-رحمه الله -في الاقتضاء ما مختصره: "والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمن زلة الواجب والم ستحب في ا لعبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمن زلة المحرم والمكروه في الطيبات".اه (195) قلت: والغلو والانحراف العملي له أسباب كثيره ومظاهر عديدة أذكر منه ما على سبيل المثال وبصفه إجمالية أمرين : 1-من المظاهرالتشديد علي النفس في عبادة من العبادات بطريقة زائدة ع ما ورد في الشريعة . وذلك كمن يُصص اياماً للصيام لم ترد في الشرع كالعيدين ويوم الشك في رؤية شهر رمضان وغير ذلك فالعيدين محرم الصيام فيهما ويوم الشك منهي عن صيامه إلا لعادة كما هو معلوم في كتب الفقه. ومثال آخر كالذي يعتزل النساء ويرفض الزواج مع قدرته عليه بحجة التفرغ للعبادة فهو يُالف قول النبي وحثه للشباب علي الزواج أن استطاع الباء وكذلك نهيه فمثل هؤلاء ينطبق عليهْ حديث الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي وسبق ذكره سلفاً وكذلك نهيه-صلي الله عليه وسلْ –لعثمان بن مظعون -رضي الله عنه - من الت بتُّل (196)فكل هذا وغيره وسواء في العقيدة أو العبادات أو المعاملات أو غير ذلك مما (195) -انظر اقتضاء الصراط المستقيْ لمخالفة أصحاب الجحيْ1/332 )-لشيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق :ناصر عبد الكريم العقل-الطبعة السابعة-نشر دار عالم الكتب-1419سنة ه-1999م (196) - والحديث في الصحيحين ورواية مسلْ عن طريق عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه ، قال: «رد رسول الله صلى الله عليه وسلْ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا»- (برقْ/ 1402)- باب استحباب النكاح

عدد الصفحات ٩٠

90 فيه أمر ونهي من الشرع وسواء بالإفراط أو التفريط فهو تشدد وغلو وانحراف فكري مذموم قطعاً. -يقول الامام الشاطبي رحمه الله في " الاعتصام " :الاقتصار على الشبع في المأكول من غير عذر تنطع. والاقتصار في الملبوس على الْشن من غير ضرورة، من قبيل التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه . وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي: أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: اع دِني على أخي عاصْ. قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد النسك. فقال علي رضي الله عنه: علي به. فأتى به مؤتزر بعباءة، مرتديا بالْخرى، شعث الرأس واللحية. فعب س في وجهه، وقال: ويحك! أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات، وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه {وَالْ َر ضَ وَضَعَهَا لِلأ َنَامِ } إ قوله {يَُ رُجُ مِ ن هُمَا اللُّؤ لُؤُ وَال مَر جَانُ }(197) أفترى الله أباح لعباده إلا ليبتذلوه، ويحمدوا الله عليه، فيثيبهْ عليه؟ وإن ابتذالك نعْ الله بالفعل خير منه بالقول. اه (198) 2-ومن الْسباب انتشار البدع ومحدثات الْمور وضياع السنن : وهذا أمر ملموس علي المستوي الاعتقادي والعملي فما من بدعة أحدثها الناس إلا وقد اضاعوا من السنة مثلها وهذا السبب ينبع من السبب الْول فأي زيادة في الدين تعد اتهاماً له بالنقص، وأي حذف من الدين؛ يعد هذا الحذف اتهاماً له بالزيادة، وهذا لمن تاقت نفسه إليه -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م (197) - الرحمن 10-22 (198) - انظر كتاب" الاعتصام" للشاطبي مختصراً1/442-443)- تحقيق: سليْ بن عيدالهلالي-نشر دار ابن عفان، السعودية -الطبعة: الْولى، 1412ه- 1992م

عدد الصفحات ٩١

91 كله يُالف قوله –عز وجل –:{ ال ي َو مَ أَك مَل تُ لَكُْ دِينَكُْ وَأَتم َم تُ عَلَي كُْ نِ ع مَتيِ وَرَضِيتُ لَكُُْ الإ ِس لاَمَ دِينًا }(199) -قال ابن كثير في بيانها ما مختصره هذه أكبر نعْ الله، عز وجل، على ه ذه الْمة حيث أكمل تعالى لهْ دينهْ، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهْ، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الْنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُل ف، كما قال تعالى: { وَتمََّت كَلِمَتُ رَب كَ صِد قًا وَعَد لا }(200) أي: صدقا في الْخبار، وعدلا في الْوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهْ تمت النعمة عليهْ ؛ ولهذا قال تعالى { ال ي َو مَ أَك مَل تُ لَكُْ دِينَكُ ْ وَأَتم َم تُ عَلَي كُْ نِع مَتيِ وَرَضِيتُ لَكُُْ الإس لامَ دِينًا } أي: فارضوه أنتْ لْنفس كْ، فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله الكرام، وأن زل به أشرف كتبه . اه (201) قلتفالدين تام ومكتمل؛ فالإضافة له بدعة والحذف منه بدعة ولقد حذر النبي – صلي الله عليه وسلْ – من الحدث في الدين ما ليس منه فقال" أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وإن أفضل الهدي هدي محمد وشر الْمور محدثاتها وكل محدثة بد عة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، أتتكْ الساعة بغتة بعثت أنا والساعة هكذا صبحتكْ الساعة ومستكْ أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلى وأنا ولي المؤمنين " (202) (199) - المائدة3 (200) - الْنعام115 (201) - تفسير القرآن العظيْ للحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي 3 /26 )-تحقيق سامي بن محمد سلامة-دار طيبة للنشر والتوزيع –الطبعة الثانية (1420ه- 1999 م (202) - انظر صحيح الجامع الصغير وزياداته"الفتح الكبير"(برقْ 1353)- لمحمد ناصر الدين الالباني- نشر المكتب الإسلامي-دمشق- الطبعة الثالثة سنة1408ه-1988م

عدد الصفحات ٩٢

92 قلت ومحدثات الْمور كما يقول أهل اللغة والعلْ هي: ما ابتدعه أهل الْهواء من الْشياء التي كان السلف الصالح على غيرها، أو هو ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. ومن البدع المنتشرة بين الناس علي هذا المعني ولا أصل لها في الشرع كمثال الاحتفال بالمولد النبوي والْعياد التي لم يشرعها الدين كعيد رأس السنة وعيد الحب و عيد الْم وقولهْ عند الوضوء ادعية مبتدعة مثال ذلك عند غسل اليد يقال "مان كتابي" أو عن د غسل الوجه "بيض وجهي "، وفي الحج من البدع تخصيص دعاء لكل طواف، وغير ذلك كثير . والحاصل مما ذكر أن وسطية الإسلام واعتداله في التعبد لله تعالي تخالف كل من ينتهج الغلو العملي وينحرف فكرياً فيه ويتبني التشدد والتنطع علي ما جاء في الشريعة من التيسير والرخص للتخفيف علي العباد. *علاج الغلو العملي بتحكيْ الشريعة الربانية : مما سبق بيانه عن الغلو العملي نطرح هنا العلاج الشرعي لكل مظاهره واسبابه بصفة إجمالية في ثلاث طرق علي الْقل كما يلي: الطريقة الاولي : نشر السنة الصحيحة وما يقابلها من البدعة المنتشرة للتحذير منها وبيان حكمها لمن ينتهجها وتلك مهمة العلماء والدعاة والباحثين في جميع وسائل الإعلام ولا يُفي أن في تسهيل أهل الحل والعقد لْهل الاختصاص المؤهلين للتصدي لهذه البدع ووضع آليات التنفيذ مع إخلاص النية لله تعالي له أكبر الْثر في تحجيْ وكبح جماح اهل الاهواء والبدع أما تهميش دور أهل التخصص والمؤهلين بالتضييق عليهْ وترك اشباه العلماء يفتون ولا ينكرون ويزيدون ويكثرون من الحدث في الدين والتحريض عليه مع تأويل النصوص ليوافق هواهْ والتهكْ علي السنة الصحيحة ومن يدافع عنها

عدد الصفحات ٩٣

93 فأخشي أن ينطبق عليهْ قول الله تعا{ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سمَِ ع نَا وَهُْ لاَ يَس مَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِن دَ اللَّهِ الصُُّّْ ال بُك ُْ الَّذِينَ لاَ ي َع قِلُونَ }(203) الطريقة الثانية : المناظرة الحتمية مع أهل البدع ممن ينتهج مسار الابتداع ويدافع عنه من اشباه العلماء وهْ في كل عصر ومصر أن لم يقبلوا النصح من العلماء الثقات وتكبر وا وجاهروا ببدعتهْ وحبذا لو أنشأ أولي الْمر لجنة من أهل التخصص وتكون منعقدة دوماً وظيفتها الرد علي كل بدعة تنتشر بين الناس وفضحها علانية بكل الوسائل الإعلامية المتاحة مثل القنوات الفضائية والمحلية والمواقع الإلكترونية والندوات والْطب المنبرية والدروس الدعوية وأماكن احتفالات أهل البدع ممن شجعوهْ علي ذلك وغير ذلك من الوسائل لمحاربة الله ورسوله -صلي الله عليه وسلْ-سواء بقصد أو جهل منهْ طالما لم يرتدعوا عن المجاهرة بالبدع ولم تنفعهْ النصيحة فينبغي كشف أباطيلهْ ورد شبهاتهْ أمام الناس الذين يستمعون لهْ ويصدقهْ بعضهْ للتحذير منهْ ومن اتباع ضلالتهْ وبدعتهْ لا بقصد التشفي أو الطعن فيهْ؛ فإنَّ هذه النية قد تحول هذا العمل إلى معصية، و إنما يكون المقصد ابتغاه وجه الله -تعالي- ونفع الناس وإبعادهْ عن الشر وما يضرهْ في دينهْ ودنياه. فأن لم يسمح أولياء الْمور لسبب من الْسباب بمثل هذا الرد سواء عن طريق أهل التخصص الغيورين علي الدين أو غير ذلك من الوسائل لْنهْ يريدون ويشجعون هذه البدع لسبب من الْسباب فليكن الإعلام الإسلامي البديل الذي يزيد يوماً بعد يوم بفضل الله ومنته ممن يدافعون علي السنة ويُافون علي الدين من أهل البدع والْرافات وانحرافات هؤلاء الدعاة والعلماء من أهل الدنيا والسلطان. وينبغي التحذير هنا أن لا يسمح بالظهور والحديث لمن يدعي العلْ من أشباه العلماء ممن يكثرون من مناظرة أهل البدع من أجل الشهرة والمال وهْ غير علماء الدنيا (203) - الْنفال22:21

عدد الصفحات ٩٤

94 والسلطانفقد ينخدع بصلاحهْ الظاهر ي الناس بحسن الظن فيهْ علي الرغْ من أ نهْ يجهلون فقه الشريعة وأصولها وقواعدها والعقيدة الصحيحة التي انتهجها النبي-صلي الله عليه وسلْ- واصحابه من بعده حتي وصلت إلينا صافية نقية من شوائب الشرك فيزيدون الطين بلة كما يقولون فينكرون علي هؤلاء أمور قد تكون صحيحة في الشرع ولها أصل للإنكار علي هؤلاء بدلاً من مطالبتهْ بالاعتدال والتوسط والتزام الك تاب والسنة ،و مثال علي ذلك الكرامة للأولياء الصالحين من عباد الله تعالي فهذا حق وانكار الكرامة تكذيب لله ورسوله -صلي الله عليه وسلْ- ،وإنما يكون الإنكار لمن انحرفوا واتخذوا صاحب الكرامة نفسه وسيطاً بينهْ وبين الله تعالي فاشركوا با لله وضلوا . يقول السعدي –رحمه الله - في خلاصة تفسير الْحكام ما مختصره: أن بعض أهل العلْ العصريين الذين يتظاهرون بنصر الإسلام ، والدخول مع هؤلاء الزنادقة في الجدال عنه يريدون باجتهادهْ أو اغترارهْ أن يطبقوا السنن الإلهية وأمور الآخرة على ما يعرفه العباد بحواسهْ، ويدركونه بتجاربهْ ، فحرفوا لذلك المعجزات ، وأنكروا الآيات البينات، ولم يستفيدوا إلا الضرر على أنفسهْ ، وعلى من قرأ كتاباتهْ في هذه المباحث؛ إذ ضعف إماانهْ بالله بتحريفهْ لمعجزات الْنبياء تحريفا يؤول إلى إنكارها ، وإنكارهْ هذا النوع العظيْ من قضاء الله وقدره ، وضعف إماان من وقف على كلامهْ ممن ليست له بصيرة، ولا عنده من العلوم الدينية ما يبطل هذا النوع ، ولم يحصل ما زعموه من جلب الماديين إلى الهدى والدين، بل زادوهْ إغراء في مذاهبهْ ، لما رأوا أمثال هؤلاء يح اولون إرجاع النصوص الدينية، ومعجزات الْنبياء ، وأمور الغيب إلى علوم هؤلاء القاصرة عل ى التجارب المدركات بالحواس ، فيا عظْ المصيبة، ويا شدة الجرم المزوق ، ولكن ضعف

عدد الصفحات ٩٥

95 البصيرة والإعجاب بزنادقة الدهريين أوجب الْضوع لْقوالهْ ، فلا حول ولا ق وة إلا بالله.اه (204) الطريقة الثالثة: وهي أكثر فاعلية و تحتاج لعناية أهل الغيرة من أولياء الْمور ومن ينوب عنهْ من أهل الحل والعقد فكثير من البدع تحتاج لردع شرعي وقانوني كما لا يُفي فالتحذير دون ردع للمجاهرين يؤدي للمزيد من البدع والمجاهرة بالمعاصي بلا حياء كما هو ظاهر ومنتشر في كثير من المجتمعا ت الإسلامية المعاصرة ممن لا يردعهْ عن البدع والمحرمات رادع. فينبغي من أولياء الْمور الحزم والاستجابة لنصرة الدين وإحياء السنة والاخذ علي يد السفهاء وأهل الاهواء فالتهاون ليس له إلا طريق واحد وهو ضياع السنة وعلي المدي الطويل تضيع الهوية كذلك وتتغير العقول و يكثر الكفر والإلحاد وهذا موجود في بعض المجتمعات الإسلامية المعاصرة وهذا لاريب مما حذر منه الله ورسوله فقال تعالي : {يَاأَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اس تَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُْ لِمَا يحُ يِيكُْ وَاع لَ مُوا أَنَّ اللَّهَ يحَُولُ ب َين َ ال مَر ءِ وَق َل بِهِ وَأَنَّهُ إِلَي هِ تحُ شَرُونَ* وَات َّقُوا فِت نَةً لاَ تُصِيبنََّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِن كُْ خَاصَّةً وَ اع لَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ ال عِقَابِ }(205) وحذر الن -صلي الله عليه وسلْ – من التهاون في الردع فقال" مثل القائْ على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهْ أعلاها وبعضهْ أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهْ فقالو ا لو أنا (204) - انظر "تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن" لعبدالرحمن بن ناصر السعدي (ص/233)-نشر: وزارة الشئون الإسلامية والْوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية - الطبعة: الْولى، 1422ه (205) -الْنفال25:24

عدد الصفحات ٩٦

96 خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهْ وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهْ نجوا ونجوا جميعا" (206) ثانياً : الغلو والانحراف الفكري المادي الْسباب والعلاج بتحكيْ الشريعة: الانحراف المادي لا يعترف بالشريعة ويري الدين مجرد طقوس لا دخل له في دنيا الناس وتجد أنصار هذا الفكر يشككون في الشريعة كميراث الرجل وحجاب المرأة وسفرها دون محرم وغير ذلك كثير. وأصحاب هذا الانحراف لا يؤمنون بالله ب ل و يحاربون المؤمنون به ،فالمادية لا علاقة لها بجمع المال أو بالإقبال على الدنيا كما قد يتوهْ البعض بل الفلسفة المادية تقوم أساساً علي نظرية أن المادة هي سبب الحياة الطبيعية والبشرية ، ومن ثم فهي ترف ض الإله بوصفه شرطاً من شروط الحياة، كما أنها ترفض الإنسان المؤمن به-عز وجل - كخالق باري ولذا فالفلسفة المادية ترد كل شي ء في العالم إلي الإنسان والطبيعة. ولقد صنعوا لْنفسهْ آلهة أخري مثل عبادة المال وطغيان العلْ وما أشبه لشعورهْ بالضعف والنقص ولكن مهما ظهر من كيدهْ وغرورهْ فلن يغنيهْ عن الله شيئاً كما قال تعالي:{ أَم يُرِيدُونَ كَي دًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُُْ ال مَكِيدُونَ *أَم لهَُْ إِلَهٌ غَي رُ اللَّهِ سُب حَانَ اللَّهِ عَمَّا يُش رِكُونَ }(207) يقول السعدي في تفسيرها ما نصه: { فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُُْ ال مَكِيدُونَ} أي: كيدهْ في نحورهْ، ومضرته عائدة إليهْ، وقد فعل الله ذلك -ولله الحمد- فلْ يبق الكفار من مقدورهْ من المكر شيئا إلا فعلوه، فنصر الله نبيه ودينه عليهْ وخذلهْ وانتصر منهْ. { أَم لهَُْ إِلَهٌ غَي رُ اللَّهِ} أي: ألهْ إله يدعى ويرجى نفعه، ويُاف من ضره، غ الله تعالى؟ { سُب حَانَ اللَّهِ عَما يُش رِكُونَ } فليس له شريك في الملك، ولا شريك في الوحدانية (206) - سبق تخريجه برقْ 97 (207) -الطور42:43

عدد الصفحات ٩٧