49 آخر وريث له فيها، ويالها سلسلة من النور! تتمثل فيها جهود الْجيال المتعاقبة في خطواتها، المتصلة في سبيل الرقي والتقدم. هكذا تلعب الشعوب دورها، وكل واحد منها يُبعث ليكوّن حلقته في سلسلة الحضارات، حينما تدق ساعة البعث معلنة قيام حضارة جديدة، ومؤذنة بزوال أخرى. وما أجلّ هذه الساعة!. حينما تؤذن بفجر جديد من المدنية، وما أهولها من ساعة حينما تعلن غروب أخرى!. (112) قلتوبعد كل هذا الطرح نستطيع أن نفهْ المقصود بالقشور التي يتعامل بها البعض منا مع الملتزمين بالشرع بسبب الجهل وضعف الإماان والغلو في الدين من جهة وطغيان الماديات والاحتكاك والتقليد لْهل الحضارات الْخرى ممن قطعوا صلتهْ برب الْرض والسماء من جهة أخري وقد حذرنا ال نبي من ذلك فقال:" لتتبعن سنن الذين من قبلكْ شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهْ قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن" (113) ومن ثم لابد من فهْ هذه المسألة جيداً لنضع الْمور في نصابها الصحيح فأهل الغلو العقدي والانحراف الفكري المادي يقوم أصحابها بتحريف الكلْ عن مواضعه و يزخرفونه بلحن القول ويفسرون كلام الله تعالي وسنة رسوله بهواهْ وعقولهْ القاصرة وبتأويلات فاسدة شرعاً وطبعاً وقد أبدع ابن القيْ-رحمه الله-في وصف كيدهْ وتدليسهْ فقال ما مختصره وبتصرف يسير: (112) - انظر كتاب"شروط النهضة "لمالك بن نبي(ص 20)- الناشر: دار الفكر-دمشق سورية- الطبعة: 1986م (113) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 2669)- باب اتباع سنن اليهود والنصارى -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م
عدد الصفحات ٥٠50 التأويل يجري مجرى مخالفة الطبيعة الإنسانية والفطرة التي فطر عليها العبد فإنه رد الفه ْ من جريانه مع الْمر المعتاد المألوف إلى الْمر الذي لم يعهد ولم يؤلف وما كان هذا سبيله فإن الطباع السليمة لا تتقاضاه بل تنفر منه وتأباه فلذلك وضع له أربابه أصولا ومهدوا له أسبابا تدعو إلى قبوله وهي أنواع : السبب الْول أن يأتِ به صاحبه مموها مزخرف الْلفاظ ملفق المعاني مكسوا حلة الفصاحة والعبارة الرشيقة فتسرع العقول الضعيفة إلى قبوله واستحسانه وتبادر إلى اعتقاده وتقليده ويكون حاله في ذلك حال من يعرض سلعة مموهة مغشوشة على من لا بصيرة له بباطنها وحقيقتها فيحسنها في عينه ويحببها إلى نفسه وهذا الذي يعتم ده كل من أراد ترويج باطل فإنه لا يتْ له ذلك إلا بتمويهه وزخرفته وإلقائه إلى جاهل بحقيقته قال الله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَل نَا لِكُلِّ نَبيِ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإ ِن سِ وَالج ِ نِّ يُوحِي ب َع ضُهُْ إِلىَ ب َع ضٍ زُخ رُفَ ال قَو لِ غُرُورًا }(114) فذكر سبحانه أنهْ يستعينون على مخالفة أمر الْنبياء بما يزخرفه بعضهْ لبعض من القول فيغتر به الْغمار وضعفاء العقول فذكر السبب الفاعل والقابل ثم ذكر سبحانه انفعال هذه النفوس الجاهلة به بصغوها وميلها إليه ورضاها به لما كسي من الزخرف الذي يغر السامع فلما أصغت إ ليه ورض يته اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قولا وعملا فتأمل هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى العظيْ القدر الذي فيه بيان أصول الباطل والتنبيه على مواقع الحذر منها وعدم الاغترار بها ثم أضاف- رحمه الله -: السبب الثاني أن يُرج المعنى الذي يريد إبطاله بالتأويل في صورة مست هجنة تنفر عنها القلوب وتنبو عنها الْسماع فيتخير له من الْلفاظ أكرهها وأبعدها وصولا إلى القلوب وأشدها نفرة عنها فيتوهْ السامع أن معناها هو الذي دلت عليه تلك الْلفاظ فيسمى (114) - الْنعام112
عدد الصفحات ٥١51 التدين ثقالة وعدم الانبساط إلى السفهاء والفساق والبطالين سوء خلق والْمر باعروف والنهي عن المنكر والغضب لله والحمية لدينه فتنة وشرا وفضولا فكذلك أهل البدع والضلال من جميع الطوائف هذا معظْ ما ينفرون به عن الحق ويدعون به إلى الباطل. اه (115) وأزيد عن ذلك بياناً وفيه خلاصة ما نريد قوله هنا إننا ندرك يقيناً أن الإسلام ليس حزبا سياسيا أو حركة اصلاحية أو حتي تشريعاً دستور ياً دنيوياً! لنا أن ننتقده ونناقش ما فيه من أفكار واطروحات و أو امر ونغيرها حسب الاهواء والمصالح حاشا لله أن نفعل. ربما يفعل ذلك أهل الكفر و الإلحاد واصحاب الفكر المنحرف أم نحن المؤمنين به فه و منهج حياة، إنه دين يهيمن على النفوس والْفكار، ويرشد العباد إلي ما فيه ص لاحهْ ونجاتهْ وفلاحهْ بما يرضيه لهْ خالقهْ –عز وجل -وليس الدين-القرآن وال سنة-مجرد وصايا للإصلاح والتوجيه نأخذ به أن كان يرضي اهوائنا ومصالحنا ونرفضه أن تصادم معها كما وكيفا. قطعاً لا، الدين الإسلامي بوسطيته واعتداله منهج حياة دين ودنيا فإهمال تحكيْ الشريعة الربانية وما تحتويه من توافق مع الفطرة السوية غلو وانحراف. وأري أن من الْفضل لفهْ حقيقة الغلو و انحرافات الفكر الإنساني المعاصر أن نبدأ في هذا الفصل ببيان حقيقة وأقسام كل منهما مع الإيجاز قد المستطاع وذلك ليدرك كل مسلْ ما يجهله مما يدور حوله في دنياه من مصائب ودواهي و لا يفقه كهنتها وسببها. ثم إذا ما أنار الله بصيرته للحق و عرف حقيقة العلاقة السامية وجوهرها الر اقي بين الله تعالي وعباده عند تطبيق ما شرعه لهْ من تعاليْ سمحة غاية في الاعتدال والوسطية وأدرك الداء والدواء فسوف يعود ذلك عليه بالْير والفلاح في دينه ودنياه بعيدً ا عن الغلو والانحراف بالفكر بالإ فراط أو التفريط . (115) --انظر "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة 2/438) لابن القيْ الجوزية -نشر دار العاصمة – الرياض - الطبعة الثالثة ، 1418 – 1998- تحقيق : د. علي بن محمدالدخيل الله.
عدد الصفحات ٥٢52 ولنبدأ في بيان حقيقة الغلو والانحراف الفكري ثم نتدرج في الفصول التالية في بيان أسباب ومظاهر وطرق علاج كل منهما بتحكيْ الشريعة والله المستعان وعليه التكلان. أولاً : حقيقة الغلو في الدين: - الغلو كما جاء في لسان العرب : غلا: الغلاء: نقيض الرخص. غلا السعر وغيره يغلو غلاء، ممدود، فهو غال وغلي؛ الْخيرة عن كراع. وأغلاه الله: جعله غاليا. وغالى بالشيء: اشتراه بثمن غال. والغلو: الإعداء. وغلا بالسهْ يغلو غلوا وغلوا وغالى به غلاء: رفع يده يريد به أقصى الغاية وهو من التجاوز (116) قلت: فالغلو إذاً هومجاوزة الحد المطلوب شرعاً من العبد فلا يكتفي العبد بما شرعه الله ورسوله -صلي الله عليه وسلْ-بل يزيد فيه برأيه وهواه فيغالي ويظن أنه محبوب عند الله وهؤلاء ينطبق عليهْ قوله تعالي:{ قُل هَل ن ُنَبِّئُكُْ بِالْ َخ سَرِينَ أَع مَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَع ي ُهُْ في الح َيَاةِ الدُّن يَا وَهُْ يحَ سَبُونَ أَن َّهُْ يحُ سِنُونَ صُن عًا * أو لَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبهِِّْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَت أَع مَالهُُْ فَلاَ نُقِيُْ لهَُْ ي َو مَ ال قِيَامَةِ وَز نًا } (117) -وفسر الحافظ بن كثير الآية فقال ما مختصره { قُل هَل ن ُنَبِّئُكُْ} أي: نخبركْ { بِالْخ سَرِينَ أَع مَا}؟ ثم فسرهْ فقال: { الَّذِينَ ضَلَّ سَع ي ُهُْ في الح َيَاةِ الدُّن يَا } أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة ، { وَهُْ يحَ سَبُ ونَ أَن َّهُْ يحُ سِنُونَ صُن عًا } أي" يعتقدون أنهْ على شيء، وأنهْ مقبولون محبوبون. (116) -انظر "لسان العرب" لابن منظور -(15/132) مختصراً وبتصرف–فصل الغين المعجمة-نشر دار صادر – بيروت- الطبعة: الثالثة - 1414 ه (117) - الكهف: الآيات من103-105
عدد الصفحات ٥٣53 وقوله{ أولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبهِِّْ وَلِقَائِهِ } أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته ، وصدق رسله ، وكذبوا بالدار الآخرة ، { فَلا نُقِيُْ لهَُْ ي َو مَ ال قِيَامَةِ وَز نًا } أي: لا نثقل موازينهْ؛ لْنها خالية عن الْير .اه (118) ولذلك حذر نبينا-صلي الله عليه وسلْ من هذا الغلو فيما رواه أنس-رضي الله عنه- قال: "أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلْ سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلْ عن عمله في السر فقال بعضهْ لا أتزوج النساء وقال بعضهْ لا آكل اللحْ وقال بعضهْ لا أنام على فراش فحمد الله وأثنى عليه فقال "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" (119) وقوله-صلي الله عليه وسلْ-"فمن رغب عن سنتي فليس مني" واضح صريح بأن المغالي في الدين بالزيادة أو النقصان غير راغب بسنته ومعرض عنها وهذا ما بينه الحافظ ابن حجر- رحمه الله -في شرحه للحديث في فتح الباري فقال: المراد بالسنة الطري قة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلي غيره، والمراد من ترك طر يقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ، ولمح بذلك إلي طريق الرهبانية فإنهْ الذين ابتدع وا التشديد كما وصفهْ الله تعالي وقد عابهْ بأنهْ ما وفوه بما التزموه ، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلْ الحنيفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم وينام ليتقوى على القيام ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل. وقوله فليس مني إن كانت الرغبة بضرب من التأو يل يعذر صاحبه فيه فمعنى " فليس مني " أي على طريقتي ولا يلزم أن يُرج (118) - انظر "تفسير القرآن العظيْ "للحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشق ي( 5 /202)-تحقيق سامي بن محمد سلامة-دار طيبة للنشر والتوزيع –الطبعة الثانية (1420ه- 1999 م (119) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 1401)- باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه-تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م
عدد الصفحات ٥٤54 عن الملة وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلي اعتقاد أرجحية عمله فمعنى فليس مني ليس على ملتي لْن اعتقاد ذلك نوع من الكفر .اه (120) قلت: و (الغلو) مصطلحورد في القرآن الكريم في موضعين؛ وها هما: - قوله تعالي:{يَا أَه لَ ال كِتَابِ لاَ ت َغ لُوا في دِينِكُْ وَلاَ ت َقُولُوا عَلَ ى اللّهِ إِلاَّ الح َقِّ }(121) -و قولهتعالي:{قُل يَا أَه لَ ال كِتَابِ لاَ ت َغ لُوا في دِينِكُْ غَي رَ الح َ قِّ وَلاَ ت َتَّبِعُوا أَه وَاء ق َو مٍ قَد ضَلُّوا مِن ق َب لُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ }(122) وقد ورد الغلو في السنة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال: قال رسول الله –صلي الله عليه وسلْ-: "إياكْ والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكْ الغلو في الدين " (123) قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث : وقوله: «إياكْ والغلو في الدين»عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والْعمال والغلو :مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والْعمال من سائر الطوائف. وإياهْ نهى الله عن الغلو في القرآن في قوله تعالى: {يَا أَه لَ ال كِتَابِ لاَ ت َغ لُوا فيِ دِينِكُْ }(124) (120) - انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 9/105) شرح حديث رقْ 5063)-لابن حجر العسقلاني-نشر دار المعرفة - بيروت، 1379- ترقيْ/ محمد فؤاد عبد الباقي (121) -النساء171 (122) - المائدة77 (123) - -انظر سلسلة الْحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها3 /1283)-لمحمد ناصر الدين الالبا-نشر مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض - الطبعة: الْولى. (124) - النساء171
عدد الصفحات ٥٥55 وسبب هذا اللفظ عام: رمي الجمار. وهو داخل فيه، فالغلو فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار، ونحو ذلك. بناء على أنه أبلغ من الحصى الصغار ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من قبلنا إلا الغلو في الدين كما نراه في النصارى. وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهْ مطلقا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهْ في بعض هديهْ يُاف عليه أن يكون هالكا".اه (125) قلت ولْهل العلْ في بيان الغلو شرعاً ما يزيد من فهْ المعني الحقيقي للغلو منها: -ما ذكره ابن القيْ -رحمه الله-قال ما مختصره وبتصرف : - إنهما لطرفا إفراط وتفريط وغلو وتقصير وزيادة ونقصان وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الْمرين في غير موضع كقوله : {وَلاَ تجَ عَل يَدَكَ مَغ لُولَةً إِلىَ عُنُقِكَ وَلاَ ت َب سُط هَا كُلَّ ال بَس طِ: {وَآتِ ذَا ال قُر بىَ حَقَّهُ وَال مِس كِينَ وَاب نَ السَّبِيلِ وَلاَ ت ُبَ ذِّر ت َب ذِيرًا(126) ثم قال-رحمه الله -: فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه وخير الناس النمط الْوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين ولم يلحقوا بغلو المعتدين وقد جعل الله سبحانه هذه الْمة وسطا وهي الْيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين والعدل هو الوسط بين طرفى الجور والتفريط والآفات إنما تتطرق إلى الْطراف والْوساط محمية بأطرافها فخيار الْمور أوساطها قال الشاعر: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا .اه (127) (125) -انظر اقتضاء الصراط المستقيْ لمخالفة أصحاب الجحيْ1 /328-329)-لشيخالإسلام ابن تيمية -تحقيق :ناصر عبد الكريم العقل-الطبعة السابعة-نشر دار عالم الكتب-1419سنة ه-1999م (126) - الروم38 (127) - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيْ الجوزية 1/281)- تحقيق محمد حامد الفقي نشر دارالمعرفة -بيروت-سنة1395 - 1975
عدد الصفحات ٥٦56 -وقال ابن العثيمين في الفتاوي ما مختصره والناس في العبادة طرفان ووسط ؛ فمنهْ المفرط، ومنهْ المفرط، ومنهْ المتوسط. فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وكون الإنسان معتدلا لا مايل إلى هذا ولا إلى هذا، هذا هو الواجب؛ فلا يجوز التشدد في الدين والمبالغة، ولا التهاون وعدم المبالاة، بل كن وسطا بين هذا وهذا. والغلو له أقسام كثيرة؛ منها: الغلو في العقيدة، ومنها: الغلو في الع بادة، ومنها: الغلو في المعاملة، ومنها: الغلو في العادات. اه (128) قلتوجميع أقوال علمائنا سلفاً وخلفاً متقاربة في المعني الذي ذكر ناه هنا فالغلو في حقيقته هو مجاوزة الحد الشرعي مهما كان نوعه بالإفراط أو التفريط والشيطا ن لا يبالي بأيهما ظفر ففيهما خروج عن حد الوسطية والاعتدال الذي أمر به الشرع المطهر . والحاصل مما سبق ذكره يتبين لنا أن المغالي في الدين يشعر بأن ما طلبه الشارع قليل ولا يكفي ويؤدي ذلك به إلي الإفراط أو التفريط ويُشي عليه من استعمال الفكر وتقديم العقل علي النص فينحرف به ويتأول أحكام وشرائع الدين علي هواه ليكون ملائْ للعصر حسب ظنه وتأو يله الفاسد وهواه المضل الذي يحثه علي طاعة نفسه الْمارة بالسوء فيقول علي الله ورسوله بغير علْ . أقسام الغلو في الدين: أن الغلو ينقسْ إلي نوعين كما هو معلوم عند أهل العلْ وهما: القسْ الْو ل: الغلو الاعتقادي الكلي القسْ الثاني: الغلو العملي الجزئي وإيضاح هذين القسمين يساعد على فهْ حقيقة الغلو في الدين بصفة عامة ، وتحديد 128 - انظر مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيم 9/368)- جمع وترتيب : فهد بن ناصر بن إبراهيْ السليمان -الناشر : دار الوطن - دار الثريا - الطبعة : الْخيرة - 1413 ه128)
عدد الصفحات ٥٧57 مفهومه، وهذا بيان لحقيقة كل منهما: القسْ الْو ل: الغلو الكلي الاعتقادي: و المراد به ما كان متعلق اً بالعقي دة كالغلو في الْئمة واقطاب الصوفية و مدعي النبوة وما اشبه هذا والغلو الاعتقادي أشد خطراً من العملي ؛ إذا الغلو الاعتقادي ه و الم ؤدي إلي الانش قاقات وظهور الجماعات والفرق التكفيرية والمذاهب الشاذة وانتشار الإلحاد وانصاره والْفكار المنحرفة الشاذة إلي غير ذلك مما سوف نبينه عند طرح أنواع الغلو والانحراف . ولقد حذر علمائنا سلفاً وخلفاً من هذ النوع لْطورته في كثير من مؤلفاتهْ القيمة لْطورتهما علي صلاح الامة وهويتها. نذكر هنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-قال ما مختصره : وهكذا هو الو اقع في أهل ملتنا، مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها، وكثير من ف روعه، من أهل الْصول والفروع. ممن يغلب عليه الموسوية والعيسوية، حتى يبقى فيهْ شبه من الْمتين اللتين قالت كل واحدة: ليست الْخرى على شيء. كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالْعمال الظاهرة ، والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة، كل منهما ينفي طريقة الآخر ، ويدّعي أنه ليس من أهل الدين، أو يعرض عنه إعراض من لا يعدّه من الدين؛ فتقع بينهْ العدأو ة والبغضاء).اه ((129) القسْ الثاني: الغلو العملي الجزئي الغلو العملي الجزئي وهو متعلق بالعبادات ويكون بالإفراط أو التفريط والْروج عن الشرع الحكيْ ومثال ذلك: وصل الصيام والْعراض عن الزواج دون عذر، والاسراف في الوضوء و غير ذلك، وكذلك في العادات كالْفراط في الطعام والشراب والملب س وما (129) - انظر " مجموع الفتاوى" لابن تيمي 1/14 )-تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسْ - نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية -سنة: 1416ه1995م
عدد الصفحات ٥٨58 أشبهه فمقصوده التشدد والتنطع بالزيادة أو النقصان. وينطبق علي هؤلاء قوله تعالي:{ يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تحَُرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُْ وَلا ت َع تَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يحُِبُّ ال مُع تَدِينَ }(130) -قالالسعدي في تفسيره لهذه الآية ما مختصره : يقول تعالي:{ يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تحَُرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُْ } من المطاعْ والمشارب ، فإنها نعْ أنعْ الله بها عليكْ، فاحمدوه إذ أحلها لكْ، واشكروه ولا تردوا نعمته بكفرها أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحرماها ، فتجمعون بذلك بين القول على الله الكذب، وكفر النعمة ، واعتقاد الحلال الطيب حراما خبيثا ، فإن هذا من الاعتداء. والله قد نهى عن الاعتداء فقال: { وَلا ت َع تَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يحُِبُّ ال مُع تَدِينَ } بل يبغضهْ وماقتهْ ويعاقبهْ على ذلك. اه (131) ثانياًحقيقة الانحراف الفكري : الانحراف في اللغة: من: حَرَف عَن هُ حَر فاً : مالَ وعَدَل، وحَرَف الشيءَ عن وجهه حَر فاً : صرَفَه وغيرَّه، وحَرَّفَ الشيءَ : أماله، وحَرَّفَ الكلام : غيرّه وصرفه عن معانيه، وانح َرَفَ : مال، ويُقال: انح راف مزاجُه :مال عن الاعتدال. (132)) ونستطيع أن نقول أنالانحراف هو الُْروجُ عَن جادًّةِ الصَّوابِ ، أي عَن كل ما هُوَ مأ لوفٌ وَمُتَعارَفٌ عَلَي هِ مِن عادَاتٍ وَسُلوكٍ وأعراف في دنيا الناس، و يُعد مصطلح " الانحراف الفكري " له مرادفات كثيره انتشرت في عالمنا المعاصر منها التطرف والتشدد والإرهاب . الخ (130) – المائدة87 (131) - نظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن ب ن ناصر السعدي (ص/ )- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م (132) - انظر المعجْ الوسيط "مصطفى إبراهيْ وآخرون– نشر دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع – القاهرة - ص 167
عدد الصفحات ٥٩59 والانحراف الفكري ليس له تعريف ومصلحات محدده وذلك لْسباب عديدة و جوانب كثيره فهنالك انحراف فكري ديني وانحراف فكري سياسي وانحراف فكري ثق افي وانحراف فكري اعلامي وغير ذلك كثير . وماكن القول إجمالاً إن الانحراف الفكري سواء كان ديني أو مادي هو الفكر الذي لا يلتزم بالقواعد الدينية والتقاليد والْعراف والنظْ الاجتماعية السائدة والملزمة لْفراد المجتمع. والمتأمل لتعريف الغلو يجد أنه لا يُتلف عن الانحراف في مفهومه وخروجه عن حد الاعتدال بل نستطيع أن نقول إن الانحراف الفكري بأنواعه المختلفة من أهْ مظاهر الغلو واشنعه ولهذا فعندما نتحدث عن الغلو فأننا نقصد بالتبعة ما ينشأ عنه من أثار ومظاهر وانحراف فكري سواء كان ديني أو مادي عن حدود الوسطية والاعتدال. لْن كل منهما يقدم صاحبه العقل علي النقل، وهو متنوع ومتلون يتغير مفهومه بتغير الزمان والمكان ، فما يُعد غلواً وانحرافاً فكرياً في مجتمع ما أو بيئة معينة لا يُعد كذلك في مجتمع آخر؛ وكذلك قد يكون غلواً منحرفاً في الماضي في بعض المجتمعات وفي عصرنا هذا مقبول ومن مظاهر الرقي والتحضر الزائف وذلك لاختلاف القيْ والعرف والمعايير الدينية والاجتماعية في كل عص ر ومصر. ولا يغيب عن القارئ الكريم أن مفهومنا واطروحتنا في هذا البحث عن الغلو والانحراف الفكري إنما ينبع من تعاليْ شريعتنا الغراء التي هي من لدن الْبير العليْ -جل في علاه- بوسطيتها واعتدالها وما فيها من رقي وسمو وثبات لا تتغير ولا تتبد ل ثوابتها واصولها العامة في كل عصر ومصر وليس عن الفكر البشري وما فيه من انحرافات و تجاوزات واهواء وأخطاء تعاني منها ومازال حتي يومنا هذا البشرية جمعاء لْروجها عن سبيل الله –تعالي – وشريعته التي تجمع خير الدنيا والآخرة لمن سلك الطريق القويم ومضي علي الصراط المستقيْ بلا شك ولا ريب كما أوصي تعالي رسوله -صلي الله عليه وسلْ-
عدد الصفحات ٦٠60 ومن تبعه من المؤمنين أن يقولوا وقوله حق: {قُل هَذِهِ سَبِيلِي أَد عُو إِلىَ ال لَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ ات َّب َعَنيِ وَسُب حَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ ال مُش رِكِينَ }(133) قال السعدي في بيانها ما مختصره: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلْ: { قُل } للناس{ هَذِهِ سَبِيلِي} أي: طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيل الموصلة إلى ا لله وإلى دار كرامته، المتضمنة للعلْ بالحق والعمل به وإيثاره، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، { أَد عُو إِلىَ اللَّهِ } أي: أحثُّ الْلق والعباد إلى الوصول إلى ربهْ، وأرغبهْ في ذلك وأرهِّبهْ مما يبعدهْ عنه. ومع هذا فأنا { عَلَى بَصِيرَةٍ} من ديني، أي: على علْ ويقين من غير شك ولا امتراء ولا مرية. { وَ} كذلك{ مَنِ ات َّب َعَنيِ} يدعو إلى الله كما أدعو على بصيرة من أم ره. { وَسُب حَانَ اللَّهِ} عما نسب إليه مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله { وَمَا أَنَا مِنَ ال مُش رِكِينَ} في جميع أموري، بل أعبد الله مخلصا له الدين.اه (134) اقسام الانحراف الفكري قلنا إن الغلو نوعين بصفة إجمالية اعتقادي كلي وعملي جزئي وقد بينا مفهوم كل منهما ونفس الْمر مع الانحراف في الفكر فهو قسمين إجمالاً وهما: الْو ل: انحراف فكري عن الدين وثوابته ومثاله تأو يل الآيات والنصوص النبوية علي غير معناها لغرض في النفس وخلاف ما اجمع عليه العلماء مع الإقرار بالنصوص وبتحكيْ الشرع والإماان بها وتتجلي أعظْ مظاهره بكثرة الفرق والْحزاب والجماعات الضالة قليلة الفقه والبضاعة كثيرة المال والرجال كما ذكرنا سلفاً وكذلك تحريض خطباء الفتنة وأهل الدنيا والاهواء والعصبيات وتمردهْ علي العقيدة الصحيحة والمنهج القويم وربما يصل الْمر لسفك دماء بعضهْ بعضاً ونهب أموالهْ وانتهاك حرماتهْ كما هو مشاهد (133) - يوسف108 (134) - الرحمن في تفسير ك لام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص/ 406-407 )- الناشر مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة الْولى 1420ه-2000 م
عدد الصفحات ٦١61 فيكثير من المجتمعاتالإسلامية لْثبات الذات وحب السيطرة ونشر أيديولوجيتهْ وافكارهْ علي العامة والْاصة ويساهْ في هذا الانحراف ضعف الدولة أو تهاو نها علي مواجهتهْ وعجز العلماء وغلبة أهل الاهواء من الحد من خطورته وعلاجه. والثاني: انحراف فكري مادي وهو ما لا يعترف بتحكيْ الشرع ويلحد في الدين ومثاله الفكر الوجودي والشيوعي وما أشبه ذلك . هذا كله بصفة إجمالية وايجاز منعاً للتكرار وسوف نخصص الفصل الثالث من هذا البحث بأكمله في بيان تفاصيل هذا الغلو بنوعيه و الانحراف الفكري بقسميه الديني والمادي لشدة خطورتهما على البلاد والعباد والله المستعان. الفصل الثالث الغلو والانحراف الفكري في ميزان الشريعة الغلو والانحراف الفكري من أكثر الْمراض وأشدها فتكاً التي أصابت الامة الإسلامية ومجتمعاتها في عالمنا المعاصر في الصميْ وكانت مظاهرهما وأسبابهما لهما أكبر الْثر في التخلف والانقسام وضياع الهوية وكثير من المصائب والبلايا كما سوف نبين علي السطور التالية. ومما ينبغي التنبيه إليه هنا أن الغلو والانحراف الفكري الديني كلاهما خروج عن حد التوسط والاعتدال ومخالفة الشريعة الربانية وسبق بيان ذلك لذا نجمع بينهما هنا في بيان الْسباب والعلاج من مختلف الجوانب ثم نتبعه ببيان الانحراف الفكري المادي منفصلاً والله المستعان وعليه التكلان. أولاً : الغلو والانحراف الفكري الديني الْسباب والعلاج بتحكيْ الشريعة: قلنا إن الغلو نوعين غلو اعتقادي كلي والآخر غلو عملي جزئي ، و الغلو الاعتقادي هو الْخطر لارتباطه بالعقيدة وهو غلو من جهة وانحراف من جهة أخري لْسباب سوف
عدد الصفحات ٦٢62 نبينها في هذا الفصل منالبحث، ونبدأ ببيان الغلو والانحراف الاعتقادي ومظاهره واسبابه وعلاجه بتحكيْ الشريعة الربانية والله المستعان. 1-الغلو والانحراف الفكري الديني الاعتقادي أن انحرف الفكر العقدي والغلو فيه أمر من شأنه أن ينحرِف بالعبد عن العقيدة الصحيحة وثوابتها وينتهج المرء نهجاً بدعياً بوازع الهوى أو العقل المحض دون النظر إلي النصوص، ومن أعظْ مظاهره الجهل و التقليد وتقديم العقل علي النقل وعدم الاهتداء بهدي النبي-صلي الله عليه وسلْ-. -وللمفكر الجزائري مالك بن نبي-رحمه الله - كلام طيب في هذا الصدد قال: من المعروف أن القرآن الكريم قد أطلق اسْ الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهْ شعر رائع، وأدب فذ، من أن يصفهْ القرآن بهذا الوصف، لْن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة، الْالية من كل عنصر "خلاق" أو فكر عميق. وإذا كانت ا لوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإن الجهل في حقيقته وثنية، لْنه لا يغرس أفكارا، بل ينصب أصناما، وهذا هو شأن الجاهلية، فلْ يكن من باب الصدفة المحضة أن تكون الشعوب البدائية وثنية ساذجة، ولم يكن عجيبا أيضا أن مر الشعب العربي بتلك المرحلة، حين شيد معبدا للأقطاب (الدراويش) المتصرف ين في الكون، ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنْ، والعكس صحيح أحيانا.اه (135) قلت: و ريب أن الاعتقاد بأمور مثل الاستغاثة به -صلى الله عليه وسلْ-، وتعليق التمائْ دفعا للضرر في السيارات والبيوت أو في الغلو في الصالحين و الْولياء وما اشبه ذلك من الْعمال والْقوال من هي عين الشرك الذي حذر منه نبينا –صلي الله عليه وسلْ-فالشرك من كبائر الذنوب بل هو الذنب الذي لا يغفره الله لصاحبه إلا لمن ت اب (135) - انظر كتاب: "شروط النهضة "لمالك بن نبي(ص 28)- الناشر: دار الفكر-دمشق سورية - الطبعة: 1986م
عدد الصفحات ٦٣63 وآمن وعمل صالحاًكما قال تعالي: إِنَّ اللّهَ لاَ ي َغ فِرُ أَن يُش رَكَ بِهِ وَي َغ فِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُش رِك بِاللّهِ ف َقَدِ اف ت َرَى إِثْ ًا عَظِيمًا (136) وقال الن–صلي الله عليه وسلْ-"قال الله تبارك و تعالي أنا أغنى الشر كاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " (137) وبعد كل هذا الترهيب والتحذير وقع الكثير من الْفراد والجماعات في هذا الغلو العقدي وانحرفوا عن التوحيد الْالص واشركوا مع الله في عبوديته مالا ينفع ولا يضر واتخذوا آلهة من عند انفسهْ والحدوا في اسمائه وصفاته فلْ يترك وا أمر يُالف التوحيد إلا فعلوه وسواء كان ذلك بجهل وغفلة أو بعلْ ونية، فصاحبه علي شفا جرف هار من النار كما قال تعالي:{ أَفَمَن أَسَّسَ ب ُن يَانَهُ عَلَى ت َق وَى مِنَ اللَّهِ وَرِض وَانٍ خَي رٌ أَم مَن أَسَّسَ ب ُن يَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَان هَا رَ بِهِ في نَارِ جَهَنََّْ وَ اللَّهُ لاَ ي َه دِي ال قَو مَ الظَّالِمِينَ }(138) ومن صور هذا الانحراف والغلو العقدي في عالمنا الإسلامي: - ما ابتلت به الْمة قدماا وحديثا من هذا الغلو والانحراف الديني العقدي من الفرق الضالة كالمرجئة و هْ فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أن الإماان لا يضر معه ذنب كما لا تنفع مع الكفر. و كذلك المعتزلة والْوارج غلوا في الْسماء والْحكام و غيرهْ ك الْشاعرة والجهمية كانت لهْ انحرافات عقدية اخرجتهْ من اتباع خبر الهدي هدي النبي –صلي الله عليه وسلْ- لهدي الشيطان فضلوا الطريق في توحيد الله تعالي كما أمر وشرع. (136) –النساء48 (137) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 2985)-باب من أشرك في عمله غير ا -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م (138) – التوبة109
عدد الصفحات ٦٤64 ولا يغيب عنا الصوفية التي ظهرت و انتشرت في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري وكانت تدعو إلي الزهد والتقشف والمغالاة في العبادة ثم تطورت وانقسمت إلي ط وائف وطرق كل طريقة لها شيخها وأقطابها الذين يشد إتباعها الرحال إليهْ يدعونهْ ويستغيثون بهْ من دون الله تعالي وتذبح لهْ الذبائح وكل هذا شرك أكبر ، ومن غرائب هذه الطرق ال ضالة عن المنهج القويم أن لكل طريقة أذكارها وصلوتها ومساجدها في تعبدها لله تعالي للوصول إلي معرفته –جل شانه - عن طريق الكشف والمش اهدة والمنامات والْرافات وترك اتباع الوسائل الشرعية وبالتالي انحرفت بأفكارها عن العقيدة الصحيحة. والشيعة كالصوفية التي نراها اليوم بل هْ وجهان لعملة واحدة وا لمطلع على حقيقة مذاهب الصوفية، وعلى حقيقة مذاهب التشيع يجد أن المذهبين ينبعان من أصل واحد تقريباً ويهدفان في النهاية إلى غاية واحدة و بلغ التعصب والكفر بهما أن انحرفوا عن جوهر العقيدة والشريعة. ومن أوجه الشبه بينهما: تعظيْ القبور والْضرحة والسجود لها والدعاء والاستعانة بهْ من دون الله تعالي، وكذلك الذبح لغير الله والمغالاة بأهل بيت النبي-صلي الله عليه وسلْ-وغير ذلك كثير نبين بعضه في السطور التالية. -يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-"ما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار فهو من البدع المحدثة في الإسلام، من فعل من لم يعرف شريعة الإسلام، وما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلْ من كمال التوحيد ، وإخلاص الدين لله، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم. ولهذا يوجد أن من كان أبعد ع ن التوحيد ، وإخلاص الدين لله، ومعرفة دين الإسلام هْ أكثر تعظيماً
عدد الصفحات ٦٥