33 كان أبعد الناس منه، وما انتقْ رسول الله صلى الله عليه وسلْ لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل » (72) وأخيرا نذكر كل من يريد التشدد والغلو والبعد عن الوسطية بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلْ قال" إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (73) -قال ابن حجر-رحمه الله - ما مختصره: والمعنى لا يتعمق أحد في الْعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب . قال ابن المنير: في هذا الحديث علْ من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد من ع طلب الْكمل في العبادة فإنه من الْمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلي الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلي ترك الْفضل ، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلي أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلي أن خرج الوقت المختار ، أو إلي أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة .اه (74) ونبين هنا بعضاً من الْمثلة لبيان مقصودنا بتيسير الشريعة لو امر و النواهي رحمه بالعباد في كثير من العبادات والمعاملات وغير ذلك منعاً للمشقة ورفعا للحرج ونط يل بعض (72) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 2327)-باب-تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م (73) -أخرجه البخاري في الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 39)- باب: الدين يسر-تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه (74) –انظر شرح ابن حجر العسقلاني لحديث البخاري في فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/95)- الناشر: دار المعرفة - بيروت، سنة الطبع 1379.
عدد الصفحات ٣٤34 الشيء في البيان لْن هذا باب واسع للغلو أن أساء فهمهوما اذكره هنا علي سب يل المثال لا الحصر والله المستعان وعليه التكلان. 1- من معالم التيسير ورفع الحرج في الطهارة التيمْ عند فقدان الماء أو نقصه: التيمْ بالصعيد الطاهر بدل الطهارة بالماء عند عدمه ، أو عدم القدرة على است عماله، كما قال سبحانه: {وَإِن كُن تُْ مَر ضَىأو عَلَى سَفَرٍ أو جَاءَ أَحَدٌ مِن كُْ مِنَ ال غَائِطِ أو لاَمَس تُُْ النِّسَاءَ ف َلَْ تجَِدُوا مَاءً ف َت َيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَام سَحُوا بِوُجُوهِكُْ وَ أَي دِيكُْ مِن هُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَج عَلَ عَلَي كُْ مِن حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُْ وَلِ يُ تَِّْ نِع مَتَهُ عَلَي كُْ لَعَلَّكُْ تَش كُرُونَ }(75) 2-ومن معا التيسير ورفع الحرج في الصلاة قصر الصلاة الرباعية في السفر. لقوله تعالي:{ف َلَي سَ عَلَي كُْ جُنَاحٌ أَن ت َق صُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِن خِف تُْ أَن ي َ ف تِنَكُُْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ ال كَافِرِينَ كَانُوا لَكُْ عَدُوًّا مُبِينًا }(76). ولحديث عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلْ -أنها قالت" فرضت الص لاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر " (77) -قال ابن العثيم-رحمه الله -ما مختصره: وقال بعض العلماء: إن قصر الصلاة ينقسْ إلى قسمين: قصر عدد وقصر هيئة، فإذا اجتمع الْوف والسفر اجتمع القصران، وإن انفرد أحدهما انفرد بالقصر الذي يلائمه، فإذا انفرد السفر صار القصر بالعدد، وإذا انفرد الْوف صار القصر بالهيئة، وإن اجتمعا صار في هذا وفي هذا. (75) - المائدة6 (76) - النساء101 77 -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 685)- باب صلاة المسافرين وقصرها -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت
عدد الصفحات ٣٥35 وهذه مناسبة جيدة وطلب للعلة والحكمة، ولكن الذي ي َف صِلُ هو قول الرسول صلّى الله عليه وسلّْ: «إنها صدقة تصدَّق الله بها عليكْ فاقبلوا صدقته»..اه (78) 3-ومنمعالم التيسير ورفع الحرج في الصيام أمور أذكر منها: - تحديد وقت الصيام والافطار بمدة معينة وتحريم الوصال والحث علي تعجل في الإفطار، وتأخير السحور وأدلة ذلك من القرآن قوله تعالي:{عَلَِْ اللَّهُ أَنَّكُْ كُن تُْ تخَتَانُونَ أَن فُسَكُْ ف َتَابَ عَلَي كُْ وَعَفَا عَن كُْ فَالآ نَ بَاشِرُوهُنَّ وَاب ت َغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُْ وَكُلُو ا وَاش رَبُوا حَتىَّ ي َتَب َينََّ لَكُُْ الْ َي طُ الْ َب يَضُ مِنَ الْ َي طِ الْ َس وَدِ مِنَ ال فَج رِ ثمَُّ أَتمُِّوا الصِّيَامَ إلي اللَّي لِ }(79) -ومن السنة حديثأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَن هُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَي هِ وَسَلََّْ تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السُّحُورِ ب َرَكَةً"(80) -وحديث سَه لِ ب نِ سَع دٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَي هِ وَسَلََّْ قَالَ لاَ ي َزَالُ النَّاسُ بخَِير ٍ مَا عَجَّلُوا ال فِط رَ"(81) - ومنها رفع عن العبد لنسيان أو خطا وزر الإفطار في نهار رمضان وله أن يكمل صيامه ويتمه فإنما أطعمه الله وسقاه ودليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه ع ن النبي 78 - الشرح الممتع على زاد المستقنع لمحمد بن صالح بن محمد العثيم 4/356)-نشر دار ابن الجوزي - الطبعة : الْولى سنة 1422 - 1428 ه (79) - البقرة 187 (80) -أخرجه البخاري في الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله ع ليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 1923)- باب بركة السحور من غير إيجاب -تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر - نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه (81) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 9810)- باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر- تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه 1955م
عدد الصفحات ٣٦36 صلى الله عليه وسلْ قال " إذا نسي فأكل وشرب فليتْ صومه فإنما أطعمه الله وسقاه"(82) -ومنها عدم الصيام في السفر والمرض للمشقة والتعويض عند المقدرة وزوال العذر وأدلته من القرآن : {فَمَن شَهِدَ مِن كُُْ الشَّه رَ ف َل يَصُم هُ وَمَن كانَ مَرِيضاًأو عَلى سَفَ رٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُُْ ال يُس رَ وَلا يُرِيدُ بِكُُْ ال عُس رَ وَلِتُك مِلُوا ال عِدَّةَ وَلِتُكَب ِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُْ وَلَعَلَّكُْ تَش كُرُونَ }(83). ومن السنةأحاديث كثير ة منها ""ليس من البر الصيام في السفر"(84) 4-ومن معالم التيسير ورفع الحرج في الحج الاستطاعة الجسدية والمالية وغير ذلك ومن لم يستطع فليس عليه وزر والفرض مرة واحدة في العمر لما فيه من مشقة و جهد وبذل المال الكثير والزيادة عن ذلك نافلة للعبد لقوله تعالي:{وَلِلَّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ ال ب َي تِ مَنِ اس تَطَاعَ إِلَي هِ سَبِيلاً }(85). قال العلامة ابنالعثيمين-رحمه الله-: والاستطاعة نوعان: استطاعة بالبدن، واستطاعة بالمال، فالاستطاعة بالمال شرط للوجوب، والاستطاعة بالبدن شرط للأداء، فإذا كان (82) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله علي ه وسلْ"-(برقْ/ 1155)- باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر- تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه 1955م (83) - البقرة 185 (84) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل ع ن العدل إلى رسول الله صلى الله ع ليه وسلْ"-(برقْ/ 1115)- باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه 1955م (85) - آل عمران 27
عدد الصفحات ٣٧37 الإنسان فقيراً ليس عنده مال، فإنه لا يجب عليه الحج، إذا كان يحتاج إلى راحلة؛ لْنه لا يستطيع ولو كان بدنه قوياً، وإذا كان عنده مال لكن لا يستطيع أن يحج ببدنه؛ لْنه ضعيف كبير أو مريض مرضاً لا يرجى برؤه، فإنه يجب عليه أن يقيْ من يحج عنه، فالاستطاعة بالبدن شرط للأداء، والاستطاعة بالمال شرط للوجوب.اه 5-من معالم التيس في العادات النهي عن الإسراف في المباحات للضرر: وهذا من عظمة شريعة الإسلام فليس التيسير في العبادات فقط بل يتعداها للمباحات فييسر علي الإنسان المؤمن في قضاء حاجاته الطبيعية من المأكل والمشرب وخلاف ه دون سرف و مجاوزة الحد حتي لا يتضرر البدن وحفظاً للصحة والمال مما ليس له فيه حاجة كما قال تعالي: { وَكُلُواوَاش رَبُوا وَلاَ تُس رِفُوا إِنَّهُ لاَ يحُِبُّ ال مُس رِفِينَ }(86). ومن الْحاديث قولُ الن-صلى الله عليه وسلْ -: "ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ ، بحسب ابن آدم أكلاتٍ يُقِم ن صُلبَه ، فإن كان لا محالة ، فثلثٌ لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لن َفَسه"(87) قلتو الإسلام يحثُّ على أن يكون الإنسان وسطًا بلا إفراط أو تفريط؛ حتى لا يُهلِك نفسَه، ويُؤذِيَ صحَّته، وقد بينَّ ابن القيْ -رحمه الله - هذا المعنى بكلمات حكيمة، قال ما مختصره : "والفرق بين الاقتصاد والتقصير ، أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ، وله طرفان هما ضدان له؛ تقصير و مجاوزة ، فالمقتصد قد أخذ بالوسط، وعدل عن الطرفين ، قال تعالي: { وَالَّذِينَإذا أَن فَقُوا لمَ يُس رِفُوا وَلمَ ي َق ت ُرُوا وَكَانَ ب َين َ ذَلِكَ (86) - الْعراف 31 (87) - انظر صحيح الجامع الصغير وزياداته"الفتح الكبير"(برقْ 5674)- لمحمد ناصر الدين الالبا- نشر المكتب الإسلامي-دمشق- الطبعة الثالثة سنة1408ه-1988م
عدد الصفحات ٣٨38 ق َوَامًا }(88)، وقال - تعالي-: { وَلاَ تجَ عَل يَدَكَ مَغ لُولَةً إلي عُنُقِكَ وَ لاَ ت َب سُط هَا كُلَّ ال بَس طِ }(89)، وقال تعالي:{ وَلاَ تُس رِفُوا إِنَّهُ لاَ يحُِبُّ ال مُس رِفِينَ }(90).اه قلت: ويلاحظ في أمتنا الإسلامية كثيراً من المجتمعات تسرف في الطعام من كل صنف ولون في رمضان بصفة خاصة علي الرغْ من أنه شهراً للعبادة والصوم وقراءة ا لقرآن ولقد نشرت جريدة عكاظ الإلكترونية هذه الإحصائية عن الإسراف في رمضا ن في المملكة السعودية تحت عنوان" فاتورة الغذاء في رمضان توازي ميزانيات دول عرب ية "فقالت ما نصه:- على الرغْ من الدعوات المستمرة للترشيد، إلا أن فاتورة الغذاء في المملكة ارتفعت لتصل إلي 50 مليار في شهر رمضان فقط ، وفقا لطلعت حافظ رئيس لجنة الإعلام في البنوك، والذي أشار إلي أن المملكة تنفق سنويا 160 مليار ريال على الغذاء، 30 % منها خلال رمضان المبارك شهر العبادة والشعور بالفقراء والمحتاج ، و وفقا لهذه الإحصائية الرسمية فإن ميزانية الغذاء في المملكة خلال شهر رمضان توازي موازنات دول عربية بالكامل على مدار العام ، ومنها الإمارات العربية المتحدة 13 مليار دولار أي 49 مليار، والْردن 11 مليار دولار ، والسودان 10 مليارات دولار ، وسوريا 9 مليارات دولار. وتستبق المحلات ا لتجارية في المملكة الشهر الكريم، بالإعلان عن تخفيضات في سلع محدودة، تدفع إلي الهجوم عليها من أجل الشراء بصورة غير ع قلانية، فيزداد الاستهلاك بصورة كبيرة ، ينجْ عنها التخلص من كميات كبيرة في سلال القمامة بشهادة الكثيرين.اه (91) (88) - الفرقان 67 (89) - الإسراء29 (90) -انظر" الروح في الكلام على أرواح الْموات والْحياء بالدلائل من الكتاب والسنة والآثار وأقوال العلماء"(ص/257)- لابن القيْ الجوزية - دار الكتب العلمية – بيروت-سنة 1395ه– 1975م (91) - انظر جريدة عكاظ الالكترونية السبت 3/9/1436 ه20- يونيو 2015 م العدد5116
عدد الصفحات ٣٩39 وعلى نفس الوتيرة ذكرت الْهرام المصرية عن إسراف الشعب المصري ما مختصره: 30 مليارا تتكلفها الدولة في رمضان بسبب زيادة الاستهلاك ، الارقام تقو ل ان مصر تستهلك120 مليون دجاجة و30 ألف طن لحْ و250 الف طن سكر في هذا الشهر المبارك ، زيادة الاستهلاك لاتقتصر علي الطعام والشراب ، وانها تمتد أيضا إلي الكهرباء والمياه بما يتعارض تماما مع فريضة الصيام ..اه (92) 6-ومن معامل التيسير في الشريعة ما يتعلق بالزواج وآدابه الميسرة له مثال ذلك: -يسرت الشريعة أمر الزواج فقد أباحت النظر للأجنبية بنية الزواج رغْ تح ريم ذلك ليكون الرجل علي بينة من أمره قبل أن يتزوج ، فعن جَابِرِ ب نِ عَب دِ اللَّهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَي هِ وَسَلََّْ: "إذا خَطَبَ أَحَدُكُُْ ال مَر أَةَ ، فَإِنِ اس تَطَاعَ أَن ي َن ظُرَ إلي مَا يَد عُوهُ إلي نِكَاحِهَا ف َل ي َف عَل ، قَالَ: فَخَطَب تُ جَارِيَةً فَكُ ن تُ أَتخََبَّأُ لهََا حَتىَّ رَأَي تُ مِن هَا مَا دَعَانيِ إلي نِكَاحِهَا وَت َزَوُّجِهَا ف َت َزَوَّج ت ُهَا "(93) . - ومنهاما يُص الطلاق فقد أباح الله تعالي الطلاق عند الضرر وجعله بعد اس تنفاذ وسائل غاية في السمو والرقي للحياة الزوجية واستقرارها من الوعظ والإرشاد إلي الهجر في الفراش إلي الضرب غير المبرح لقوله تعالي:{وَاللاَّتِِ تخََافُونَ نُشُ وزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاه جُرُوهُنَّ في ال مَضَاجِعِ وَاض رِبُوهُنَّ فَإِن أَطَع نَكُْ فَلاَ ت َب غُوا عَلَي هِنَّ سَ بِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا }(94). (92) -انظر جريدة الْهرام الإلكترونية الْحد 5 من رمضان 1434ه-14 يوليو2013 السنة137 العدد46241. (93) - حسنه الْلباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل(برقْ 1791)- نشر المكتب الإسلامي-بيروت- إشراف: زهير الشاويش -الطبعة: الثانية 1405 ه- 1985م (94)- النساء:34
عدد الصفحات ٤٠40 فان لم تنفعهذه الوسائل يسر الله تعاليأمر الطلاق وجعله مراحل لعل وعسي ي تراجع الرجل وهذا يدل على سماحة الإسلام ويسره. ودليل ذلك قوله تعالي:{ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِم سَاكٌ بمَِع رُوفٍ أو تَس رِيحٌ بِإِح سَانٍ }(95) - يسرت الشريعة أمر الرجوع بعد الطلاق رحمة بالعباد ف إذا طلقت الزوجة من ا لزوج طلقة رجعية لفورت غضب أو لْي سبب من الْسباب المباحة له ثم حدث ندم فله أن يردها لعصمته ما دامت المرأة في عدتها دون أي ارها قات مالية أخري . و كفي بجمع شمل الآسرة وعدم تشتتها واستقرارها ما يدل علي وسطية الشريع ة واعتدالها كما قال تعالي:{وَال مُطَلَّقَاتُ ي َت َرَبَّص نَ بِأَن فُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ ق ُرُوءٍ وَلاَ يحَِلُّ لهَُ نَّ أَن يَك تُم نَ مَا خَلَقَ اللَّهُ في أَر حَامِهِنَّ إِن كُنَّ ي ُؤ مِنَّ بِاللَّهِ وَال ي َو مِ الآ خِرِ وَب ُعُولَت ُهُنَّ أَ حَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إِن أَرَادُوا إِص لاَحًا وَلهَُنَّ مِث لُ الَّذِي عَلَي هِنَّ بِال مَع رُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَي هِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيٌْ }(96) 6-ومن وسطيةالإسلام حرصه على الحقوق والواجبات والحري ات الشخصية جنباً إلي جنب في أطار الشريعة الربانية واعتدالها. فالشريعة الربانية رسمت منهج حياة متكامل للمسلمين وبينت حقوق كل أنسان وذلك علي المستوي الفردي والجماعي وفي ذلك يقول النبي –صلي الله عليه وسلْ " كلكْ راع وكلكْ مسئول عن رعيته الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والْادم راع في مال (95) - البقرة 229 (96)- البقرة 228
عدد الصفحات ٤١41 سيده ومسئول عن رعيته قال وحسبت أن قد قال والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته وكلكْ راع ومسئول عن رعيته "(97) ولقد جعلت الشريعة هموم الْمة في أفراحها واتراحها أمانة في رقب ة كل مسلْ ومسلمة فليس للمسلْ أن يقول لا شأن لي بما يحدث للمسلمين هنا أو في أي مكان في المعمورة من قتل وتصفية و إهانات وسب واتهامات تنال من دينه ومقدساته بالقول والفعل ثم يقول مقولته تلك. بل هو مطالب بمسئولياته أمام الله تعالي ثم الامة التي ينتمي إليها اسماً ومسمي فرابطة الدين من أعظْ الروابط للانتماء الذي لا ينفك عنها المسلْ ابداً فهي مستمرة في الدنيا وفي الآخرة لقوله تعالي:{إِنمََّا ال مُؤ مِنُونَ إِخ وَةٌ }(98) وقولهتعالي:{الْ َخِلاَّءُ ي َو مَئِذٍ ب َع ضُهُْ لِب َع ضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ال مُتَّقِ(99) قلت: وهذه الْلة هي التي جعلت "توماس كارليل" ينظر للشريعة نظرت إجلال ويقول:" وفي الإسلام خلة، أراها من أشرف الْلال و أجلها وهي التسوية بين الناس. وهذا يدل على أصدق النظر و أصوب الرأي ، فنفس المؤمن راجحة بجميع دول الْرض ، والناس في الإسلام سواء." اه (100) قلتولا يُفي أن مِن حقوق هذه الْلة الإماانية: أن يهتْ المسلْ بشأن إخوانه المسلمين، وإنِ اختلفت الْو طان، وتعدَّدت اللغات، هذا الاهتمام هو التطبيق العملي (97) - أخرجه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 893)- باب الجمعة في القرى والمدن -تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بير وت-لبنان- الطبعة: الْولى، 1422ه (98)- الحجرات 10 (99) - الزخرف 67 (100) - محمد المثل الْعلى (ص121)–توماس كارليل -تعريب محمد السباعي-نشر مكتبة النافذة – مصر –الطبعة الْولي سنة 2008م
عدد الصفحات ٤٢42 لقول الن–صلي الله عليه وسلْ-"مثل المؤمنين في توادِّهْ وتعاطُفهْ وتراحمهْ؛ مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ ، تَدَاعى له سائر الْعضاء بالسهر والحمى" (101) فيجتهد لنصرتهْ، ونجدتهْ، لرفع راية الدين خفاقة عالية في ربوع العا و أما بالنسبة للحقوق الشخصية فالإسلام عندما يبيح للمسلْ حريته في أن يفعل ما يقتنع به ويراه في مصلحته الشخصية فهو يحدد لهذه الحرية مبادئ وحدود حتى لا تطغي علي حق الآخرين وتسلب حقوقهْ فهي وسط بين الْفراط الذي لا يحده حد والتفريط الذي يتضرر منه الآخرين. وبمعني أكثر دقة نقول: إن الحرية في الإسلام ليست على إطلاقها؛ أي: إن الإنسان حر يفعل ما يشاء دون حساب أو عقاب من أحد، قطعًا لا فهذا مغالاة تتصادم مع نصوص الشريعة الحكيمة ، حتى في القوانين الوضعية والْعراف الدولية؛ فإن حرية ا لفرد ليس معناها الاعتداء على حرية الآخرين ، أو الْروج عن المبادئ والقوانين والقيْ التي تُنظِّْ العَلاقة بين حق الفرد وحقوق المجتمع في القطر الواحد، وهذا من البديهيات المتعارف عليها. و الإسلام نبَّه لهذه الحقيقة، ففي حديث للنعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: ق ال النبي صلى الله عليه وسلْ: "مَثَلُ المُد هِنِ في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهْ في أسفلها، وصار بعضهْ في أعلاها، فكان الذي في أسفلها مارُّون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، (101) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول ا صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 2586)- باب تراحْ المؤمنين وتعاطفهْ وتعاضدهْ -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م
عدد الصفحات ٤٣43 فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتْ، ولا بد لي من الماء ، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهْ، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهْ" . (102) إذًا الإسلام لا يُتلف مفهومُه عن ذلك من حيث المبدأ؛ فهو يُاطب رعاياه روحيًّا، وجعل الحساب والجزاء يوم القيامة ، وتقوم حياة الإنسان في الدنيا على خوف العبد وقوة إماانه بالله تعالي ترغيبًا وترهيبًا، وله مطلق الحرية في الاستقامة أو الانحراف ، ولكن جعل للسلطان أو من ينوب عنه الحقَّ في إصلاح عوجه ، حسب الضرر الذي تسبب به لنفسه أو لغيره، بالشرع الذي يأمر بالعدل { وَإذا حَكَم تُْ ب َين َ النَّاسِ أَن تحَ كُمُوا بِال عَد لِ }(103) حتى مع الْارج عن حدود ا ، وعليه أن يتحمل عواقب عمله وتهوره . -قال السعدي - رحمه الله - في تفسيرها: وهذا يشمل الحكْ بينهْ في الدماء والْموال والْعراض ، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد ، والبرَ والفاجر ، والولي والعدو، والمراد بالعدل الذي أمر الله ب الحكْ به، هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والْحكام ، وهذا يستلزم معرفة العدل ليحكْ به" اه (104) "والحاصل مما ذكرنا بيانه يوصلنا إلي حقيقة بديهية، وهي أن الإسلام يزي د هذه الحرياتِ حيويةً متجددة دومًا بين الترهيب والترغيب، ويضع مبدأ لا ينكره العقلاء من الناس، وهو الذي تستقيُْ عليه حياة البشرية جمعاء دينًا ودنيا، وبغيره لن نجدَ لْي ميثاق أو (102) - أخرجه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله علي ه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 2686)- باب القرعة في المشكلات -تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان- الطبعة: الْولى، 1422ه (103) -النساء58. (104) - انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص 183)- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م
عدد الصفحات ٤٤44 وثيقةللحقوق والحريات صدًى وقبولاً ، ويلتزم بها إقرارًا وعملاً شعوب العالم وسادتهْ، مهما بلغت صياغته وبنوده درجة الكمال في الفكر الإنساني، ألا وهو "مبدأ الثواب والعقاب" وسوف نبين مدلوله في الصفحات التالية من هذا البحث منعا للتكرار والله المستعان، وعليه التكلان(105). 7-من وسطية الإسلام في الدعوة إلي الله تعاليبالحكْ والموعظة الحسنة: من مظاهر وسطية الإسلام الدعوة إلي الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالعنف ولا بغيره كما قال تعالي:{ اد عُإلي سَبِيلِ رَبِّكَ بِالح ِك مَةِ وَال مَو عِظَةِ الح َسَ نَةِ }(106). -فسرها ابن العثيمين-رحمه الله - فقال: أي بثلاثة أمور: أو لا: الحكمة: وذلك بأن تن زل الْمور منازلها، في الوقت المناسب، والكلام المناسب، والقول المناسب، لْن بعض الْماكن لا تنبغي فيها الموعظة وبعض الْزمنة لا تنبغي فيها الموعظة وكذلك بعض الْشخاص لا ينبغي أن تعظهْ في حال من الْحوال بل تنتظر حتى يكون مهيئا لقبول الموعظة ولهذا قال: { بالحكمة} قال العلماء: الحكمة: وضع الْشياء في مواضعها ثانيا: الموعظة الحسنة: يعني: اجعل دعوتك مقرونة بموعظة حسنة، موعظة تلين القلب وترققه وتوجهه إلي الله بشرط أن تكون حسنة ، إن كان الترغيب في ها أو لى فبالترغيب وإن كان الترهيب والتخويف فيها أو لى فبالترهيب والتخويف وكذلك تكون حسن ة من حيث الْسلوب والصياغة وكذلك تكون حسنة من حيث الإقناع بحيث تأتِ بموعظة تكون فيها أدلة مقنعة أدلة شرعية وأدلة عقلية تسند الشرعية لْن بعض الناس يقنع بالْدلة الشرعية كالم ؤمنين الْلص، فإن الله يقول: { وَمَا كَانَ لِمُؤ مِنٍ وَلاَ مُؤ مِنَةٍ إذا قَضَى (105) - انظر دراستي بعنوان " الإسلام رسالة الله للعا –علي موقع الْلوكة (106) - النحل: 125
عدد الصفحات ٤٥45 اللهُ وَرَسُولُهُ أَم رًا أَن يَكُونَ لهَُُْ الْ ِي َرَةُ مِن أَم رِهِْ }(107) ومن الناس من لا يكتفي بالْدلة الشرعية بل يحتاج أن تسند الْدلة الشرعية عنده بأدلة عقلية.اه (108) وكذلك قوله تعالي:{ وَمَن أَح سَنُ ق َو لاً ممَِّن دَعَا إلي اللَّهِ وَعَمِلَ صَالحًِ ا وَقَالَ إِنَّنيِ مِنَ ال مُس لِمِينَ } (109) وغير ذلك من الآيات في هذا المقام. (107) - الْحزاب 36 (108) -انظر شرح رياض الصالحين لابن العثيم 1:762) (109) - فصلت33
عدد الصفحات ٤٦46 الفصل الثاني حقيقة الغلو و انحرافات الفكر المادي المعاصر أن القاعدة الشرعية وهي "الحكْ علي الشيء فرع من تصوره" قاعدة جليلة حقاً وأمر في غاية الْهمية عند طرح مسألة من المسائل فلا يجب علي العقلاء من الناس الحكْ علي الشيء وبيان مظاهره وأسبابه وعلاجه دون أن يسعوا إلي كل ما يؤدي لفهمه علي الوجه الصحيح . ومن ثم لكي ندرك ونتصور الغلو والانحراف الفكري من كل الجوانب المختلفة لابد أن نفهْ حقيقة وكهنته كل منهما. و بادئ ذي بد نقول أن الغلو في الدين هو الذي اظهر الكثير من العقائد والمذاهب والفرق المبتدعة والمنحرفة عن العقيدة الصحيحة ك أهل التصوف والشيعة وفرق وجماعات أخري ضالة كالمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهْ ونفس الشيء ينطبق عن الانحراف الفكري المادي جعل البعض منا ممن ينتهج ويؤمن بما يُالف عقيدته كفراً وعلواً أمثال الشيوعيين و والوجوديين والعقلانيين وغيرهْ ممن انكروا المعاد وضلوا العباد. والعجيب الكل يدعي الإسلام والدفاع عنه وقال لي أحدهْ من أنصار الشيوعية في مناظرة معه ما المانع أن أكون ماركسياً مسلماً ؟! وهذا عجيب كيف يجتمع الكفر والإماان؟ أن من أعظْ الْسباب للغلو والانحراف الفكري عن الدين الجهل! نعْ. الجهل بشريعتنا هو الذي جعلنا نعيش في غربة عن ديننا وفجوة رهيبة ب ين ما هو حق وما هو باطل وأن شئت فقل جعلنا نتتعلق بالقشور والسطحيات عن لب الدين وروحه على الرغْ أنه ليس في الدين قشور ولب وإنما كلها تكليفات شرعية ولكن من غربة الكثير منا عن فهْ حقيقة ما ماثله دين الإسلام كمنهج حياة رباني يبين هويتنا كأمة مسلمة مؤمنين برب العالمين.
عدد الصفحات ٤٧47 حقاً أنها لا تعمي الْبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور، ومثلهذا الملحد المنحرف من المسلمين كثير ون في مجتمعاتنا المعاصرة يأتِ لنا بنظريات و أوهام كنظرية داروين وأن أصل الإنسان قرد يريد بذلك أقنعنا بعدم خلق الإنسان وينفي وجود خالق قادر يحيي ومايت من الإساس. وبالتالي ليس هناك حساب ولا جزاء ولا جنة ولا نار! و يري الواحد منهْ أن الشريعة لا تناسب العصر الحديث ومكانها بين العبد وربه وبمع ني آخر "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله!" وبعد كل هذا يزعْ أنه مسلماً. وجاء في كتاب "الانحراف العقدي في آدب الحداثة وفكره"ما نصه: وبناء على هذه النظرات المادية الحيوانية اقام الغرب سياسته وقوانينه وحياته الاجتماعية والنفسية، بمعزل عن القيْ الروحية والْ خلاق، وقبل ذلك كله بمعزل عن الدين . وكانت نتيجة ذ لك التخبط المروع لهذه المجتمعات ، والصراع الوحشي ، والتمزق العنيف وحياة الت شاكس والضيق وتلف المشاعر ومرض الاعصاب ودمار النفوس، وسحق الإنسان، حتى وصلت حوادث الجنون والانتحار والتفكك الاسري إلي أرقام قياسية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية . ولولا غلالة رقيقة من الْداء الإداري ، والتفوق التقني. الغلبة العسكرية ، والمساواة القانونية لكانت هذه المجتمعات قد انهارت وتأكلت من داخلها .اه (110) والحاصلأن الغلو في الدين والانحراف الفكري المعاصر من الْطورة السكوت عليهما لما فيه من ضياع للدين والانسلاخ عن وسطيته وتعاليمه السمحة. وننبه دوماً أن جهل المسلْ بدينه وعظمة حضارته الضاربة في أعماق التاريخ تجعله يتطلع لحضارات ومجتمعات ضحلة تقدمت علمياً وانحرفت دينيا وخلقيا ولكنه يتباهى بها لما يري من ضعف ووهن وتخلف للمسلمين فليس العيب في الدين وتعاليمه وإنما فيمن ائتمن الله أفرادها عليه فأهملوا تعاليمه وحاربوها ووصفوها بالتخلف والرجعية (110) - الانحراف العقدي في آدب الحداثة وفكره 3/2082)-د.سعيد بن ناصر الغامدي-طبع دار الْندلس للنشر والتوزيع -جدة-الطبعة الاولي سنة :1424ه-2003م
عدد الصفحات ٤٨48 فدين الإسلام أقام حضارة عظيمة برجال ونساء فهموا تعاليمه وآمنوا بها وطبقوها علي أنفسهْ فكانت لهْ العزة والتمكين ومازال أمر الله تعالي لهْ بالعزة والكرامة مستمر في كل عصر ومصر للنهوض بالْمة بكل السبل المتاحة كما فعل سلفنا الصالح فصاروا قمْ في ربوع العالمين والتاريخ شاهد علي ذلك. وقول الله تعالي اكبر دليل للمشككين فقد قال-عز وجل -:{وَعَدَ اللَّهُ ال ذِينَ آمَنُوا مِن كُْ وَعَمِلُوا الصَّالحَِاتِ لَيَس تَخ لِفَن َّهُْ فيِ الْ َر ضِ كَمَا اس تَخ لَفَ الَّذِينَ مِن ق َ ب لِهِْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لهَُْ دِين َهُُْ الَّذِي ار تَضَى لهَُْ وَلَيُبَدِّلَن َّهُْ مِن ب َع دِ خَو فِهِْ أَم نً ا ي َع بُدُونَنيِ لاَ يُش رِكُونَ بيِ شَي ئًا وَمَن كَفَرَ ب َع دَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُُْ ال فَاسِقُونَ }(111) والمسألة برمتها قوامها وجوهرها الإخلاص لله تعالي في القول والعمل لمن عقل ووعي. فأن أخلص جيل من الْجيال الإماان والعمل لله تعالي حقاً وصدقاً فلا ريب بأن الله تعالي لن يُلف وعده ولكن متي وأين؟ هذه هي المسألة التي لا يعلمها إلا الله تعالي واسبابها في يد الشعوب المسلمة أن استقلت بذاتها وحلت مشاكلها ونهضت من غفلتها وغلوها وانحرافها لوسطية الش ريعة وحكامها وذلك في كل عصر ومصر؟! -يقول المفكر الجزائري نبي بن مالك : إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا ماكن لشعب أن يفهْ أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الْحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهْ العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها . ثم أضاف -رحمه الله: الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي، والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنس انية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الْرض إلى (111) -النور55
عدد الصفحات ٤٩