المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحل الإسلامي لمعالجة التطرف والغلو المادي والديني

سيد مبارك

صفحة ٢ من ١٥

17 ثم أباحها كما ثبت عنه -صلي الله عليه وسلْ- أنه قال:" نهيتكْ عن زيار ة القبور فزوروها"(37) بعد أن ترسب الإماان في القلب لْنها تذكرهْ بالآخرة وغير ذلك كثير . قلت: وإذا تمكن الشيطان من قلب العبد فلا ريب أنه سيضله عن عبادة الله لعبادة القبور وتعظيمها وهو من الشرك الْكبر ويؤيد هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -قال ما مختصره : وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلي الشرك العظي ْ في كثير من الناس، حتى إن منهْ من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور -إما قبر لنبي، أو شيخ، أو بعض أهل البيت - أفضل من حج البيت الحرام ، ويسمي زيارتها : الحج الْكبر، ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلْ أفضل من حج البيت. وبعضهْ إذا وصل المدينة رجع وظن أنه حصل له المقصود. وهذا لْنهْ ظنوا أن زيارة القبور لْجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلْ أفضل من الكعبة، ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه، والمقصود بزيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت؛ لزال هذا عن قلوبهْ . ولهذا كثير من هؤلاء يسأل الم يت والغائب، كما يسأل ربه ، فيقول: اغفر لي وارحمني ، وتب علي، ونحو ذلك.اه (38) 2- من وسطية الإسلام حرية العقيدة في حدودها الشرعية: (37) -انظر المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"ص حيح مسلْ" لمسلْ بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري(برقْ/ 106)-باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلْ ربه عز وجل في زيارة قبر أمه -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م ط1،1374ه1955م. (38) -انظر اقتضاء الصراط المستقيْ لمخالفة أصحاب الجحيْ2/268 )-لشيخ الإسلام ابن تيمية– تحقيق: ناصر عبد الكريم العقل -الطبعة السابعة-نشر دار عالم الكتب-1419سنة ه-1999م

عدد الصفحات ١٨

18 من وسطيةالإسلام حرية المعتقد بالضوابط الشرعية المعتبرة وفي القر آن آية صريحة بعدم الاكراه في الدين وهي قوله تعالي:{ لاَ إِك رَاهَ فيِ الدِّينِ }(39) -يقول السعدي- رحمه الله –في تفسيرها ما مختصره: يُبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لْن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيْ فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الر شد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إماانه صحيحا، ولا تدل الآية الكرماة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلْ تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخ ري.اه ( 40) قلت: فالإسلام كما هو واضح جلي بنص القرآن يبيح لغير المسلمين حرية مم ارسة عقيدتهْ، وإقامة شعائرِهْ في أماكن عبادتهْ، وعدم إكراههْ على دخولِ الإسلام، مع الالتزامِ بأحكامه، فإذا أبى التزامَ أحكامِ الإسلام انتقض عهده. وجاء في كتاب "عقوبة الارتداد " لعبد العظيْ المطعني –رحمه الله - ما مختصره :" وعلى هذا الْساس يجب ان نفهْ كفالة حرية الاعتقاد في الإسلام و حتى لا يسئ الجاهلون استعمالها فيسووا بين أبو جهل وأبو بكر. وعلى هذه الْسس فرق الفقهاء رضى الله عنهْ بين الكفر الْصلي غير المسبوق بالإسلام، والكفر الطارئ المسبوق بالإسلام ( الردة ) فمع ان الكفرين سوا ء في المصير 39 -البقرة 256 40 - انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص 111 )- الناشر مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م

عدد الصفحات ١٩

19 الْخرويو وهما ذنبان لا يغفران ابدا فان الكفر الْصلي غير المسبوق بالإسلام لا يهدر دم صاحبه،بل دمه مصون شرعا . ومجرد كفره لا يوجب عله عقوبة عاجلة . بل يتمتع بكل حرياته الدينية والاجتماعية تماماً كْ يتمتع به المسلْ.اه (41) قلتوبناء علي ذلك فإن حريةُ العقيدة للكتابيِّ من اليهود والنصارى ومَن جري مجراهْ تختلفُ عن حرية المسلْ؛ فليس للمسلْ الموحِّد أن ينكر ألوهية الله ، و يكفرَ به، وينكر وجوده ، ويقال: هذا حقه، وله الحريةُ في الإماان والكفر؛ فهذا لا حريةَ له، بل يطبَّق عليه حدُّ الرِّدة؛ لْن الإسلام يعني الاستسلام والانقياد لحُكْ الشرع؛ فعقوبة المسلْ المرتدِّ: القتلُ؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلْ:"مَن بدَّل دِينَه فاقتُ لوه" (42) وقتُله ذاك عقاب له إن لم يرجع لدِينه ويتُبإلي الله؛ ليستقيْ أمرُ المجتمع كله ، وحتى لا يكون اعتناقُ الإسلام ثم الكفر به طعنًا فيه؛ كما قال تعالي: { وَقَالَت طَائِفَةٌ مِن أَه لِ ال كِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُن زِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَج هَ الن َّهَارِ وَاك فُرُوا آ خِرَهُ لَعَلَّهُْ ي َر جِعُونَ }(43) -قال ابن كثير رحمه ا -ما مختصره : هذه مَكيدةٌ أرادوها ليَلبِسُوا على الضعفاء مِن الناس أم رَ دِينهْ ، وهو أنهْ اش تَوروا بينهْ أن يُظهِروا الإماان أو ل النهار، و يُصلُّوا مع المسلمين صلاةَ الصبح، فإذا جاء آخرُ النهار ارتدُّوا إلي دِينهْ؛ ليقول الجَهلةُ من الناس: (41) - عقوبة الارتداد عن الدين بين الْدلة الشرعية وشبهات المنكرين (ص 90 )–د.عبد العظيْ إبراهيْ المطعني-طبع مكتبة وهبة-مصر-الطبعة الاولي سنة 1414ه-1993م (42) - أخرجه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 6922)- باب حكْ المرتد والمرتدة واستتابتهْ -تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بيروت- لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه(42) (43) - آل عمران 72

عدد الصفحات ٢٠

20 إنما رَدَّهْإلي دِينهْ اطِّلاعهُْ على نقيصةٍ وعيبٍ في دِين المسلمين؛ ولهذا قالوا: { لَعَلَّهُْ ي َر جِعُونَ }. اه (44) قلت: فقتلُ المسلِِْ المرتدِّ عن دِينه، ليس عقوبة على حرية الفكر والاعتقاد كما يروج أهل الفتن للنيل من الإسلام وتصويره بأنه دين دموي ، بل هو عقوبةٌ على استهزائه بالدين، ومحاولة الطعن فيه بدخوله وخروجه منه ، وما في ذلك مِن خطرٍ على الْمة؛ فتماسُكُ المجتمع وتعظيْ الدِّين أمرٌ لا يجوزُ فيه رحمة أو تقصير، فلزِم أن تكون العقوبةُ الصارمة على قدرِ الذَّنب الفادح. -يقول العلاَّمة ابنُ باز-رحمه الله-في فتوي له ما مختصره : وليس لْحد أن يشركَ بالله ، وليس له أن يزني، وليس له أن يسرق ، وليس له أن يقتل نفسًا بغير حق، وليس له أن يشرَبَ الْمر، وليس له أن يدَعَ الصلاة، وليس له أن يدع الزكاة وعنده مال الزكاة ، وليس له أن يدَعَ الصيام وهو قادرٌ على صيام رمضان إلا في السفر والمرض، وليس له أن يتركَ الحج وهو قادرٌ على أن يحجَّ مرةً في العمر، إلي غير ذلك... فلا حريةَ في الإسلام في ذلك، بل يجب أن يلتزمَ الإنسان العقيدة الصحيحة، ويدَعَ ما حرَّم الله، نعْ، له حريةٌ في الْمور المباحة التي أباحها الله له، له حرية في الْمورِ المستحبَّة التي لا تجب، فلو شاء ت َر كها فلا بأس، والمباح إن شاء فعَله الإنسان، و إن شاء تركه ، أما ما أو جب الله عليه فيلزمه فِعله، وما حرمه الله عليه فيلزمه ت َر كه، وليس له أن يعتنقَ الشيوعية أو النصراني ة أو اليهودية أو الوثنية أو المجوسية، ليس له ذلك، بل متى اعتنق اليهوديةَ أو النصرانية أو المجوسية أو الشيوعية، صار كافرًا، حلالَ الدمِ والمال، ويجب أن (44) - تفسير القرآن العظيْ للحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي 2 /59 )-تحقيق سامي بن محمد سلامة-دار طيبة للنشر والتوزيع –الطبعة الثانية (1420ه- 1999 م

عدد الصفحات ٢١

21 يُستتابَ، يستتيبُه وليُّ الْمر المسلُْ الذي هو في بلده، فإن تاب ور جَع إلي الحقِّ ، وإلا قتله؛ لْن النبيَّ صلى الله عليه وسلْ قال: "مَن بدَّل دِينَه فاقت ُلُوه"(45). فمن بدَّل دِينه دِينَالإسلام بالكفر يجب أن يُقتَل إذا لم يتُب ، فبهذا يعلْ أنه ليس للمسلْ حرية أن يترك الحق ، وأن يأخذ بالباطل أبدًا، بل يلزمه الاستقامةُ على الحق، ويلزمه تركُ الباطل ، وعليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينصح لله، ويدعو إلي الله عز وجل ، وأن يحذَرَ ما حرم الله عليه، وأن يدعو الناسَ إلي ترك ما حرَّم الله عليهْ، كل هذا أمر مفترض حسب لطاقة.اه (46) قلت ومن ثمَ فلا حريةَ في العقيدة للمسلْ ولو كره الكارهون الذين يأخذون علي الإسلام عنفه وشدته في حد الردة ويتحججون بالحرية الشخصية في الاعتقاد. ولقد أفاض د.عبد العظيْ أبراهيْ المطعني في كتابه سالف الذكر هنا في كشفه لشبهات هؤلاء فقال ما مختصره وبتصرف : المعركة المحتدمة الآن ركز فيها الكارهون لما أن زل الله جهودهْ ضد عقوبة المرتد العاجلة. وفي الواقع أن هذه الفئة المضللة لا تنكر حد الردة وحده ، بل هْ -مثلاً -يلغطون -الآن -حول حد الردة ويدعون أنه غير موجود ، ولا أساس له من الدين أو الشريعة. اي ينكرون وجوده من الْساس. ويبنون هذا الإنكار على شبهات تافهة ثم أضاف-رحمه الله-: وهذا الموقف الذي يقفونه من حد الردة ، لْنه في زعمهْ لا وجود له في الدين أو الشريعة ، وهي حيلة زينها لهْ الشيطان ، يقفونه أمام كل الحدود الإسلامية حتى التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ، اللهْ الاَّحد البغي فإنهْ يتحمسون له لحاجة في نفس يعقوب وقد نادوا به من قبل لقمع الشغب الذي قام به جنود الْمن المركزي في أو اخر (45)- سبق تخريجه برقْ 39 (46) - من فتاوى العلامة عبدالعزيز بن عبد الله بن باز بعنوان"هل الإسلام يقر حرية العقيدة؟

عدد الصفحات ٢٢

22 الثمانينات أما ما عدا هذا فهو عندهْ فالزاني لا يجلد ولا يرجْ ، والسارق لا يق طع، ومدمن الْمور لا يجلد تنكر كل الحدود الإسلامية مع التفاوت في درجات الإنك ار. والو لغ في أعراض الناس لا يجلد. ولهْ في ذلك حيل عجيبة قال ببعضها فالحدود كلها عندهْ "موديل قديم" انتهى عصره ، أو عملة ترجع إلي عهد وكراهية الحدود الإسلامية هي السبب في كراهية تطبيق الشريعة فكلما نودي بتطبيق الشريعة تصدوا للنداء و خوَّفوا من الرجوع إلي الوراء : إلي عصور الظلام والجهل والرجعية ، والجمود والتخلف؛ لإن الإسلام عند هؤلاء ، كما قال أحدهْ عام 1991م كان يناسب عقلية القرن ا و ل من الهجرة ، أما في القرن الْامس عشر فلْ يعد الإسلام قادراً على قيادة العقل المعاصر في القرن العشرين ؛ لإنه عقل زكي ومثقف ووليد حضارات إنسانية زاهرة.اه (47) قلت: ومما سبق بيانه ندرك أن حرية الاعتقاد إنمّا هي لْهل الكتاب، ومَن جري مجراهْ في دار الإسلام، وينبغي أن تكون في إطار الشريعة الْاتمة ، كما بي َّنَّا، و ليست منفصلة عنها؛ أي: ليس من حقِّ الكافر في دار من ديار الإسلام أن يجاهرَ بكفره علانية ويقول: أنا حر! ثم ماارس كفره وفجوره في المجتمع المسلْ، سواء بالقول أو الفعل أو الكتابة والنشر، أو ما أشبه ذلك من الوسائل، دون عقاب على ما يدعو إليه من كفر وزندقة؛ فهذا ليس من حرية الاعتقاد في الإسلام، الذي يدعو إلي التوحيد ، بل المقصود أنه لا يُكرَه على الإماان إلا برغبته، فإن أبى فهو وشأنه، لا يُكره على دخول الإسلام إلا أن يقتنع به، وله أن ماارسَ شعائره الكفرية في حدود ما تبيحه الشريع ة أمنًا على نفسه وماله وأهله وأماكن تعبُّده، ما دام لا يُرُجُ عن الحدود الشرعية التي تطبَّق على الجميع؛ لْن مبدأ الثواب والعقاب لا يفرِّق بين مسلْ وكتابي، وكل منهما معاقَب حسب ما شرعه الله -تعالي-، وبيَّنه رسوله صلى الله عليه وسلْ، إن خرَج عن إطار (47) - عقوبة الارتداد عن الدين بين الْدلة الشرعية وشبهات المنكرين (ص 96 )–د.عبد العظيْ إبراهيْ المطعني-طبع مكتبة و هبة-مصر-الطبعة الاولي سنة 1414هت-1993م

عدد الصفحات ٢٣

23 الشرع؛ فالحرية ليست مطلَقة، حتى لا يُفسِد كلُّ كافر عقيدةَ ضِعاف الإماان في الْمة ممن يؤمِن بلسانِه ويكفُرُ بقلبه. فالمقصود بحرية العقيدة للكتابي وما يجري مجراه يبيِّنه قوله تعالي:{لاَ إِك رَاهَ في الدِّينِ قَد ت َب َينََّ الرُّش دُ مِنَ ال غَيِّ }(48). وهناك نصوص أخرى كثيرة تدل على حرية المعتقد للكتابي وغيره من غير المسلمين دون إكراهٍ ، من ذلك: • قوله تعالي:{فَمَن شَاءَ ف َل ي ُؤ مِن وَمَن شَاءَ ف َل يَك فُر }(49). • وقولهتعالي:{وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن في الْ َر ضِ كُلُّهُْ جمَِيعًا أَفَأَ ن تَ تُك رِهُ النَّاسَ حَتىَّ يَكُونُوا مُؤ مِنِينَ }(50). بل جعَل اتعالي-المَدخَل لدعوتهْ بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالجدال الحسَن الذي يرُدُّ الحُجَّة بالحجة ، ويبينِّ الحق من الباطل والإماان من الكفر ، وليس الجدال لمجرد الجدال، وإثبات الرأي لهوى ضال ، أو نصر زائف وخادع. فقال تعالي :{ اد عُإلي سَبِيلِ رَبِّكَ بِالح ِك مَةِ وَال مَو عِظَةِ الح َسَنَةِ وَجَادِله ُْ بِالَّتيِ هِيَ أَح سَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَع لَُْ بمَِن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَع لَُْ بِال مُه تَدِينَ }(51). وإن لمَ يرتقِ الجدال لبيان الحق -وهو واضحٌ جليٌّ -فليس للمسلمين في الشريعة أن يُكرِهوهْ على الإماانِ ، بل الواجب عليهْ دعوتهُْ فقط، فالإكراه في الدين غلو في الشريعة لم يأمر الله به وتركهْ للمجاهرة بكفرهْ في ديار الإسلام إفراط وتساهل لم يأمر الله به ولين في موضع الشدة غير مقبول شرعاً . (48) - البقرة 256 (49) - الكهف29 (50) - يونس99 (51) - النحل125

عدد الصفحات ٢٤

24 -قالتعالي:{ قُل يَا أَه لَ ال كِتَابِ ت َعَالَو ا إلي كَلِمَةٍ سَوَاءٍ ب َي ن َنَا وَب َ ي نَكُْ أَلاَّ ن َع بُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُش رِكَ بِهِ شَي ئًا وَلاَ ي َتَّخِذَ ب َع ضُنَا ب َع ضًا أَر بَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن ت َوَلَّ و ا ف َقُولُوا اش هَدُوا بِأَنَّا مُس لِمُونَ }(52). قال ابن كثير رحمه ا -في تفسيرها ما مختصره : هذا الْطاب يعُُّْ أهلَ الكتاب من اليهود والنصارى ، ومَن جري مجراهْ: { قُل يَا أَه لَ ال كِتَابِ ت َعَالَو ا إلي كَلِمَةٍ }: والكلمةُ تُطلَق على الجملة المفيدة؛ كما قال ها هنا، ثم وصَفها بقوله: { سَوَاءٍ ب َي ن َنَا وَب َي نَكُْ }؛ أي: عَد لٍ ونَصَف ، نستوي نحن وأنتْ فيها، ثم فسَّرها بقوله: { أَلاَّ ن َ ع بُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُش رِكَ بِهِ شَي ئًا } لا وَث َنًا، ولا صنَمًا، ولا صليبًا ولا طاغوتًا، ولا ن ارًا، ولا شيئًا، بل نُفرِدُ العبادةَ لله وحده لا شريك له.اه (53) قلت: وهذه هي وسطية الإسلام وعظمته وسماحته في بيان حرية الاعتقاد للمسلْ وغير المسلْ ولو نظرنا للمسلمين اليوم في أو ربا وأمريكا وغيرهما من الدول التي تدين بم لة غير الإسلام سواء كانوا من أهلها أو مقيمين فيها لسبب من الْسباب تجدهْ في خطر واستهداف دائْ بسبب الغلو والتعصب ضدهْ من الْفراد والجماعات والدولة التي يعيشون علي ارضها تحرمهْ السلطات من ممارسة دينهْ وشعائرهْ وتضيق عليهْ بالقوانين كمنع الحجاب والنقاب وما أشبه هذا وتصفهْ بالدموية والتطرف كلما حدث دمار وعمل إرهابي من بعض من ينتسبون للإس لام زوراً دون جريرة منهْ ظلماً وعلواً فتحرق المصاحف والمساجد الذين يصلون فيها ويهين نبيهْ –صلي الله عليه وسلْ- من بعض المتعصبين منهْ وصار النطق بالشهادتين هي البصمة الجينية للإرهابي عندهْ حتي لو كان هؤلاء المسلمين منهْ ولدوا وعاشوا وتربوا بينهْ في بلادهْ ويحملون جنسيتها وهذا هو الفارق بين دين الإسلام بشموليته وسماحته ووسطيته واعتداله وبين (52) - آل عمران 64 (53) - انظر "تفسير القرآن العظيْ "للحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي 2 /55 )-تحقيق سامي بن محمد سلامة-دار طيبة للنشر والتوزيع –الطبعة الثانية (1420ه- 1999 م

عدد الصفحات ٢٥

25 شعارات الحرية والكرامة التي ينادون بها ولا تطبق إلا علي أنفسهْ وحسبنا الله ونعْ الوكيل. 3-من وسطيةالإسلام الشورى بين الحاكْ والمحكوم: من وسطية الإسلام وعظمة تشريعه أنه سن مبدأ الشورى بين الحاكْ والمحكوم ف قال تعالي لرسوله صلى الله عليه وسلْ: {وَشَاو ر هُْ في الْ َم رِ فَ إذا عَزَم تَ ف َت َوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يحُِبُّ ال مُت َوَكِّلِينَ }(54) قال السعدي–رحمه الله -ما مختصره: {وشاو رهْ في الْمر} أي: الْمور التي تحتاج إلي استشارة ونظر وفكر ، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا ماكن حصره: منها: أن المشاو رة من العبادات المتقرب بها إلي الله. ومنها: أن فيها تسميحا لْواطرهْ ، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الْمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي: والفضل وشاورهْ في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهْ وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهْ، وإنما ينظر إلي المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهْ ومقدورهْ في طاعته، لعلمهْ بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذل ك، فإنهْ لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا ي طيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة. ومنها: أن في الاستشارة تنور الْفكار ، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول. ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب ، فإن المشاور لا يكاد يُطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتْ له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله (54) - آل عمران 159

عدد الصفحات ٢٦

26 عليهوسلْ-وهو أكمل الناس عقلا وأغزرهْ علما ، وأفضلهْ رأيا -: وشاورهْ في الْمر فكيف بغيره؟! ثم قال تعالي:{ فإذا عزمت } أي: على أمر من الْمور بعد الاستشارة فيه ، إن كان يحتاج إلي استشارة { فتوكل على ا } أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، { إن الله يحب المتوكل } عليه، اللاجئين إليه..اه (55) قلتو لقد أصاب المفكر الفرنسي " روجيه جارودي "كبد الحقيقة في قوله الواضح عن فشل كل أشكال الحكومات التي تحكْ الناس في عالمنا المعاصر بغير نظام الشوري الإسلامي كالرأسمالية والشيوعية والدماوقراطية وغيرهْ فقال:" وكل شكل من ا شكال الحكومات إنما هو تضليل سواء في شكل الملكية الفردية التي تقيْ نفسها مكان الله على الْرض أو في شكل جهاز حكومي يستلزم برلماناً وأحزاباً وهيئات وطوائف قبلية أو دينية، أو في شكل استفتاء يجاب عنه بنعْ أو لا. ".اه (56) قلت: فالشورى إذاً مبدأ إسلامي رباني صميْ يُتلف عن كل الْنظمة و ينهي عن الاستبداد والظلْ والجور والانفراد بالرأي ولكنه يترك الاختيار بين الآر اء للحاكْ لْنها مسئوليته وطاعته واجبة شريطة إلا يُرج عن حدود الله من طاعة الله ورسوله فأن خرج فلا طاعة لمخلوق في معصية الْالق وهذا لا يعني خلع البيعة له والْروج عليه وسوف نبين هذه المسألة في الفصل الثالث في سياق حديثنا عن الغلو و أنواعه منعاً للتكرار وكفي دليلاً علي كلامنا هذا قوله تعالي: (55) – انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص/154 )- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م (56) - الإسلام والقرن الواحد والعشرين –شروط نهضة المسلمين(ص:22)-روجيه جارودي -ترجمة كمال جاد الله -نشر الدار العالمية للكتب والنشر- القاهرة -لا توجد سنة الطبع .

عدد الصفحات ٢٧

27 { يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أو ليِ الْم رِ مِن كُْ فَإِن ت َنَازَع تُْ في شَي ءٍ ف َرُدُّوهُ إلي اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُن تُْ ت ُؤ مِنُونَ بِاللَّهِ وَال ي َو مِ الآخِرِ ذَ لِكَ خَي رٌ وَأَح سَنُ تَ أو يلا }(57). -قال السعدي ما مختصره: ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال أمرهما ، الواجب والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أو لي الْمر وهْ: الولاة على الناس، من الْمراء والحكام والمفتين ، فإنه لا يستقيْ للناس أمر دينهْ ودنياهْ إلا بطاعتهْ والانقياد لهْ، طاعة لله ورغبة فيما عنده ، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله ، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الْالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الْمر بطاعتهْ وذكره مع طاعة الرسول ، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله ، ومن يطعه فقد أطاع الله ، وأما أو لو الْمر فشرط الْمر بطاعتهْ أن لا يكون معصية. ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلي الله و إلي ر سوله أي: إلي كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما ال فصل في جميع المسائل الْلافية، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إمااء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لْن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين ، ولا يستقيْ الإماان إلا بهما.اه (58) قلت: والحاكْ الذي ينفرد بالرأي ولا يستشير أهل العقل والرأي السديد هو كفرعون الذي قال قوله -تعالي:{ مَا أُرِيكُْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَه دِيكُْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ }(59) فكل ابن آدم خطاء والإسلام يعطي للحاكْ والمحكوم مسئوليات جسام تسمو بالعلاقة بين الراعي والرعية فدعا الرعية بتقديم النصيحة لْو لياء الْمور بالحكمة والرفق واللين ، (57) - آل عمران 59 (58) - نظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص 183 )- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م (59) - غافر29

عدد الصفحات ٢٨

28 يقول عليه الصلاة والسلام«الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: « لله ولكتابه ولرسوله ولْئمة المسلمين وعامتهْ » (60) وأمر الحاكْ بأن يستشير أهل الصدق والحكمة وله الْمر بعد ذلك من منطلق مسئوليته كما قلنا. ومما نلمسه من واقع التاريخ أن رفض النصح والمشورة كبراً وعلواً من أهل الفضل والعقل جعلت بعض الحكماء من طغيانهْ وتفردهْ بالحكْ وعدم قبولهْ نصيحة أهل الرشاد وأتباعهْ لرأي السفهاء وأهل الريب ومرضي القلوب لْنه يوافق نهجهْ وهواهْ فلا عجب أن عظْ الْطب ووقع الظلْ والجور وسفك فيها دماء الْبرياء وصارت المجتمعات والدول التي يحكمها طاغية لا يعرف رأي غير رأيه أن هلك الحرث والنسل وعاني شعبه من الظلْ والجور والجوع وضاع الْمن والْمان والسكينة وكثرة الاختلا فات بينهْ والتعصب والغلو فلهذا كله كان الشوري في الإسلام من وسطيته و عظمة تشريعه لحماية الْمة والدولة والمجتمع وتوحد الكلمة والشعور بالمسئولية ولهذا لا عجب أن كان عهد الْلفاء الراشدين المهديين بعد النبي –صلي الله عليه وسلْ- علي منها ج النبوة من الشوري فيما بينهْ فكانت لهْ العزة والهيبة أمام العالم في ذلك الو قت. فكانت بحق أجمل حقبة من حقب التاريخ والذي عرف فيها كل من الراعي والرعية ما عليه من واجبات ومسئوليات وماله من حقوق وواجبات فطبق فيه نظام الشوري الإسلامي كاملاً غير منقوص تطبيقاً صحيحاً وهي حقبة ليس هناك ما مانع ألبته من تكرارها فيما يُص تطبيق الشوري بين الحاكْ والمحكوم لْنه في القرآن فريضة ربانية لا يحدها زمان ولا مكان حتي يرث الله الْرض ومن عليها. (60) -أخرجه مسلْ المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 95)- باب بيان أن الدين النصيحة-تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م

عدد الصفحات ٢٩

29 4-من وسطية الشريعة الربانية اباحة المحرمات عند الضرورة حفظاً للنفس البشرية من الهلكة: من سماحة الشريعة الإسلامية ووسطيتها إباحة المحرمات عند الضرورة ، والضر ورة في اللغة: كما قال ابن منظور: الاضطرار الاحتياج إلي الشيء، وقد اضطره إليه أمر والاس ْ الضرة، والضرورة كالضرة والضرار: المضارة، ورجل ذو ضارورة وضرورة أي ذو حاجة. وقد اضطر إلي الشيء أي ألجئ إليه. وجاء فيه عن الليث: الضرورة اسْ لمصدر الاضطرار تقول حملتني الضرورة على كذا وكذا ، وقد أضطر إلي كذا وكذا ، وأصله من الضرر وهو الضيق.اه (61) والضرورة في الشرع كما قال السيوطي (في الْشباه والنظائر ):- "الضرورة: ب لوغه حدا إن لم يتناوله الممنوع هلك، أو قارب وهذا يبيح تناول الحرام. اه (62) قلتوالقاعدة الْصولية الضرورات تبيح المحظورات مأخوذة من القرآن الكر يم في كثير من الآيات منها: -قوله تعالي:{ وَقَد فَصَّلَ لَكُْ مَا حَرَّمَ عَلَي كُْ إِلاَّ مَا اض طُرِر تمُ إِلَي هِ وَإِنَّ كَ ثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَه وَائِهِْ بِغَير ِ عِل ٍْ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَع لَُْ بِال مُع تَدِينَ }(63) -وقولهتعالي:{ فمَنِ اض طُرَّ غَي رَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثم َ عَلَي هِ إِنَّ اللَّهَ غَفُ ورٌ رَحِيٌْ .}(64) ومعني الاضطرار: الحاجة الشديدة ، والمحظور: المنهي عن فعله، والمقصود منها أن الممنوع شرعاً يباح عند الضرورة وذلك بشروط ليسوغ تسميتها ضرورة شرعية فشريعة الإسلام (61) –انظر لسان العرب لابن منظور الْنصاري الرويفعى الإفريقى (4/483)- فصل الضاد المعجمة- مختصرا وبتصرف - نشر: دار صادر – بيروت- الطبعة: الثالثة - 1414 ه (62) - انظر " الْشباه والنظائر "لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي "(ص 85)-نشر دار الكتب العلمية-بيروت-الطبعة الْولي سنة، 1411ه- 1990م (63) - الْنعام119 (64) – البقرة 173

عدد الصفحات ٣٠

30 ووسطيتها تبيح فيها المحظورات ، وتحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات، والضرورة التي تبيح فعل المحرم هي كل ما يلحق العبد ضرر بتركه - وهذا الضرر يلحق الضروريات الْمس : الدِّين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال. ويؤيد ذلك ما ثبت في السنة النبوية في أحاديث أذكر منها علي سبيل المثال: قوله صلى الله عليه وسلْ "لا ضرر ولا ضرار " (65) فالْمرإذا ليس علي هوي الناس وميولهْ الشخصية بل حسب ضوابط شرعي ة استنبطها العلماء من القرآن والسنة فقد تساهل الكثير من الناس في ارتكاب المحرمات وا لمحظورات بحجة الضرورة وهذا غلو ممقوت وجهل محض في فهْ النصوص ومثال علي ذلك الكثير من الناس يضعون اموالهْ في البنوك الربوبية بزعْ الْوف علي المال من الس رقة و لا يكتفي بهذه الضرورة بل يستحل الواحد منهْ لنفسه فوائدها الربوبية باعتباره حق له وليس مال حرام ينبغي تركه والتخلص منه وكذلك السفر إلي بلاد الكفر وال فساد والرزيلة بحجة العمل أو الدراسة ومعاشرتهْ ومصاحبتهْ وما في ذلك من التودد لهْ ومولاتهْ وليس هذا من الضرورات التي تبيح المحظورات كما لا يُفي وقس علي ذلك الكثير مما جعله الناس ضرورة بالهوي . وليكن معلوماً أن هذه القاعدة الْصولية في الشريعة الربانية مبنية على التيس ير، ونفي الحرج ، والتخفيف عن الْمة، ورفع الإصر عنها؛ لهذا كان من قواعد أصول الفقه " لا محرم مع الضرورة ولا واجب مع العجز" وهذا من وسطيتها واعتدالها وهي من نعْ الله علينا، فلا يُلوا الإنسان من لحظات ضعف وعجز ولين ويصبح المحرم من الضرورة التي تحفظ حياته لطبيعة خلقته كما قال تعالي:{يرِيدُ اللّهُ أَن يَُُفِّفَ عَن كُْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا }(66) (65) - انظر صحيح الجامع الصغير وزياداته "الفتح الكبير"(برقْ 13474)- لمحمد ناصر الدين الالباني- نشر المكتب الإسلامي-دمشق- الطبعة الثالثة سنة1408ه-1988م (66) - النساء:28

عدد الصفحات ٣١

31 -يقول الشافعي مبيناً حد الضرورة: فيحل ما حرم من ميتة ودم ولحْ خن زير وكل ما حرم مما لا يغير العقل من الْمر للمضطر. والمضطر الرجل يكون بالموضع لا طعام فيه معه ولا شيء يسد فورة جوعه من لبن وما أشبهه ويبلغه الجوع ما يُاف منه الموت أو المرض وإن لم يُف الموت أو يضعفه ويضره أو يعتل أو يكون ماشيا فيضعف عن بلوغ حيث يريد أو راكبا فيضعف عن ركوب دابته، أو م ا في هذا المعنى من الضرر البين ثم أضاف-رحمه الله -: وأحب إلي أن يكون آكله إن أكل وشاربه إن شرب أو جمعهما فعلى ما يقطع عنه الْوف ويبلغ به بعض القوة ولا يبين أن يحرم عليه أن يشبع ويروى، وإن أجزأه دونه، لْن التحريم قد زال عنه بالضرورة. وإذا بلغ الشبع والري فلي س له مجاوزته، لْن مجاوزته حينئذ إلى الضرر أقرب منها إلى النفع. ومن بلغ إلى الشبع فقد خرج في بلوغه من حد الضرورة وكذلك الري. ولا بأس أن يتزود معه من الميتة ما اضطر إليه. فإذا وجد الغنى عنه طرحه .اه (67) قلت: وبناء علي ذلك يتبين أن الضرورة تقدر بقدرها ومن ال غلو في الدين إباحة المحرم بحجة الاضطرار وليس كذلك ولكن يبقي عند التطبيق الشرعي الصحيح لهذه القاعدة الْصولية بإباحة المحرم عند الضرورة كحفظ الدِّين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال أي الضرورات الْمس التي لا تقوم حياة الإنسان إلا بها دليل ساطع لكل ذي عين عن سمو ورقي هذه الشريعة الربانية السمحة التي تسمو بالنفس البشرية وترفعها لمقام يليق بها لتميزها عند ربها عن كافة مخلوقاته –عز وجل -. 5-من وسطيةالإسلام التيسير عند المشقة والعذر: لا أغالي أن قلت ليس هناك شريعة سماوية يسرت أمر الدين رفقاً بالبشر من شريعة الإسلام التي تتميز بوسطيتها واعتدالها في بيان الْو امر والنواهي منعاً للحرج والمشقة والْدلة من القرآن كثيرة منها : (67) -انظر كتاب "الْم" لمحمد بن أدريس الشافعي (2/276)مختصراً-نشر دار المعرفة – بيروت-لا يوجد رقْ الطبعة - سنة النشر: 1410ه1990م

عدد الصفحات ٣٢

32 قولهتعالي: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُُْ ال يُس رَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُُْ ال عُس رَ } (68) -وقولهتعالي: { هُوَ اج تَبَاكُْ وَمَا جَعَلَ عَلَي كُْ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ }(69). -ومن السنة النبويةما ثبت عنه-صلى الله عليه وسلْ- في الصحيحين قوله: "يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا". (70) - وما روي عن هُرَي رَةَ ، أَنَّ أَع رَابِيًّا بَالَ في المَس جِدِ ، ف َثَارَ إِلَي هِ النَّاسُ لي َقَعُوا بِهِ ، ف َقَالَ لهَُْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَي هِ وَسَلََّْ: «دَعُوهُ، وَأَه رِيقُوا عَلَى ب َو لِ هِ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ ، أو سَج لاً مِن مَاءٍ ، فَإِنمََّا بُعِث تُْ مُيَسِّرِينَ وَلمَ ت ُب عَثُوا مُعَسِّرِينَ »(71)ومثل ذلك من الْحاديث كث ومما لا شك فيه أن حياة النبي وسنته -صلي الله عليه وسلْ-هو تطبيق عملي للقر آن وفي بيان وسطية الإسلام فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلْ إذا كان في الْمر خيار اً أن يُتار الْيسر، فما عرض على الرسول صلى الله عليه وسلْ أمران إلا اختار أيسرهما ، ودليل ذلك حديث عائشة –رضي الله عنها - أنها قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلْ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثْا، فإن كان إثْا (68) - البقرة 185 (69) - الحج78 (70) - أخرجه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 69)-باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلْ يتخولهْ بالموعظة والعلْ كي لا ينفروا -تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر-نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه (71) - أخرجه البخاري في الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 6128)- باب قول النبي صلى الله عليه وسلْ«يسروا ولا تعسروا »-تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه

عدد الصفحات ٣٣