المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحل الإسلامي لمعالجة التطرف والغلو المادي والديني

سيد مبارك

صفحة ١٣ من ١٥

193 ومما لا يُفي أن القمار هوالميسر وهو حرام بنص القرآن فقد قال تعالي:{يَاأَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنمََّا الْ َم رُ وَال مَي سِرُ وَالْ َن صَابُ وَالْ َز لاَمُ رِج سٌ مِن عَمَلِ الشَّي طَانِ فَاج تَنِبُ وهُ لَعَلَّكُْ ت ُف لِحُونَ }(388) -قال ابن حجر الهيتمي-رحمه الله - في (الزواجر عن اقتراف الكبائر)-ما مختصره: والميسر: القمار بأي نوع كان ، وسبب النهي عنه وتعظيْ أمره أنه من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه بقوله تعالي{ولا تأكلوا أموالكْ بينكْ بالباطل }(389). اه(390) 3-الحد من الإسراف الرياضي غير المشروع وتجرماه ورفع الدعْ عنه حكومياً بالامتناع عن تمويله وشعبياً بمقاطعة الرياضة المحرمة وهجرها : ونري أن حال الرياضة في مجتمعاتنا المعاصرة وما صاحبها من غلو وانحراف لن يستقيْ أمرها مالم ندرك أهمية علاجه بح ث الْمة علي أهمية الوقت والجهد الذي يضيع بسبب اللعب واللهو وما تنفقه الدولة من أموال للمسابقات المحلية والدولية والعالمية باستضافة الدورات الْارجية للتفاخر وال تعالي واستغلال الْموال التي جعلها الله قياماً للناس فيما ينفع العباد والبلاد وعدم إرهاق الدولة و إضعافها اقتصادها. من المعلوم أن الإسراف في المال كما قال أهل العلْ: هو ما جاو ز حدَّ الاعتدال إلي التبذير أو الترف، وكلاهما ممقوت شرعًا، قال تعالي:{ إِنَّ ال مُبَذِّرِينَ كَانُو ا إِخ وَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّي طَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا }(391) وهوغلو كذلك وبخروجه عن حد الشرع صار انحرافاً لْنه يضر أكثر مما ينفع ونري الإسراف ظاهر و بالملايين لشراء وبيع الاعبين والمتاجرة فيهْ كتجارة العبيد واستقدام (388) - المائدة:90 (389) -البقرة 188 (390) - البقرة 188 (391) - الإسراء27

عدد الصفحات ١٩٤

194 مدرب أجانب للفرق المختلفة بمرتبات خيالية واقامة المسابقات والدورات المحلي ة والدولية والعالمية من أجل اللعب واللهو مما يضيع الوقت والجهد والمال ولاشك أن هذا ي ضر الاقتصاد الوطني ويسهْ في التضخْ والْلل في الموازنة العامة للدولة الذي قد يدوم لفترة طويلة مما ينذر بكوارث اقتصادية نتيجة هذا السرف الذي هو غلو منهي عنه شرعاً وعقلاً و لا يحبه الله لعباده وكذلك هو سفه بنصوص القرآن فقد قال -جل شأنه-{ وَكُلُوا وَاش رَبُوا وَلاَ تُس رِفُوا إِنَّهُ لاَ يحُِبُّ ال مُس رِفِينَ }(392) وقالتعالي:{لاَ ت ُؤ تُوا السُّفَهَاءَ أَم وَالَكُُْ الَّتيِ جَعَلَ اللَّهُ لَكُْ قِيَامًا وَار زُقُوهُ ْ فِيهَا وَاك سُوهُْ وَقُولُوا لهَُْ ق َو لاً مَع رُوفًا }(393) وممالا شك فيه أن الوعي الديني للمجتمعات المسلمة عن المباح والمحرم من الرياضة يسهْ في تقليل نشاطها وعدم مزاولتها ولو بالتدرج للتخلص منها نهائياً وهذه مهمة العلماء وأهل الحل والعقد وأمانة في رقابهْ. 4-وضع الضوابط الْخلاقية والشرعية لمنع اختلاط الرجال بالنساء في الملاعب والمدرجات وما ينشأ من ذلك من فتن. النساء بكامل زينتهن بجوار الرجال في المدرجات مختلطات بالرجال والشباب هذا غ ير حركاتهن المثيرة في القفز والتشجيع والتصفيق والتصفير ناهيك عن تصوريهن بكاميرات التلفاز علي ملايين المشاهدين المتابعين للمباريات ثم يقول الإعلام المزيف الذي يندثر في رداء العلمانية "انظروا هذا الرقي و التحضر "ولا يُفي على العليل فضلاً عن الصحيح التدليس الواضح والغلو الفاضح والانحراف عن الحق وهو ظاهر لكل ذي عين عن حرمة هذا كله. (392) - الْعراف 31 (393) -النساء:5

عدد الصفحات ١٩٥

195 وينبغي عن القائمين عن أمر الرياضة من أهل الحل والعقد وولاة الْمور وضع الضوابط الْخلاقية لمنع هذا الاختلاط والتحرش الذي يجري علانية بلا رادع من دين أو قانون بحجة التشجيع والفرحة بالفوز علي تلك الصورة الفجة بين رجال ونساء لا يربطهْ إلا حب الرياضة ولو بتخصيص مدرجات خاصة بهن فالنساء هن اخطر الفتن الدنيوية علي الاطلاق و أو لها كما قال -تعالي-:{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الن سَ اءِ وَال بَنِينَ وَال قَنَاطِيرِ ال مُقَن طَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَال فِضَّةِ وَالْ َي لِ ال مُسَوَّمَةِ وَالْ َن عَامِ وَالح َر ثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الح َيَاةِ الدُّن يَا وَاللَّهُ عِن دَهُ حُس نُ ال مَآبِ }(394) وقال الن–صلي الله عليه وسلْ: " إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله عز وج ل مستخلفكْ فيها لينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أو ل فتنة بني إسرائيل كانت في النساء "(395) 5- منع تكريم الرياضي في الرياضة المحرمة للحد من ممارستها . والرياضة المحرمة ما كانت تنهي عن المعروف وتأمر بالمنكر فالرياضة التي ت بيح ترك الصلاة وتأخيرها عن وقتها دون عذر اللهْ إلا اللعب واللهو فهي رياضة غير مشروعة و الله تعالي يقول: { رِجَالٌ لاَ ت ُل هِيهِْ تجَِارَةٌ وَلاَ ب َي عٌ عَن ذِك رِ اللَّهِ }(396). كذلك من الرياضة المحرمة التي تدعو لكشف العورات لا شك في حرمتها، ودين نا من وسطيته لا يحرم الرياضة علي النساء فهن شقائق الرجال ولكن مانعهن من الاختلاط وكشف العورات ولا يُتلف أهل العلْ في إباحة الرياضة لهن في مجتمعهن الْاص بعيدا (394) - آل عمران 14 (395) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 2742)- باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء -تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه 1955م (396) – النور:27

عدد الصفحات ١٩٦

196 عن عيون الرجال وفي السنة دليل علي هذه الوسطية السمحة فقد ثبت عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَي هِ وَسَلََّْ في سفر، قالت: فسابقته، فسبقتُهُ على رِج لَيَّ. فلما حملت اللَح َْ؛ سابقته فسبقني، فقال: " هذه بتلك السب قَةِ ". و من الرياضة المحرمة الرياضة العنيفة كالملاكمة كمثال لاشك في حرمتها وغل و من أباحوها هي وغيرها من شيوخ الدنيا والسلطان والله تعالي يقول في كتابه الكريم:{ وَأَن فِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ ت ُل قُوا بِأَي دِيكُْ إلي الت َّه لُكَةِ وَ أَح سِنُوا إِنَّ اللَّهَ يحُِبُّ ال مُح سِنِينَ }(397) فالرياضة ال فيها اهلاك النفس والصحة وضياع الحسنات لما تحتويه من عنف وشدة وتعصب من أجل المكسب والحافز المالي والمعنوي لهي أشد خطراً علي المجتمعات المعاصرة التي تبيحها وليس ذلك الغاية من الرياضة قطعاً . 6- ومما نقترحه من الوصايا لتنظيْ النشاط الرياضي الذي تقوم بتنظيمه وتمويله الدولة كحل جذري رغْ صعوبة ذلك للأهواء وحب المال أن يتْ تأميْ النشاط الرياضي كله و أنشاء مجلس أعلي-أو لجنة عليا- للرياضة له قوة القانون في قراراته الرياضية وملزمة للجميع و برعاية ولاة الْمور لتنظيْ عملها وتوجيه بعيداً عن المصالح والْهواء ويقوم بوضع آليات النشاط الرياضي كله . وأذكر من آليات التنفيذ التي ينبغي مراعاتها في قرارات هذه اللجنة علي سبيل المثال هذه الوصايا: - توحيد مرتبات اللاعبين كل لعبة علي حدة منعا للتفاخر وال تعالي مع الوضع في الاعتبار حوافز للإجادة والتفوق للبارعين وأصحاب المهارات العليا والتنافس الشريف من أجل الفوز. (397) - البقرة 195

عدد الصفحات ١٩٧

197 -تجر الإسراف وردع المبذرين عن الحد المقرر التي تراه اللجنة يناسب النشاط الرياضي في المنشأة الرياضية أ ياً كان نوع الرياضة وهو يُتلف باختلاف الشعبية وكثرة الممارسين فيها من الْعضاء. -تجريم وردع كل وسائل العنف في الملاعب الرياضية التي تزيد من الاحتقان والت عصب بالعقاب المناسب لمنعه. - الاعتماد علي المدربين الوطنيين وعدم التعاقد مع أجانب إلا للتوجيه والاستشارة للاستفادة من خبرتهْ ليس إلا. -وضع الضوابط الشرعية للرياضة مثل قطع اللعب للصلاة وليس الراحة بين الشوطين في كرة القدم أ و الوقت المستقطع في كرة السلة واليد وغير ذلك الذي نراه في قوانين الرياضة ب أو لي من راحة للمسلْ الرياضي للصلاة وأداء الفريضة الربانية وكذلك تخ صيص الْماكن والمداخل الْاصة بالنساء لمنع الاختلاط أن كان ولابد من حضورهن. - وضع آليات وضو ابط للمشاركة الدولية والعالمية لا تخالف الشريعة ولا تتص ادم معها. وهذه الوصايا هي ما نراها صالحة لإصلاح مسار الرياضة وضبطها بتحكيْ الشريعة الربانية والله أعلْ وأحكْ. (8)وصايا لعلاج العلو وانحراف الفكر الاقتصادي والتجاري الاقتصاد والتجارة من الْ عمدة الرئيسة لْي مجتمع معاصر و لهُ مفهومين كما يقول أهل الذكر من الاقتصاديين وهما: -الْول الاقتصاد الفرديّ: وهو من سعي كل فرد في المجتمع قادراً علي العمل والتحصيل لشراء احتياجاته الشخصية والْسرية وغير ذلك مع يقينه بأن الرزق مضمون وأن التوصل إليه يكون بالسعي والجهد والتوكل علي الله تعالي هذا ما تطلبه منه الشريعة الربانية أما التواكل وعدم السعي بحجة أن الله ضمن الرزق للعباد فهو لاشك س لبية وغلو وانحراف عن الحق وفقدان لإرادة الحياة وهو مذموم في الشريعة التي حثت علي العمل والسعي .

عدد الصفحات ١٩٨

198 كما قال-تعالي-:{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُُْ الْ َر ضَ ذَلُولاً فَام شُوا في مَ نَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِز قِهِ وَإِلَي هِ النُّشُورُ }(398) وهذا لاريب في فوائده الاقتصادية وأثاره الاجتماعية حيث التعاون المثمر بين أفراد المجتمع وبعضهْ بعضاً يزيد من ترابطهْ وتجانسهْ ويحقق الاستفادة القصوى للمجتمع ككل وهوَ يشمل كلّ نشاط بدنيّ أو ذهنيّ لكسب المال الذي يكسبهُ الفرد من تعبهِ وعرقه ولا يكون عالة علي مجتمعه وغيره. وقال أيضاً -صلي الله عليه وسلْ " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده و إن نبي الله دأو د كان يأكل من عمل يده ." (399) يقولد.عبد الجبار حمد عبيد السبهاني في كتابه "الوجيز" : إن الإنسان لكي يحرز قوته فلا بد له من الاكتساب لان " التغلب والانتهاب " من المحضورات الشرعية فلْ يبق الا الاكتساب الذي به قوام الإنسان بهذا الفهْ الوظيفي للاستهلاك والاكتساب يحدد الْمام الغايات ويرسْ الحد الفاصل بين الواجبات والمحظورات. إن حفظ النفس مقصد من مقاصد التشريع ولا يتسنى ذلك إلا بالاستهلاك لذا فهذا القدر من الاستهلاك فرض واجب ومن امتنع عن ذلك يكون كمن قتل نفسه عمدًا فيستحق لذلك النار،بل هو يشدد بأن الجائع المضر يفترض عليه الاكل من الميته بالقدر الذي يقيْ حياته فأن لم يفعل فمات دخل النار، وبهذا المعنى يكون قدر من الاستهلاك فرض واجب وما زاد يكون مباحاً فان قضى شهواته ونال لذاته بالحلال فهو مرخص له محاسب عليه مطالب بشكر النعمة وحق الفقراء فيها فما زاد عن الشبع فأنه يعرض صاحبه للعقوبة. (398) - الملك15 (399) - سبق تخريجه برقْ 297

عدد الصفحات ١٩٩

199 وحتى يستطيع الْفراد إشباع حاجتهْ فلابد من التخصص وتقسيْ ا لعمل لْن الإنسان لا يستطيع أن يتعلْ وينتج كل ما يلزمه لذا لابد من ال تعاون مع أعضاء الهيئة الاجتماعية حتى يتحقق من ذلك كمال التسخير فالناس تختلف ملكاتهْ ويحتاج بعضهْ إلى بعض واستحضار هذه النية يفيد التعاون على البر والتقوى.اه (400) -والثاالاقتصاد الدولي: وهوَ اقتصاد قومي لكل دولة يقوم على المُعاملات الاقتصادية بين دول العالم والتعاون فيما بينهْ بالاتفاقيات والمعاهدات وما اشبه ذلك، ويهتّْ بالعلاقات التجاريّة بين الدول وقدرة الدولة على التنافس في السوق العالميّ فهو معيار قوتها وسلامة اقتصادها التجاري ، لْنه له مردود مالي يساهْ في تقويتها ورفع أسلوب المعيشة بين أفرادها . والتجارة كانت موجودة في زمن النبي -صلي الله عليه وسلْ -ولكنها في المجتمعات المعاصرة تطورت بشكل رهيب ودخلت في التجارة كل شيء وأي شيء حتي المحرمات كالتجارة في الْمور والْعضاء البشرية وغيرهما من ال طامات والمصائب وهنا مربط الفرس كما يقولون. فالشريعة وضعت معايير وحدود لا يجوز الْروج عنها مهما كان التطور وذلك في كل عصر ومصر والْروج عنها غلو وانحراف عن وسطية الإسلام ومنهجه القويم و أعظمها في الاقتصاد المعاصر هو التعامل بالربا علي مستوي منحر ف في العالم ك له وكفي أن القرآن والسنة في الحديث عن الرّبا وأهله مخيف وخطير، وفيه من الوعيد والتهديد الشّديدين للّذين يتعاملون به في كلّ زمان ومكان ما يشيب له الولدان، حتىّ وصل الترّهيب منه إلي أنّ الله عز وجل يحارب الذين لا يتركون الرّبا، فقال -تعالي-:{ يَاأَي ُّهَا (400) - الوجيز في الفكر الاقتصادي الوضعي والإسلامي (ص 337 )-د.عبد الجبار حمد عبيد السبها–دار وائل للنشر-عمان-الْردن -الطبعة الْولي سنة 2001م

عدد الصفحات ٢٠٠

200 الَّذِينَ آمَنُوا ات َّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُن تُْ مُؤ مِنِينَ* فَإِن لمَ ت َف عَلُوا فَأ ذَنُوا بحَِر بٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن ت ُب تُْ ف َلَكُْ رُءُوسُ أَم وَالِكُْ لاَ تَظ لِمُونَ وَلاَ تُظ لَمُونَ } (401) نسأل الله أن يعافينا من شرها وأثارها علي الجميع ونتمنى من ا تعالي التوفيق والسداد في إصلاح الاقتصاد والتجارة للأمة الإسلامية ومجتمعاتها الضعيفة الهشة لما أصابها من وهن عندما تركت مصدري قوتها وعزتها كتاب الله وسنة رسوله -صلي الله عليه وسلْ- ولا مندوحة من الرجوع إلي تحكيْ الشريعة لْن الغلو والانحراف عنها ضياع لها ولهوية الْمة ومستقبلها وما ذكرنا هنا حيض من فيض . ونبين هنا الوصايا المقترحة لعلاج الْلل والغلو في المجال الاقتصادي والتجاري التي نراها ملتمسين خبرة أهل التخصص من علماء الاقتصاد والشريعة نذكر منها: 1-تجريم وتحر التعامل بالربا بكل صوره واشكاله المستحدثة واساليبه الملتوية و التحول للاقتصاد الإسلامي بضوابطه الشرعية ووضع آليات التنفيذ بلا تردد ومعالجة أثار التحول بالتدرج المدروس. لا يغيب علي العقلاء من أهل التخصص والشريعة أن الربا آفة من الآفات ، إذا أصاب اقتصاد دولة ورضيت به عن شريعة الله تعالي دمرته واهلكته وصار أهله علي شفا الفقر والإفلاس عاجلاً أو آجلاً لْنَّ بلايا الربا لا تظهر مرة واحدة في كيان المجتمع واقتصاده بل بالتدريج ، والله ماهل ولا يهمل. ومن صور الربا في المعاملات المعاصرة كما يقول أهل الاختصاص: الفائدة على القروض بين الْفراد أو الفائدة على السلفيات والقروض التي يحصل عليها الْفراد من الحكومة أو وحداتها ، أو تأجيل سداد الديون المستحقة مع الزيادة ، أو القروض المشروطة بحصول الدائن على منفعة، أو الزيادة في الديون التجارية بسبب زيادة الْجل أو بوالص التأمين التجاري أو على الحياة وما في حكمها أو الفوائد على (401) - البقرة 279-278

عدد الصفحات ٢٠١

201 الودائع بين البنوك أو فوائد شهادات الاستثمار على اختلاف أنواعها، كل هذا وغير ه ربا محرم قطعاً . ومهما كانت صور الربا سواء مما ذكرنا أو غير ذلك فهو غلو وانحراف عن الحق و ينبغي تركه ولو بسياسة اقتصادية متدرجة لْ ن الْمر جد خطير والعقاب الشرعي مهيب ك ما ذكرنا. 2-انشاء جهاز أمنى مختص بمراقبة الْسعار والتجار للحد من الغش والتدليس للثراء السريع في الوزن والسلع والْدمات التجارية وحماية لضروريات الشعب الْساسية التي لا تستقيْ حياته إلا بها. فالتجارة تزخر بطرق عديدة للغش والتدليس من أجل بيع السلع أو الْدمات والله تعالي حث علي الْمانة في التعامل فقال-جل شأنه-: { إِنَّ اللَّهَ يَأ مُرُكُْ أَن ت ُؤَدُّوا الْ َمَانَاتِ إلي أَه لِهَا وَ إذا حَكَم تُْ ب َين َ النَّاسِ أَن تحَ كُمُوا بِال عَد لِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُ ْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سمَِيعًا بَصِيرًا } (402) وحذر من الغش والتدليس فقال تعالي:{ وَي لٌ لِل مُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إذا اك تَالُوا عَلَى النَّاسِ يَس ت َو فُونَ *وَ إذا كَالُوهُْ أو وَزَنُوهُْ يُُ سِرُونَ } (403) قال السعدي- رحمه الله - ما مختصره: وفسر الله المطففين بقوله { الَّذِينَ إذا اك تَالُوا عَلَى النَّاسِ } أي: أخذوا منهْ وفاء عما ثبت لهْ قبلهْ{ يَس ت َو فُونَ} يستوفونه كاملا من غير نقص. { وَإذا كَالُوهُْ أو وَزَنُوهُْ } أيإذا أعطوا الناس حقهْ، الذي للناس عليهْ بكيل أو وزن ، { يُُ سِرُونَ } أي: ينقصونهْ ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين ، أو بعدم ملء المكيال والميزان ، أو نحو ذلك. فهذا سرقة لْموال الناس ، وعدم إنصاف لهممنهْ. (402) - النساء58 (403) - المطفف1-3

عدد الصفحات ٢٠٢

202 وإذا كان هذا الوعيد على الذين يبخسون الناس بالمكيال والميزان ، فالذي يأخذ أموالهْ قهرًا أو سرقة ، أو لى بهذا الوعيد من المطففين.اه (404) والن–صلي الله عليه وسلْ –حذر من الْذى و الغش وحرض علي الْمانة فقال" من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا" (405) وهكذا يرسْ الن –صلي الله عليه وسلْ –الطريق وماهده لعدم الاضرار ب الغير والصالح العام و يحرض علي التعاون المثمر في البيع والشراء ، ولكن نظرة إلي المجتمع ات المعاصرة نجد الكثير من الناس تعاني من ضياع الْمانة والصدق في الْدمات والسلع المعروضة ،ومن ثم ينبغي لوضع الْمور في نصابها الصحيح الحد من هذا الانفلات والغلو في زيادة أسعار السلع أو غير ذلك بجهاز أمني وظيفته ضبط الْسعار وتتفرع منه لج ان تنتشر في كل المدن والقري لمراقبة حركة الْسعار والْسواق لوضع آليات لعلاج السلبيات قبل تشعبها والتأكد من توفر السلع الجيدة وغير المغشوشة ويعاقب من يُرج عن حدود الْمانة من المطففين لعقابهْ 3-تجرالتنافس غير الشرعي لاحتكار السلعة أو بيعها للسيطرة علي ال سوق والمستهلكين ممن مالكون المال والنفوذ. (404) - انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص 915)- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م (405) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إ رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 101)- باب قول النبي صلى الله عليه وسلْ«من غشنا فليس منا»-تحقيقمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م

عدد الصفحات ٢٠٣

203 الاحتكار صفة مذمومة وانحراف عن الطريق المستقيْ من أجل المال وهو ظل زائل و النبي –صلي الله عليه وسلْ-نهي عن احتكار ما يحتاجه الناس فقال" من احتكر ف هو خاطئ"(406) يقول شيخالإسلام ابن تيمية ما مختصره: ومثل ذلك (الاحتكار) لما يحتاج الناس إليه، روى مسلْ في صحيحه عن معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلْ قال: « لا يحتكر إلا خاطئ». فإن المحتكر هو الذي يعمدإلي شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهْ ويريد إغلاءه عليهْ ، وهو ظالم للخلق المشترين، ولهذا كان لولي الْمر أن يكره الناس على بيع ما عندهْ بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه ، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلي طعام لغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره .اه (407) قلت ولا ريب أن الاحتكار للسلع يؤدي إلي أضرار جسمية تضر بمصالح الناس سيما أن كانت من الضروريات التي لا غني للناس عنها ؛ إذ تختفي السلع والحاجات و تبقى في أيدي أفرد يحتكرونها فترتفع أسعار ها فوق ما تستحقه من الْثْان. ولا يغيب عند العقلاء أن هذا يحدث في النظْ الوضعية الجائر ة التي تجيز ه أو تتغاضى عنه كالرأسمالية والماركسية دون رادع يحفظ للناس حقهْ . والإسلام حينما حرَّم الاحتكار أراد إرساء مبدأ التعاون والتكافل بين الناس ولذلك لم يشمل ذلك التحريم ما يدخره الإنسان في بيته من قوته وق وت عياله طالما لا ضرر من (406) -أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن الع دل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 1605)- باب تحريم الاحتكار في الْقوات-تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه1955م (407) - انظركتاب "الحسبة في الإسلام" أو وظيفة الحكومة الإسلامية لابن تيمية(ص/21 )-نشر دار الكتب العلمية-بيروت-لبنان- الطبعة: الْولى –لا يوجد سنة الطبع –المصدر المكتبة الوقفية

عدد الصفحات ٢٠٤

204 ذلك بالمصالح العامة للناس وكذلك ما تختزنه الدولة في ميزانيتها للظر وف والْزمات الاقتصادية مما لا يضر بمصالح العباد. و من صور الاحتكار والتدليس التي نراها رؤية عين أن هناك بعض البائعين أو التجار يأتِ إلي السوق وقبل دخوله حيث الجميع ينتظر رزقه من الزبائن فيبيع هو بضاعته ويعرض ها قبل دخوله السوق بمسافة ليحتكر الزبائن لنفسه هذا من جهة ومن جهة أخري يستغل جهل المشتري بأسعار السوق الت نافسية في داخله فيزين بضاعته ويغالي في السعر عن الموجود في السوق وهذا احتيال و غش وغلو ومخالفة صريحة لقول ال نبي- صلي الله عليه وسلْ –" لا يبيع بعضكْ على بيع بعض ولا تلقوا السلع حتى ي هبط بها إلي السوق" (408) -ويضيف شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوي" ما مختصره وبتص رف: ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلي السوق، فإن النبي صلى الله عليه و سلْ نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع ، فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون ا لقيمة، ولذلك أثبت النبي صلى الله عليه وسلْ له الْيار إذا هبط إلي السوق، وثبوت الْيار له مع الغبن لا ريب فيه ، وأما ثبوته بلا غبن ففيه ن زاع بين العلماء .اه (409) ونري أن يأخذ الجهاز المسئول عن أمن الذي ذكرناه أنفاً بيد هؤلاء وعقابهْ ومنعهْ من البيع خارج السوق لمنع ذلك الغلو والغش والله المستعان . (408) - أخرجه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 2165)- باب النهي عن تلقي الركبان وأن بيعه مردود -تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه (409) - انظر " مجموع الفتاوى" لابن تيمية 28/74)-تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسْ - نشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية -سنة: 1416ه1995م

عدد الصفحات ٢٠٥

205 4-تجرانتشار التجارة الدعائية دون حماية للمستهلكين من الاحتيال والْداع بفرض تصاريح خاصة من الجهات المختصة بمراقبة السلع لبيان صلاحيتها للتداول في السوق. .التجارة الدعائية انتشرت بشكل هستيري في وسائل الإعلام المختلفة لْي سلعة أو خدمة دون ضابط لها أو رابط وأغلبها إلا من رحْ ربي منهْ يغالي في الدعاية بالمال مراراً وتكراراً ونحن لا نري حرمة الدعاية المعتدلة ولكن ينبغي أنشاء جها ز خاص احترافي ومتخصص لهذا النوع من التجارة ويضْ لجان متفرعة منه ومنتشرة في السوق التجاري لمتابعة السلعة المعروضة دعائياً وإعلامياً ومراقبتها والتأكد من صلاحيتها بل وينبغي عدم السماح لْي وسيلة إعلامية من الدعاية للسلعة أو الْدمة إلا بتصريح خاص بصلاحيتها من الجهات المعنية وهي هذا الجهاز الرقابي الذي يتبع المسئولين من أهل الحل والعقد لتنفيذ السياسة الاقتصادية والتجارية للدولة وتحت اشرافهْ المباشر. 5-وضع سياسة واضحة صارمة ب إفراط أو تفريط لسد العجز والتضخْ الاقتصادي للدولة بسبب التجارة الدولية المحرمة ومبارزة رب العباد بالمعاصي ومنع اصدار القرارات غير المدروسة جدواها أو التي تتصادم مع نصوص الشريعة . وهناك كما لا يُفي في المجتمعات الإسلامية المعاصرة تعامل تجاري محرم مع دو ل العالم وتستورد منها ما يتصادم مع نصوص الشريعة وبالتالي تتسبب في خسائر اقتصادية لحرمتها من جهة والمال الحرام الذي لا بركة فيه فيسبب الْسائر الفادحة من جهة أخري ك التجارة في الْمور واستيراد التبغ لصناعة السجائر واضراره لا تحص ي ولا تع د وتضر أكثر مما تنفع وغير ذلك من الْبائث التي حرمها الله تعالي و رسوله –صلي الله عليه وسلْ- كما قال -تعالي-:{ وَيحُِلُّ لهَُُْ الطَّيِّبَاتِ وَيحَُرِّمُ عَلَي هُِْ الْ َ بَائِثَ وَيَضَعُ عَن هُْ إِص رَهُْ وَالْ َغ لاَلَ الَّتيِ كَانَت عَلَي هِْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَات َّ ب َعُوا النُّورَ الَّذِي أُن زِلَ مَعَهُ أو لَئِكَ هُُْ ال مُف لِحُونَ } (410) (410) – الْعراف 157

عدد الصفحات ٢٠٦

206 ولن تتقدم الامةالإسلامية ومجتمعاتها ولن تحل البركة ورعاية الله تعالي لنا وهو العزيز الحكيْ، ولن ينتهي هذا الغلو بأنواعه وأقسامه والانحراف بكل صوره وألو انه إلا بالعودة للكتاب والسنة وفيهما الإماان والتقوي و البلسْ الشافي لكل الفتن والابتلاءات وسر الحياة للمجتمعات المؤمنة كما كانت في طورها الْ و ل أيام النبي-صلي الله عليه وسلْ- والْلافة الراشدة ، ويدل علي ذلك قوله تعالي وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل أبداً :{ وَلَو أَنَّ أَه لَ ال قُرَى آمَنُوا وَات َّقَو ا لَفَتَح نَا عَلَي هِْ ب َرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْ َر ضِ وَ لَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذ نَاهُْ بمَِا كَانُوا يَك سِبُونَ } (411) قال السعدي- رحمه الله ما نصه في تفسيرها: لما ذكر تعالي أن المكذبين للرسل يبتلون بالضراء موعظة وإنذارا ، وبالسراء استدراجا ومكرا ، ذكر أن أهل القرى ، لو آمنوا بقلوبهْ إماانا صادقا صدقته الْعمال، واستعملوا تقوى اللّه تعالي ظاهرا وباطنا بتر ك جميع ما حرم اللّه، لفتح عليهْ بركات السماء والْرض ، فأرسل السماء عليهْ مدرار ا، وأنبت لهْ من الْرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهْ، في أخصب عيش وأغزر رزق ، من غير عناء ولا تعب ، ولا كد ولا نصب ، ولكنهْ لم يؤمنوا ويتقوا { فَأَخَذ نَاهُْ بمَِ ا كَانُوا يَك سِبُونَ } بالعقوبات والبلايا ون زع البركات ، وكثرة الآفات ، وهي بعض جزاء أعمالهْ ، وإلا فلو آخذهْ بجميع ما كسبوا ، ما ترك عليها من دابة. { ظَهَرَ ال فَسَادُ في ال ب َرِّ وَال بَح رِ بمَِا كَسَبَت أَي دِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُْ ب َع ضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُْ ي َر جِعُو نَ }(412).اه(413) ونقترح لتفعيل هذه الوصية أنشاء مجلس شوري يضْ جهابذة الاقتصاد الو طني مع رعاية تشريعية من علماء الشريعة لوضع القرارات وحاجة الامة من السلع والْدمات (411) –الْعراف 96 (412) –الروم41 (413) - انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص 298)- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م

عدد الصفحات ٢٠٧

207 الاقتصادية والتجارية تحت المجهر وبيان مميزاتها وسلبياتها ووضع الضوابط الاقتصادية وحلولها الشرعية لْهل الحل والعقد لاتخاذ القرار الصحيح . ولا نكتفي بالبحث عن حلول اقتصادية جاهزة وخبيثة لا تناسب امكانيتنا وتخالف شريعتنا فكما لا يُفي من أكبر أسباب الغلو الاقتصادي والانحراف عن الشريعة في هذا الصدد هو التقيد بالمذاهب دون فكر أو امعان نظر. مع خبث الْبثاء وتضليل السفهاء ستظل الْمة علي تبعياتها وتخلفها مالم تبدأ في إعادة النظر بثقة وإماان بالحلول الاقتصادية الفذة التي بينتها الشريعة من حيث الحل والحرمة وهو مربط الفرس كما يقولون . - يقول مالك بن نبي- رحمه الله - ما نصه:إذا تأملنا الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة المشكلات الاقتصادية، نرى أنه يضيّق على نفسه مجال اجتهاده، بمقتضى مسلمات ضمنية ماكن حصرها تقريباً فيما يلي: 1) إنه يفكر أولاً على أساس أن الموجود من المناهج الاقتصادية هو ما ماكن إيجاده 2) إن النشاط الاقتصادي لا ماكن من دون تدخل المال، سواء في صورة استثمار، تنظمه وتشرف عليه قطاعات خاصة أو استثمار تهيمن عليه سلطة سياسية، فيما يسمى القطاع العام. ومن هنا يبتدئ تعثر الفكر الإسلامي بصعوبات تنشأ من طبيعة موقفه من الْشياء، لا من طبيعة الْشياء ذاتها. فالمسلمة الْولى، مثلاً، تضطره إلى الاختيار بين الرأسمالية وبين الشيوعية. وإذا به يجد نفسه-مهما كانت ميوله- أمام مشكلات فنية أو مذهبية أو على الْقل أخلاقية، تضيف إلى متاعبه ما شاء الله، لْنه لا يجد لها حلاً في نطاق اختياره في كلا الاتجاهين، إلا على حساب مبادئه الْولية، وبالتالي على حساب شخصيته وهويته من التاريخ.

عدد الصفحات ٢٠٨

208 فإن جنح إلى الرأسمالية فسرعان ما يصطد م بإباحيتها، القائمة على المبدأ الذي عبر عنه (آدم سميث)، في بداية العهد الاقتصادي الحديث، في عبارته الشهيرة "دعه يعمل، دعه يسير". والآن بعد قرن ونصف، يرى المسلْ بكل وضوح أين يؤدي هذا، إلى أي اضطراب اجتماعي يؤدي بالمجتمع الذي يسير هكذا، إلى أي انحرافات ثقاف ية تنشأ فيه متخذة ردود أفعال ضرورية أمام إفراط في الإنتاج وتفريط في التوزيع، فتنشأ الماركسية مثلاً وتقوم على أساسها الثورات الشيوعية لتعيد المياه لمجاريها في عالم الاقتصاد حسب زعمها. ولا يصطدم المسلْ في هذا الاتجاه، بإباحية الرأسمالية فحسب، أي بروحها فقط، بل سيصطدم أيضاً بشروطها أو بعض شروطها الفنية؛ لْن الرأسمالية تقتضي استثمار المال بوصفه الوسيلة الوحيدة لدفع عجلة الاقتصاد، وإذا بها تلجأ لعملية تجميع الْموال وتركيزها في مؤسسات معينة كالبنوك، لتقوم هي بتوزيعها وتوظيفها في القطاعات الإنتاجية المختلفة، على أساس الربا في عمليتي التجميع والتوزيع. وإذا بالمسلْ الذي يُتار هذا الاتجاه يغوص في محاولة تخليص الرأسمالية من الربا، لْنه محرم في شريعته. وكأنه من الناحية الفنية يحاول تخليص جسد من روحه، ويرجو أن الجسد سيبقى حياً وسيقوم بمهماته. وإن نجح في إيجاد حل نظري في قضية الربا يطابق الفقه الإسلامي، فيكون كأنه و جد روحاً لا يضمه جسد، أو تناقض مع جسده؛ لْن نظام البنوك يرفض هذا الروح وهو يرفضه، فيبقى الحل النظري معلقاً عملياً، لْن صاحبه انطلق على أساس مسلمة استثمار المال بصفته منطلق للديناميكا الاقتصادية، دون أن يراجع هذا المبدأ نفسه. وربما يلتفت المسلْ، بعد خيبة أمله في الرأسمالية، في الاتجاه الْخير، في اتجاه الاقتص اد الشيوعي، وبكلمة ألطف: في اتجاه الاقتصاد الاشتراكي، لا لْنه بذ منطلقاته المذهبية

عدد الصفحات ٢٠٩