المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحل الإسلامي لمعالجة التطرف والغلو المادي والديني

سيد مبارك

صفحة ١٤ من ١٥

209 غالباً، بل لْنه بعد أن شاهد مساوئ الرأسمالية وتناقضها أخلاقياً وتقنياً مع الفقه الإسلامي، يشاهد نجاح الْطط (الاشتراكية) في الاقتصاد. وهنا أيضاً، سرعان ما يصطدم المسلْ ببعض جوانب هذه الْطط المتعارضة مع الفقه الإسلامي، مثل تحديد الملكية أو إلغائها، بقطع النظر عن التعارض الْساسي بين المادية والإسلام، تعارضاً أعمق من التعارض مع الليبر الية، أو قضية الربا. وفي هذا الاتجاه، لم يبق على الاختصاصي أو السياسي المسلْ إلا أن يطبق المنهج (الاشتراكي)، دون مراجعة أسسه المذهبية البعيدة، وأسباب نجاحه في البلاد التي طبقته على نسبة تمسكها بالفكرة الماركسية بصفتها عقيدة، كما يراها دارسون مثل (سيرج بردا ئيف S. Berdaef) أو (فالتر شوبرت W. Shubart)، ودون نظرة نتائج أو توقعات الفتور عندما يعتري (العقيدة) الماركسية، بدورها، ويجعلها غير قادرة في الميدان الاقتصادي، على تعويض أو تغطية بعض الجوانب السلبية في النظرية الاقتصادية الماركسية، التي أثرت من دون ج دال علْ الاقتصاد بمفاهيْ جديدة مثل فائض القيمة ( Plus-value) أو الإنتاج على أساس الواحد أو الوحدة Productivité) دون أن تشعر أنها مست الطاقة الإنتاجية في جوهرها عندما مست مبدأ الملكية الفردية، أعني عندما ألغت أو خفّضت من قيمة وازع الامتلاء الذي يتصرف ح سب مدرسة (بافلوف) الروسية ( السوفييتية كان نعلْ)، في الر بع-على الْقل- مما أسميه بالطاقة الحيو ية Energie vitale الموزعة في إمكانيات الحيوان عامة والإنسان خاصة عندما حصل ذلك جاء هذا الْخير منتجاً أومستهلكاً على نسبة ما فيه من هذه الطاقة البيولوجية. بينما الفتور- أو الشيخوخة الاجتماعية - متوقع في المجتمع (الاشتراكي) كما هو شأن كل المجتمعات، وإذن سينكشف الضباب عن الحقيقة الاقتصادية الماركسية المجردة من جانبها العقيدي الذي يحقق نجاحها اليوم، فينتهي المجتمع الشيوعي الحديث، مثل

عدد الصفحات ٢١٠

210 المجتمعات الشيوعية السابقة كمجتمع القرامطة الذي انهار في ومضة بصر، بعد أن ه دّد الدولة العباسية في عز قوتها، وكالمجتمع الذي سبقه بإيران قبل البعث الإسلامي. فإذا كانت ظاهرة (الفتور) تصيب كل المجتمعات في عصر شيخوختها، فإنها تستعجل الشيخوخة في المجتمعات التي تفقد مسبقاً عوامل الاستقرار النفسي، و لا تستطيع الاستمرار إلا في حالة تغير متواصل وحركة ديناميكية مستمرة، مثل المجتمعات الشيوعية السابقة التي لم تستقر أوضاعها إلا في فترة نشوئها وتشييدها. لذلك لا نرى اختيار المسلْ - على أساس مسلمته- إلا محدوداً في الاتجاهين كليهما بعوامل بعضها فني وأخلاقي وبعضها فني ونفسي وعقائدي. وفي الاتجاهين كليهما نراه في محاولة تركيب روح إسلامية على جسْ أجني يرفضها وترفضه .اه (414) قلت: وفي كلامه -رحمه الله-بيان شافي وفكر لماح لما ينبغي علينا أن نفعله في عصرنا هذا من العودة إلي اصولنا الراسخة وتقاليدنا الْصيلة في أطار تعاليْ ديننا وشريعتنا الغراء التي هي سبب ع ز تنا وكرامتنا والبرهان علي هويتنا وثقافتنا بين الشعوب شاء من شاء وأبي من أبي. (9)وصايا لعلاح الغلو والانحراف الْمني الْمن هو طمأنينة النفس وزوال الْوف ويعد الغلو والانحراف الْمني من الْطورة السكوت عليه وعدم علاجه لْن بغياب الْمن ضياع للحقوق وتفشي للجرائْ وكثرة الظلْ وسفك الدماء وغير ذلك كثير فهو لهذا مطلب الشعوب كافة بلا استثناء، و المجتمعات المسلمة كغيرها من الشعوب ولو أجتمع لهْ الامن بجانب الإماان الصادق لكان لهْ شأنٌ آخر بين شعوب العالم فالْمن هبة ونعْ من نعْ الله العظيمة حتي أنه –جل شانه-تعظيماً للحرم وأهله من قريش رغْ كفرهْ أنعْ عليهْ بهذه النعمة الج ليلة (414) - انظر كتاب"المسلْ في عالم الاقتصاد"(ص 42) لمالك بن ن-نشر دار الفكر-دمشق سورية - الطبعة: 1420ه- 2000م

عدد الصفحات ٢١١

211 فقال تعالي يذكرهْ بها { ف َل ي َع بُدُوا رَبَّ هَذَا ال ب َي تِ *الَّذِي أَط عَمَهُْ مِن جُ وعٍ وَآمَن َهُْ مِن خَو فٍ }(415) قال السعدي في تفسيرها ما مختصره: فأهلك الله من أرادهْ بسوء، وعظْ أمر الحرم وأهله في قلوب العرب، حتى احترموهْ، ولم يعترضوا لهْ في أي: سفر أرادوا، ولهذا أمرهْ الله بالشكر، فقال: {ف َل ي َع بُدُوا رَبَّ هَذَا ال ب َي تِ } أي: ليوحد وه ويُلصوا له العبادة، { الَّذِي أَط عَمَهُْ مِن جُوعٍ وَآمَن َهُْ مِن خَو فٍ } فرغد الرزق والْم ن من المخاوف، من أكبر النعْ الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى.اه قلت: والآيات التي تشير لْهمية الْمن والْمان كثيرة منها: -قوله تعالي: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلمَ ي َل بِسُوا إِماَان َهُْ بِظُل ٍْ أُو لَئِكَ لهَُ ُْ الَْم نُ وَهُْ مُّه تَدُونَ }(416) -وقوله تعا:{ أَوَلمَ ي َرَو ا أَنَّا جَعَل نَا حَرَمًا آمِنًا وَي ُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَو لهِِْ أَفَبِ ال بَاطِلِ ي ُؤ مِنُونَ وَبِنِع مَةِ اللَّهِ يَك فُرُونَ }(417) والْمنالإسلام يتخذ معنى شامل لا ينحصر في مجرد الفهْ التقليدي الذي يحصر الْمن في القبض على المجرمين وإن زال العقوبات بهْ وهو ما يطلق عليه الْمن الجنائي بل هو يشمل كل مقومات الحياة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة وكافة جوانب الحياة الإنسانية فهناك الْمن الفكري والْ من النفسي والْمن الاجتماعي والْمن الاقتصادي والْمن السياسي والْمن الصحي. ومن أجل ذلك كله كان الجانب الْمني في الشريعة الربانية الغراء فيه الكثير من العقوبات الصارمة، لحفظ الْمة ومجتمعاتها من الهلكة والدمار والامراض الاجتماعية الْطيرة التي تنشأ من تمرد سفهائها ومترفيها مالم يأخذ علي يديهْ بما شرع الله تعالي (415) -قريش 3-4 (416) - الْنعام82 (417) - العنكبوت67

عدد الصفحات ٢١٢

212 من حدود وزواجر، فضياع الامن ضياع للامة وهلاكها وانتشار للفوضى الْلاقة والاضطرابات والن زاعات والشقاق ، ولهذا حذرنا الله تعالي من ذلك فقال -جل شأنه- : {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً ق َر يَةً كَانَت آمِنَةً مُط مَئِنَّةً يَأ تِيهَا رِز ق ُهَا رَغَ دًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَت بِأَن عُِْ اللَّهِ فَأَذَاق َهَا اللَّهُ لِبَاسَ الج ُوعِ وَالْ َو فِ بمَِا كَانُوا يَص ن َعُونَ }(418) ولا يغيب عنا قول الن -صلي الله عليه وسلْ –الذي يحث الْمة علي الاخذ بيد هؤلاء وعقابهْ أن لزم الامر لصلاح البلاد والعباد فقال" مَثَلُ المُد هِنِ في حدود الله و الواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهْ في أسفلها، وصار بعضهْ في أعلاها، فكان الذي في أسفلها مارُّون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتْ بي، ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهْ، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهْ" .(419) وهناك الكثير من الوصايا لعلاج الغلو الْمني المذموم والانحراف عنه بكل أنواعه و صوره في الشريعة سنبين بعضها في السطور التالية بالشرح والتفصيل مع ذكر الْسباب والظواهر المشتركة لكل أنواع الْمن بإيجاز شديد لندرك خطورة السكوت علي هذا الانحراف والغلو فالداء من وجهة نظرنا واحد والعلاج كذلك والله المستعان وعليه التكلان. من أخطر ظواهر الانفلات الْمني واهماله بأنواعه المختلفة أمرين فيهما ضياع للهوية ونعمة الاستقرار فضلاً عن الانتماء للوطن والْمة وها هي بإيجاز شديد: 1-انتشار ظاهرة الْوف سواء علي المال أو العرض أو الدين أو النفس و غير ذلك ولا ريب أن الْوف يذبذب استقرار المجتمعات ويجعل أفرادها وجماعتها في حالة استنفار دائْ وشك وتحفز وعداوة خوفاً من الغدر، وتطغي المصلحة الشخصية علي مصلحة (418) - النحل112 (419) - سبق تخريجه برقْ 97

عدد الصفحات ٢١٣

213 الجماعة المسلمة والتعاون المثمر بينهْمن أجل الحياة الكرماة في أطار تعاليْ الش ريعة المطهرة. و المتأمل لحديث النبي -صلي الله عليه وسلْ-: "من أصبح منكْ آمنا فى سرب ه معافى فى جسمه، عنده طعام يومه، فكأنما حيزت له الدنيا" (420) يدرك عظمة فقدان هذه النعمة العظيمة. وربما يؤدي هذا الْوف للغلو الْمني الفردي العشوائي الذي قطعاً سوف يتصادم مع الْمن القومي للبلاد وكوادره المختلفة ممن يقومون علي المنظومة الْمنية فيضيع العدل والمساواة بين الناس و يطغي الحكْ بالهوي والجبروت لا بالدليل والبينة مما يؤدي لتجاهل تطبيق الشريعة وتعاليمها ووسطيتها والعودة لحمية الجاهلية الاولي والتعصب للأهل والعشيرة و ربما يؤدي ذلك إلي نشوب حرب أهلية لا تبقي ولا تذر كما هو مش اهد اليوم. 2-انتشار الفسق والإباحية وانتهاك المحرمات وضياع الحقوق و المجاهرة ب الكفر البواح لعدم وجود الرادع الْمني الشرعي للمجاهرين به من السفهاء من أهل الهوي والدنيا و أصحاب الفكر المنحرف والميول الإلحادية أو وجوده مع رضاه بهذا الظلْ من أولياء الْمور ومن ينوب عنهْ حقداً وغلواً وما في ذلك من افساد لعقيدة الناس وضياع لهويتهْ كمسلمين مؤمنين برب العالمين . وقد حذر الله تعالي ورسوله -صلي الله عليه وسلْ من ذلك..فقال تعالي: {وَإِذَا أَرَد نَا أَن ن ُه لِكَ ق َر يَةً أَمَر نَا مُت رَفِيهَا ف َفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَي هَا ال قَو لُ فَدَمَّر نَاهَ ا تَد مِيرًا * وَكَْ أَه لَك نَا مِنَ ال قُرُونِ مِن ب َع دِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } (421). (420) - انظر صحيح الجامع الصغير وزياداته"الفتح الكبير"(برقْ/ 6042)- لمحمد ناصر الدين الالباني- نشر المكتب الإسلامي-دمشق- الطبعة الثالثة سنة1408ه-1988م (421) -الإسراء16-17

عدد الصفحات ٢١٤

214 قال السعدي في تفسيرها ما نصه:يُبر تعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة ويستأصلها بالعذاب أمر مترفيها أمرا قدريا ففسق وا فيها واشتد طغيانهْ، {فَحَقَّ عَلَي هَا ال قَو لُ } أي: كلمة العذاب التي لا مرد لها {فَدَمَّر نَاهَا تَد مِيرًا} وهؤلاء أمْ كثيرة أبادهْ الله بالعذاب من بعد قوم نوح كعاد وثْود وقوم لوط وغيرهْ ممن عاقبهْ الله لما كثر بغيهْ واشتد كفرهْ أن زل بهْ عقابه العظي ْ.اه (422) وقال الن–صلي الله عليه وسلْ –محذرا الْمة وأفرادها من اتباع هؤلاء السف هاء والشياطين من اتباع إبليس -لعنه الله- عند شيوع الظلْ من أولياء الْمور وتركهْ لْطباء الفتن في كل عصر ومصر للفساد والإفساد دون ردع شرعي كما في حديث حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه - قلت: " يا رسول الله، إنا كنا بشر، فجاء الله بخير، ف نحن فيه، فهل من وراء هذا الْير شر؟ قال: «نعْ»، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال «نعْ»، قلت: فهل وراء ذلك الْير شر؟ قال «نعْ»، قلت: كيف؟ قال «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسن تي، وسيقوم فيهْ رجال قلوبه ْ قلوب الشياطين في جثمان إنس»، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع "(423) ومن أخطر اسباب المشتركة للغلو والانحراف الْمني بأنواعه المختلفة ما يلي إجمالاً: 1-ضعف الوازع الديني أما لجهل أو لضعف الإماان الذي يؤدي للغلو الْمني والانحراف عن الشريعة في تطبيقه باللجوء للقوانين الوضعية وسوء استخدامها . (422) - انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص 455)- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن م علا اللويحق- الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م (423) - أخرجه مسلْ في المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلْ"-(برقْ/ 1847)- باب الْمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر-تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي- نشر/ دار إحياء التراث العربي – بيروت- الطبعة الْولي سنة/ 1374ه 1955م

عدد الصفحات ٢١٥

215 2-السخرية من الكوادر الْمنية في وسائل الإعلام المختلفة وتعرضها للاتهام بالرشوة أو زيادة العنف غير المبرر أما لفسادها وجهلها أو لضعفها وسلبياتها يؤدي لضياع هيبتها أمام شرار الْلق فلا يردعهْ قانون ولا عقاب علي انحرافهْ. 3-عدم الْبرة الْمنية لكثير من كوادر الْمن المختلفة وعد م مجاراتها للوسائل العصرية والتكنولوجيا فكرياً وعلمياً في الوقت الذي يبتدع أهل الاجرام والانحراف في استغ لال هذه الوسائل العصرية للسرقة والاحتيال علي الناس باستخدام أحدث ما وصلت إليه قريحة البشر من تكنولوجيا. 4-ضعفالإمكانيات المالية والمادية التي تساهْ في بطأ وضعف المنظومة الْمنية التي ينبغي أن تكون مؤهلة نفسيا وماليا ومعنوياً للردع للخارجين عن الحدود الشرعي ة وحماية البلاد والعباد من شرهْ وفسادهْ . 5-التدهور الْمني وعدم تواجد الكوادر الْمنية لعلاج الْلل وقت حدوثه وتو قعه أو معالجته بعشوائية دون تخطيط وتعاون بين أجهزته المختلفة مع ضعف الردع للمخالفين وتطبيق العقوبة المقررة لْسباب كثيرة شخصية أو سيادية أو غير ذلك يتيح فرصة لظهور الْخلاق السيئة والانحراف عن القانون والشريعة التي تنظمه ، فإن صاحب الْخلاق السيئة التي تؤدي به لْفعال مشينة تضر بالمجتمع يحتاج لقوة في الردع وعدل في التطبي ق للقانون لتكون هناك هيبة واحترام له ولكوادره بين العامة والْاصة. الوصايا المقترحة لعلاج الغلو والانحراف الْمني بأنواعه المختلفة: 1-تطبيق القانون بعدالة بين الجميع وغربلة القوانين التي تتصادم مع نصوص الشريعة: فالعدل بين الناس في تطبيق الحدود والردع هو ما يرتضيه رب العباد لعباده فهو –جل وعلا-أمر به فقال تعالي: { وَإِذَا حَكَم تُْ ب َين َ النَّاسِ أَن تحَ كُمُوا بِال عَد لِ }(424) (424) - النساء58

عدد الصفحات ٢١٦

216 ولا ريب أن العدل في الردع الْمني وشعور أفراد المجتمع بأن العدالة لا تفرق بين شريف ووضيع ولا بين وزير وخفير عند العقاب يحقق المساواة بين الناس وتطمئن نفوسهْ علي أعراضهْ وأموالهْ وبالتالي يؤدي ذلك بالتبعة للالتزام بالقانون ولهذا حرص النبي-صلي الله عليه وسلْ-و هو الْسوة الحسنة علي العدل لْهمية لْهميته في صلاح المج تمع واستقراره ففي حديث عائشة - رضي الله عنها -قالت:" أن قريشا أهمهْ شأن الم رأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلْ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلْ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول ا لله صلى الله عليه وسلْ فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلْ: " أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكْ، أنهْ كانوا إذا سرق فيهْ الشريف تركوه، وإذا سرق فيهْ الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرق ت لقطعت يدها " (425) 2-إنشاء مراكز تدر يب شرعية للكوادر الْمنية بصفة دورية ل تأهيلها بدنياً وعلمياً علي أحد ث ما وصلت له عقلية المنظومات الْمنية في العالم من فكر خططي وعلمي واسلحة حديثة وتكنولوجيا وربط ذلك كله بتوجهات الشريعة الربانية حتي لا تنحرف عن المنهج بالغلو أو التقصير. لا يغيب عن العقلاء ما ماثله التدريب للكوادر الْمنية المنوط بها حفظ القانون وحماية البلاد والعباد وتطبيق الشريعة من أهمية حيوية ومتزايدة للارتقاء بالعمل الْمني سواء كان تشريعياً أو إدارياً أو علمياً أو ميدانياً أو غير ذلك لنجاح وجمع السياسات الْمنية المختلفة والمتنوعة في أطار الشريعة السمحاء ولا عجب في ذلك فالجهاز الْمني في المجتمعات الإسلامية المعاصرة هو أخطر الْجهزة في الدولة وأكثرها التحاما بالناس (425) - أخرجه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 3475)- باب حديث الغار-تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه

عدد الصفحات ٢١٧

217 وعليه استقرار البلاد وحماية العباد والله سبحانه وتعالي حث عل ي الاهتمام بوسائل الْمن المختلفة والنبي –صلي الله عليه وسلْ-حث علي ذلك في كثير من الم واقف وعلي سبيل المثال نبين عظمة الشريعة ووسطيتها في حفظ الْمن من الناحية الْمنية الجنائية والطبية مع الإيجاز: 1-من الناحية الْمنية الجنائية: كالقتل وسفك الدماء دون سبب شرعي حرم ه الله تعالي ورسوله وفاعل ذلك مرتكباً لذنب عظيْ لقوله تعالي: { كَتَب نَا عَلَى بَنيِ إِس رَائِيلَ أَنَّهُ مَن ق َتَلَ ن َف سًا بِغَير ِ ن َف سٍ أَو فَسَادٍ فيِ الْ َر ضِ فَكَأَنمََّا ق َتَلَ النَّاسَ جمَِيعًا وَمَن أَ ح يَاهَا فَ كَأَنمََّا أَح يَا النَّاسَ جمَِيعًا }(426) ووضع الله تعالي علاج هذا الداء بالقصاص العادل فقال جل شأنه: {وَلَكُْ فيِ ال قِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوليِ الْ َل بَابِ لَعَلَّكُْ ت َت َّقُونَ }اه (427) قال السعدي–رحمه الله - في تفسيرها: ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: {وَلَكُْ فيِ ال قِصَاصِ حَيَاةٌ } أي: تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الْشقياء، لْن من عرف أنه مقتول إذا قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وان زجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكف اف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والان زجار، ما يدل على حكمة الحكيْ الغفار، ونكَّر "الحياة "لإفادة التعظيْ والتكثير. ولما كان هذا الحكْ، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول ا لكاملة والْلباب الثقيلة، خصهْ بالْطاب دون غيرهْ، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يعملوا أفكارهْ وعقولهْ، في تدبر ما في أحكامه من الحكْ، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده، وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق (426) -البقرة 179 (427) - انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص 229)- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م

عدد الصفحات ٢١٨

218 المدح بأنه من ذوي الْلباب الذين وجه إليهْ الْطاب، وناداهْ رب الْرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون. وقوله: {لَعَلَّكُْ ت َت َّقُونَ} وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الْس رار العظيمة والحكْ البديعة والآيات الرفيعة، أوجب له ذلك أن ينقاد لْمر الله، و يعظْ معاصيه فيتركها، فيستحق بذلك أن يكون من المتقين .اه (428) قلت: وطاا لم يسفك المسلْ دماً حراماً فهو في مأمنٍ من كل شيء فسفك الدماء ومقدماته أمر خطير وفيه ترهيب شديد في الشريعة ينبغي أن لا يصله الإنسان مهما كلفه ذلك من ثْن. وثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلْ- أنه قال: "لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً " (429) 2- من الناحية الْمنية الطبية: اهتْ الإسلام بصحة بدن الإنسان طبيًّا ونفسيًّا و وقائياً وعلي سبيل المثال: *حرم المُسكِرات والمُخدِّرات، ولعب الميسر، وغير ذلك مما يذهَبُ بعقله، ويُدمِّر صحته ونفسيته، ويُل بوظائفه الجسدية ويضرها، فقال - تعالى - :{ إِنمََّا حَرَّمَ عَلَي كُُْ ال مَي تَةَ وَالدَّمَ وَلحَ َْ الْ ِن زِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَير ِ اللَّهِ فَمَنِ اض طُ رَّ غَ ي رَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثم َ عَلَي هِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيٌْ } [البقرة 173]- تعا - :{ يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنمََّا الْ َم رُ وَال مَي سِرُ وَالْ َن صَابُ وَالْ َز لاَمُ رِج سٌ مِن عَمَلِ الشَّي طَانِ فَاج تَنِبُوهُ لَ عَلَّكُْ ت ُف لِحُونَ } [المائدة90 (428) - انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص/ 84)- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م (429) - انظر صحيح الجامع الصغير وزياداته"الفتح الكبير"(برقْ 7691)- لمحمد ناصر الدين الالباني- نشر المكتب الإسلامي-دمشق- الطبعة الثالثة سنة1408ه-1988م

عدد الصفحات ٢١٩

219 *نهى عن دخول أماكن الوباء للوقاية منه؛ فقال-صلى الله عليه وسلْ -: "إن هذا الوباء رجزٌ أهلَك اللهُ به الْمْ قبلكْ، وقد بقي منه في الْرض شيء يجيء أحيانًا ويذهب أحيانًا، فإذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها فرارًا، وإذا سمعتْ به في أرض فلا تأتوها"(430) قال العلامة ابن العثيمين: "والطاعون وباء فتَّاك، والعياذ با، قال بعض أهل العلْ: إنه نوع خاص من الوباء، وإنه عبارة عن جروح وتقرحات في البدن تصيب الإنسان وتجري جريان السيل حتى تقضي عليه، وقيل: إن الطاعون وخز في البطن يصيب الإنسان فيموت، وقيل: إن الطاعون اسْ لكل وباء عام، ينتشر بسرعة؛ كالكوليرا وغيرها، وهذا أقرب، فإن هذا إن لم يكن داخلاً في اللفظ، فهو داخل في المعنى كل وباء عام ينتشر بسرعة، فإنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على البلد الذي حل فيها هذا الوباء، وإذا وقع وأنتْ فيها فلا تخرجوا منها؛ لْنكْ تخرجون منها فرارًا من قدر الله لو فررتم فإنكْ مُدرَكون لا محالة؛ ولهذا قال: لا تخرجوا منها فرارًا منه، أما خروج الإنسان منها لا فرارًا منه، ولكن لْنه أتى إلى هذا البلد لحاجة، ثم انقضت حاجته وأرا د أن يرجع إلى بلده، فلا بأس"؛ ا ه (431) * حثت الشريعة على الصحة والوقاية من مجامعة النساء في حالة الحيض أو النفاس؛ لْنه أذًى؛ لْطورة ذلك على الرجل والمرأة على السواء صحيًّا وبدنيًّا؛ قال - تعالى - : (430) - انظر صحيح الجامع الصغير وزياداته"الفتح الكبير"(برقْ 2253)- لمحمد ناصر الدين الالبا- نشر المكتب الإسلامي-دمشق- الطبعة الثالثة سنة1408ه-1988م (431) - انظر شرح رياض الصا 6/569)- بابباب كراهة الْر وج من بلد وقع فيها الوباء فرارا منه وكراهة القدوم عليه -لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين- نشر دار الوطن للنشر، الرياض -الطبعة: 1426 ه

عدد الصفحات ٢٢٠

220 { وَيَس أَلُونَكَ عَنِ ال مَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاع تَزِلُوا النِّسَاءَ فيِ ال مَحِيضِ وَلاَ ت َق رَ بُوهُنَّ حَتىَّ يَط هُر نَ فَإِذَا تَطَهَّر نَ فَأ تُوهُنَّ مِن حَي ثُ أَمَرَكُُْ اللَّهُ }(432) قال السعدي- رحمه الله - :في تفسيرها- يُُبرِ - تعالى - عن سؤالهْ عن المحيض، وهل تكون المرأة بحالهِا بعد الحيض، كما كانت قبل ذلك، أم تجتنب مطلقًا كما يفعله اليهود؟ فأخبر - تعالى - أن الحيض أذًى، وإذا كان أذى، فمن الحكمة أن مانع الله - تعالى - عباده عن الْذى وحده؛ ولهذا قال : { فَاع تَزِلُوا النسَاءَ فيِ ال مَحِيضِ }؛ أي: مكان الحيض، وهو الوطء في الفرج خاصَّة، فهذا هو المحرم إجماعًا، وتخصيص الاعتزال في المحيض، يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها في غير الوطء في الفرج جائزةٌ . لكن قوله: { وَلاَ ت َق رَبُوهُنَّ حَتىَّ يَط هُر نَ } يدلُّ على أن المباشرة في ما قرب من الفرج، وذلك فيما بين السرة والركبة، ينبغي تركُها، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلْ - إذا أراد أن يباشر امرأتَه وهي حائض، أمرها أن تتَّزِر فيباشرها. وحدُّ هذا الاعتزال وعدم القربان للحُيَّض { حَتىَّ يَط هُر نَ }؛ أي: ينقطع دمُهن، فإذا انقطع الدم، زال المنعُ الموجود وقت جريانه، الذي كان لحلِّه شرطان؛ انقطاع الدم، والاغتسال منه، فلما انقطع الدم زال الشرط الْول وبقي الثاني؛ فلهذا قال : { فَإِذَا تَطَهَّر نَ }؛ أي: اغتسلن، { فَأ تُوهُنَّ مِن حَي ثُ أَمَرَكُُْ اللَّهُ }؛ أي: في القُبُل لا في الدُّبر؛ لْنه محل الحرث، وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض، وأن انقطاع الدم شرط لصحته"؛ اه (433) (432) - البقرة 222 (433) - انظر " تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص 100 )- الناشر : مؤسسة الرسالة - تحقيق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق - الطبعة : الْولى 1420ه-2000 م

عدد الصفحات ٢٢١

221 فهذا كله دليل علي حرص الشريعة علي حياة الناس دين ودنيا وتجاهلها سبباً في انحراف الكثير من المجتمعات وانحلالها وتفشي الامراض الْطيرة فيها كالإيدز و غيره وتأثيره عليها صحياً وأمنياً . 3-أنشاء لجان حقوقية شرعية استشارية من أهل الاختصاص داخل المنظومات الْمنية المختلفة ومقارها لحفظ الحقوق وتحقيق العدالة وعد م انتهاك الحريات الشخصية من بعض المغالين من الكوادر الْمنية وتكون لها إدارة مركزية تحيل الشكاوي والتظلمات المختلفة للمسئول من أهل الحل والعقد لاتخاذ ما ينبغي لحفظ الحقوق والحري ات وآمن الوطن والمواطنين. فلا يغيب علي أهل الحل والعقد أن مهما بلغت المنظومة الْمنية من سمو وتطور فلابد من وجود أخطاء وانحراف وغلو في الشرع بالإفراط أو التفريط أما بقصد ونية لس بب من الْسباب أو لجهل وغفلة لنقص في المعلومات والْدلة وفي الحالتين الْطأ وارد فكيف يأخذ صاحب الحق حقه ممن يتولى أمره ولا سلطة له عليه إلا بالقانون الذي ينظْ حياة الناس. فالحل والعلاج بلجنة استشارية تحرص علي إتمام ما نقص من إجراءات وتستمع للتظلمات فأن أجتمع لها ما يؤيد حق الشاكي طلبت عودة حقه و رفعت أمره للجنة المركزية التي تضع شكواه أمام أهل الحل والعقد لْنصافه. واهمال ذلك سيؤدي حتماً علي المدي الطويل لظلْ كثير للضعفاء والمقهورين ممن لا ناصر لهْ إلا الله تعالي وهو-أي الظلْ- من اخطر أسباب ضياع الاستقرار في أي مجتمع ومنبع هلكته وتدميره كما بينا سلفاً. وننبه القائمين علي أمر الْمن بأنواعه المختلفة أن الشريعة الْاتمة جاءت لتخرج الناس من جور الْديان إلى عدالة الإسلام، وأن زل الله خير كتبه وبعث خير رسله ليقيْ الع دل ويُرسي دعائْ الحق في ر بوع العالمين، لتعود الحقوق إلى أصحابها من غير جور، ويشعر

عدد الصفحات ٢٢٢

222 الناس بالْمن والْمان والن–صلي الله عليه وسلْ-ضرب لنا أروع الْمثلة في التطبيق العملي لذلك . فقد ثبت عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله علي ه وسلْ، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلْ، فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: «ألك ولد سواه؟»، قال: نعْ، قال: فأراه، قال « لا تشهدني على جور»وقال أبو حريز عن الشعبي، «لا أشهد على جور». (434) وبناء علي ذلك يكون من الغلو والانحراف التغاضي علي رد الحقوق بحجج لا تستمد تعاليمها من الشريعة وإنما من القوانين الوضعية التي ما أن زل الله بها من سل طان وضعتها قلوب غافلة ضالة لا تعترف بالله ربا واحداً له فقط حق التشريع بين عباده. و تطبيق القوانين الوضعية المستمدة من بلاد الكفر والإلحاد ليست مناسبة لفطرتنا وتقاليدنا. ولقد ذهب مالك بن نبي في بيان ما نريد قوله هنا لْهل الحل والعقد بكلام قيْ قال- رحمه الله-ما مختصره: لمشكلات الإنسان طبيعتها الْاصة، فهي تختلف اختلافاً كلياً عن مشكلات المادة، لا ماكن معه أن تطبق عليها دائماً حلول تستقي براهينها من الْارج. ثم أضاف: ويحدث هذا غالباً في البلاد الإسلامية، فالحلول كلها مستعارة من بلاد متحضرة، لا تحدث عندنا التأثير نفسه الذي لها في أوطانها، حتى كأنها تفقد فاعليتها في الطريق، بمجرد انفصالها عن إطارها الاجتماعي. (434) - أخرجه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلْ وسننه وأيامه " (برقْ/ 2650)- باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد-تحقيق/ محمد زهير بن ناصر الناصر -نشر دار طوق النجاة /بيروت-لبنان-الطبعة: الْولى، 1422ه(434)

عدد الصفحات ٢٢٣

223 ومجال المجتمع ليس كمجال الميكانيكا، وهو لا يرتضي كل الاستعارات، لْن أي حل ذي طابع اجتماعي يشتمل تقريباً ودائماً على عناصر لا توزن، ولا ماكن تعريفها، ولا ماكن أن تدخل في صيغة التعريف، على حين تعد ضمناً جزءاً منه لا يستغنى عنه، عندما تطبق في ظروف عادية، أي في ظروف البلاد التي نستوردها منها. وبعبارة أدق، هذه العناصر جزء من المحيط الاجتماعي، -في الحالة التي يطبق التعريف خارج هذا المحيط - تطبق تلقائياً في صورة فكرة يفرضها الوسط على سلوكنا. فإن لم توجد يصبح التعريف زائفاً تقريباً، إذ تنقصه بعض الْشياء التي ضاعت حين انفصل عن ظروفه الْصلية. ثم قال: فجميع أنواع الحلول ذات الصيغة الاجتماعية التي نقبسها عن بلاد أخرى ثبتت لها فيها صلاحيتها،، هي صحيحة في هذه البلاد على وجه التأكيد، ولكنها تقتضي عند التطبيق عناصر مكملة لا تأتِ معها، ولا ماكن أن تأتِ معها، لْنه لا ماكن حصرها. ولا ماكن فصلها عن المحيط الاجتماعي في بلادها، أي لا ماكن فصلها عن (روحها). وإذن، فلكي نواجه بطريقة فنية أية مشكلة اجتماعية، ينبغي ألا يقتصر عملنا على اقتراض الحلول التي تأكدت صحتها خارج بلادنا، إذ أن الصيغة المقتبسة صحيحة بلا أدق شك، ولكن في إطارها الاجتماعي، في محيطها الذي تخََلَّقَت فيه، في نفحة (الروح) التي تخيلتها. هل معنى ذلك أن ندين كل اقتباس؟ .. ليس أوهن ولا أضعف من أن نرفض الاستنارة بتجارب الآخرين، والإفادة من جهودهْ، ولكن بشرط أن نرد الحل المستعار إلى أصول البلد المستعيرة. وبعبارة أخرى، ينبغي أن نهيئ بلادنا المحيط اللازم لتطبيق ما نتصور من حلول لمشكلاتنا الاجتماعية.

عدد الصفحات ٢٢٤

224 تلكْ هي مشكلة الشروط الْولية، وهي مشكلة تثور أمامنا لا بالنسبة إلى الحلول الجاهزة التي نقبسها من الْارج، بل بالنسبة لجميع الحلول التي نتصورها لحل ما يواجه مجتمعنا من مشكلات، في مرحلته التاريُية الراهنة. اه (435) قلت: وهذا حق وعين العقل والفقه فكيف نطبق قوانين لحل مشاكلنا وهي تختلف في أيديولوجيتها كما وكيفاً مع من وضعوها لحل مشاكلهْ؟ أو بعبارة أخري أكثر وضوحاً كيف نحل مشاكلنا الاجتماعية والْمنية والسياسية وغير ذلك من المشاكل بعيدا عن الشريعة الربانية التي تستمد روحها ونشاطها سلباً وإيجابا بقو ة إمااننا ويقينا بوسطيتها ومناسبتها للفطرة السليمة التي فطرنا الله عليها وله ت عالي وحده أمر الْلق أجمعين وهو أعلْ بهْ فقد قال تعالي: {أَلاَ ي َع لَُْ مَن خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْ َبِيرُ }(436) ولا يغيب عن أن مهما بلغت عقلية الإنسان في الابداع و التشريع ففيه نقص، وفي تشريعه ظلْ وغبن وهوي وهذا عكس الشريعة الربانية التي لا يعتريها نقص ولا ترضي بالظلْ والجور و الحق أحق أن يتبع كما قال تعالي : {قُل هَل مِن شُرَكَائِكُْ مَن ي َه دِي إِلىَ الح َقِّ قُلِ اللَّهُ ي َه دِي لِل حَقِّ أَفَمَن ي َه دِي إِلىَ الح َقِّ أَحَقُّ أَن ي ُتَّبَعَ أَمَّن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن ي ُه دَى فَمَا لَكُْ كَي فَ تحَ كُمُونَ }(437). 4-تجر السخرية من الكوادر الْمني ة عدا النقد البناء الذي يبني ولا يُرب و يدافع عن الحق لا ليزين الباطل وماجده. أن الاحترام عملة نادره في زماننا هذا فكل الرموز نالتها سخرية السفهاء وفكر المنحرفين وتأويل المتأولين والكوادر الْمنية ورموزها لا تخرج عن هذا الإطار و إنا لنجد باسْ الفن (435) - انظر كتاب" ميلاد مجتمع"(ص 102) لمالك بن ن- ترجمة: ترجمة عبد الصبور شاهين -نشر دار الفكر - الجزائر / دار الفكر دمشق – سورية - الطبعة: الثالثة، 1406 ه- 1986م (436) -الملك14 (437) -يونس35

عدد الصفحات ٢٢٥