المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر كتاب المناسك

فهد المطيري

صفحة ٩ من ٢٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 112 الواجب على من باشر فأنزل : اختلف فيه الفقهاء على قولين : القول الأول : أن من باشر فأنزل فعليه بدنة ، إليه ذهب المالكية ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وهو رأي الحسن دليلهم : أنها مباشرة أوجبت الغسل ، فأوجبت البدنة ، كالوطء في الفرج . نوقش : بأنه قياس فرع على أصل يخالفه في مسائل كثيرة ، ويلزم منه قياس مس المرأة الأجنبية مع الإنزال على الزنا ، لأنه إذا قيل بهذا القول قيل : من مس امرأة فأنزل وجب عليه الحد ؛ لأن الرجل إذا جامع امرأة محرمة عليه بالزنا وجب عليه الحد ، فمن لمس امرأة أجنبية عنه فأنزل يجب عليه الحد ، وهذا لا أحد يقول به القول الثاني : أن من باشر فأنزل فعليه شاة ، إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أنها مباشرة دون الفرج ، أشبه ما لو لم ينزل ، قياس المباشرة مع الإنزال على المباشرة بدون إنزال ، فيوجبون فيه الشاة . الراجح : هو القول الثاني والله أعلم ، وأن الواجب على من باشر بشهوة فأنزل شاة (فدية أذى) وأما قياس المباشرة على الجماع فهو قياس مع الفارق ، لأن بينهما اختلافا في الحقيقة والأثر والحكم ، فلا يقاس الأخف على الأعلى الذي يخالفه في جميع الأحكام .  قال رحمه الله : لَكنْ يُحْرمُ من الحِلَّ لطوافِ الفرضِ . قوله : (يحرم من الحل) : أين مكان هذه الجملة من المسائل ؟ تقدم أنه لو جامع بعد التحلل الأول أنه يحرم من الحل ، ولذا قال العلماء رحمهم الله : هذه سبقة قلم من المؤلف رحمه الله ، ومحلها الحقيقي ، أنها تأتي بعد قوله (ويقضيان ثاني عام) لكنه مفروض في مسألة لم يتكلم عنها المؤلف رحمه الله ، وهي مسألة : الجماع بعد التحلل الأول ، المؤلف لم يتكلم عن الجماع بعد التحلل الأول ، بل تكلم عن الجماع قبله ، ولذا يقال (ومن جامع بعد التحلل الأول فإنه آثم ، وحجه صحيح ، ويلزمه أن يحرم من الحل ، وعليه شاة فدية أذى) فهذه العبارة (لَكنْ يُحْرمُ من الحِلَّ لطوافِ الفرضِ ..) سبقة قلم من المؤلف ، وموضعها بعد قوله (ويقضيان ثانيَ عام) هذا المحل أقرب لها .  قال رحمه الله : وإحرامُ المرأةِ كالرجلِ . حكم إحرام المرأة كحكم إحرام الرجل ، هذا الأصل ، فما يحرم على الرجل يحرم عليها ، وما يباح له يباح لها ، والفدية التي تجب على الرجل تجب عليها ، وهذا الأصل في المرأة مع الرجل ، ليس في الحج فقط ، بل في جميع العبادات ، أنه لا فرق بين الرجل والمرأة ، كلهم يتوجه إليه الخطاب الشرعي ، الله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) وهي داخلة في هذا النداء وجميع الأحكام الشرعية ، لكن لطبيعة المرأة ، ولخلقها ، ولرحمة الله بها ، اختصت بمجموعة من الأحكام الشرعية ، فالأصل تساوي الأحكام إلا ما جاء الدليل بالتخصيص فيه .  قال رحمه الله : إلا فِي اللِباسِ . أي إلا في قضية التجرد من المخيط وتغطية الرأس ، فإن المرأة لا تتجرد من المخيط كالرجل ، ويحرم عليها أن تكشف رأسها ، أما في بقية محظورات الإحرام فهي كالرجل ، في تقليم الأظفار ، في قص الشعر ، في الطيب ، والمباشرة وما يتعلق بها ، والجماع وما يتعلق به وغير ذلك . البرقع للمحرمة :  قال رحمه الله : وتَجتنبُ البُرْقُعَ . البرقع : لباس يجعل على الوجه ، وهو لباس زينة ، وأما النقاب فهو : لباس حاجة . المؤلف ذكر البرقع ، فيدخل فيه النقاب ، والنقاب حرام على المرأة ، وقد دل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [و تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين] أخرجه الإمام البخاري ، وقال شيخ الإسلام : (والبرقع أقوى من النقاب

عدد الصفحات ١١٢

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 113 فلذا ينهى عنه باتفاقهم) فإذا كان النقاب الذي فتحة العين فيه تكون على الحدقة حراما على المحرمة ، فالبرقع من باب أولى ؛ ولأنه لباس يختص بعضو من الجسد ، فيحرم القفازان للمحرمة :  قال رحمه الله : والقُفّازينِ . وهما لباس اليدين ، تمنع المرأة منهما ؛ لأنهما مصنوعان على قدر العضو ، وفيهما خلاف على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز للمحرمة أن تلبس القفازين حال إحرامها ، و إليه ذهب ابن عمر ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وهو رأي النخعي ، وإسحق ، والمالكية ، والشافعية في الأصح ، وهو المذهب عند الحنابلة . دليلهم : حديث ابن عمررضي الله عنهما ، [و تنتقب ولا تلبس القفازين] القول الثاني : أنه يجوز للمحرمة أن تلبس القفازين ، وهذا منقول عن علي ، وعائشة ، وسعد ، ورأي لعطاء والثوري رحمهم الله ، وهو رأي الحنفية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن ابن عمر ، أنه قال : [إحرام الرجل في رأسه ، وإحرام المرأة في وجهها] – وسيأتي تخريجه - والحديث ضعيف ، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . الدليل الثاني : أن سعد بن وقاص رضي الله عنه كان يُلبس بناته القفازين ، ولم يكن ينهاهن . الراجح : هو القول الأول - والله أعلم - أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس القفازين حال الإحرام ؛ لوجود النص النبوي ، وإذا كان هناك نص نبوي فليس لأحد قول مع قوله . هل يجوز للمرأة أن تغطي يديها بكميها ؟ يقول المرداوي رحمه الله(ولا يلزم تغطيتهما بكمها لمشقة التحرز ، جوازه بهما ، بدليل تغطية الرجل قدميه بإزاره لابخف ، وإنما جاز تغطية قدمها بكل شيء لأنها عورة في الصلاة ...) وهذا يؤخذ منه فائدة ، أن المرأة يجوز لها أن تلبس الجورب والخف ، وستر قدميها ، إنما المحرم عليها شيئان : النقاب والقفاز .  قال رحمه الله : وتَغطيةُ وجهِهَا . المرأة تمنع من تغطية وجهها حال إحرامها ، و إذا غطته بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق ، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله ، ولذا يرى أحيانا في الحج وفي العمرة نساء يضعن عودا أو نحوه ، ليكون الغطاء بعيدا عن وجوههن ، من أجل ألا يمس الوجه ، لكن إذا غطت وجهها لغير حاجة أو احتاجت إلى ستر وجهها لوجود الرجال جاز لها ، لكن لو غطت وجهها لغير حاجة كما تفعل بعض النساء ، دائما يغطين وجوههن ، كبيرات السن والعجائز غالبا يكن واضعات شيئا على وجوههن ، فما حكم ذلك ؟ . تغطية وجه المحرمة بلا حاجة : اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن المرأة لا تغطي وجهها بشيء يمسه ، ويحرم عليها ، وإن احتاجت إلى ستره لمرور الرجال قريبا منها غطته ، وهذا رأي عامة أهل العلم ، فهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة .

عدد الصفحات ١١٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 114 أدلتهم : الدليل الأول : ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمررضي الله عنهما ، قال : (إحرام الرجل في رأسه ، وإحرام المرأة في وجهها) أخرجه الدارقطني ، وضعفه جمع من أهل العلم ، ضعفه العقيلي ، والدراقطني ، والبيهقي ، وابن حجر وغيرهم ، ورأى صحته موقوفا البيهقي ، والزيلعي ، والعقيلي . الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين] أخرجه الإمام البخاري . نوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تنتقب المرأة ، ولم ينه أن تستر وجهها ، كما أن المحرم ينهى عن لبس القميص ، مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الفقهاء ، ويجوز أن يغطي جسده بقميص ، فلو كان نائما ، وغطى نفسه بلحاف أو قميص غطى صدره أو غيره فإنه يجوز له . القول الثاني : أنه إذا غطت المرأة وجهها بشيء يمسه فلا بأس به ، إنما الممنوع أن تلبس ما صنع لهذا العضو من نقاب وبرقع ونحوهما ، وأما ما سواهما فلا بأس به ، و إليه ذهب شيخ الإسلام رحمه الله ، وهو رأي ابن القيم ، واختيار شيخنا وطائفة من أهل العلم . أدلتهم : الدليل الأول : أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه منع المرأة من أن تغطي وجهها ، ولم يقل : إحرام المرأة في وجهها ، إنما هذا قول ثابت عن ابن عمر موقوفا ، كما صححه العقيلي ، والبيهقي ، والزيلعي الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه) أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وضعفه الألباني في الإرواء ، وفي سنن ابن ماجه، حسن إسناده لشواهده . الراجح : أنه يجوز للمرأة أن تغطي وجهها ، ولو لم تكن عند رجال أجانب ، ويجوز أن يكون مماسا لوجهها لأنه ليس ثمة دليل على منعها من ذلك ، ولا دليل يأمر المرأة أن تجافي حجابها عن وجهها بعود ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، سوى بين وجهها ويديها ، وكلاهما كبدن الرجل ، لا كرأسه ، وأزواجه صلى الله عليه وسلم ، كن يسدلن على خمرهن على وجوههن ، من غير مراعاة المجافاة ، فمن طلب المجافاة فعليه الدليل ولا دليل . التحلي للمحرمة :  قال رحمه الله : ويُباحُ لها التُّحلي . أي أن تلبس الحلي ؛ لأنه لا دليل على المنع من ذلك ، وفيها خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم على قولين : القول الأول : أنه يباح للمحرمة أن تتحلى ، إليه ذهب طائفة من العلماء ، وهو رأي ابن عمر ، و عائشة رضي الله عنهم ، ومذهب الحنفية ، وهو الظاهر من مذهب المالكية ، ومذهب الشافعية ، والصحيح من مذهب الحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها : (أن امرأة أتتها ، وقالت : يا أم المؤمنين إن ابنتي فلانة حلفت أن لا تلبس حليها في الموسم ، فقالت : قولي لها : إن أم المؤمنين تقسم عليك إلا لبستي حليك كله) أخرجه البيهقي . الدليل الثاني : عن نافع (أن نساء ابن عمر وبناته كن يلبسن الحلي وهن محرمات) أخرجه ابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق بسند صحيح. القول الثاني : أنه يكره للمحرمة أن تتحلى حال الإحرام ، وهذا مروي عن عطاء ، و أبي ثور ، والثوري ، والمالكية في قول ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أنه زينة ، ولباس الزينة مكروه للمحرمة كالإثمد والكحل.

عدد الصفحات ١١٤

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 115 نوقش : بأن هذا تعليل لا دليل عليه ، فهم قاسوا التحلي على الاكتحال بالإثمد ، وهم يحتاجون إلى إثبات الكراهة أولا في الكحل ، ثم يحتاجون إلى إثبات الحكم في الحلي ، وهو مخالف لما ثبت عن الصحابة . القول الثالث : أنه يحرم على المرأة التحلي حال الإحرام ، و إليه ذهب المالكية في قول ، والحنابلة في رواية . دليلهم : قياس الإحرام على العدة ، بجامع منع الطيب في كلٍ ، فالعدة تمنع الطيب ، والإحرام يمنع الطيب ، فإذا كانت تمنع الطيب والإحرام يمنع الطيب ، والعدة تمنع التحلي ، فالإحرام يمنع التحلي . نوقش : بأن هذا قياس مع الفارق ؛ لأن الإحرام لا يمنع الخروج ، ولا يمنع لباس الزينة ، والعدة تمنع من لباس الزينة ، و تمنع من الخروج في الليل إلا لضرورة ، وفي النهار إلا لحاجة ، فلا يصح القياس ، فالقياس لا بد أن يكون من كل وجه ، أما أن يكون قياس في بعض المسائل دون بعض فلا يصح الإلحاق . الراجح : القول الأول ، وهو جواز التحلي للمرأة ، بأي نوع من أنواع الحلى شاءت ، من ذهب وفضة وغيرهما . باب الفِدية الفدية : مصدر فداه يفديه فديةً ، والمراد : أعطى فداه ، والفدية والفداء والفدْي : ما يعطى في افتكاك الأسير في الحرب أو الإنقاذ من هلكة ، وفي قوله (باب الفدية) : إشارة وإشعار أن فاعل المحظور كأنه وقع في هلكة يحتاج إلى إنقاذه منها ، بدفع الفدية ؛ لعظم شأن المحظور ، الذي جعل الشارع في مقابل فعله هذه الفدية . أقسام المحظورات بالنسبة للفدية : القسم الأول : ما لا فدية فيه . وهو عقد النكاح ، فعقد النكاح محظور من محظورات الإحرام على الراجح من أقوال العلماء ، لكن لا فدية فيه. القسم الثاني : ما فديته مغلظة . وهو الجماع قبل التحلل الأول ، وهذا فديته بدنة كما تقدم على تفاصيلَ سبقت . القسم الثالث : ما فديته الجزاء أو بدله . وهو قتل الصيد . القسم الرابع : ما فديته فدية أذى . وهذا في بقية محظورات الإحرام . قال المؤلف رحمه الله : يُخَيَّرُ بفديةِ حَلْقٍ وتقليمٍ أو تَغطيةِ رَأسٍ وطِيبٍ . أقسام الفدية في التخيير : القسم الأول : ما يوجب الفدية على التخيير . وهو نوعان : النوع الأول : فدية الأذى . وهي شاملة لفدية : الحلق ، والتقليم ، وتغطية الرأس ، ولبس المخيط ، والطيب ، وفيها الفدية على التخيير بين الثلاثة أشياء التي جاءت في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه ، وسيذكرها المؤلف رحمه الله . النوع الثاني : فدية الصيد . وفدية الصيد على التخيير أيضا ، وهي نوعان : أ- ما له مثل من النعم .

عدد الصفحات ١١٥

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 116 ب- ما لا مثل له من النعم . القسم الثاني : ما يوجب الفدية على الترتيب . وهي ثلاثة أنواع : 1- دم المتعة والقران (باعتبار أن دم المتعة والقران دم جبران لا شكران) وتقدم أن الدم دم شكران لا دم جبران ، لكن نمضي على قول الفقهاء . 2- دم المحصر . 3- الجماع في الحج والعمرة . القسم الثالث : ما لم يرد فيه ترتيب ولا تخيير . وهو : دم فوات الوقوف بعرفة . قوله (يخير بفدية حَلْقٍ وتقليمٍ أو تَغطيةِ رَأسٍ وطِيبٍ .) هذا النوع الأول من أنواع الفدية التي فيها تخيير ، وهو ما يوجب الفدية على التخيير ، فيخير فاعل هذه الأجناس ، وهي : الحلق ، والقلم ، ولبس المخيط ، وتغطية الرأس ، والطيب ، يخير من فعل هذه المحظورات بين ثلاثة أشياء : صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، وبين أن يذبح شاة ويوزعها على الفقراء في مكة ، أو في موضع فعل المحظور . ودل على ذلك : قول الله تعالى {فَمَنْ كَ نَ مِنْكُمْ مَرِيضا أَوْ بِهِ أَذاى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَ ٌ مِنْ صِيَ مٍ أَوْ صَدَقَ أَوْ نُسُك } . ودل عليها حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه ، قال : (حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقمل يتناثر على وجهي ، فقال [ما كنت أُرى الوجعَ يبلغ بك ما أرى ، تجد شاة ؟]فقلت : لا ، قال : [فصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع] .)متفق عليه ، والفدية هنا على التخيير ، يخير بين أيٍّ منها ، الذبح أو الإطعام أو الصوم . أما بقية المحظورات من هذا النوع ، التي فيها الفدية على التخيير ، فقاسها الفقهاء على فدية الحلق ؛ لأنه لم يأت فيها نص ، لم يأت نص في التقليم ، ولا في اللبس ، ولا في الطيب ، ولا في تغطية الرأس ، وإنما قاسوها بجامع الترفه في كل ، وعرفنا أن هذه العلة غير صحيحة . ولذا ذهب الظاهرية : إلى أن الفدية لا تجب فيما سوى الحلق ؛ لأنهم لا يرون ثبوت القياس ، نعم يرون أنه آثم إذا فعل المحظورات (التي يقرون بها) لأن هناك ما لا يرون أنه محظور ، مثل : قلم الأظفار ، لكن ما يقرون بأنه محظور فإنهم يرون أن المحرم يأثم بفعله ، لكن لا فدية عليه. قوله (حلق وتقليم وتغطية رأس ..) يدخل فيها اللبس أيضا .  قال رحمه الله : بينَ صِيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ ، أو إطعامِ سِتَّةِ مَساكينَ ، لكلِّ مِسكينٍ مُدُّ بُرٍّ أو نِصْفُ صاعِ تَمْرٍ أو شَعيرٍ أو ذَبْحُ شاةٍ . قوله : (بين صيام ثلاثة أيام) : صيام الثلاثة أيام : أي يصوم هذه الثلاثة أيام بعد فعل المحظور مباشرة ، وله أن يؤخرها ، فيصومها في مكة ، أو في المكان الذي فعل المحظور فيه ، أو في غيره لأنها جاءت مطلقة غير مقيدة . وهل يشترط في الصيام التتابع أم يجوز حتى لو كان متفرقا ؟ الحديث جاء مطلقا غير مقيد ، ولما تكلم الرب عز وجل في بدل دم المتعة قال {فَصِيَ مُ ثَلاثَ ِ أَيَّ مٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَ إِذَا رَجَعْتُمْ} أتى التقييد بالحج وبالرجوع . إطعام الستة مساكين : قوله : (أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر ، أو نصف صاع تمر أو شعير).

عدد الصفحات ١١٦

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 117 المؤلف يقول : الخصلة الثانية من خصال فدية الأذى إطعام ستة مساكين ، لكل مسكين مد بر ، أو نصف صاع من الشعير والتمر ، وهذا تحته مجموعة من المسائل . ظاهر كلام المؤلف رحمه الله ، أن الإطعام يكون من الأصناف الثلاثة : البر ، والتمر ، والشعير ، وهذا الظاهر غير مراد ، بل يصح من كل ما يطعم الناس على الراجح ، وظاهر المذهب أنها كصدقة الفطر ، فما جاز في صدقة الفطر جاز فيها ، تجزئ فيها أشياء : التمر ، والشعير ، والبر ، والزبيب ، هذه أربعة أشياء تجزئ فيها ؛ لأن كل موضع أجزأ فيه التمر أجزأ فيه ذلك ، كصدقة الفطر وكفارة اليمين والصحيح من المذهب أنه لا يجزئ الخبز ، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه الإجزاء ، وأنه يخرج رطلين عراقيين ، لكن قالوا : ينبغي إذا أخرج طعاما أن يكون معه أُدُم من لحم وغيره . وذكر شيخنا قاعدة (كل ما فيه إطعام يجوز إطعام الفقراء فيه ، إلا في الفدية ، فإنه لا بد من تمليكهم) فلا بد أن يعطى الفقيرُ الطعامَ نيئا لا مطبوخا ، ففي كفارة اليمين يرى طائفة من الفقهاء أنه لا بأس بإطعامهم ، وفي كفارة الظهار كذلك ، وفي كفارة الوطء في الصيام كذلك ، لكن في هذا الباب يقولون : لا بد أن يملك الفقير الطعام تمليكا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لكل مسكين نصف صاع] قوله (لكل مسكين مد بر أو نصف صاع ..) الأصحاب يفرقون بين البر وغيره ، فالبر مد ، وغيره نصف صاع ، ونصف الصاع من البر يساوي صاعا من غيره ، وهذا التفريق مطرد إلا في صدقة الفطر ، لكونها منصوصا عليها [صاعا من طعام] . القول الثاني : ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية ، إلى أن الواجب هنا نصف صاع ، مطلقا ، سواء كان من البر أم من غيره دليلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة [أطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، وفي بعضها : نصف صاع من تمر] وبعضها جاء مطلقا ، فلما جاء مطلقا حمل على الإطلاق ، فما دام أنه لم يقيد بما إذا كان من البر فالواجب نصف صاع ، وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [أو أطعم فرقا بين ستة مساكين]قالوا : إن الحكم يثبت في البر بطريق التنبيه والقياس ، فالبر لم ينص عليه ، وإنما ثبت الحكم فيه عن طريق التنبيه والقياس ، والفرع يماثل أصله ولا يخالفه . القول الثالث : ويروى عن الحنفية: نصف صاع من البر، ومن التمر والشعير صاع ، وهو خلاف النص . الراجح : أنه إذا أراد أن يطعم أخرج نصف صاع ، سواء كان من البر أم من غيره . قوله (أَو ذَبحِ شاةٍ ) الشاة تشمل كل شيء الضأن والمعز ، الأنثى والذكر ، وتشمل سبع بدنة ، وسبع بقرة ، وستأتي شروطها بعد إن شاء الله . جزاء الصيد : قال رحمه الله : وَبِجَزاءِ صيدٍ بين مثل إن كان . هذا النوع الثاني من أنواع الفدية التي فيها تخيير ، وهي جزاء الصيد . وجزاء الصيد فيه الفدية على المحرم أجمع عليه أهل العلم في الجملة . الأدلة : الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى {يَ أَيُُّهَ الَُّذِينَ آمَنُوا لَ تَقْتُلُوا الصَُّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُُّتَعَمُِّدًا فَجَزَاءٌ مُِّثْلُ مَ قَتَلَ مِنَ النَُّعَمِ} فأوجب الرب عز وجل الجزاء في الصيد . قوله (بين) : جزاء الصيد تخيير أو ترتيب : جزاء الصيد في المذهب على التخيير ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَ قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيً بَ لِغَ الْكَعْبَ ِ أَوْ كَفَّ رَةٌ طَعَ مُ مَسَ كِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَ مً } فجاءت بالتخيير ، ذبح أو إطعام أو صيام . وذهب بعض أهل العلم إلى أنها على الترتيب ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية ، وهو رأي ابن عباس ،

عدد الصفحات ١١٧

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 118 دليلهم : أن دم المتعة على الترتيب ، وهذا آكد من دم المتعة ، لأنه بسبب فعل محظور . نوقش : بأن هذا قياس في مقابل النص ، والنص قد جاء بالترتيب . القول الثالث : ذهب الحنابلة في رواية إلى أنه لا إطعام في كفارة جزاء الصيد ، يقولون إنما هو مخير بين أمرين : أن يأتي بالمثل ويذبحه ، ويوزعه على الفقراء ، أو يقوِّ م المثل ، ويعرف كم يأتي به من مد ، ثم يصوم عن كل مد يوما ، أما إخراج الطعام فلا ، و إليه ذهب كذلك ابن عباس كذلك ، والحسن ، والنخعي ، وزفر . دليلهم : أن الطعام أُتي به في الآية ليُعدل به الصيام ، وليعرف به طريقة الوصول إلى الصيام ، أن يأتي بالمثل ويذبحه ، فإن لم يرد ذبح المثل فإنه يعرف قيمة المثل ، فإذا عرف قيمة المثل ينظر كم ستأتي القيمة بمد طعام ، لا من أجل أن يشتري الطعام ويوزعه ، وإنما من أجل أن يعرف كم يوما يصوم ، فإذا كانت القيمة تأتي بألف مد ، فإنه يصوم ألف يوم ، وإذا أتت بمائة مد ، فإنه يصوم مائة يوم ، وأما الطعام فإنه لا يخرج في الكفارة . وهذا القول لا شك أنه ضعيف ، وأنه في مقابل النص ، فالله عز وجل يقول (أو كفارة طعام مساكين) والطعام لا يسمى كفارة إلا إذا كان يدفع للفقراء ، ولأنها كفارة ذكر فيها الطعام ، فتكون خصالها كسائر الكفارات ، فإن الطعام إذا ذكر في كفارة كان خصلة من خصال تلك الكفارة ، وما دام أنه ذكر في الآية فهو من خصال الكفارة قوله (مثل) الصيد نوعان : أ- صيد له مثل . ب- صيد لا مثل له . النوع الأول : الصيد الذي له مثل . إذا صاده المحرم فإنه يخير بين أمور : 1- أن يشتري المثل ، ويذبحه ، ويفرقه على الفقراء في مكة . 2- أن يشتري بقيمته طعاما ، ويطعم كل مسكين مدا . 3- أن يصوم عن كل مد يوما . النوع الثاني : الصيد الذي لا مثل له . إذا صاده المحرم فهو مخير بين أمرين : 1- أن يشتري بقيمة الصيد طعاما ويطعم الفقراء ، كل مسكين مدا من هذا الطعام . 2- أن يصوم عن كل مد يوما كاملا . فجزاء الصيد على سبيل التخيير لا الترتيب . مثال : لو صاد حمامة ، وقد حكم فيها الصحابة رضي الله عنهم بشاة ، يقال : أنت بالخيار ، أن تأتي بشاة فتذبحها وتوزعها على الفقراء ، أو تقوُّم الشاة ، ولنفرض أن قيمة الشاة ألف ريال ، فتأتي بألف ريال ، وتشتري بالألف طعاما ، ولنقدر أن الصاع بعشرة ريالات ، كم في الألف من صاع ؟ مائة صاع ، كم في الصاع من مد ؟ أربعة أمداد ، 100 *4 = 400 مد ، فيطعم 400 مسك ، لكل مسكين مد بر ، أو يصوم 400 يوم ، عن كل مد يوما ، ماذا سيصنع في هذه الحال ؟ ما هو الأيسر له ؟ أن يذبح الشاة ويوزعها على الفقراء، بدل أن يذهب يبحث عن أربعمائة فقير حتى يعطي كل فقير مد بر ، أو يصوم أربعمائة يوم ، يحتاج إلى سنين حتى ينتهي من صيامها ، وهو في مقابل حمامة ، مما يدل على أن الأمر ليس بالسهل ، الصيد في حال الإحرام عظيم لعظم الفدية المترتبة عليه وعظم الجزاء .

عدد الصفحات ١١٨

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 119 مسألة : ما المراد بالمثل ؟ كيف يعرف مثل الشيء ؟ وهل المراد بالمماثلة المماثلة في الخلق والصورة ؟ أو المراد المماثلة في القيمة ؟ المؤلف لما قال (وبجزاء صيد بين مثل) مراد المؤلف المماثلة في الخلقة والصورة ، فإذا صاد الإنسان صيدا يُنظر إلى ما يماثل هذا الصيد في خلقته وصورته ، فيخرجه ، يشتريه من بهيمة الأنعام ، ويذبحه ويوزع على الفقراء في مكة . مماثلة الصيد لجزائه : وهذه المسألة فيها خلاف على قولين . القول الأول : أن المماثلة معتبرة في الخلقة والصورة ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَ قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} قالوا : والصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فهموا أن المماثلة هي المماثلة في الخلقة والصورة ، فهمها عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن عمر ، وزيد ، وابن عباس ، بل قد عده ابن قدامة ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، إجماعا من الصحابة فوجب المصير إليه . الدليل الثاني : أن الصحابة حكموا في الحمامة بالشاة ، وثمة فرق كبير جدا بين قيمة الشاة وقيمة الحمامة ، مما يدل على أن المماثلة المقصودة ليست المماثلة في القيمة ، إنما المراد بها المماثلة في الخلقة والصورة ، فإن قال قائل : كيف تشبه الحمامة الشاة ؟ج : ثمة تشابه بينهما من ناحية عَب الماء ، الحمامة تعُب الماء عبا ، مثل الشاة ، بخلاف الطيور الأخرى ، الدجاج والعصافير ، فإنها تأخذ بمنقارها ثم تدخل الماء في حلقها وتنتظر ثم ترجع مرة أخرى ، أما الحمامة فإنها تضع رأسها في الماء كما تفعل الشاة . القول الثاني : أن المماثلة المعتبرة هي المماثلة في القيمة ، ويجوز صرفها في المثل ، لكن الأصل المماثلة في القيمة ، و إليه ذهب الحنفية رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : أن الصيد ليس بمثلي . الدليل الثاني : لو كان المعتبر المماثلة في الصورة لما احتجنا إلى حكمين ؛ لأن كل أحد يعرف هذا بنفسه . نوقش : بأنه ليس كل أحد يعرف ، فإن المماثلة بين الصيد وبين بهيمة الأنعام تحتاج إلى خِبرة ، وإنسان خبير ، يعرف صفات الصيد ، وصفات بهيمة الأنعام ، حتى يجد تشابها بينهما فيلحق الصيد بهذا النوع من بهيمة الأنعام ، فليس كل أحد من الناس يعلم أن الشاة والحمامة تعب الماء عباً ؟ إنما يعرفه من كان عنده خبرة ونظر الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، وهو قول جماهير أهل العلم ، ومن أهل العلم من عده إجماعا ، كما ذكر ذلك ابن قدامة ، وشيخ الإسلام رحمهما الله . تقويم مثل الصيد : قال رحمه الله : أوْ تقويمِهِ بدراهمَ يشتري بِها طعامًا . قوله : (تقويمه) : هل يعود الضمير على الصيد أو على المثل ؟ لأنه قال (ويخير بجزاء بين مثل ...أو تقويمه) ؟ الضمير يعود على أقرب مذكور ، وأقرب مذكور هو المثل ، فما هو الواجب ، هل الواجب الصيد أو المثل ؟ يفيد كلام المؤلف رحمه الله ، أن من صاد صيدا فإنه يخير بين إخراج المثل ، أو تقويم المثل ، ثم الشراء بقيمة المثل طعاما ، يطعم كل مسكين مد بر ، أو نصف صاع من غيره . مثال : تقدم : أنه لو صاد حمامة فإنه يخرج شاة ، يذبحها ويطعمها الفقراء ، أو يقوم الشاة على رأي المؤلف ، ويشتري بقيمة الشاة طعاما يوزعه على الفقراء .

عدد الصفحات ١١٩

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 120 مثال آخر : لو صاد غزالة فإن الواجب عليه عنز ، يشتري عنزا ويذبحها ، ويوزعها على الفقراء ، أو يقوم المعزاة ويشتري بقيمتها طعاما فيوزعه على الفقراء ، وإذا قيل : التقييم للصيد ، فإنه إذا صاد حمامة أخرج شاة ، أو يقوم الحمامة ، ويشتري بقيمة الحمامة طعاما ، فيوزعه على الفقراء ، قد يقول : الصائد يمكن أن يكون تقييمه أحسن ؟ ج: لا ، قد يكون في بعض الأشياء أغلى ، فمثلا : لو صاد غزالة ، فالغزالة أغلى من المعز ، ستكون بألفين أو ثلاثة ، والعنز تكون بألف أو ثمانمائة ريال ، في بعض الأحيان قد يكون المثل أغلى من الصيد ، كما في الحمامة والشاة ، فالشاة أغلى من الحمامة . ما الذي يقوُّم : اختلف العلماء رحمهم الله في الذي يقوم على قولين : القول الأول : أن الذي يقوم هو المثل لا الصيد ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة. دليلهم : أن كل متلف وجب فيه المثل إذا قوم وجبت قيمته كالمثلي من مال الآدمي ، فيقوم المثل وليس الأصل ، ويأخذ صاحب المال المتلف قيمة المثل ؛ لأن الإنسان إذا أتلف مثليا لشخص ، وجب لهذا الشخص المثل ، فإذا قوم فإنه يقوم الواجب له ، والواجب له المثل ، فيأخذ قيمة المثل . القول الثاني : أن الذي يقوم هو الصيد ، و إليه ذهب المالكية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أن التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف قوم المتلف ، كالذي لا مثل له . نوقش : بأن ما ذهبوا إليه رحمهم الله غير صحيح ، بل الذي يجب تقويمه هو المثل ، هذا إذا صرنا إلى التقويم ، لأن الذي يطلب أولا هو المثل ، فإن لم يوجد المثل صير إلى القيمة ، ولا يصار إلى القيمة قبل المثل . الراجح : القول الأول ، لأن الواجب أصلا هو المثل ، فإنه هو الذي يقوم ، وليس الأصل الصيد . الحاكم في التقويم : ذكره الله عز وجل في قوله {ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ}هؤلاء هم من يحكم؟ ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحكمون في هذه الأشياء ، هناك أشياء حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهناك أشياء حكم فيها الصحابة ، وهناك أشياء ترد إلى ذوي عدل ، يحكم فيه اثنان أي رجلان. قوله (يَشتري ) يظهر من كلام المؤلف أنه لا يتصدق بقيمة الطعام ، بل يشتري بقيمة المثل طعاما ، لو قال : أريد أن أتصدق بالقيمة ، يقال له : لا ، إنما تطعم الفقراء ، لأن الله تعالى قال (أو كفارةٌ طعام مساكين) فأوجب الله عز وجل الطعام ، وهذا هو الصحيح من المذهب . وذهب الحنابلة في رواية إلى أنه يجوز إخراج القيمة . الراجح : هو القول الأول ، لأن الله عز وجل أمر بالإطعام ، ولا يجوز العدول إلى الصدقة بالمال ؛ لأن الله تعالى قد ذكر في الآية ثلاثة أشياء ، وخير بينها ، وليس منها الصدقة بالقيمة ، ذكر ذبح المثل والطعام والصيام ، ولا بد من تمليك الفقراء هذا الطعام ، والطعام الذي يخرج هو الذي يخرج في الفطرة وفي كفارة اليمين ، والراجح أنه يخرج كل طعام ، لأن الله تعالى قال (طعام مساكين) ولم يقيد ببر أو تمر أو شعير أو زبيب ، أو أي نوع آخر ، وهذا اختيار شيخنا رحمه الله ، فيجوز إخراج كل ما صدق عليه اسم الطعام . قال رحمه الله : يُطْعِمُ كلَّ مسكينٍ مُداً . يطعم كل مسكين مد بر ، وهذا هو رأي جمهور العلماء ، مد بر أو نصف صاع من غيره .

عدد الصفحات ١٢٠

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 121 وذهب الحنفية ، والثوري إلى أن الواجب نصف صاع من كل شيء ، قياسا على فدية الأذى ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ، أمر كعب بن عجرة أن يطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، قالوا : وهذا مثله ، فيطعم نصف صاع من كل شيء ، من البر أو من غير البر ، وهذا لا شك أنه أحسن للصائد ، لأن ذكرنا في المثال 400 مد ، فسيكون عندنا 200 ، سيصوم مائتي يوم بدل أن يصوم أربعمائة . نحن ضربنا المثال قبلُ في الحمامة ، لو أنه قتل حمامة أخرج شاة ، الشاة قيمتها 1000 ريال ، إذا كان لا يريد إخراج الشاة وذبحها ، فإنه يقوم الشاة ، قيمتها 1000 ريال ، ولنفرض أن الصاع بك 10 ريالات ، سيشتري مائة صاع ، المائة صاع فيها أربعة أمداد ، وهذا كله ينبني على الخلاف السابق ، هل يطعم مدا من بر ونصف صاع من غيره ؟ أو يطعم نصف صاع من كل شيء ؟ الثاني هو الأقرب والله أعلم .  قال رحمه الله : أَوْ يَصُومُ عَن كُلُِّ مُدٍ يوما . ثم بعد ذلك يصوم عن كل مد يوما على كل حال عندهم . الصيام عن مد أو عن نصف صاع : هذه المسألة مختلف فيها على قولين : القول الأول : أنه يصوم عن كل مد يوما ، وهذا رأي عطاء ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . دليلهم :أنها كفارة دخلها الصيام والإطعام ، فكان اليوم فيها يعدل مدا ، ككفارة الظهار ، فقاسوا الجزاء في الصيد على كفارة الظهار . القول الثاني : أنه يصوم عن كل نصف صاع يوما ، أي عن كل مدين يوما ، و إليه ذهب ابن عباس ، والحسن ، والنخعي ، والثوري ، وابن المنذر ، والحنفية ، والحنابلة في رواية . القول الثالث : ذهب الحنابلة في رواية إلى أن اليوم عن مد بر أو نصف صاع من غيره ، وبناء على هذا فالصائد لن يشتري برا ، سيشتري شعيرا أو تمرا أو أرزا أو غيره ، لأنه لو أراد أن يصوم سيصوم عن نصف صاع يوما ، وأما عن البر فالمد عن يوم ، والرواية منصوصة عن الإمام أحمد رحمه الله . دليلهم : أن الصوم في مقابل إطعام المسكين ، وإطعام المسكين مد بر أو نصف صاع من غيره ، الله عز وجل جعل اليوم في كفارة الظهار في مقابلة إطعام المسكين ، فكذا هنا ، وإطعام المسكين يختلف في البر وغيره ، فالبر يُطعم المسكين بمد ، وغير البر يطعم بنصف صاع ، أما المذهب فكل مد مقابل يوم ، بر أو غيره . والرواية الثالثة عن الإمام أحمد رحمه الله رواية قوية جدا(القول الثالث) ؛ لأنه فصل ، فالأصل عندهم أن الفدية تختلف ، في البر مد ، وفي غيره نصف صاع ، وأما إذا قيل : إن البر يساوي غيره ، فالمخرَج نصف صاع من كل شيء ، يجعل نصف الصاع في مقابل اليوم ، وبهذا تنزل الأيام في الحمامة من 400 إ 200 يوم ، في مقابل نصف صاع .  قال رحمه الله : وبما لا مِثْلَ له بينَ إطعامٍ وصِيامٍ . قوله : (بما لا مثل له) : هذا النوع الثاني من أنواع الصيد ، الصيد الذي لا مثل له مثل : الجراد ، والعصافير ، وكل ما هو أقل من الحمامة في الخلقة ، كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنه لا مثل له ، ومثل الجراد ، فإن عمر رضي الله عنه قد حكم فيه بالقيمة ، قتله أحد الصحابة أو التابعين ، فحكم فيه بدرهمين أو دينارين ، فأقره عمر على هذا . فإذا قتل الإنسان حيوانا لا مثل له فإنه مخير بين أن يشتري بقيمة الحيوان طعاما ويطعمه الفقراء وبين أن يصوم عن كل مد يوما كما تقدم . مثال : لو قتل عصفورا وهي لا مثل لها فهو مخير بين أن يخرج بقيمتها طعاما أو يصوم عن كل مد يوما. قال رحمه الله : وأمَّا دمُ مُتْعَةٍ وقِرانٍ فيَجبُ الْهَديُ .

عدد الصفحات ١٢١

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 122 تقدم أن المتعة يجب فيها دم ، وتقدم شروط هذا الدم ، وتقدم : هل يجب على القارن دم ؟ المسألة فيها خلاف على قولين ، عامة أهل العلم أن عليه دما ، قياسا على المتمتع ، فإن الله تبارك وتعالى يقول {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} فإذا كان التمتع يجب فيه دم ، فكذا القران يجب فيه دم ، لأن القارن متمتع بترك أحد السفرين ، وذهب داود ، ونقل عن طاوس إلى أنه ليس على القارن دم ، لأنه لم يأت النص على وجوب الدم فيه ، والإمام أحمد رحمه الله لما سأله ابن مشيش عن وجوب الدم في القران قال (إنما قاسوه قياسا) فدم القران مقيس على دم المتعة ، ليس فيه نص خاص ، والظاهرية لن يحكموا فيه بالهدي ؛ لأنهم لا يرون صحة القياس . ولو أن المؤلف عبر بلفظ القرآن لكان أحسن ، لو قال (وأما هدي متعة وقران) ليوافق القرآن فإن الله تبارك وتعالى قال {فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وهنا مسائل من أهم المسائل في الحج وهي شروط الهدي : شروط الهدي : هي مثل شروط الأضحية كما سيأتي في باب الأضحية : 1- بلوغ السن المعتبرة شرعا . وقد جاء فيه حديث جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن] أخرجه الإمام مسلم ، لا بد أن يبلغ الهدي السن المعتبرة شرعا ، والسن المعتبر ستة أشهر للضأن ، وسنة للمعز ، وسنتان للبقر ، وخمس سنين للإبل . 2- أن يكون من بهيمة الأنعام ، ولا يجزئ من غيرها مهما كان ثمنه أو قيمته . 3- أن يكون سالما من العيوب المانعة من الإجزاء ، التي جاءت في حديث البراء بن عازب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [أربع من الضحايا لا تجوز : العوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعرجاء البين ظلَعها ، والعجفاء التي لا تنقي] أخرجه الخمسة بإسناد صحيح . 4- أن يكون في زمن الذبح . وقد اختلف فيه أهل العلم على قولين : القول الأول : أن زمن الذبح يوم النحر ويومان بعده ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة . القول الثاني : أن أيام الذبح يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، وهذا رأي علي ، وابن عباس ، وابن عمر رضي الله عنهم ، والحسن ، وعطاء ، وابن المنذر ، والأوزاعي ، و هو مذهب الشافعية . دليلهم : حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [كل أيام التشريق ذبح]أخرجه الإمام أحمد ، وابن حبان ، وصححه الأرناؤوط في تعليقه على الزاد . الراجح : هو القول الأخير والله أعلم ، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين رحمه الله . ذبح الهدي قبل يوم النحر : اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه يجوز تقديم الهدي على يوم النحر ، و إليه ذهب عطاء ، وهو مذهب الشافعية . أدلتهم :

عدد الصفحات ١٢٢

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 123 الدليل الأول : قول الله تعالى {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}وهذا يصدق عليه أنه متمتع فيجوز له الذبح قبل يوم النحر ، فيذبح هديه في اليوم الثامن أو غيره. الدليل الثاني : عن جابر رضي الله عنه ، (فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ، فيجتمعَ النفر منا في الهدية ، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم)أخرجه الإمام مسلم ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج إلى العمرة ، وأمرهم حين ذلك أن يذبحوا هديهم ، فيجوز ذبح الهدي قبل يوم النحر ، فظاهر الحديث يدل على هذا . نوقش الاستدلال : بأن قوله (وذلك حين أمرهم أن يحلوا) أن الإشارة في الحديث لوقت وزمن الأمر ، لا زمن الذبح ، والمعنى : أن زمن الأمر بالفسخ وزمن الأمر بالهدي والاشتراك فيه زمن واحد ، أمرهم أن يحلوا وأن يفسخوا ، وأمرهم أن يهدوا ويشتركوا في الهدي ، فهل أمرهم أن يذبحوا في نفس الوقت أو أمرهم بالأمرين جميعا ، وقال : افسخوا حجكم الآن ، واذبحوا هديا واشتركوا في الهدية الواحدة بينكم في البقرة والبدنة ؟ المراد أن زمن الذبح وزمن الأمر بالفسخ كان واحدا ، وليس المعنى أنهم يفسخون ويذبحون في يوم الثامن من ذي الحجة في يوم التروية . وقالوا : إن شرائط الدم إنما توجد بوجود الإحرام بالحج ، فوجب أن يتعلق الوجوب به . القول الثاني : أنه لا يجوز الذبح إلا في يوم النحر وفي الأيام التي بعده ، سواء قيل : إنهما يومان أو ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، وإليه ذهب المالكية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : لماذا لا تحل ؟ قال [إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر]ولو كان الذبح قبل يوم النحر جائزا لما قال هذا ، ولذبح قبل ذلك وحل مع أصحابه . الدليل الثاني : فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يذبح إلا في يوم النحر ، وفعل أصحابه رضي الله عنهم ، ولم ينقل عن صحابي أنه ذبح قبل يوم النحر . الراجح : أنه لا يجوز الذبح قبل يوم النحر ، للأدلة الواضحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم . 4- أن يكون النحر في مكان النحر في منى ، وفي الحرم . دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم [كل عرفة موقف ، وكل منى منحر ، وكل فجاج مكة طريق ومنحر]أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود وصححه الزيلعي ، والألباني ، وهناك حديث في صحيح الإمام مسلم ، عن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [نحرت ههنا ومنى كلها منحر ، فانحروا في رحالكم] فيشترط أن يكون في زمن النحر وفي مكان النحر ، وأن يكون من بهيمة الأنعام . قوله (وأَما دمُ متعةٍ وقرانٍ ) هذا يشعر بأن دم المتعة والقران من أنواع الفدية ، ولذا ذكرها في باب الفدية ، وأنها دم جبران لا دم شكران ، والصحيح أن دم المتعة والقران دم شكران ، فالإنسان مخير بين أن يتمتع ويهدي وبين ألا يتمتع ولا يهدي ، يحج مفردا ، وأما دم الجبران فليس الإنسان بالخيار بين أن يفعل المحظور ويريق دما ، أو يترك الواجب ويذبح ذبيحة يوزعها على الفقراء فهذا يدل على أن ثمة فرقا بين دم المتعة والقران ، وبين الفدية ، ومما يدل على أنه دم شكران أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلوا من هديهم ، ودم الجبران لا يؤكل منه ، بل يجب عليه أن يدفعه للفقراء ويأكلونه . قال رحمه الله : فإنْ عدمَهُ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ . قوله (فإن عدمه) أي دم المتعة والقران ، والعدم يأتي في صورتين : الصورة الأولى : ألا يجد في الأسواق هديا يذبحه ، لا يجد شيئا من بهيمة الأنعام ، لا بقرا ولا غنما ولا إبلا .

عدد الصفحات ١٢٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 124 الصورة الثانية : أن يكون الهدي موجودا ، لكنه لا مال له يشتري به ، فهذا يصدق عليه أنه عادم للهدي ، ولذا قال الله تبارك وتعالى {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَ مُ ثَلاثَ ِ أَيَّ مٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَ إِذَا رَجَعْتُمْ{ }فَمَنْ لَمْ يَجِدْ}أي من عدم الهدي ، سواء كان لعدم وجوده ، أو كان موجودا لكنه لا يستطيع شراءه لانعدام المال ، فينتقل إلى الصيام . وهذه المسألة تحتها مسائل : متى يصوم : نستفيد من معرفة وقت وجوب الهدي متى يحين الانتقال إلى الصيام . وقت وجوب الهدي : فيه خلاف بين أهل العلم على أقوال : القول الأول : وقت وجوب الهدي هو الإحرام بالحج ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية ، فإذا أحرم بالحج وكان عنده قدرة مادية اعتبر واجدا ، وإن لم تكن عنده قدرة اعتبر عادما للهدي ، فينتقل للصيام . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وهذا يصدق عليه أنه متمتع بالعمرة إلى الحج ، فإن كان في هذه اللحظة واجدا وجب عليه الهدي ، وإن لم يجد فإنه ينتقل إلى الصيام الدليل الثاني : ولأن ما جعل غاية فوجود أوله يكفي فيه ، كما قال الله تبارك وتعالى {ثُم أَتِمُّوا الصِّيَ مَ إِلَى اللَّيْلِ} هل يلزم أن يصوم الليل كله ؟ أم إذا دخل أول الليل أفطر ؟ج : إذا دخل أول الليل . القول الثاني : أن وقت وجوب الهدي هو الوقوف بعرفة ، و إليه ذهب المالكية ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : أن ما قبل الوقوف لم يكتمل الحج فيه ، فإن من تمتع بالعمرة إلى الحج لا يكتمل حجه حتى يصبح متمتعا تمتعا كاملا وذلك بالوقوف في عرفة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول [الحج عرفة] و يصدق عليه أن حج حجا حقيقيا حتى يقف بعرفة ، فوجوب الهدي مرتب على الوقوف بعرفة . الدليل الثاني : أن الحج قبل عرفة قد يتعرض للفوات ، ما يستطيع الإنسان أن يصل إلى عرفة ، يصد ، أو يحصر ، فيفوته الحج . القول الثالث : أن وقت الوجوب طلوع الفجر من يوم النحر ، و إليه ذهب الحنابلة. دليلهم : أنه وقت ذبحه ، فكان وقت وجوبه . القول الرابع : قال عطاء رحمه الله : لا يجب إلا برمي جمرة العقبة . القول الخامس : وقال بعضهم : وقت وجوب الهدي هو الإحرام بالعمرة ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية ، وذلك لصدق نية التمتع عليه . هذه خمسة أقوال : قول بأنه بالإحرام بالحج ، وقول بالوقوف في عرفة ، وقول بأنه بطلوع الفجر يوم النحر ، وقول برمي جمرة العقبة ، وقول بالإحرام بالعمرة . الراجح : المسالة محتملة ، وقول الحنابلة إنه بطلوع الفجر يوم النحر يعتبر قولا قويا ، لأنه قبل ذلك يمكن أن يفوته الحج قبل عرفة ، لأن يوم النحر هو وقت الوجوب ، فإن كان عنده هدي ذبحه ، وإن لم يكن عنده كان غير واجد ، فينتقل للصيام . قوله (فصيام ثلاثة أيام) : إذا كان غير واجد للهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع إلى أهله ، فالصيام على نوعين : 1- صيام ثلاثة أيام .

عدد الصفحات ١٢٤

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 125 2- صيام سبعة أيام . النوع الأول : له وقتان ، وقت جواز ووقت استحباب ، أما وقت جواز صيام الثلاثة أيام فيه خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم على قولين : القول الأول : أنه من حين يحرم بالعمرة يجوز له أن يصوم ، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وإذا أحرم بالعمرة كان قد شرع في التمتع ووجد سبب العبادة ، وإذا وجد سبب العبادة جاز تقديمها على وقتها كتقديم الزكاة على الحول الدليل الثاني : قول النبي صلى الله عليه وسلم [دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة]وإذا شرع فيها وهي داخلة في الحج ، صدق عليه أنه حاج . القول الثاني : أن وقت الجواز يبدأ من حين يحرم بالحج ، وهو رأي ابن عمر ، وإسحق ، وابن المنذر ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، وهو اختيار ابن حزم. أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَصِيَ مُ ثَلاثَ ِ أَيَّ مٍ فِي الْحَجِّ} معناه : أن الصيام يكون في أفعال الحج ، فإذا شرع في الحج صام ، يعني هذا أنه سيتقدم ويحرم قبل يوم التروية من أجل أن يصوم في أيام الحج . نوقش : بأن قول الله تعالى {فِي الْحَجِّ} المراد به : في زمن الحج وفي أشهر الحج ، وليس المراد به في أفعال الحج . الدليل الثاني : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت (صيام ثلاثة أيام في الحج ما بين الإحرام بالحج إلى عرفة ، فإن لم يصم صام في أيام التشريق) أخرجه ابن حزم رحمه الله في المحلى وصححه . الراجح : أن جواز وقت صيام الثلاثة أيام : من حين الإحرام بالعمرة ، فإن قال قائل : ألم يقل قبل : إن وقت وجوب الهدي هو طلوع الفجر من يوم النحر ، وعلى قول المالكية : بعد الوقوف بعرفة ، فالجواب أن يقال : الإنسان يعرف من نفسه أنه لن يجد مالا ، يكون فقيرا معدما لا مال له ، وهو يعرف أنه لن يجد مالا ، فيبدأ بالصيام من حين يبدأ بالعمرة ، والله أعلم . أفضل وقت لصيام الثلاثة أيام في الحج : قال المؤلف رحمه الله : والأفْضَلُ كونُ آخِرِها يومَ عَرَفَة . هذا الوقت المستحب لها عند الأصحاب ، أن يكون آخرها يوم عرفة ، معنى هذا أنه سيبتدئ الصيام يوم السابع ويصوم الثامن والتاسع ، ويلزم من هذا أنه سيحرم بالحج قبل يوم التروية من أجل أن يصوم حال كونه حاجا ، وقد اختلف أهل العلم في الوقت المستحب لصيام الثلاثة أيام في الحج على قولين : القول الأول : أن وقت الاستحباب هو اليوم السابع والثامن والتاسع ، ويكون آخرها يوم عرفة ، و إليه ذهب طائفة من السلف ، فهو رأي عطاء ، وطاوس ، والشعبي ، ومجاهد، وابن جبير ، ومذهب الحنفية ، والحنابلة . دليلهم : ليكون إتيانه بها أو ببعضها بعد إحرامه بالحج ، فينبغي أن يكون آخرها يوم التاسع من ذي الحجة . القول الثاني : أن وقت الاستحباب هو السادس والسابع والثامن ، وهذا مروي عن ابن عمر ، وعائشة ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية ، ويقولون : يحرم قبل من أجل أن يقع الصوم حال كونه محرما بالحج ، ويترتب عليه أنه سيحرم قبل يوم التروية . أدلتهم :

عدد الصفحات ١٢٥

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 126 الدليل الأول : عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم في صيام هذه الأيام الثلاثة ، قالا : (ما بين أن يهل بالحج إلى يوم العرفة) أخرجه ابن حزم في المحلى وصححه ، وهذا يستلزم أن تكون في السادس والسابع والثامن ، الدليل الثاني : قالوا يبدأ يوم السادس كي لا يصوم يوم عرفة ، فإن صوم يوم عرفة مكروه ، بل قد روي حديث (نهى النبي صلى الله عليه وسلم ، عن صوم يوم عرفة بعرفة) أخرجه الإمام أحمد ، وهو ضعيف ، لكن جاء في الصحيح أنه أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح ، فشرب منه وهو واقف على بعيره . الراجح : أن يقال : وقت الجواز يبتدئ من الإحرام بالعمرة إلى آخر أيام التشريق ، كما ذهب إليه الأصحاب ، هذا كله وقت لصيام الثلاثة أيام ، لكن ينبغي أن يتنبه الصائم إلى أمرين : الأمر الأول : أنه لا ينبغي له أن يحرم بالحج قبل يوم التروية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، حج معه من الصحابة من لم يكن معه هدي ، وحجوا متمتعين ، وقد يكون طائفة منهم لا هدي معه ، وهذا الغالب لأن جزءا منهم فقراء ، ومع ذلك لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، بأن يقدموا إحرامهم بالحج إلى يوم السادس أو إلى يوم السابع من أجل أن يصوموا هذه الأيام في أثناء إحرامهم بالحج . الأمر الثاني : أنه لا ينبغي أن يصوم يوم عرفة كما تقدم ، لأنه مكروه ، لأن الصيام يمنعه من التعبد والاجتهاد في يوم عرفة بعرفة ، خاصة في عشية عرفة التي هي أفضل الوقت في عرفة . حكم صيام الثلاثة أيام في أيام التشريق : إذا لم يصم المحرم الذي لا هدي معه قبل يوم النحر ، فهل يصوم أيام التشريق الثلاثة ، الحاديَ عشر والثاني عشر والثالث عشر ؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن من لم يصم الأيام الثلاثة قبل أيام النحر صامها أيام التشريق ، إليه ذهب طائفة من السلف ، منهم عائشة ، وابن عمر رضي الله عنهم ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية في القديم ، والمذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم ، قالا : (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) أخرجه الإمام البخاري. الدليل الثاني : أن الله عز وجل أمر بصيام هذه الثلاثة أيام في الحج ، والذي لم يصمها قبل يوم النحر ليس له وقت ليصوم إلا في أيام التشريق الثلاثة ، فيصومها . القول الثاني : أن من لم يصم قبل يوم النحر فإنه لا يصوم أيام التشريق الثلاثة ، وهو رأي علي رضي الله عنه ، و الحسن ، وعطاء ، وابن المنذر ، ومذهب الحنفية ، والشافعية في الجديد ، و الحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : عن نُبيشة الهذلي رضي الله عنه ، أنه قال : قال صلى الله عليه وسلم [أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله]أخرجه مسلم ، فهي أيام أكل وشرب وذكر لله ، لا يجوز صيامها إذا كان غير واجد للهدي . ونوقش : بأن قوله : [أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله]مخصوص بحديث عائشة وابن عمر ، فإن عائشة وابن عمر قالا : (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) . الدليل الثاني : أنه لا يجوز صيام هذه الأيام في النفل ، فلا يجوز صيامها في الفرض ، كيوم النحر ، فيوم النحر لا يجوز أن يصام في النفل ، فلا يجوز أن يصام في الواجب .

عدد الصفحات ١٢٦

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 127 نوقش : بأن هذا قياس في مقابل النص ، فإن قول عائشة وابن عمر له حكم الرفع (لم يرخص ...) فإن الذي يرخص ولا يرخص هو النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي يبلغ عن ربه عز وجل ، وليس الترخيص لأحد غيره الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أن من لم يجد الهدي ولم يصم قبل أيام النحر فإنه يصوم أيام التشريق الثلاثة ، وهذا الظاهر من فعل الصحابة رضي الله عنهم كما قال شيخنا . وقت وجوب صيام الثلاثة أيام : قالوا : وقت وجوبها هو وقت وجوب الهدي ، وقد تقدم معرفة وقت جوب الهدي ، إما طلوع الفجر من يوم النحر ، أو بعد الوقوف بعرفة ، الخمسة أقوال . من لم يصم في الحج ثلاثة فهل يصومها : هذه المسألة فيها خلاف بين السلف رحمهم على قولين : القول الأول : أن من لم يصم هذه الثلاثة أيام في الحج فإنه يصومها بعد ذلك ، إليه ذهب علي ، وابن عمر ، وعائشة رضي الله عنهم ، وهو رأي عروة ، والحسن ، ومذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، لكن قال الحنابلة : عليه دم ؛ لأنه أخر الصيام ، وأما الشافعية فيقولون : ليس عليه دم ولو أخرها بدون عذر . أدلتهم : الدليل الأول : أنه صوم واجب فلم يسقط بخروج وقته ، كصيام رمضان ، فإن الإنسان إذا خرج وقت رمضان ولم يصم أمر بقضاء الأيام التي لم يصمها في أيام رمضان . الدليل الثاني : أن قوله عز وجل {ثَلاثَ ِ أَيَّ مٍ فِي الْحَجِّ} لا تدل على وجوب صيام هذه الثلاثة أيام في الحج ، ولا تدل على سقوطها بعد ذلك ، بل هي تدل على أن الواجب أن تكون في الحج ، فإن لم يصمها فإنها تثبت في ذمته ، ولا تسقط عنه بعدُ . القول الثاني : أنه إذا لم يصم في الحج فإنه لا يصوم بعد ذلك ، ويستقر عليه الهدي ، أليست بدلا عن الهدي ؟ قالوا : بلى ، فإذا لم يصم حتى خرج وقت الحج فإنه لا يصوم ، بل يرجع إلى المبدل (الهدي) فيستقر في ذمته ، ويجب عليه ذبحه ، و إليه ذهب ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو رأي طاوس ، ومجاهد ، ومذهب الحنفية . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {فَصِيَ مُ ثَلاثَ ِ أَيَّ مٍ فِي الْحَجِّ} أمر بصيام هذه الثلاثة أيام في الحج ، وهو لم يصم ، فإذا لم يصمها في الحج فإنه قد عصى بعدم الامتثال فسقط البدل ، ويرجع إلى المبدل (الأصل) فيلزمه أن يصوم . الدليل الثاني : أنه بدل مؤقت ، فيسقط بخروج وقته ، كالجمعة ، فالجمعة بدل عن الظهر ، وإذا خرج وقتها فإن الإنسان لا يصليها جمعة ، بل يصليها ظهرا . نوقش : بأن الجمعة ليست بدلا ، بل هي الأصل ، وإنما سقطت لأن الوقت جعل شرطا لصحتها ، فلا تصح خارج وقتها . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، وإن كان من أهل العلم من يرى أنه لا يصوم مطلقا ، هو فعل فعلا ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلا يصوم ، وحتى لو صام لم يقبل منه لكن الأقرب هو القول الأول ، وفي المذهب أنه يلزمه مع الصيام دم للتأخير ، وبعد ذلك يصوم السبعة .

عدد الصفحات ١٢٧