المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر كتاب المناسك

فهد المطيري

صفحة ٨ من ٢٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 97 أي ولا يحرم قتل الصائل ، فلو أن نوعا من أنواع الصيود صال على الإنسان ، وخاف الإنسان على نفسه ، ولم ينصرف عنه حتى قتله جاز له ، كما لو صال عليه غزال مثلا ، فله أن يقتله ، ولا شيء عليه ، والقاعدة (كل مدفوع لأذاه لا حرمة له) ولكن يجب دفعه بالأسهل فالأسهل ، ويحرم أكله إذا قتله ؛ لأنه لا يحل صيده إلا لدفعه ويدل على جواز قتله أدلة جواز قتل الصائل من بني آدم ، فإذا كان الصائل من بني آدم يجوز قتله ، مع عظمة دمه وعظمة حرمته ، فإنه يجوز قتل الصائل من الصيد ، والدليل على جواز قتل الصائل من بني آدم ، حديث جابر رضي الله عنه قال [جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال : فلا تعطه ، قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله ، قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد ، قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : هو في النار] أخرجه الإمام مسلم ، فدل على أن الصائل على الدم أو على العرض أو على المال يجوز أن يقاتل ، ويجوز أن يقتل إن لم يندفع إلا بالقتل . إذا قتل المحرم الصيد الصائل فهل عليه جزاء؟ اختلف أهل العلم في هذه المسالة على قولين : القول الأول : أنه لاجزاء عليه ، وإليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : لأنه إذا كان الصائل من بني آدم لا ضمان فيه فهذا من باب أولى. الدليل الثاني : ولأنه كالمؤذي طبعا فلاضمان فيه كالكلب العقور. القول الثاني : أن عليه الجزاء وإليه ذهب الحنفية ، وأبوبكر من الحنابلة. دليلهم : أنه قتله لحاجة نفسه ، أشبه قتله لحاجته إلى أكله. والله أعلم . إزالة يده عن الصيد : هل يلزم المحرم إزالة يده الحكمية عن الصيد أم لا ؟ تقدم أن يده الحسية لا بد أن يزيلها عن الصيد ، والمسألة فيها خلاف ، لكن هل يلزمه إزالة يده الحكمية عنه أم لا ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه لا يلزم المحرم أن يزيل يده الحكمية عن الصيد ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية في قول ، وهو المذهب عند الحنابلة . دليلهم : أن الصحابة رضي الله عنهم ، كانوا يكونون محرمين ، وفي بيوتهم الصيود ، ولم ينقل أنهم كانوا يطلقونها ، بل كانت تبقى في ملكهم ، ولم ينقل أنهم كانوا يرسلونها ، والمنهي عنه هو تنفير الصيود والتعرض لها. القول الثاني : أنه يلزم المحرم أن يزيل يده الحكمية عن الصيد ، فإذا كان في بيته صيد أمر من يطلقه ، ولا يجوز له أن يبقي يده الحكمية عليه . وهو رأي ابن عباس رضي الله عنهما ، وعطاء ، ومجاهد ، والنخعي ، والليث ، والأوزاعي ، والحنفية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : أن الحرم سبب محرم للصيد ، يوجب ضمانه ، فحرمت استدامة إمساكه ، كالإحرام ، فإذا دخل الحرم ومعه صيد ، وكذا إذا أحرم ومعه صيد ، فإنه يلزمه أن يطلقه . الدليل الثاني : أنه صيد ذبح في الحرم ، فلزمه جزاؤه ، وهذا إذا كان الصيد معه ، فإنه يجب عليه أن يتركه ، ويحرم عليه إمساكه ، لأنه يستوي في ذلك أن يكون تحت يده الحسية أو الحكمية ، ويسمى صيداً.

عدد الصفحات ٩٧

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 98 الراجح : أنه إذا أحرم المحرم وفي يده صيد ، لم يلزمه إزالة يده الحكمية عنه . إذا دخل الحرم ومعه صيد : إذا دخل الحرم ، ومعه صيد ، فهل يلزمه إطلاقه، وهل يجوز له ذبحه ؟ هذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز له ذبحه ، ويلزمه إطلاقه ، وهذا منقول عن ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وعطاء وطاوس ، وهو رأي إسحق ، وإليه ذهب الحنفية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أنه قد دخل الحرم ومعه صيد ، فيجب عليه أن يطلقه . الدليل الثاني : أنه لا يجوز له أن يصيد الصيد ؛ لأن الله تبارك وتعالى قال {غَيْرَ مُحِلُِّي الصَُّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} فيصدق عليه أنه محل للصيد إذا ذبحه . القول الثاني : أنه إذا كان معه صيد ، ودخل به الحرم ، لم يلزمه إطلاقه ، و إليه ذهب جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، وابن الزبير ، وابن جبير ، ومجاهد ، وهو رأي ابن المنذر ، وأبي ثور ، ومذهب المالكية ، والشافعية ، ورأي ابن حزم ، وقال في الفروع (يتوجه ألا يطلقه وأنه يجوز له ذبحه) . أدلتهم : الدليل الأول : الحديث الثابت في الصحيح ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يقول لطفل يكنى أبا عمير [يا أبا عمير ما فعل النُّغير ]والنغ : تصغير نَغْر ، وهو طير ، فقد كان هذا الصبي ممسكا للصيد في حرم المدينة ، وهذا دليل على أنه يجوز إمساك الصيد في الحرم ، فلما جاز في حرم المدينة ، جاز في حرم مكة . وإن كان قد نوقش بأن ثمة فرقا بين حرم مكة وحرم المدينة من حيث الصيد ؛ فحرم المدينة ليس في الصيد فيه جزاء ، بخلاف حرم مكة ، لكنهم نظروا إلى أن صيد وأنه في حرم ، بغض النظر هل له جزاء أو لا . الدليل الثاني : أنه مملوك لصاحبه وإذا كان ملكا لصاحبه فإنه يتصرف فيه كما شاء ، والأمن الذي في الحرم إنما هو للصيود التي داخل الحرم ، لا الصيود التي جاء بها الإنسان من خارج وهي تحت ملكه . صيد المحرم ميتة : أجمع العلماء على أن المحرم إذا صاد الصيد فإنه يكون ميتة ، لا يجوز أكله ، ولا أن يأكله غيره ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول {يَ أَيُُّهَ الَُّذِينَ آمَنُوا لَ تَقْتُلُوا الصَُّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} فسماه قتلا . أكل المحرم من صيد الحلال : إذا صاد محل صيدا ، فهل يجوز للمحرم أن يأكل منه ؟ اختلف السلف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال ، وسبب الخلاف هو تعارض الأحاديث فيها ظاهرا ، فإن ثمة حديث ثبت فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الصيد ، وهناك حديث ثبت فيه أنه رد الصيد على المحل الذي صاده ، اختلف العلماء بناء على ذلك ، فمنهم من رجح ، ومنهم من جمع بينها ، وهي : 1- حديث أبي قتادة (أنه صاد صيدا وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال (أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها) ، قالوا : لا ، قال : (فكلوا ما بقي من لحمها)) متفق عليه . 2- حديث الصعب بن جثامة الليثي (أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه و سلم حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء أو بودان ، فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : [إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم] متفق عليه ، ففي الأول أنه أكل ، وفي الثاني أنه رده لإحرامه ، هنا وقع الخلاف .

عدد الصفحات ٩٨

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 99 القول الأول :أن المحرم يجوز له الأكل من الصيد مطلقا، سواء صيد الصيد له أم لم يصد له ، و إليه ذهب الحنفية أدلتهم : الدليل الأول : حديث أبي قتادة . الدليل الثاني : حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، أنه قال (كنا مع طلحة رضي الله عنه ، ونحن حرم ، فأهدي له طير ، وطلحة راقد ، فمنا من أكل ، ومنا من تورع ، فلما استيقظ طلحة رضي الله عنه ، وافق من أكله ، وقال:أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم)أخرجه الإمام مسلم ، فأكل الصحابي منه ، والصيد قد أهدي له ، فدل على أنه يجوز للمحرم أن يأكل الصيد مطلقا. وقد نوقشت دلالة الحديثين السابقين ، بأن الصيد في هاتين الصورتين صاده المحل لنفسه ولم يصده للمحرم ، وهذا فرق مؤثر ، ففي حديث أبي قتادة ، أن أبا قتادة صاده لنفسه ، ولم يصده لأصحابه ولا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأما في الأثر الثابت عن أبي طلحة ، فإن الصيد يحتمل أن من أهداه لأبي طلحة صاده لنفسه ، ثم لما رأى أبا طلحة أهداه هذا الصيد . القول الثاني : أنه لا يجوز للمحرم أن يأكل الصيد مطلقا ، سواء صيد له أم لم يصد له ، وهذا مروي عن طائفة من السلف : علي ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وعطاء ، وطاوس ، والثوري ، وإسحق . أدلتهم : الدليل الأول : عموم قوله تعالى {حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَ دُمْتُمْ حُرُمً } وهذه الآية مطلقة ، فيدخل فيها جميع أنواع الصيود ، ما صيد للمحرم وما لم يصد له ، فالصيد حرام مطلقا ، ولم يقيد بما إذا صيد لغيره ، أو صيد له . الدليل الثاني : حديث الصعب بن جثامة ، وفيه أن النبي رده لأنه حرام . القول الثالث : التفصيل ، إن صيد للمحرم فهو حرام عليه ، وإن لم يصد له فهو حلال ، و إليه ذهب جمع من السلف ، فهو مروي عن عثمان رضي الله عنه ، و مذهب المالكية ، والشافعية ، والصحيح عند الحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : حديثا أبي قتادة والصعب بن جثامة ، ففي حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سأل أصحابه : (أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليها) فالصحابي لم يصده لهم ، بل صاده لنفسه ، فلما صاده لنفسه حل لهم ، وأما حديث الصعب بن جثامة ، فإن الصحابي رضي الله عنه ، صاده للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان حراما عليه ؛ لأنه محرم ، وهذا هو الجمع بين الحديثين . الدليل الثاني : عن جابر مرفوعا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم]أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه ، وهذا من الأحاديث المشكلة ، اختلف فيه أهل العلم اختلافا كبيرا ، غالبهم على تضعيف هذا الحديث وأنه لا يثبت ، وصحح الحديث ابن الملقن رحمه الله ، والحاكم ، والذهبي ، وقال الترمذي : (قال الشافعي : هو أحسن شيء روي في الباب وأقيس) ، وَأعله الترمذي ، والنسائي ، وابن التركماني ، وضعفه ابن حزم ، والألباني ، ولو صح الحديث لكان فيصلا في محل النزاع . الراجح : والله أعلم هو القول بالتفصيل ، وذلك للجمع بين الأحاديث ، وعدم إلغاء دلالة أحد النصين . دلالة المحرم للحلال : إذا دل المحرمُ الحلالَ على الصيد فصاده ، فهو حرام على المحرم ، وحلال للمحل ؛ لأن الذي صاده محل ، وليس محرما ، لكن على من الجزاء ؟ أعلى المحرم أم على الحلال ؟ اختلف العلماء على قولين:

عدد الصفحات ٩٩

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 100 القول الأول : أنه إذا دل المحرم الحلال على الصيد فصاده الحلال ، فإن الجزاء على المحرم ، وأما الحلال فلا جزاء عليه ، إليه ذهب طائفة من السلف ، فهو رأي عمر ، وعلي ، وابن عباس رضي الله عنهم ، وعطاء ، ومجاهد ، وإسحق ، وهو مذهب الحنفية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُُّتَعَمُِّدًا فَجَزَاءٌ مُِّثْلُ مَ قَتَلَ مِنَ النَُّعَمِ} فأوجب الله تعالى الجزاء على القاتل ، وغيره لا يلحق به ؛ لأنه ليس في معناه ، فالمباشر الحلال ، والحلال لا يمكن تضمينه ؛ لأنه فعل فعلا مباحا له ، لكن التضمين يكون على المحرم الذي دل الحلال على الصيد . الدليل الثاني : حديث أبي قتادة ، فإنه لما صاد الصيد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : هل منكم أحد أمره أو أشار إليه ، وفي رواية أن أصحابه أبصروا حمارا وحشيا ، يقول : وأنا مشغول أخصف نعلي ، فلم يؤذنوني ، وأحبوا لو أني رأيته ، هم يريدون أن يراه ، لكنهم لا يستطيعون أن يخبروه ؛ لأنهم محرمون رضي الله عنهم وأرضاهم ، وهذا دليل على تعلق الحكم بالمحرم لا المحل ، ولهذا لم يكلموه رضي الله عنهم ، بل جاء في بعض الألفاظ أنه سقط رمحه أو سهمه ، وطلب منهم أن يناولوه فلم يناولوه ، لأنهم محرمون . القول الثاني : انه إذا دل المحرم حلالا على الصيد فقتله فلا شيء عليهما ، لا على القاتل ولا على الدال ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، وأبو ثور ، والظاهرية . أدلتهم : الدليل الأول : أن الذي يحرم عليه الصيد هو المحرم ، وهو لم يقتله ، فلا جزاء عليه . الدليل الثاني : أن التلف مضاف إلى القاتل ، لا إلى الدال ، فلا يجب على الدال شيء . الراجح : والله أعلم هو القول الأول ، وأنه يجب الجزاء على المحرم دون الدال عليه ، وذلك لقوة أدلتهم . الضمان إذا دل المحرمُ المحرمَ : إذا دل المحرم محرما على الصيد ، فهل الضمان عليهما جميعا ؟ أم على المباشر ؟ اختلف السلف على أقوال : القول الأول : أن الجزاء بينهما ، إليه ذهب عطاء ، والشعبي ، وابن جبير ، وهو مذهب الحنفية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن المتلف واحد ، فيكون الجزاء واحدا ، فلا يمكن أن يتعدد الجزاء . الدليل الثاني : أن القتل فعل الاثنين ، واحد بإشارته ، والثاني بمباشرته ، فيكون الجزاء عليهما . القول الثاني : أن الجزاء على المحرم القاتل دون الدال ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والظاهرية . دليلهم : أنه هو الذي باشر القتل ، فيكون الجزاء عليه ، والله تبارك وتعالى يقول {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُُّتَعَمُِّدًا فَجَزَاءٌ مُِّثْلُ مَ قَتَلَ مِنَ النَُّعَمِ} القول الثالث : أن الجزاء على كل واحد منهما ، كل يلزمه جزاء خاص ، فإذا دل المحرم المحرم على حمامة فقتلها ، ففيها شاة ، يجب على كل واحد منهما شاة ، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أن كل واحد من الفعلين لو استقل لأوجب الجزاء ، فإذا اجتمعا وجب الجزاء على كل واحد منهما . الراجح : أن الجزاء بينهما فيتحملانه ؛ لأنه لا يجب بقتل الصيد أكثر من جزاء ، والأصل عدم الغرم وبراءة الذمة .

عدد الصفحات ١٠٠

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 101 مسألة : إذا صاد المحل للمحرم ، أو دل المحرم المحل ، فصاد الحلالُ ، فهو حرام على المحرم دون سواه ، والدليل على ذلك حديث الصعب بن جثامة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما رد الحيوان عليه لم يقل له : لا تأكله ، هذا حرام عليك ، مما يدل على أنه يجوز له أن يأكله ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. جزاء اشتراك محرمين : إذا اشترك محرمون في قتل صيد ، فهل الجزاء عليهم جميعا ، أم على كل واحد منهم جزاء منفرد ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن على كل منهم جزاء كاملا ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : القياس على ما لو اشترك جماعة في قتل إنسان ، فإنهم يقتلون جميعا ؛ لأنهم اشتركوا في قتله . القول الثاني : أن عليهم جزاء واحدا ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة . دليلهم : أنه مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم . الراجح : القول الثاني ؛ لأن الصيد جزاؤه واحد ، فيجب عليهم جميعا ، خاصة أنه منقول عن ابن عباس ، وعن ابن عمر 7- عقد النكاح : قال المؤلف رحمه الله : ويحْرمُ عقدُ نكاحٍ . وعقد النكاح هو : (عقد الزوجية الصحيح ، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة). وقد دل عليه : الدليل الأول : عن عثمان رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب] أخرجه الإمام مسلم ، والنهي شامل للولي الذي يعقد النكاح (يُنكح ) وشامل لوكيل الولي المحرم ، فلو كان وكيل الولي في عقد النكاح محرما حرم عليه عقد النكاح حينئذ ، ويحرم على الرجل والمرأة حال الإحرام ، هذا الدليل الأثري . الدليل الثاني : وهو دليل نظري ، أن عقد النكاح إنما منع للمحرم لأن فيه إشغالا عظيما ، فإن الإنسان إذا عَقَد النكاح ، فإن نفسه تتوق إلى المرأة وإلى اللقاء بها ، الذي يخطب تنشغل نفسه بالمخطوبة انشغالا عظيما ، فكيف بمن عقد على امرأة ؟ يتمنى لو انتهى من إحرامه بأي طريقة حتى يصل إليها . شاهد نكاح المُحرم : هل حكم الشاهد حكم الولي والزوجين أو لا ؟ الصحيح من المذهب كراهة أن يكون شاهدا على النكاح ، لكن لا يحرم ، والعقد صحيح لو شهد عليه ، فلو شهد محرمان على عقد حلالين فإن العقد صحيح ولا يتأثر العقد بشهادتهما ؛ لأنه ليس له شأن في العقد ؛ لأن الذي يعقد الولي ، والمعقود له الزوج والزوجة ، فأشبه الخاطب في كونه تكره له الشهادة ، وسيأتي حكم الخطبة حال الإحرام. قال شيخنا ابن عثيمين : (لكن يكره أن يحضر عقده إذا كانا محرمين ، وتكره شهادتهما كما ذكر ابن قدامة) . وهناك رواية في المذهب : أنه تحرم الشهادة على النكاح ، اختاره ابن عقيل رحمه الله . الراجح : والله أعلم هو القول الأول ، إذ لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص ، لا نص في منع الشهادة ، وليست داخلة في حكم الولي ، ولا في حكم الزوجين ، أعلى ما يقال فيها : مكروهة . أقسام عقد النكاح للمحرم : 1- عقد محل على محرمة ، فهو حرام .

عدد الصفحات ١٠١

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 102 2- عقد محرم على محلة ، حرام . 3- عقد ولي محرم على نكاح محلين ، حرام . لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا ينكح ولا يُنكح )الأول يدخل فيه الزوج والزوجة ، والثاني يدخل فيه الولي. وعقد النكاح ليس متفقا على أنه من محظورات الإحرام ، ففيه خلاف على قولين : القول الأول : أن عقد النكاح محظور من محظورات الإحرام ، ولا يجوز ولا يصح ، و إليه ذهب جماهير العلماء ، من الصحابة والتابعين ، وذهب إليه من الأئمة المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : حديث عثمان السابق (لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب) . الدليل الثاني : أن الإحرام يحرم الطيب ، فيحرم النكاح ، كالعدة ، فإذا كانت المرأة مُحِدُّا حرم عليها الطيب والنكاح .. فكذلك هنا ، الإحرام يحرم الطيب ، فيحرم النكاح كالعدة . القول الثاني : أن إحرام أحد الزوجين أو الولي لا يمنع النكاح ، فيصح العقد ، وهو مروي عن ابن عباس ، وعن عطاء ، والثوري ، وعكرمة ، وهو مذهب الحنفية . دليلهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى لله عليه وعلى آله وسلم تزوج ميمونة وهو محرم) متفق عليه ، و للإمام البخاري (تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم ، وبنى بها وهو حلال ، وماتت بسَرِف ) مكان بين مكة والمدينة ، قالوا : فالحديث صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ، وإذا فعل ذلك فكيف يكون ممنوعا ؟ ذكر شيخ الإسلام رحمه الله قرابة ثمانية أو تسعة أجوبة عن الاستدلال بالحديث ، وذكر ابن القيم أكثر من ذلك: 1- أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان حلالا من حديث ميمونة وأبي رافع ، فعن ميمونة (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال) أخرجه الإمام مسلم ، قالوا : والإنسان أخبر بحال نفسه ، الذي عُقد عليها هي ميمونة ، وميمونة خالة عبد الله بن عباس رضي الله عنهم ، وهي تقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، عقد عليها وهو حلال ، وابن عباس يقول : عقد عليها وهو حرام ، فيقدم قولها هي ؛ لأنها صاحبة الشأن ، خاصة في مثل هذا الأمر الكبير ، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يتزوجها هذا أعظم حدث في حياتها ، فلا يمكن أن تنسى حالها في هذا الوقت ، لأنه شرف لها رضي الله عنها . 2- حديث أبي رافع ، قال (إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالا ، وبنى بها حلالا ، وكنت الرسول بينهما) أخرجه الإمام أحمد ، والترمذي ، وضعفه الألباني وغيره ، وعلى فرض صحة الحديث ، فإن هذا الصحابي هو الرسول بينهما فهوعالم بالقضية 3- أن العلماء طعنوا في رواية ابن عباس ، قال الحافظ (قال الأثرم : قلت لأحمد : إن أبا ثور يقول : بأي شيء يدفع حديث ابن عباس مع صحته ؟ قال رحمه الله : الله المستعان ، ابن المسيب يقول : وهِم ابن عباس ، وميمونة تقول : تزوجني وهو حلال) وقال ابن عبد الهادي (وقد عد هذا - حديث ابن عباس - من الغلطات التي وقعت في الصحيح ، وميمونة أخبرت أن هذا ما وقع ، والإنسان أعرف بحال نفسه) . 4- أن ابن عباس كان إذ ذاك صبيا ، له نحو من عشر سنين ، وقد يخفى على من هذه سنة تفاصيل الأمور التي جرت في زمانه . 5- أن المراد بكونه محرما أي في الشهر الحرام ؛ لأن العقد كان في شهر ذي القعدة ، والإحرام يطلق لغة على الدخول في حرمة لا تنتهك ، كالدخول في الشهر الحرام ، ومن هذا قول الراعي النميري : قتلوا ابن عفان الخليفةَ محرما ... ودعا فلم أر مثله مخذولا 6- وقيل : تزوجها حلالا ، وأظهر أمر تزويجها وهو محرم . 7- أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وله خصائص في النكاح ليست لغيره .

عدد الصفحات ١٠٢

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 103 الراجح : هو قول الجمهور ، وترجيح حديث ميمونة وأبي رافع على حديث ابن عباس رضي الله عنهم هو الأصح ، وأما القول بالخصوصية فهذا يحتاج إلى دليل ، فالأصل عدم الخصوصية ، وإذا جاءت الخصوصية فإنها تأتي مقرونة بدليلها ، والأصل أنه أسوة وقدوة للجميع ، فلا يخص بحكم إلا بدليل . حكم عقد المحرم :  قال رحمه الله : وَلا يَصحُّ . هذه المسألة مترتبة على عقد النكاح ، فإذا عقد النكاح فإنه لا يصح ؛ لأنه منهي عنه ، كما في حديث عثمان رضي الله عنه ، والنهي إذا عاد إلى ذات المنهي اقتضى فساد المنهي عنه ؛ لأن كل فعل يلحقه صحة وفسادا إذا فعل في حال يحرم فيها فهو فاسد . والدليل على فساده : قول النبي صلى الله عليه وسلم [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد]. هل يحتاج هذا النكاح إلى طلاق ؟ قال الفقهاء : هذا النكاح فاسد ، فلا يحتاج إلى ذلك ، لذا قال صاحب المغني (ومتى تزوج المحرم أو زُوجت محرمة فالنكاح باطل ، سواء كان الكل محرمين ، أو كان بعضهم ؛ لأنه منهي عنه فلم يصح ، كنكاح المرأة على عمتها أو على خالتها) وإن كان بعض الأصحاب كالقاضي وغيره ذهبوا إلى أنه لا بد أن تطلق طلقة ؛ لأنه نكاح فاسد مختلف فيه ، فيحتاج إلى طلقة حتى تحل لغيره لمن يرى صحته . أبناء عقد الإحرام : هؤلاء أبناء شرعيون ، والنكاح حصلت فيه شبهة عقد ، فهو فاسد ، لكن ما ترتب عليه من أبناء فهم شرعيون ، وإذا أراد المرأة فإنه يعقد عليها عقدا جديدا . قال رحمه الله : وَلا فِديةٌ . لا تترتب على العقد فدية ، مع أنه قد فعل محظورا من محظورات الإحرام ، وذلك لعدم الدليل على الفدية ، والأصل براءة الذمة وعدم التكليف ، والأصل عدم الغرم . الخطبةُ مُحرما : الحديث جاء فيه (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطِب ) فهل الخطبة حرام أم مكروهة ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن الخطبة للمحرم مكروهة ، و إليه ذهب عامة أهل العلم ، فهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة على الصحيح من المذهب . أدلتهم : الدليل الأول : حديث عثمان رضي الله عنه ، ورأوا أن قوله [و يخطب] محمول على الكراهة ، ولا يقال بالتحريم للاقتران ، فقد تقترن أمور بعضها مباح ، وبعضها مكروه وبعضها حرام ، فإن الله تبارك وتعالى قال {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَ دِهِ{ }كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} الأمر للإباحة {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَ دِهِ} الأمر للوجوب ؛ لأنه أمر بالزكاة ، وكذا قوله تعالى {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَ لَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَ وَزِينَ ا} هل هذا يقتضي أن تكون الخيل محرمة الأكل لأنها اقترنت بالحمير والبغال ؟الجواب : لا ، ومن المعلوم أن دلالة الاقتران من أضعف الدلالات كما نص عليه أهل الأصول . القول الثاني : أنه لا تجوز خطبة المحرم ، وإليه ذهب ابن عقيل من الحنابلة ، قال شيخ الإسلام رحمه الله (وهذا قياس المذهب) . أدلتهم : الدليل الأول : حديث عثمان رضي الله ، فحملوا الحديث على التحريم ، وقالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، نهى عن الجميع نهيا واحدا ، ولم يفصل ، وموجب النهي التحريم ، وليس لنا ما يعارض ذلك من أثر ولا نظر .

عدد الصفحات ١٠٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 104 الدليل الثاني : أن دواعي الوطء محرمة ، والخطبة من دواعيه . أصحاب القول الثاني تعليلاتهم قوية ، والقول الأول قول قوي .  قال رحمه الله : وَتَصِحُّ الرَّجْعةُ . الرجعة هي : (إعادة مطلقة طلاقا غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد) . إذا أراد أن يعيد امرأته التي دخل بها ، والتي أوقع عليها طلقة أو أوقع عليها طلقتين ، فإنه يجوز له أن يراجعها في حال الإحرام ، و إليه ذهب عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، وهو رأي الأصحاب . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف } والآية جاءت مطلقة غير مقيدة بوقت ، فلم يقل : أمسكوهن بمعروف إلا أن تكونوا محرمين ، فتبقى على إطلاقها . الدليل الثاني : أن الرجعية حلال مباحة لزوجها الذي طلقها ، فلا يحصل بالرجعة إحلال جديد مثل النكاح ، إذ عقد النكاح يحصل به إحلال . وذهب الحنابلة في رواية إلى عدم صحة الرجعة . دليلهم : أن الرجعة عقد وضع لإباحة البضع ، أشبه النكاح . ونوقش : بأن هناك فرقا بين النكاح والرجعة ، المرأة قبل أن ينكحها الإنسان حرام عليه ، وأما المرأة المطلقة الرجعية فإنها حلال لزوجها الذي طلقها ، لكن وسيلة الإباحة هي أن يعيدها بقوله أو فعله مع النية . 8- الجماع : قال رحمه الله : وَإنْ جَامَعَ قبلَ التحلُّلِ الأولِ فَسَدَ نُسُكُهُما . والجماع على نوعين : النوع الأول : الجماع قبل التحلل الأول . النوع الثاني : الجماع بعد التحلل الأول . الجماع الذي قبل التحلل الأول إما أن يكون قبل الوقوف بعرفة وإما أن يكون بعد الوقوف بها . والجماع محظور من محظورات الإحرام لقول الله تبارك وتعالى {الْحَجُ أَشْهُرٌ مَُّعْلُومَ تٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَُّ الْحَجَُّ فَلَ رَفَثَ وَلَ فُسُوقَ وَلَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} والرفث فسره ابن عباس رضي الله عنهما بأنه الجماع ، وقال شيخ الإسلام رحمه الله : ( الرفث اسم للجماع قولا وفعلا) فيشمل فعل الجماع ، أو التحدث فيما يتعلق بالجماع ، فهو من الرفث الذي ينهى عنه الحاج في حال إحرامه . وقد أجمع أهل العلم رحمة الله عليهم ، على أن الجماع محرم قبل التحلل الأول ، وأنه يفسد الإحرام ، بالإجماع ، حكاه ابن المنذر ، وابن قدامة ، وابن عبد البر ، وإن كانت حكاية الإجماع تحتاج إلى شيء من الدقة . والجماع قبل التحلل الأول إما أن يكون قبل الوقوف بعرفة ، وإما أن يكون بعد الوقوف بعرفة ، فإن كان قبل الوقوف بعرفة ، فقد حكى العلماء الإجماع على أن العقد يفسد به ، وأما بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول ففيه خلاف سيأتي. حكى الإجماع مجموعة من أهل العلم ، على أن النسك لا يفسد بغير الجماع ، و إليه ذهب طائفة كبيرة من أهل العلم ، منهم ابن حزم ، وابن قدامة ، وابن المنذر. أحوال الجماع : الجماع له ثلاث حالات :

عدد الصفحات ١٠٤

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 105 الحال الأولى : أن يكون الجماع قبل الوقوف بعرفة ، فإذا حصل فسد الحج به بالإجماع ، حكاه ابن المنذر ، وابن حزم ، والقرطبي ، وابن رشد ، وابن قدامة ، والنووي . الجماع بعد عرفة وقبل التحلل : الحال الثانية : الجماع بعد الوقوف بعرفة ، وقبل التحلل الأول . هذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أن المجامع بعد الوقوف بعرفة يفسد حجه ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى [فَمَن فَرَضَ فِيهِنَُّ الْحَجَُّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ولا جدال في الحج]قالوا فالآية جاءت مطلقة ، لم تقيد بالوقوف بعرفة أو بعدم الوقوف بعرفة ، فتبقى الآية على إطلاقها ، فمن جامع قبل التحلل الأول فسد حجه . الدليل الثاني : عن يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ : أَن رجلا من جذام جَامع امْرَأَته وهما محرمان ، فَسَأَلَ الرجل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ لَهما : [اقضيا نسككما ، وأهديا هَديا ، ثمَّ ارْجِعَا ، حَتَّى إِذا كنتما بِالْمَكَانِ الَّذِي أصبْتُمَا فِيهِ مَا أصبْتُمَا فتفرقا وَلَا يرَى وَاحِد مِنْكُمَا صَاحبه ، وعليكما حجَّة أُخْرَى ، فتقبلان حَتَّى إِذا كنتما بِالْمَكَانِ الَّذِي أصبْتُمَا فِيهِ مَا أصبْتُمَا فأحرما ، وأتما نسككما وأهديا] أخرجه أبوداود في المراسيل ، لكنه مرسل ضعيف ، كما ذكر الحافظ . القول الثاني : من جامع بعد الوقوف بعرفة فحجه صحيح ، وعليه بدنة ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية في رواية أدلتهم : الدليل الأول : عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [الحج عرفة]أخرجه الخمسة ، وصححه ابن حبان، والنووي، والألباني، وغيرهم فالوقوف بعرفة ركن ، فمن جاء به فقد تم حجه ؛ لأن الوقوف ركن مستقل بنفسه ، ولا يتوقف وجوده ولا صحته على غيره ، فيكون حج من وقف بعرفة صحيحا ، حتى لو جامع بعده . الدليل الثاني : عن عروة بن المضرس ، قال : أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ! ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم [من شهد صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد أتم حجه وقضى تفثه] أخرجه الخمسة ، وصححه الحافظ ، فبين أن من وقف بعرفة فقد تم حجه ، فإذا جامع بعد عرفة فإن حجه صحيح . نوقش الاستدلال بحديث الحج عرفة ، أن قوله [الحج عرفة]أي : الركن الأعظم في الحج هو عرفة ، وقالوا : إن الركن المتأكد في الحج هو عرفة ، ولا يلزم من أمن الفوات عدم أمن الفساد ، الإنسان إذا أدرك عرفة فإنه يأمن فوات الحج ، لكنه لا يأمن فساد الحج ، مثل العمرة ، فإنه لو طاف فيها فقد أمن فواتها ، لكنه لا يأمن فسادها لو حصل الجماع بعد الطواف . الراجح : القول الأول هو الراجح والله أعلم ، أن الجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول يفسد الحج . الحال الثالثة : إذا جامع بعد التحلل الأول . فحجه صحيح ، والجماع حرام ، وهو آثم ، وهذا رأي ابن عباس ، وعطاء ، والحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وخالف النخعي، والزهري ، وحماد ، وابن حزم ، فقالوا : إذا جامع بعد التحلل الأول فسد حجه ؛ لأنه جماع قابل إحراما صحيحا فأفسده كالوطء قبل الرمي . ونوقش : بأن هذا خلاف الثابت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم رأوا أن حجه صحيح ، كابن عباس ، فإنه أفتى أن من جامع بعد التحلل الأول أنه ينحر جزورا ، ورأى أن الحج صحيح ، والله أعلم

عدد الصفحات ١٠٥

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 106 تقدم حكم الجماع بعد التحلل الأول ، وأنه إذا جامع المحرم المرأة بعد التحلل الأول لم يفسد النسك ، ولكن هما آثمان ، ويلزمهما أن يمضيا ويحرما من الحل ، ليكملا ما بقي من نسكهما ؛ لأنهما بجماعهما قد أفسدا الإحرام ، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال ، وسبب الخلاف : هل إذا تحلل التحلل الأول يبقى على إحرامه أم لا ؟ ذكر ابن قدامة رحمه الله أنه لا يزال محرما ، وهو منقول عن القاضي رحمه الله ؛ لتحريم الوطء المنافي وجوده للإحرام ، قيل للقاضي : إذن كيف يجوز إدخال العمرة على الحج ؟ هم يرون أنه لا يجوز إدخال الأصغر على الأكبر ، فقال رحمه الله : لا يصح إدخال العمرة على الحج في الإحرام الكامل التام ، وأما هذا فإنه جزءُ إحرام لأنه قد تحلل منه ، وهو محرم على رأي ابن عقيل رحمه الله ؛ لوجوب الدم عليه . وقيل : ليس بمحرم ، فإذا تحلل انفك إحرامه وتبقى بعض العُلق (بعض أحكام الإحرام) فيمنع من النساء حتى يتحلل التحلل الثاني . الراجح : أن إحرامه لا يزال ، لكن إحرامه ليس كإحرامه قبل التحلل الأول . تجديد الإحرام للجماع بعد التحلل الأول : اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن من جامع بعد التحلل الأول لم يلزمه تجديد إحرامه مرة أخرى ، و إليه ذهب ابن عباس ، وعطاء ، والشعبي ، وهو رأي الحنفية ، والشافعية في الجديد . أدلتهم : الدليل الأول : أن إحرامه لم يفسد جميعُه ، فلم يفسد بعضه ، كما بعد التحلل الأول . الدليل الثاني : أنه لم يرد القول بتجديد الإحرام عن أحد من أصحاب النبي ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإذا لم يثبت عنهم فكيف نأمره بأن يذهب للحل ويحرم ويأتي مرة أخرى ؟ . القول الثاني : أن من جامع بعد التحلل الأول يلزمه تجديد الإحرام من أدنى الحل دون أن يعتمر ، يطوف ويسعى وهو محرم ، وهذا رأي صححه ابن قدامة والشارح (ابن أخيه) ومن تابعهما ، قال في الفروع(ويحتمل أن الإمام أحمد والأئمة أرادوا هذا وسموه عمرة ؛ لأن هذه أفعالها . قال ابن قدامة : (....والأول أصح) . أدلتهم : الدليل الأول : أن الجماع قد صادف إحراما أفسده ، كالإحرام التام ، وإذا فسد إحرامه لزمه أن يحرم ليأتي بالطواف في إحرام صحيح ، كالوقوف . الدليل الثاني : أن الإحرام إنما يكون من الحل ؛ ليجمع بين الحل والحرم في إحرامه . القول الثالث : أن من جامع بعد التحلل الأول يلزمه أن يحرم من أدنى الحل بعمرة ، (القول الثاني يحرم بدون عمرة) و إليه ذهب المالكية ، والشافعية في القديم ، وهو مذهب بعض الحنابلة ، قالوا : ونصوص الإمام تدل عليه ، وجزم به من الحنابلة القاضي وابن عقيل ، واختاره ابن تيمية ، فهم يرون أنه يذهب ويأتي بعمرة ، ثم يطوف طواف الإفاضة أو سعي الحج وهو محرم ، ثم يقصر ، ويكون قد أدى طواف الإفاضة وسعي الحج حال كونه محرما ، قال شيخ الإسلام رحمه الله(وهذا هو المأثور عن الصحابة رضي الله عنهم) . أدلتهم : الدليل الأول : أنه لا يتصور أن يحرم الإنسان بدون عمرة أو حج ، فلا بد أن يحرم بعمرة ، هم يقولون : هل الإحرام يتجزأ ، فيحرم لبعض الأعمال دون بعض ؟ الراجح أن الإحرام لا يكون إلا لحج أو لعمرة ، لا يتجزئ الدليل الثاني : أن الإحرام الأول قد فسد بالوطء ، لأن الوطء قد صادف إحراما فأفسده ، كالإحرام التام ، فيلزمه أن يحرم حتى يؤدي ما بقي من نسكه حال كونه محرما ، فيلزمه الاعتمار .

عدد الصفحات ١٠٦

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 107 الراجح : هو القول الثالث والله أعلم ، أن الحاج إذا جامع بعد التحلل الأول ، لزمه أن يذهب إلى أدنى الحل ، ويحرم بعمرة ، ويطوف ويسعى للعمرة ، ثم يطوف ويسعى للحج ويقصر ، ويكون قد أدى الطواف والسعي حال كونه محرما ؛ لأنه على القول الثاني إذا قيل له : اذهب إلى التنعيم ، أو إلى أدنى الحل ، وأحرم إحراما مجردا هكذا ، فكيف يخرج من إحرامه ؟ الإنسان إذا أحرم لا يخرج من إحرامه إلا بأعمال الحج أو بأعمال العمرة ؟ وأما القول بأنه لا يجدد الإحرام ، فهو قول ضعيف ؛ لأن الإنسان قد أفسد إحرامه بالجماع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني . فدية الجماع بعد التحلل الأول : هل يجب عليه بدنة أو تجب عليه شاة ؟ خلاف على قولين : القول الأول : أن الحاج إذا جامع بعد التحلل الأول ، يجب عليه أن يذبح شاة ، ويوزعها على الفقراء في مكة ، وهذا قول عكرمة ، وربيعة ، وإسحق ، وهو مذهب الحنابلة ، والأصح عند الشافعية ، وإذا قال الفقهاء : شاة ، فالمراد بها فدية أذى – وهذا ضابط عندهم ، أنهم إذا قالوا عليه شاة في محظورات الإحرام فالمراد فدية الأذى أدلتهم : الدليل الأول : أنه وطء لم يفسد الحج ، فلم يوجب بدنة ، كالوطء دون الفرج إذا لم ينزل ، لم يفسد الحج ؛ لأنه تقدم أن من جامع بعد التحلل الأول فإن حجه صحيح ، لكنه آثم ، فيلزمه شاة ، كالذي باشر ولم ينزل . الدليل الثاني : أن حكم الإحرام خف بالتحلل الأول ، فينبغي أن يُنقص موجبه عن الإحرام التام ، فلا يمكن أن يقاس الإحرام بعد التحلل الأول لأنه قد نقص ، فليس كالإحرام التام قبل التحلل الأول . القول الثاني : أن من جامع بعد التحلل الأول عليه بدنة ، وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنهما ، وعطاء ، والشعبي ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما (سئل عن رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر ، قال : ينحران جزورا بينهما ، وليس عليه الحج من قابل) أخرجه الدارقطني ، والبيهقي. الدليل الثاني : أنه وطء في الحج ، فوجبت به بدنة ، كالوطء قبل رمي جمرة العقبة ، قاسوا الوطء بعد التحلل الأول على الوطء قبل التحلل الأول . نوقش : بأن هذا قياس مع الفارق ؛ لأنه بالتحلل الأول خف إحرامه ، وأبيح له جزء كبير من المحظورات ، فكيف يلحق الإحرام الناقص الخفيف بالإحرام الكامل التام؟ . الراجح : هو القول الأول أنه إذا جامع بعد التحلل الأول وجب عليه فدية أذى ، ويخير بين خصال الفدية الثلاث : صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، أو يذبح شاة يوزعها على الفقراء في مكة . قوله (وإن جامع بعد التحلل الأول) (الجماع هو إيلاج حشفة أصلية في قبل أو دبر) . أما القبل فالإجماع على أن المحرم إذا جامع امرأة في قبلها فإنه يترتب على جماعه أمور : الإثم ، الحج من قابل ، الفدية . وأما وجوب المضي في الحج فقد اختلف فيه العلماء كما سيأتي. لا فرق عند الشافعية ، والحنابلة بين الوطء في قبل المرأة أو في دبرها أو دبر الرجل ، أو في البهيمة ، فإن هذا يأخذ حكما واحدا ، يأخذ الأحكام الخمسة المتقدمة .

عدد الصفحات ١٠٧

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 108 أما الحنفية ، والمالكية فذهبوا إلى أن وطء البهيمة لا يفسد الحج ؛ لأنه لا يوجب الحد ، هو آثم ، وفعل فعلا قبيحا ، لكنه لا يفسد حجه ، وهو يشبه المباشرة (الوطء دون الفرج) ولا يلحقونه بالجماع ، والفقهاء رحمهم الله يذكرون هذه الأحكام بغض النظر عن حرمتها وحلها ؛ لأن الأحكام الشرعية لا بد من ذكرها وبيانها ، واحتمال وقوعها ومن ذهب إلى الحج ورأى بعض الأحداث التي تقع لا يستغرب من وقوع مثل هذه الأشياء نعوذ بالله . وللإمام أبي حنيفة في الوطء في الدبر ووطء البهيمة روايتان : الرواية الأولى : أن الحج يفسد بها ؛ لأنه وطئ في فرج يوجب الاغتسال من غير إنزال ، فأفسد الحج . الرواية الثانية : أن اللواط ووطء البهيمة لا يفسد الحج ؛ لأنه لا يثبت به الإحصان في حد الزنا ، فهو كالوطء دون الفرج ، فالإحصان إنما يثبت إذا وطئ امرأة مثله في نكاح صحيح وهما حران بالغان عاقلان ، أما الحنابلة والشافعية فيرون في جميع الصور أن الحج يفسد ، لأنهم يرون أن اسم الجماع يصدق عليها. الظاهرية : ذهبوا إلى أن الحج لا يفسد بوطء البهيمة ولا اللواط ، فيوافقون الإمام أبا حنيفة في رواية . قوله : (وإن جامع) : الجماع كما هو معلوم ، أعظم محظورات الإحرام ؛ لما يترتب عليه من أمور ، إذ تترتب عليه خمسة أمور : 1- الإثم . 2- فساد النسك . 3- وجوب المضي فيه . 4- الحج من قابل . 5- الفدية . الإثم وفساد النسك مجمع عليه إذا وقع الجماع قبل الوقوف بعرفة ، وإن وقع بعد الوقوف بعرفة فهو آثم وفاسد على رأي الجمهور . القول الثاني : أنه آثم ، والحج غير فاسد ، وعليه بدنة ، عند الإمام أبي حنفية رحمه الله . الجماع وإفساد النسك : يقول ابن المنذر رحمه الله (وأجمعوا على أن من جامع عامدا في حجه قبل الوقوف بعرفة أن عليه حجا من قابل) وحجه قد فسد ، وعليه قضاء الحج من قابل ، يقول(وأجمعوا على أن من وطئ قبل أن يطوف ويسعى أنه مفسد) وهذا بناء على رأي الجمهور. والقول بفساد النسك مروي عن مجموعة من الصحابة ، عمر ، وعلي ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم ، أما الرواية عن عمر ، وعلي ، وأبي هريرة فإنها ضعيفة لا تثبت عنهم ، سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم فقالوا جميعا (ينفذان لوجههما ، ثم عليهما الحج من قابل والهدي) أخرجها الإمام مالك في موطئه بلاغا ، يقول (بلغنا) وبلاغات الإمام مالك حكم العلماء بعدم صحتها ؛ لانقطاعها . وأخرج البيهقي عن عطاء عن عمر ، وهو منقطع ؛ لأن عطاء لم يدرك عمر رضي الله عنه ، فما روي عن عمر وعن علي وعن أبي هريرة لا يثبت ، إنما الثابت ما روي عن ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو ، أخرج الآثار عنهم ابن أبي شيبة ، والدارقطني ، والبيهقي وصححه ، وصححه النووي ، وحسنه ابن مفلح . وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، عند أبي داود في المراسيل ، من حديث يزيد بن نعيم الأسلمي ، أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : [اقضيا نسككما وأهديا هديا ، ثم ارجعا من حيث جئتما ، حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا ، ولا يرى واحد منكما صاحبه ، وعليكما حجة أخرى]قال عنه البيهقي : منقطع ، وقال عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله : (رجاله ثقات مع إرساله) وهو ضعيف ، فلا يثبت مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وجوب المضي بعد الجماع : ذهب عامة أهل العلم إلى أن المحرم إذا جامع امرأته قبل التحلل الأول ، فإن نسكه فاسد ، ويلزمهما المضي فيه أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ} فيلزمه أن يمضي فيه .

عدد الصفحات ١٠٨

امرأته قبل التحلل الأول ، فإن نسكه فاسد ، ويلزمهما المضي فيه أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تبارك وتعالى {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ} فيلزمه أن يمضي فيه . الدليل الثاني : الأثر الثابت عن الثلاثة الصحابة السابق ذكرهم ، ابن عباس وابن عمر وابن عمرو ، فإنهم حكموا بوجوب المضي فيه

عدد الصفحات ١٠٨

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 109 وخالف ابن حزم والظاهرية ، فقالوا : لا يلزمه المضي فيه ، بل إذا أفسد نسكه بالجماع فإنه يذهب ، ولا يلزمه الاستمرار في الحج . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد]وهو قد عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله ، ففسد نسكه ، وكونه يستمر في الحج حتى النهاية لا دليل عليه . الدليل الثاني : أنه لا يمكن المضي في شيء فاسد . وذهب الحسن البصري والإمام مالك في رواية ، إلى أنه يتحلل بعمرة ، كالذي فاته الحج ، وهذا الإنسان قد فاته الحج فيتحلل بعمرة . الراجح : ما ذهب إليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، ففتواهم مقدمة على رأي غيرهم . قضاء الحج : نقل وجوب القضاء عن مجموعة من الصحابة ، عن ابن عمر ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو ، سواء كانت حجته فرضا أم نفلا ، يلزمه المضي فيه ، أما الفرض فلأن ذمته لم تبرأ منها ، فيلزمه أن يأتي بهذه الحجة ، وإذا كانت الحجة نذرا لزمه الإتيان بها ؛ لأن ذمته لا تزال مشغولة بها ، وأما إذا كانت الحجة تطوعا ، لزمه الإتيان بها ؛ لأن الحج يصبح واجبا بالشروع فيه (بالإحرام فيه) فلا بد أن يأتي بها من قابل . الفدية : الفدية واجبة عليه ، لكن اختلف العلماء في مقدارها ، وقد تقدم أنه إذا جامع بعد الوقوف بعرفة ، فالجمهور كلهم يقولون : عليه بدنة ، لكن إذا حصل الجماع قبل الوقوف بعرفة ففيه خلاف على قولين : القول الأول : أن الفدية بدنة ، إليه ذهب ابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أنه قول الصحابة الكرام رضي الله عنهم . الدليل الثاني : أنه جماع تخلل إحراما تاما فأفسده ، فأوجب بدنة ، كبعد الوقوف بعرفة ، لأن الجميع يرى لزوم البدنة إذا كان بعد الوقوف بعرفة ، فيلزمون الحنفية بهذا ، فقاسوا ما قبل الوقوف على ما بعده . القول الثاني : أنه إذا جامع قبل الوقوف بعرفة فإن عليه شاة ، و إليه ذهب الحنفية رحمهم الله . دليلهم : أن قبل الوقوف معنى يوجب القضاء ، فلم يجب به بدنة ، كمن فاته الحج ، أي إن الجماع قبل الوقوف يوجب أن يقضي الإنسان الحج مرة أخرى ، فإذا كان سيقضي لزمه شاة ، ولا تلزمه بدنة ، فيفرقون ما بين قبل عرفة وما بعده ، وهذا التفريق يحتاج إلى دليل ، قالوا : قبل الوقوف بعرفة لم يتم حجه ، وبعد الوقوف بعرفة تم حجه ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول [الحج عرفة] وتقدم أن الجماع بعد الوقوف بعرفة ، وكذلك قبل الوقوف بعرفة تلزم به بدنة أيضا على الراجح ؛ لأن الجماع في كلا الحالين قد صادف إحراما تاما فأفسده ، فأوجب بدنه ، ولأن فيه قضاء الصحابة الكرام ، فيصار إلى ما قضوا به . التفريق بين المحرم وزوجته بعد الجماع : تقدم في الآثار المنقولة عن الصحابة أنهم قالوا (إذا أحرمتما فتفرقا) كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال (إذا وصلتما إلى الموضع الذي أصبتما فيه فتفرقا ، ولا يرى واحد منكما صاحبه) فما حكم التفريق بينهما ؟ هل هو واجب أم مستحب ؟ قولان : القول الأول : أن التفريق بين الزوجين مستحب ، وهو رأي الحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وهو مذهب الحنفية ، والشافعية في قول ، ومذهب الحنابلة . أدلتهم :

عدد الصفحات ١٠٩

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 110 الدليل الأول : أنه إذا جامع الإنسان امرأته في نهار رمضان لم يلزم التفريق بينهما ، فقاسوا الجماع في الحج على الجماع في رمضان ، لأنه يترتب على الاثنين فساد العبادة . الدليل الثاني : أن الحكمة من التفريق هي الصيانة عما يتوهم من معاودة الوطء والوقاع ، عند رؤية المكان الذي حصل فيه الجماع ، وهذا وهم بعيد ، لا يستلزم الإيجاب وتكليف الإنسان بمفارقة امرأته . القول الثاني : أنه يجب التفريق بينهما ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أمروا به. الدليل الثاني : أن الاجتماع يذكّر الجماع ، فيكون من دواعيه ، لماذا قضوا ؟ لأنهم قد حصل منهم الجماع في العام الماضي ، فإذا اجتمعا أمكن أن يتذكرا فيحصل منهما ما حصل في العام الماضي . الراجح : هو القول الأول ، أنه لا يلزم التفريق ، بل هو مستحب ، إن حصل وإلا لم يلزم . بداية التفريق : في الأثر وفي الحديث ، مرة يقول (إذا أحرمتما) ومرة (من حيث أصبتها) وهنا اختلف السلف ، فمنهم من يقول : من حيث حصل الجماع ، وهو رأي طائفة من السلف ، رأي ابن المسيب ، وعطاء ، والنخعي ، والثوري ، وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، والمذهب عند الحنابلة ، فإن كان الجماع في مزدلفة مثلا ، فإنها تمضي معه ، حتى إذا وصلوا إلى مزدلفة فرق بينهما ، أو في عرفة ، أو قبل جمرة العقبة . وقيل : من حين يحرمان إلى أن يحلا ، وهو مروي عن علي ، وابن عباس ، ومذهب المالكية ، والحنابلة في رواية . معنى التفريق بينهما : يقولون : ألا يركب معها في محمل ، ولا ينزل معها في فسطاط ، وفي النزول لا ينزل معها ، لكن يكون قريبا منها ، حتى لا يقعا فيما وقعا فيه المرة الأولى ، لأنه محظور شديد عظيم ، مثل : الجماع في نهار رمضان ، يترتب عليه عتق ، أو صيام شهرين متتابعين ... الخ ، فهذا دليل على أنه أمر ليس بالسهل . 9- المباشرة :  قال رحمه الله : وَتحرمُ المباشرةُ . أدلته : الدليل الأول : قوله تعالى {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَُّ الْحَجَُّ فَلَ رَفَثَ وَلَ فُسُوقَ وَلَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} والرفث كما قال ابن عباس (غشيان النساء والقبلة والغمز) وقيل : (جميع حاجات الرجال من النساء) ويدخل فيه المباشرة ، والمباشرة إما أن تكون في الفرج وإما أن تكون دونه ، وهي المقصودة هنا . وقد اتفق الفقهاء على أن المباشرة حرام ، وأن المحرم ممنوع من المباشرة حال إحرامه فيما دون الفرج ، من القبلة واللمس بشهوة وغير ذلك ، والشارع قد حرم العقد [لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يَخطِب ] لأنه من دواعي الوطء ، فكيف بالمباشرة ؟ التي هي أعظم من العقد . والمباشرة من دون شهوة جائزة بالاتفاق ، فلو أمسك بيدها أو نحو ذلك جاز ، إنما المحرم المباشرة بشهوة . والمباشرة بشهوة إما أن يحصل معها إنزال أو لا ، فإن لم ينزل فقد اتفق الفقهاء رحمهم الله ، على أن حجه صحيح ، قال ابن قدامة (أما إذا لم ينزل فإن حجه لا يفسد بذلك ، لا نعلم أحدا قال بفساد حجه) . الفدية في المباشرة دون إنزال : اختلف العلماء في ذلك على قولين :

عدد الصفحات ١١٠

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 111 القول الأول : أنه إذا باشر ولم ينزل فعليه شاة ، و إليه ذهب جمهور أهل العلم ، الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة ، ورأي ابن المسيب ، وعطاء ، وابن سيرين ، والزهري ، وقتادة ، والثوري . دليلهم : أنها ملامسة عريت عن الإنزال ، فلم توجب بدنة ، كاللمس بغير شهوة . القول الثاني : أنه إذا باشر ولم ينزل فعليه بدنة ، و إليه ذهب المالكية في رواية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أنها مباشرة محظورة بالإحرام ، أشبهت المباشرة التي اقترن بها إنزال ، فيكون عليه فيها بدنة . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، أنه إذا باشر بشهوة ولم ينزل ، فإن عليه شاة فدية أذى ، وإذا قال الفقهاء : عليه شاة ، فالمراد فدية أذى كما تقدم يخير بين ثلاثة أشياء : صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، أو ذبح شاة ، كما في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه .  قال رحمه الله : فَإنْ فعلَ فأنزلَ لمْ يفسُدْ حجُهُ . إن باشر فأنزل ، هذا النوع الثاني من أنواع المباشرة . فساد الحج بالمباشرة مع الإنزال : المؤلف يقول (لم يفسد حجه) والمسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أن من باشر بشهوة فأنزل لم يفسد حجه ، كالتقبيل واللمس ، وإليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة في المذهب ، وهو رأي أبي ثور ، والثوري ، وابن المنذر . أدلتهم : الدليل الأول : عن علي رضي الله عنه ، (من قبل امرأته وهو محرم فليهرق دما) أخرجه البيهقي ، وضعفه الحافظ ابن حجر رحمه الله . الدليل الثاني : أنه لا نص فيه ولا إجماع ، فليس ثمة نص على أن من باشر فأنزل فسد حجه ، والأصل صحة الحج ، ولا يثبت الفساد إلا بدليل ، والفساد حكم متعلق بالجماع في الفرج ، فلا يقاس غيره عليه ، لوجود الفرق بينهما فيالحقيقة والحكم والأثر، فليست حقيقة المباشرة دون الفرج كالمباشرة في الفرج،لا يقاس الأدنى بالأعلى القول الثاني : أن من باشر أو لمس أو قبل بشهوة فأنزل فسد حجه ، وهو رأي عطاء ، والحسن ، والقاسم بن محمد وإسحق ، وابن جبير ، وإليه ذهب المالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) قالوا : والرفث يتناول الجماع وما دونه ، وهذا الإنسان قد فعل فعلا محرما ، فيفسد حجه . الدليل الثاني : أنها عبادة يفسدها الوطء فأفسدها الإنزال بالمباشرة كالصيام ، فالصائم لو باشر امرأته بشهوة فأنزل ،أو جامع فسد صومه ، فكذا الحج ، إذا جامعها فسد حجه ، وإذا باشرها بشهوة فسد حجه . ونوقش : بأنه قياس مع الفارق ؛ لأن الحج لا يفسد إلا بالجماع ، بخلاف الصيام ، فإنه يفسد بتكرار النظر وأشياء أخرى ، فثمة فرق بينهما . الراجح : أن من باشر بشهوة ، أو لمَس أو قبل فأنزل ، لم يفسد حجه ، لكنه آثم ، ويترتب عليه ما سيأتي ؛ لأنه لا نص ولا إجماع في فساد النسك ، ولا يصح القياس على المنصوص ؛ لأن الوطء في الفرج يجب في نوعه الحد ، وللفرق الشاسع بين الوطء وبين المباشرة دون الفرج . قال رحمه الله : وعَليهِ بدنةٌ . من باشر فأنزل لم يفسد حجه ، وعليه بدنة ، وهي مسألة مختلف فيها .

عدد الصفحات ١١١