المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر كتاب المناسك

فهد المطيري

صفحة ١٠ من ٢٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 128 صيام السبعة أيام : قال رحمه الله : وَسَبعةٍ إذَا رَجَعَ إِلى أَهْلِهِ . هذا النوع الثاني من الصيام الذي هو بدل عن هدي التمتع والقران ، وهو أن يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله لقول تعالى الله {وَسَبْعَ إِذَا رَجَعْتُمْ} وهذه السبعة أيام تحتها مجموعة مسائل : بدء صيام الأيام السبعة : هل يبدأ صيامها من بعد الانتهاء من الحج ، ولو كان في مكة أو في الطريق ؟ أم إنه لا يصوم حتى يصل إلى أهله ؟ المؤلف قال : (إذا رجع إلى أهله) معناه : يستحب له أن يصومها إذا رجع إلى الأهل . وهذه المسألة فيها خلاف بين السلف رحمهم على قولين : القول الأول : أنه يبدأ صيامها إذا رجع إلى أهله ، و إليه ذهب ابن عمر ، وابن المنذر ، وهو مذهب الشافعية . دليلهم : قول الله تعالى {وَسَبْعَ إِذَا رَجَعْتُمْ}والن صلى الله عليه وسلم فسر الرجوع في حديث ابن عمر بقوله [فمن لم يجد الهدي فليصم ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع إلى أهله] متفق عليه . القول الثاني : أنه يبدأ صيام هذه الأيام إذا فرغ من أعمال الحج ، حتى ولو كان في مكة أو كان في الطريق ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أنه صوم لزمه وهو جائز في وطنه ، فيجوز قبل ذلك . الدليل الثاني : أن الآية إنما جاءت لبيان جواز التأخير ، فيقول {وَسَبْعَ إِذَا رَجَعْتُمْ} من باب التخفيف عليهم ، وأنه يجوز لكم حتى ترجعوا إلى أهليكم . الراجح : القول الثاني ، أنه يبدأ وقت صيامها من حين يفرغ من أعمال حجه ، ولا يشترط حصول الرجوع إلى أهله . انتهاء وقت صيام السبعة أيام : يقولون : ليس هناك حد ، الزمن مفتوح ، لكن مع ذلك ينبغي للإنسان المبادرة ؛ لأن الأصل في كل واجب أنه واجب على سبيل الفور . قال رحمه الله : والمحصَرُ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْياً صَامَ عشرةً ثُمَّ حَلَّ . لما ذكر أن المتمتع إذا لم يجد هديا فإنه يصوم عشرة أيام ، ناسب أن يذكر مسألة المحصر : إذا لم يجد هديا يذبحه فإنه يصوم عشرة أيام ؛ لأن المحصر يجب عليه أن يذبح هديا ويحلق ليحل ، ودليل وجوب الهدي على المحصر قول الله تعالى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي : فعليكم ما استيسر من الهدي . حكم صيام العشرة أيام للمحصر : اختلف العلماء في ذلك على قولين : القول الأول : أن المحصر إذا لم يجد الهدي صام عشرة أيام ، ويبقى محرما حتى ينتهي من صيامه ، ثم إذا انتهى من صيامه يحلق ثم يحل ، و إليه ذهب الشافعية في قول ، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة . أدلتهم :

عدد الصفحات ١٢٨

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 129 الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : (أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا) أخرجه الإمام البخاري . نوقش : بأن الأثر ليس فيه دلالة على ما استدلوا به ، فإنهم يرون أنه يهدي أو يصوم عن الإحصار ، وظاهر الأثر ليس كذلك ؛ لأنه قال : (يحج عاما قابلا ثم يهدي أو يصوم) أي : يهدي هدي التمتع أو القران ، فإن لم يجد هدي تمتع أو قران صام بدل الهدي الواجب عليه ، وهذا هو نص كتاب الله عز وجل . الدليل الثاني : أنه دم واجب فكان له بدل ، كدم التمتع والطيب ، الطيب فيه فدية أذى ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ، فيه بدل ، فهو دم واجب فكان له بدل ، كدم التمتع ، وهو قياس على هدي التمتع ، إذا عدم الإنسان الهدي صام عشرة أيام ، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله . القول الثاني : أنه إذا عدم المحصر الهدي لا يصوم عشرة أيام ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، وهو اختيار شيخنا رحمه الله . أدلتهم : الدليل الأول : أن الله تعالى ذكر حكم التمتع وحكم الإحصار ، وذكر عز وجل أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى الصوم ، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، ولم يذكر هذا الحكم في المحصر ، مما يدل على أن المحصر لا يأخذ حكم المتمتع . الدليل الثاني : أن هناك فرقا بين المتمتع والمحصر ، فالمتمتع حصل على مقصوده ومراده ، مقصوده ومراده الترفه بترك أحد السفرين ، ومقصوده أن يأتي بحج وعمرة ، وقد أتى بحج وعمرة ، فلزمه هدي شكران على هذه النعمة التي حصلت له ، لكن المحصر لم يحصل على شيء من مراده ، بل إن المحصر متألم لفوت الحج ، وعدم إدراكه ، فكيف يلحق هذا بهذا ؟ فالقياس ممتنع ، هذا حصلت له نعمه ، وذاك قد يقال : حصلت له نقمة ، لأنه لم يحصل على مراده ، فقد ضرب في فيافي الأرض ، ولكنه حصر عن بيت الله الحرام ، فلم يستطع أن يأتي بالمناسك ، فلا شك أن بينهما فرقا شاسعا . الراجح : هو القول الثاني والله أعلم ، أن المحصر إذا لم يجد الهدي لم يلزمه أن يصوم عشرة أيام ، ومثله ما يتعلق بدم الفوات والدماء الواجبة ، إذا فات الحج على الإنسان فإن عليه دما ، وإذا لم يجد الدم يصوم عشرة أيام على المذهب ، وهذا يحتاج إلى دليل . الدم على من ترك واجبا : فيه خلاف على قولين : القول الأول : أن من ترك واجبا من واجبات الحج لزمه دم ، و إليه ذهب جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم . دليلهم : أثر ابن عباس رضي الله عنهما ، (من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما) أخرجه الإمام مالك ، والدارقطني ، والبيهقي ، وقال عنه في التعليق المغني(رجاله ثقات) وأما المرفوع فلا يصح ، ضعفه الحافظ ، وابن حزم عليهم رحمة الله ، لكن ذكروا أن العلماء تلقوا هذا الأثر بالقبول . ونوقش: بأن كلام ابن عباس رضي الله عنهما ، يحتمل أن يكون بالرأي ؛ لأن ابن عباس لما رأى أن فدية الأذى فيها ذبح شاة ، ألحق هذا بهذا ، فجعل في ترك الواجب دما ، وهذا يحتمل كما قال شيخنا وغيره القول الثاني : أن من ترك واجبا من واجبات الحج فلا دم عليه ، ولكن عليه الإثم بمعصيته ، وتقدم في مسائل عدة ، مثل : تجاوز الميقات ، تقدم هناك أن عطاء ، والحسن ذكروا أنه لا دم عليه في التجاوز ، تجد بعض المسائل ، لكن لا تجد أن العالم منضبطا في كل كلامه ، إلا ما ثبت عن الظاهرية ، فإن الظاهرية يرون أن من ترك واجبا فلا دم عليه ، لكن عليه الإثم ، وهو اختيار الشوكاني من المتأخرين.

عدد الصفحات ١٢٩

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 130 يقول شيخنا رحمه الله في الممتع(والذي يظهر لي أن من ترك واجبا فعليه دم احتياطا واستصلاحا للناس ؛ لأن كثيرا منهم قد يتساهل إذا لم يكن عليه شيء) يرى هذا من باب السياسة الشرعية واستصلاح الناس . قال رحمه الله : وَيَجبُ بوَطءٍ في فرجٍ في الحَجِّ بَدنةٌ . هذا تقدم في مسائل من جامع قبل التحلل الأول ، و تقدم أن الجماع إما أن يكون قبل التحلل الأول أو بعده ، فإن كان قبله فإما أن يكون قبل الوقوف بعرفة وإما أن يكون بعده ، فإن كان قبل الوقوف بعرفة فالجمهور أن عليه بدنة ، والحنفية أن عليه شاة ، وإن كان بعد الوقوف بعرفة فالجماهير عامة على أن عليه بدنة ، وأما إن كان الجماع بعد التحلل الأول ، ففيه خلاف على قولين : القول الأول : أن عليه شاة ، و إليه ذهب الشافعية في الأصح ، وهو مذهب الحنابلة . القول الثاني : أن عليه بدنة ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية . قال رحمه الله : وَفي العُ مرةِ شاةٌ . الجماع في العمرة : هذه المسألة لها ثلاثة أحوال : الحال الأولى : أن يقع الجماع بعد الإحرام وقبل الشروع في أفعال العمرة (الطواف ..) فعامة أهل العلم على أن العمرة تفسد ، وحكي إجماعا ، حكاه الوزير ابن هبيرة وغيره . الحال الثانية : أن يقع الجماع بعد الطواف وقبل الشروع في السعي . هذه المسألة اختلف فيها السلف رحمهم الله على قولين : القول الأول : أن من جامع بعد الطواف وقبل الشروع في السعي تفسد عمرته ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهو رأي أبي ثور . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَُّ الْحَجَُّ فَلَ رَفَثَ وَلَ فُسُوقَ}مما يدل على أن الجماع في الحج يفسده ، والعمرة حج أصغر ، فما أفسد الحج أفسد العمرة . الدليل الثاني : أنه جماع صادف إحراما تاما فأفسده كما قبل الطواف . القول الثاني : أن من جامع بعد الطواف وقبل الشروع في السعي فإن عمرته صحيح ، وهو مروي عن ابن عباس ، والثوري ، وإسحق ، وهو مذهب الحنيفة إن طاف أربعة أشواط ، فإذا طاف أربعة أشواط فما فوق وحصل منه الجماع فإن عمرته صحيحة . دليلهم : نقل عن ابن عباس أنه كان يقول(العمرة الطواف) فإذا كانت العمرة الطواف وأتى بالطواف فإن عمرته صحيحة . الراجح : أن من جامع بعد الطواف وقبل السعي فإن عمرته فاسدة ، وهذا اختيار طائفة من المحققين منهم شيخنا وغيره ، وأصحاب القول الثاني لهم وجهة نظر قوية ، ذلك أن الإنسان إذا جامع بعد الطواف فإنه قد شرع في أسباب التحلل ، فهو مثل من جامع بعد التحلل الأول ، فتكون عمرته صحيحة وعليه الإثم وعليه دم ، وهذا له وجه ، لأنه يكون قد شرع في أسباب التحلل ، وإذا كان قد شرع في أسباب التحلل فقياسه على الجماع بعد التحلل الأول قياس قوي ؛ لأنهم قالوا هناك : لا يفسد حجه لأنه قد شرع في أسباب التحلل . الحال الثالثة : أن يقع الجماع بعد الطواف والسعي ، وقبل الحلق . هذه المسألة فيها خلاف على قولين : القول الأول : أن عمرته صحيحة ويمضي فيها ، مع وجوب الفدية ، وهو رأي ابن عباس ، والثوري ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة. أدلتهم :

عدد الصفحات ١٣٠

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 131 الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، (أن رجلا أهل هو وامرأته جميعا بعمرة ، فقضت مناسكها إلا التقصير ، فغشيها قبل أن تقصر ، فسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك ، فقال : إنها لشبِقةٌ ، فقيل : إنها تسمع ، فاستحيا من ذلك رضي الله عنه ، وقال : ألا أعلمتموني ؟ وقال لها : أهريقي دما ، قالت : ماذا ؟ قال : انحري ناقة أو بقرة أو شاة ، قالت : أي ذلك أفضل ؟ قال : ناقة) أخرجه البيهقي ، وصححه الألباني ، فرأى ابن عباس أن عمرتها صحيحة . الدليل الثاني : القياس على الوطء بعد التحلل الأول ، فإن من وطئ امرأته بعد التحلل الأول فإن حجه صحيح ، وهذا مثله ؛ لأن من طاف وسعى قد شرع في أسباب التحلل ، فتكون عمرته صحيحة ، ويلزم منه أن يقال في الصورة الثانية : إن عمرته صحيحة ، لأنه قد شرع في أسباب التحلل . القول الثاني : أن عمرته فاسدة ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة في رواية اختارها ابن قدامة . دليلهم : أنه جماع صادف إحراما تاما فأفسده . ويناقش : بأن الإحرام هنا ليس تاما كالإحرام قبل الشروع في الطواف ، لأنه بالشروع في الطواف قد بدأ في أسباب التحلل فخف إحرامه ، كما أنه إذا رمى جمرة العقبة خف الإحرام ، فلا يفسد حجه بالوطء بعده . الراجح : أن من جامع بعد الطواف و السعي وقبل الحلق فإن عمرته صحيحة ، ويمضي فيها ، مع وجوب الفدية ، وذلك لعدم الدليل على الإفساد ، ولأن الأصل الصحة. الواجب في الجماع في العمرة : إذا قيل بالفساد فعليه الإثم وتفسد عمرته ، ويجب عليه المضي في فاسدها ، والقضاء ، والفدية ، مثل الحج تماما ، واختلفوا فيما يجب عليه على قولين : القول الأول : أن الواجب على من وطئ في العمرة شاة ، وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنهما ، والثوري ، وإسحق ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أنه منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما . الدليل الثاني : أن العمرة دون الحج ، فيجب أن يكون حكم العمرة دون حكم الحج . القول الثاني : أن الواجب على من جامع في العمرة بدنة ، و إليه ذهب الشافعية . دليلهم : أنها عبادة تشتمل على طواف وسعي ، فأشبهت الحج ، فلما أشبهت الحج وجب فيها بدنة . الراجح : هو القول الأول ، أن الواجب فيها شاة ، لأنه منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولأن العمرة أقل من الحج ، وإن كانت العمرة حجا ، إلا أنها حج أصغر كما قال صلى الله عليه وسلم ، فيكون حكمها أخف ، وإذا قال الفقهاء : شاة ، في باب محظورات الإحرام ، فالمراد فدية الأذى ، إلا في موضع واحد وهو الصيد ، ففي الصيد إذا قالوا : شاة فهي شاة ، إذا قالوا : في الحمامة شاة وجب عليه أن يذبح شاة ، وليس أن يطعم ستة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام . قال رحمه الله : وإن طاوَعَتْهُ زوجتُه لَزِمَها . وفي بعض النسخ (لزماها) . إن طاوعته في الجماع لزمتها الكفارة مثله ، تلزمها بدنة كما تلزمه بدنة ، وهذه المسألة تحتها فرعان : الفرع الأول : أن تكون مكرهة . الفرع الثاني : أن تكون مطاوعة .

عدد الصفحات ١٣١

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 132 الواجب على المحرمة المكرهة على الجماع : اختلف العلماء في ذلك على قولين : القول الأول : أنه إذا كانت المرأة مكرهة فلا شيء عليها ، وهذا رأي إسحق ، وابن المنذر ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : قول النبي صلى الله عليه وسلم [إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه]وهذه المرأة قد أكرهت على الجماع ، فلا يلزمها شيء . الدليل الثاني : أنه جماع موجب للكفارة فلم يوجب حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة . القول الثاني : أنه إذا كانت المرأة مكرهة فإن الواطئ هو الذي يكفر عنها ، فتجب عليه كفارتان ، كفارة عنه وكفارة عنها ، وهو رأي عطاء ، والمالكية . دليلهم : أنه أفسد الحج وحده ، فثبتت الكفارة في ذمته ، وبعبارة أخرى أن فساد الحج وجد منه في حقهما فكان عليه ، لإفساد حجها هدي كإفساد حجه. القول الثالث : أن الكفارة عليها هي ، وهذا مذهب الحنفية . دليلهم : أن حجها قد فسد بهذا الوطء . فساد حج المكرهة : في هذه المسألة خلاف على قولين : الجماهير : أنه يفسد حجها ، فهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة ، وأن جميع تكاليف الحج على الزوج إلا عند الحنفية. القول الثاني : أنه لا يفسد حجها ، وهو مذهب المالكية في القول الأصح ، والشافعية في قول ، ورواية عند الحنابلة ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخنا . الراجح : هو القول الثاني ، والله أعلم وأنه لا يفسد حجها لعدم الدليل على الإفساد. الواجب على المطاوِعة : إذا طاوعت المرأة الرجل فإن على كل واحد منهما كفارة ، عليها بدنة وعليه هو بدنة ، وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنهما ، وسعيد بن المسيب ، وهو رأي الحكم ، وحماد ، ومذهب المالكية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن الصحابة رضي الله عنهم ، عبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم ، قالوا للرجل الذي وطئ امرأته (أهديا هديا) . الدليل الثاني : أنها أحد المجامعين من غير إكراه ، فأشبهت الرجل . القول الثاني : أن عليهما كفارة واحدة ، و إليه ذهب عطاء ، والشافعية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أنه جماع واحد فلم يوجب أكثر من كفارة ، كحال الإكراه . وهذا تعليل في مقابل فتوى الصحابة رضي الله عنهم ، فإن الصحابة قد حكموا على كل منهما بكفارة .

عدد الصفحات ١٣٢

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 133 فصل في أحكام الفدية هذا الفصل ذكر المؤلف فيه حكم من كرر محظورا من محظورات الإحرام ، وما يسقط بالنسيان ونحوه ، ومن تدفع له الفدية ، ومكان الفدية ، وموضع نحر الهدي . قال رحمه الله : ومَن كَرَّرَ محظورًا من جِنْسٍ ولم يَفْدِ فَدَى مَرَّ ةً . إذا فعل المحرم المحظور ، ثم فدى ، ثم فعل محظورا آخر فإن الفدية الأولى تتعلق بالمحظور الأول ، وتلزمه فدية أخرى ؛ لأنه إذا فعل المحظور ثم فدى ، سقط الطلب المتوجه إليه ، وبرئت ذمته بأداء الفدية ، وأما إذا فعل المحظور أكثر من مرة ولم يفد فإنه عليه فدية واحدة. تكرار المحظور : لا يخلو ذلك من أمور : الأمر الأول : أن يفعل المحظور ، ثم يفدي ، ثم يفعل المحظور مرة أخرى ، فتلزمه فدية أخرى . مثل : أن يقلم ، ثم يفدي ، ثم يقلم ، أو يلبس ثم يفدي ثم يلبس . الأمر الثاني : أن يفعل المحظور ، مثل : أن يقلم ثم يقلم ، يلبس ثم يلبس ، يجامع ثم يجامع ، يفعل المحظور أكثر من مرة ، فعليه فدية واحدة . الأدلة : الدليل الأول : أنه محظور من جنس واحد ، فاكتفي فيه بفدية واحدة . الدليل الثاني : أن الله تعالى أوجب في المحظور فدية واحدة ، ولم يفرِّق بين فعله مرة ، وبين فعله أكثر من مرة {فَفِدْيَ ٌ مِنْ صِيَ مٍ أَوْ صَدَقَ أَوْ نُسُك } فلو أنه حلق رأسه ، ثم حلق مرة أخرى لزمه فدية واحدة . قال رحمه الله : بِخلافِ صيدٍ . أي فالواجب في الصيد فدية لكل مصيد ، فلو أنه قتل عشرة وجب عليه جزاء عشرة ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَ قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}أي فيلزمه جزاء بعدد ما قتل من الصيود . فدية تكرار الصيد : ذهب الجماهير إلى تكرار الجزاء بعدد الصيد ، وذهب ابن عباس ، وابن جبير ، ومجاهد ، ورواية عن الإمام أحمد ، أنه لا يجب إلا جزاء واحد ، فلو أنه رمى بالشوزن حماما ، أو قمريا ، فصاد عشرا ، فيلزمه جزاء واحد شاة واحدة ، لقوله تعالى {وَمَنْ عَ دَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَ مٍ} قالوا : لم يوجب الله عز وجل جزاءا ، فعليه كفارة واحدة وفي القول الأول تلزمه عشر شياه. الراجح : هو قول جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم ، أنه يلزمه جزاء بعدد الصيد الذي صاده . من فعل محظورات مختلفة : قال رحمه الله : ومَن فَعَلَ مَحظورًا من أجناسٍ فَدَى لكُلِّ مَرَّةٍ . مثل أن يقلم ويحلق ويغطي ويلبس ويتطيب ويجامع ، فإن عليه لكل محظور جزاءا ، هذا رأي عامة أهل العلم ؛ لأنه فعل مجموعة من المحظورات من أجناس متعددة ، لا تداخل بينها ، فيلزمه فدية بعددها . وذهب المالكية ، والحنابلة في رواية إلى أن الطيب واللبس والحلق إن فعلها جميعها فعليه فدية واحدة. الراجح :

عدد الصفحات ١٣٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 134 هو القول الأول - على القول بوجوب الفدية فيما لا نص فيه - ، وأنه يلزمه بكل محظور فدية خاصة به . قال رحمه الله : رُفِضَ إحرامُه أو لا . هذه مسألة رفض الإحرام وقطعه ، لو أن شخصا رفض إحرامه وقطعه ، ثم فعل محظورات الإحرام بعد أن رفضه ، فهل يرتفض الإحرام وينقطع ، أم يبقى على إحرامه ؟ . هل يرتفض الإحرام برفضه ؟ . جماهير أهل العلم رحمهم الله ، على أن المحرم إذا رفض إحرامه لم ينقطع إحرامه ؛ لأن الأصل في الإحرام هو اللزوم والثبات ، وأنه لا ينقطع إلا بالتحلل منه ، أو بالاشتراط أو بالحصر ، أو بالفوات ويأتي بعمرة . وذهب الظاهرية ، وربيعة ، ويحكى عن عطاء ، أنه إذا رفضه إحرامه فإنه يرتفض ، ويكون قد أفسد إحرامه ، سواء كان حجا أم عمرة . فعل المحظورات بعد رفض الإحرام : إذا رفض الإحرام ثم لبس ثيابه وقصر من شعره ، وقلم أظفاره ، فعليه ثلاث كفارات ، كما لو لم يرفض إحرامه ، وذهب إليه جمهور أهل العلم ، فهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وزاد الحنابلة في قول (وعليه دم لرفض الإحرام) . وعند الحنابلة قول آخر : أنه لا دم عليه بسبب رفض الإحرام ، بل عليه الفدى ، ذكره ابن قدامة رحمه الله ؛ لأنها نية لم تفد شيئا ، قال المرداوي : (وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب) وقال في الكشاف (ومشى عليه في المنتهى وفي شرحه) كأنهم يشيرون إلى أن هذا هو المذهب . وأما الحنابلة الذين ذهبوا إلى إلزامه بالدم لرفضه الإحرام ، فقالوا : هذا من باب العقوبة على قصده ، لأن الإحرام واجب عليه ولا يمكن قطعه ، فلما نوى القطع كان عليه دم بسبب ذلك . القول الثاني : أنه إذا رفض المحرم الإحرام لزمته فدية واحدة لجميع ما ارتكب من محظورات ، فمثلا لو رفض الإحرام فلبس وقلم وحلق وتطيب ، فإن عليه فدية واحدة فقط ، إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أن كل ما ارتكبه المتحلل من المحظورات قد فعل على وجه واحد هو وجه التحلل ، وقصد تعجيل الإحلال ، فلا يلزمه إلا كفارة واحدة ، كما في المحصر ، فسبب فعل المحظورات جميعا هو قصد التحلل. القول الثالث : أنه إذا رفض المحرم الإحرام وفعل المحظورات ، فإن إحرامه يفسد ويبطل ، و إليه ذهب الظاهرية ، وهو رأي ربيعة ، ويحكى عن عطاء أيضا . أدلتهم : الدليل الأول : قوله صلى الله عليه وسلم [من عمل عملا ليس عليه أمر فهو رد]وهذا قد نوى إفساد عبادته ، بهذا الشيء ؛ لأن النسك الفاسد ليس عليه أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يلزمه المضي فيه. نوقش : بأن الرفض ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون فاسدا. الدليل الثاني : وقالوا : العلماء المتفقون على أن من أبطل عبادته ، كصلاته وصومه النفل ، فإنه لا يتمادى فيه ؛ لأنه قد فسد ، مثله الحج ، إذا رفضه بطل وفسد . ونوقش : بأن هناك فرقا بين الصلاة والصيام والحج ؛ لأن الحج يجب المضي فيه ، وإذا دخل فيه أصبح كالنذر يلزمه الاستمرار فيه ولا يجوز له قطعه ، ولذا قال الله عز وجل {وَأَتِمُُّوا الْحَجَُّ وَالْعُمْرَةَ لِلَُّهِ} فثمة فرق بين الصلاة والصيام النفل ، وبين الحج ، فإن الحج يجب المضي فيه .

عدد الصفحات ١٣٤

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 135 الراجح : هو القول الأول ، والله أعلم ، أن من رفض إحرامه ، وفعل محظورات في حال رفضه ، لزمته فدى بعدد المحظورات التي ارتكبها ؛ لأن الإحرام لا يرتفض بالرفض ، وحاله بعد الرفض كحاله قبل الرفض ، تلزمه الفدى التي تلزمه قبل الرفض ، و هذا الرفض لا أثر له ، لأن العبادة باقية .  قال رحمه الله : ويَسْقُطُ بنِسيانٍ فِديةُ لُبْسٍ وطِيبٍ ، وتَغطيةِ رأسٍ دون وطء وصيد وتقليم وحلاق . المحظورات على المذهب قسمان : القسم الأول : محظورات يسقط حكمها إذا فعلها ناسيا أو جاهلا أو مكرها . القسم الثاني : محظورات لا تسقط بالنسيان والجهل والإكراه ، بل إذا فعلها مع هذه الحالات ترتب أثرها عليها والقاعدة في المذهب : أن المحظور الذي يتضمن إتلافا لا أثر للنسيان فيه ولا الإكراه ولا الخطأ ولا الجهل ، وأما المحظور الذي ليس فيه إتلاف فإنه يسقط بالجهل والنسيان والإكراه ... الخ . قوله : (كلبس وطيب وتغطية رأس) : ما ليس فيها إتلاف ، إذا فعلها ناسيا أو جاهلا أو مكرها فلا شيء عليه . أما المحظورات مثل القلم والحلق والجماع ، والصيد ، فهذه تتضمن إتلافا ، فلا تسقط بالجهل والنسيان والإكراه فإن قال قائل : الوطء إذا كانت المرأة ثيبا لا إتلاف فيه ، قالوا : نعم ، تنزل الثيب منزلة البكر ، فهو يتضمن إتلافا في الأصل ، وهو زوال البكارة ، فحكم الثيب كحكم البكر . فعل المحظورات عن عذر : هل يعذر المحرم بالجهل والنسيان والإكراه أم لا ؟ في هذه المسألة خلاف على قولين : القول الأول : أنه لا يعذر المحرم في هذه الحالات مطلقا ، فيما يتضمن إتلافا أو لا ، وعلى فاعلها الفدية ، وإليه ذهب ابن عباس ، وطاوس ، والحسن ، والزهري ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية . القول الثاني : ذهب الحنابلة إلى التفصيل السابق ، أن ما تضمن إتلافا لا يعذر فيه ، وما لا يتضمن إتلافا يعذر فيه بالجهل والنسيان والإكراه . أدلة القولين الأول والثاني : الدليل الأول : قوله تعالى {فَ رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجُِّ} هذه الآية حرمت مقدمات الجماع والجماع ، وجاءت مطلقة غير مقيدة بنسيان أو إكراه أو جهل . الدليل الثاني : أن عبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، ألزموا الرجل الذي جامع امرأته وامرأته بالفدية ، ولم يستفصلوا : هل هذا كان عن جهل أو نسيان أو إكراه ، فدل على أنها تجب مطلقا . ونوقش : بأن الظاهر من الحال أنهما كانا متعمدين ، وجاءا سائلين ، وكأن الأمر مشهور منتشر ، فسألوا عن هذا فأوجبوا عليها وعليه الهدي . القول الثالث : أن المحظورات تسقط فديتها بالعذر مطلقا ، تضمنت إتلافا أم لا ، وهو رأي عطاء ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة في رواية ، والظاهرية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، واختيار شيخنا ابن عثيمين أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَ حٌ فِيمَ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَ تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}فرفع الرب تعالى عن الأمة المؤاخذة في الخطأ ، لكن المتعمد يؤاخذ على فعله .

عدد الصفحات ١٣٥

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 136 الدليل الثاني : قوله تبارك وتعالى {رَبَّنَ لَ تُؤَاخِذْنَ إِنْ نَسِينَ أَوْ أَخْطَأْنَ } فقال الله عز وجل : قد فعلت ، والذي يأتي المحظور ناسيا أو جاهلا أو مكرها ، يدخل في عموم هذه الآية . الراجح : أنه لا شيء على من فعل محظورا حال العذر حتى لو تضمن إتلافا ، ولو قتلَ صيدٍ ، لأنه لا دليل عليه ، ومن أصرحها وأقواها قوله تعالى (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) (ومن قتله منكم متعمدا) فنص على وجود العمدية فيه ، ومفهومه : إذا لم يكن متعمدا فلا شيء عليه ، والله أعلم . تابع فعل المحظور بعذر : تقدم أن الراجح أن الإكراه والنسيان والجهل لها أثر في محظورات الإحرام ، سواء كانت إتلافا أم غير إتلاف . أقسام فاعل المحظور : قال شيخنا رحمه الله في الممتع : فاعل المحظورات كلها لا يخلو من ثلاثة أقسام : القسم الأول : أن يفعلها بلا عذر شرعي ولا حاجة ، كالجهل والنسيان والإكراه ، فهذا آثم ويلزمه ما يترتب على المحظور الذي فعله على حسب ما سبق بيانه . القسم الثاني : أن يفعله لحاجة متعمدا ، فعليه ما يترتب على فعل ذلك المحظور ، ولكن لا إثم عليه للحاجة ، ومنه : حلق شعر الرأس مع الأذى كما نص عليه الله عز وجل في القرآن . القسم الثالث : أن يكون معذورا بجهل أو نسيان أو إكراه ، فعلى المذهب : التفريق بين المحظورات . قال : والصحيح أن جميعها تسقط ، وأن المعذور بجهل أو نسيان أو إكراه لا يترتب على فعله شيء إطلاقا ، لا في الجماع ولا في الصيد ولا في لبس المخيط ، وتقدم أنه الراجح . مكان دفع الفدية : قال المؤلف رحمه الله : وَكُلُّ هْديٍ أَو إِطْعامٍ فَلِمساكينِ الحرَمِ . ذكر رحمه الله مكان دفع الفدية إذا كانت طعاما أو هديا ، والمراد بالهدي هنا : الهدي الواجب في القران والتمتع ، وكذا الهدي المستحب كما لو بعث أحد هديا إلى مكة ، سواء كان في بلده ، أم كان معتمرا ، أو كان حاجا ؛ لأن الله تبارك وتعالى قال : {ثُم مَحِلُّهَ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ولأن من شرط ذبح الهدي أن يكون في الحرم ، فلو ذبح خارج الحرم لم يجزئه هديه . قوله (أو إطعام فلمساكين الحرم) المراد به : الإطعام في جزاء الصيد والإطعام في فدية الأذى إن كان المحظور الذي يوجب فدية أذى قد فُعل في الحرم ؛ لقوله تعالى {بَ لِغَ الْكَعْبَ ِ أَوْ كَفَّ رَةٌ طَعَ مُ مَسَ كِينَ} فيجب أن يوزع على فقراء الحرم ، وهذا قد تقدم من قبل ، أن الإنسان إذا صاد صيدا إما أن يكون للصيد مثل ، وإما أن يكون لا مثل له ، فإن كان له مثل أخرج مثل الصيد ، أو يقوُّم المثل ويخرج بقيمته طعاما يوزع على الفقراء في الحرم ، أو يكون الصيد لا مثل له ، فإنه يقوم الصيد ، ويشتري بقيمته طعاما يوزع في الحرم ، أو يصوم في الحالتين إذا لم يرد توزيع الطعام ، والقول بأنه يفرق في المكان الذي صاد فيه الصيد قول المالكية ، وذهب الحنفية إلى أنه بالخيار في تفريق هذا الطعام ، سواء كان في مكان الصيد أم في الحرم ، والأقرب هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم ، أنه يجب أن يكون هذا الطعام لمساكين الحرم للآية المتقدمة .

عدد الصفحات ١٣٦

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 137 مسألة : قال الفقهاء : ما وجب نحره في الحرم وجب تفريقه في الحرم ، إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة ، مثل : هدي القران والتمتع ، إذا كان على الإنسان هدي ، وذبحه في الحرم ، فإنه يطعم فقراء الحرام ، ولا بأس من إخراج بعض اللحم خارج اللحم ، لكن لا بد من الصدقة على فقراء ومساكين الحرم . وذهب الحنفية ، والمالكية إلى أن ما وجب نحره في الحرم لا يجب تفريقه في الحرم ، يقولون : المهم أن ينحر في الحرم . الراجح : هو الأول والله أعلم ، أن ما وجب نحره في الحرم وجب تفريقه في الحرم ، والمراد بالتفريق : تفريق القدر الواجب منه ، وأما ما زاد عليه فالإنسان بالخيار ، إن شاء أن يأكل منه ، أو يحمل منه ، أو يعطيه الفقراء خارج الحرم فذلك له . تعريف مساكين الحرم : المراد بهم : فقراء الحرم ، وكذا الذين وردوا على الحرم من الآفاقيين ، حاجين أو معتمرين ، أو بقوا في مكة ، يدفع لهم هذا الطعام ، والذين يدفع لهم الطعام هم من تدفع لهم الزكاة لحاجتهم . إعطاء الفقراء خارج الحرم : وهنا ضابط (ما جاز تفريقه خارج الحرم فهو لفقراء المسلمين ، لا يجوز أن يعطى منه غير المسلمين) وهذا رأي جماهير العلماء ، وقد خالف الحنفية فقالوا : لا بأس أن يعطى الذمي منه ، وهو قول ضعيف. فدية المحظور خارج الحرم : قال رحمه الله : وفِديةُ الأَذَىَ واللُّبْسِ ونحوِهما ودمُ الإحصارِ حيث وُجِدَ سببُه . قوله : (ونحوهما) : مثل تغطية الرأس ، والطيب ، ولبس المخيط ... الخ ، تدفع في مكان فعل المحظور ؛ لأن الإنسان قد يفعل المحظور في الطريق إلى مكة ، قبل أن يصل إليها ، كما لو أحرم من ذي الحليفة ، وفي الزمن الحاضر يحتاج أربع ساعات ليصل إلى مكة ، تقريبا ، فلو فعل هذا المحظور في أثناء الطريق ، أو تأخر في الطريق يوما أو يومين ، وفعل المحظور ، فإنه يدفع فدية المحظور في موضع فعله . وقد دل على ذلك : حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه ، لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يذبح شاة ، أو يطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، كان كعب رضي الله عن في الحديبية . وخالف الشافعية رحمهم الله وقالوا : لا يجوز دفعها في الموضع الذي فعل فيه المحظور ، بل تدفع في الحرم ؛ لقوله تعالى {هَدْيً بَ لِغَ الْكَعْبَ ِ} وما ذهبوا إليه مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الآية فإنها في جزاء الصيد ، فلا بد أن يبلغ الجزاء الحرم ، ويوزع في الحرم . قوله : (وَدمُ الإحصارِ حيثُ وجدَ سببُه ). إذا منع الناسك من الوصول إلى البيت - وسيأتي ما يتعلق بالفوات والإحصار - لكن المؤلف يذكر ما يناسب الأبواب التي تأتي قبل باب الفوات والإحصار . إذا أحصر الناسك أمر أن يذبح الهدي الذي معه ، أو يذبح هديا في موضعه الذي أحصر فيه ، لكن أين يوزع اللحم ؟ ج : في الموضع الذي أحصر فيه ، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمة الله عليهم . أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما أحصر ذبح هديه ، ووزعه في الحديبية .

عدد الصفحات ١٣٧

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 138 الدليل الثاني : أنه موضع حلقه ، فكان موضع نحره ، كالحرم ، فإنه إذا وصل إلى منى يوم العاشر ينحر هديه ويحلق رأسه ، فكذلك إذا أحصر ، فإنه يحلق رأسه في الموضع الذي هو فيه ، وينحر هديه ثَم ، وهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه حلق رأسه ونحر هديه في الحديبية . وذهب الحسن ، والشعبي ، وعطاء ، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله ، إلى أنه ينحر في الحرم . دليلهم : أنه أمكنه الذبح في الحرم ، أشبه ما لو أحصر فيه . والرواية المنقولة عن الإمام أحمد وجهها أصحابه بأن المراد بها الإحصار الخاص بالشخص نفسه ، أما الإحصار العام فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحر الهدي في موضع إحصاره هو ومن معه من الناس ، وأما الحصر الخاص ، كأن يحصر بمرض ، أو بضياع نفقة على الراجح ، أو بعدو أو غير ذلك ، فتوجه الرواية بأنه لا بد من الحرم . الراجح : أن دم الإحصار يذبح ويفرق في الموضع الذي أحصر فيه ، ولا يكلف الذهاب به إلى الحرم. ضابط : (ما جاز ذبحه خارج الحرم حيث وجد سببه ، فإنه يجوز ذبحه في الحرم ، ولا عكس) دم الإحصار يكون في موضع الإحصار ، ويجوز له أن يبعث به إلى مكة ، ولو أحصر في الحرم ، هل يجوز له أن يبعث بدم الإحصار خارج الحرم ؟ لا .  قال رحمه الله : وَيجزئُ الصُّومُ بكلِ مكَانٍ . إذا وجب على الإنسان صوم ، أو أراد أن يصوم في فدية الأذى ، فإنه يصوم حيث شاء ، ولا يختص الصيام بمكان دون مكان آخر ، فليس للصوم مكان يخصه ، يصوم في مكة ، أو في الطريق ، أو في بلده . مثال : لو أن الإنسان فعل محظورا من محظورات الإحرام التي فيها فدية أذى ، فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء : أن يصوم ثلاثة أيام ، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ، أو أن يذبح شاة ، فإذا اختار أن يصوم ، ولنفرض أنه في الطريق إلى مكة ، والمسافة تحتاج عشرة أيام ، فقال : أريد أن أصوم هذه الثلاثة أيام في الطريق ، هل له ذلك ؟ج : نعم ، لو أراد أن يؤخر الصيام إلى بعد الرجوع إلى أهله فذلك له ، لكن ينبغي أن نتفطن إلى مسألة أن هذا الصوم واجب على سبيل الفور ، لكنه سيكون الآن مشغولا بأداء النسك ، فإذا انتهى من نسكه صام ، لو قال : سأقضي نسكي ثم أصوم في بيتي إذا رجعت إلى أهلي ، له ذلك . صيام الثلاثة أيام الواجبة التي على من لم يستطع الهدي ، لا بد أن تكون في الحج ، معنى هذا أنه سيصوم في مكة ، أو في منى ، أو في عرفة (على المذهب) آخر يوم ، أو على القول بأنه يجوز أن يصوم من إحرامه بالعمرة ، يجوز أن يصوم في مكة ، ولو خرج إلى جدة أو إلى موضع آخر جاز له صيام هذه الثلاثة أيام ، المهم أن الصوم ليس له مكان يختص به ، فلا يشترط أن يكون الصوم في الحرم ، لكن الثلاثة أيام لا بد أن تكون في الحج ، يقول ابن قدامة (لا نعلم فيه خلافا) والصوم لا يجب في مكان معين ، وهو رأي الأئمة الأربعة رحمهم الله ، والمنقول عن ابن عباس ، وعطاء ، وعن طائفة من السلف ، رحمهم الله ، ولأن الصوم لا يتعدى نفعه لأحد ، فلا معنى لتخصيصه بمكان ، بخلاف الهدي ، وكذلك الإطعام ، فخص بمكان معين . المراد بالدم : قال رحمه الله : والدمُ شاةٌ أو سبعُ بدنةٍ . الدم إذا أطلق فالمراد به شاة أو سبع بدنة ، ويجزئ عن سبع البدنة سبع البقرة . وقد دل عليه قوله تعالى {فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قال ابن عباس : (شاة أو شِرك في دم) . وقال الله عز وجل {فَفِدْيَ ٌ مِنْ صِيَ مٍ أَوْ صَدَقَ أَوْ نُسُك } وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث كعب بن عجرة بالشاة ، قال [انسك نسيكة ... وفي رواية : انسك شاة]ففسر النبي عليه الصلاة والسلام النسك ، بأنه ذبح شاة ، وفُسر الهدي بأنه ذبح شاة . هل الأفضل البدنة أو الشاة :

عدد الصفحات ١٣٨

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 139 نص الفقهاء على أن ذبح البدنة أفضل من ذبح الشاة ؛ لأن نفعها أكبر ، ولأن لحمها أكثر ، فيتعدى نفعها للغير - وسيأتي في بعض المواضع أن الأفضل هي الشاة ، مثل العقيقة - وقد جاء في أثر ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال للمرأة (بدنة أو بقرة أو شاة ، قالت : أيها أفضل ؟ قال : بدنة) أخرجه البيهقي ، وصححه الألباني . السن في الذبيحة الشرعية : تقدمت شروط الهدي ، وهي في الجملة شروط لكل ذِبح أمرت الشريعة به ، إلا أنه ينبغي التنبيه على شرط السن ، وتقدم أنه لا تجزئ إلا المسنة ، إلا في الضأن ، فتجزئ الجذعة من الضأن ، وهذا رأي الجمهور ، فهو رأي الحسن ، ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، ذهبوا إلى إجزاء الجذعة من الضأن . أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن]أخرجه الإمام مسلم. الدليل الثاني : عن مجاشع بن سليم مرفوعا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [إن الجذع يوفي مما توفي منه الثنية]أخرجه الخمسة إلا الترمذي ، وقال ابن حزم : إسناده في غاية الصحة ، وصححه الألباني. القول الثاني : ذهب ابن عمر والزهري ، وجمع من السلف ، أنه لا تجزئ إلا المسنة ، الثني من كل شيء . أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن]ف يجوز الانتقال عن الثني إلى الجذعة إلا في حال الإعسار . أجاب الجمهور : بأنه محمول على الاستحباب ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الأفضل لكم ألا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن ، فحملوه على الأفضلية ، أن الثني أفضل من الجذع . وقالوا : الحديث ليس فيه التصريح بعدم إجزاء الجذعة ، بل الحديث يشير إلى أن الأفضل ألا تُذبح إلا مسنة ، لكن يجوز ذبح الجذعة من الضأن . القول الثالث : ذهب عطاء ، والأوزاعي إلى إجزاء الجذع من كل شيء إلا المعز . عكس القول الثاني وهذا القول غير صحيح ؛ للأحاديث السابقة، الدالة على عدم الإجزاء إلا للجذع من الضأن، وأما ما سواها فلا تجزئ سن الجذع من الضأن : الشافعية في الأصح يرون أن سن الجذع من الضأن سنة ، قالوا : وهو الذي تدل عليه اللغة ، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله . وأما الحنفية ، والحنابلة ، فيقولون : الجذع من الضأن ما تم له ستة أشهر ، والجذع هو الذي تجذعت أسنانه ، وعلامته : نوم صوفه على ظهره ، لا يرتفع ، فهوغير منتفش ، ويشترط أن يتم لها ستة أشهر ، لا مجرد الدخول في الستة . قال رحمه الله : وَتُجزئُ عنهَا بقرةٌ . أي تجزئ البقرة عن البدنة ، إلا في النذر ، والمسألة فيها خلاف أيضا ، إذا نذر أن يذبح بدنة لم يجزئ أن يذبح بقرة ، لكن في الهدي وغيره تجزئ . الدليل الأول : حديث أبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه ، قال : (اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة ، فقال رجل لجابر أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور ؟ قال ما هي إلا من البدن) ، وحضر جابر الحديبية قال : نحرنا يومئذ سبعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة) أخرجه الإمام مسلم فنص على أن البقرة تأخذ حكم البدنة . ذهب الحنابلة في رواية : إلى أن البقرة لا تجزئ عن البدنة إلا في حال الضرورة ، في حال عدم وجود البدنة . البقرة عن البدنة في جزاء الصيد :

عدد الصفحات ١٣٩

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 140 هل تجزئ البقرة عن البدنة في جزاء الصيد ؟ الصحيح من مذهب الحنابلة إجزاء البقرة عن البدنة ، فما وجبت فيه بدنة ، جاز أن يخرج عن البدنة بقرة ؛ لأنهما تشبهان بعضهما في كثرة اللحم ووفرته فيهما ، وعِظم الجسم سبع البدنة عن الشاة : من وجبت عليه شاة في الصيد ، يجوز أن يخرج سبع بدنة أو سبع بقرة ، وهذا المذهب ، واختار ابن قدامة ،عدم الإجزاء ، قال : لأن الغنم أطيب لحما ، فلا يجزئ الأدنى عن الأعلى ، أما الأصحاب فيرون الإجزاء . وقالوا : من لزمته سبع شياه أجزأ عنها بدنة أو بقرة ، إن كان ذلك في جزاء محظور ، لحديث جابر رضي الله عنه ، قال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن نشترك في الإبل والبقر ، كل سبعة منا في بدنة) أخرجه الإمام مسلم ، فالشاة الواحدة عن سبع بدنة ، وعن سبع بقرة ، ولنفرض أن هذا الإنسان رمى حماما فقتل سبعا ، فعليه سبع شياه ، يجوز أن يخرج بقرة كاملة أو بدنة كاملة ، سيذهب ويبحث عن السعر ، وجد الشاة بك 1300 ريال ، والبقرة بك 5000 ريال ، سيخرج بقرة ؛ لأنها أوفر له ، ولحم البقر سيكون أكثر من لحم الغنم ، وإن كان لحم الغنم ألذ وأطيب وأطعم ، ولذا يرى ابن قدامة أنه لا يجوز إخراج سبع البدنة ، وسبع البقرة عن الشاة . باب جزاء الصيد هذا الباب ذكر فيه المؤلف رحمه الله جزاء الصيد على من أتلفه بمباشرة أو تسبب ، قال تعالى {يَ أَيُُّهَ الَُّذِينَ آمَنُوا لَ تَقْتُلُوا الصَُّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُُّتَعَمُِّدًا فَجَزَاءٌ مُِّثْلُ مَ قَتَلَ مِنَ النَُّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيً بَ لِغَ الْكَعْبَ ِ أَوْ كَفَّ رَةٌ طَعَ مُ مَسَ كِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَ مً } وجزاء الصيد واجب للآية السابقة ، قال الزهري رحمه الله (تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدا بالكتاب ، وعلى المخطئ بالسنة) . والصيد على نوعين : 1- صيد له مثل . 3- صيد لا مثل له . الصيد الذي له مثل يجب فيه مثله ، والصيد الذي لا مثل له تجب فيه القيمة ، يقوُّم الصيد ويشترى بقيمته طعام يطعم به الفقراء ، أو يصوم عن كل مد يوما . الذي لا مثل له:مثل ما دون الحمامة من الطيور ، كما نص على ذلك ابن عباس رضي الله عنهما ، كالعصافير ونحوها ، ومثل الجراد . صيد ما له مثل : ما له مثل يخرج المثل ، لكن من يحدد المثل ؟ قالوا : المثل إما أن يكون قد حكم فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، أو حكم فيه الصحابة الكرام فيؤخذ بحكمهم ، أو لم يحكم فيه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة ، فيحكم فيه ذوا عدل منا ، وسيأتي ، فله ثلاثة أحوال : أحوال صيد ما له مثل : الحال الأولى : صيدٌ المثل الذي فيه حكم من النبي صلى الله عليه وسلم . فلا يجوز أن يتعدى حكم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غيره ، مثل : حكمه في الضبع بشاة ، جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع ، فقال [هو صيد ، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم] )أخرجه أبو داود ، وابن ماجه ، وصححه ابن خزيمة ، والشنقيطي ، والألباني . الحال الثانية : ما حكم بمثله الصحابة رضي الله عنهم . فيرجع فيه إلى حكم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يُتعدى حكمهم ، مثل : اليربوع (الجربوع) حكم فيه عمر ، وابن مسعود ، وجابر ، وهو صحيح عنهم ، وكحمامة الحرم ، حكم فيها مجموعة من الصحابة ، عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن عباس ، وابن عمر ، فيجب الرجوع فيها إلى حكم الصحابة الكرام . الحال الثالثة : ما لم يحكم بمثله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا الصحابة الكرام .

عدد الصفحات ١٤٠

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 141 فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخِبرة ، لقول الله تعالى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَ قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فالذي يحكم فيه ذوا عدل ، أي عدلان ، ولا بد أن يكونا خبيرين عالمين ، حتى يستطيعا الحكم ومعرفة المثل . قال رحمه الله : فِي النَّعامةِ بدنةٌ . لأنها تشبهها في خلقها وصفاتها ، وقد حكم بذلك عمر ، وعثمان ، وعلي ، وزيد ، وابن عباس ، ومعاوية ، وأخرج هذا عنهم الإمام الشافعي في الأم ، وعبد الرزاق ، وحسنه ابن حجر ، فألحقت بها للشبه في الخلقة ، ليس بالقيمة ، فقد تكون قيمة النعامة أكثر ، وقد تكون قيمة البدنة أكثر ، لكن بينهما شبه في الشكل .  قال رحمه الله : وحِمارِ الوحشِ . حمار الوحش فيه بقرة ، حكم بذلك عمر ، وابن عباس ، ونقل عن عروة ، ومجاهد ، وعن الإمام الشافعي ؛ لأنها تشبهه ، لعظم الجسم وكبره ، وبقرة الوحش فيها بقرة ، حكم فيها ابن مسعود ، وابن عباس ، وهو رأي عطاء ، وعروة ، وقتادة ، والإمام الشافعي . قال رحمه الله : والأَيِّلِ . وهو ذكر الأوعال ، فيه بقرة ، حكم فيه ابن عباس رضي الله عنهما ، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وهو منقطع ، لكنه مشهور أنه قد حكم فيه ، وعمر رضي الله عنه قد حكم فيه أيضا .  قال رحمه الله : والثَّيْتَلِ . وهو تيس الجبل ، وقيل : الوعل عامة ، قال الجوهري (الوعل المسن) وحكم فيه ابن عباس ، أن فيه بقرة .  قال رحمه الله : والوعلِ بقرةٌ . وكذا الوعل فيه بقرة ، حكم فيه ابن عباس ، وابن عمر ، لشبهه بالبقرة .  قال رحمه الله : والضَّبْعِ كبشٌ . حكم فيه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ، قال الإمام أحمد رحمه الله (حكم فيه النبي صلى الله عليه وسلم بكبش) وحكم فيه عمر رضي الله عنه ، كما عند الإمام مالك ، و الإمام الشافعي ، بإسناد صححه الحافظ ، وصححه الألباني ، ويروى عن علي ، وجابر ، وابن عباس ، فيه كبش .  قال رحمه الله : والغزالِ عنزٌ . أي : وفي الغزال عنز ، حكم به عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وعطاء ، وصح عن ابن عمر ، وابن عباس ، صححه الحافظ ، والألباني ، وهناك شبه بين الغزال والعنز (الشكل والذيل والعين) ... الخ .  قال رحمه الله : والوَبْرِ والظبْي جديٌ . الوبر بسكون الباء والأنثى وَبْرة : دويبة غبراء على قدر السنور ، حسنة العينين ، شديدة الحياء ، تكون بالغور ، دويبة كحلاء دون السنور لا ذنب لها ، حكموا في الوبر بجدي ، والجدي : هو الذكر من أولاد الماعز ، ما تم له ستة أشهر ، قياسا على الضب ، والضب فيه جدي ، حكم فيه عمر رضي الله عنه ، وعبد الرحمن بن عوف ، وهو صحيح عن عمر ، أخرجه الإمام الشافعي ، والبيهقي ، وصححه الحافظ في التلخيص . وقيل : في الضب شاة ، حكم بذلك جابر ، وعطاء ، وهو أقرب إلى الجدي من الشاة(الجدي عمره ستة أشهر). قال رحمه الله : واليربوعِ جَفْرةٌ . وهو ما يطلق عليه (جربوع) وهو شبيه بالفأر ، لكنه أقصر يدينِ وأطولُ ذيلا ، وهو صيد يؤكل ، فيه جفرة ، حكم بذلك عمر ، وجابر ، أثر عمر أخرجه الإمام مالك ، و الإمام الشافعي ، والبيهقي ، وصححه الحافظ. والجفرة : الأنثى من ولد المعز ، وهي ما تم لها أربعة أشهر ، وسميت بذلك لأنها جفرت جنباها ، أي عظمتا . قال رحمه الله : والأرنبِ عناقٌ .

عدد الصفحات ١٤١

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 142 في الأرنب عناق ، حكم به عمر ، وابن عباس ، أما أثر عمر فأخرجه الإمام مالك ، وصححه الألباني . والعناق : من أولاد المعز ، أصغر من الجفرة قال ابن القاسم رحمة الله عليه (والصواب أنها فوق الجفرة ، لها ما بين ثلث سنة ونصفها ، قبل أن تصير جذعة) والجذعة لها ستة أشهر . وجاء في حديث البراء ، في قصة أبي بردة بن نِيار ، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم (عندي عناق جذعة) وهذا يدل على أن عمر العناق قريب من ستة أشهر ، لأن الجذعة ما تم لها ستة أشهر ؛ لأنها تتجذع أسنانها أي تسقط ، فحكم الصحابة في الأرنب بعناق . قال رحمه الله : وَالحمامةِ شاةٌ . حكم بذلك عمر ، وعثمان ، وابن عباس ، وابن عمر ، وسعيد ، وعطاء ، وعروة ، و الإمام الشافعي ، وإسحق والقول الثاني : أن فيها القيمة ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، لكن الإمام مالك رحمه الله حكم بأن في حمام الحرم شاة ؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم حكموا فيها بالشاة . فهما قولان : الجمهور أن فيها شاة ، والإمام أبو حنيفة ، والإمام مالك يريان أن فيها القيمة ، إلا أن الإمام مالك استثنى حمام الحرم ففيه شاة ؛ لأن الصحابة حكموا فيها بشاة . أثر عمر وابن عباس أن في الحمامة شاة ، فالصحابة حكموا أن في الحمامة شاة ، ولم يعرف لهم مخالف ، واشتهر قضاؤهم ، ولا بد من المصير إلى حكمهم ؛ لأنهم قضوا بذلك ، وقالوا : الشبه بينهما أنها تشبه الشاة في عب الماء ، والحمام : كل ما عب الماء وهدر ، أي صوُّت ورجع الصوت . وهنا فائدتان : الفائدة الأولى : روى الإمام مالك ، والشافعي ، والبيهقي(أن عمر رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة) صححه الحافظ ابن حجر . وقال شيخ الإسلام :وأما إجماع الصحابة فإنهم قضوا في النعامة ببدنة ، وفي حمار الوحش وبقرة الأيُّل والثيتل والوعل ببقرة ، وفي الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي اليربوع بجفرة ، وإنما حكموا بذلك لمماثلته في الخلقة ، لا على جهة القيمة. الفائدة الثانية : جاء في المغني (ما كان أكبر من الحمام ، كالحَبَاري ، والكَرْكِي ، والكَرَوَان ، والحَجَل ، والإِوَزُّ ، والكبير من طير الماء فيه وجهان ، الوجه الأول : فيه شاة ، منقول عن ابن عباس ، وجابر ، وعطاء ؛ لأن إيجاب الشاة في الحمام ينبه على إيجابها فيما هو أكبر منها) قال الإمام أحمد رحمه الله (كل طير يعب الماء كالحمام فيه شاة) قالوا : يدخل فيه الفواخت والقُمري والقطا ونحوها ؛ لأن العرب تسميها حماما ، قال الكَسائي : كل مطوُّقٍ حمام ، يدخل فيه الحجل ؛ لأنه مطوق ، إلا أنه لا يعب الماء ، ففيه خلاف .. الوجه الثاني وهو المذهب : أن فيها قيمة الصيد ، وهذا مذهب الإمام الشافعي ؛ لأن القياس يقتضي وجوبها في جميع الطير ، تركناه في الحمام لإجماع الصحابة رضي الله عنهم فيرجع إلى الأصل) فإذا دار الأمر بين حكم جابر وابن عباس ، وبين القياس ، قدم قول الصحابي ، فيقال : كل الطيور التي فوق الحمامة فيها شاة ، ما دون الحمامة نص ابن عباس رضي الله عنهما ، على أن فيها القيمة . باب صيد الحرم هذا الباب عقده المؤلف رحمه الله ليبين ما يجب في صيد الحرم ، وذكر فيه حكم نبات الحرم المكي ، وحكم صيد حرم المدينة ، ونبات حرم المدينة ، و حرم المدينة. حكم صيد الحرم : قال رحمه الله : يَحْرُمُ صَيْدُه على الْمُحْرِمِ والحلالِ .

عدد الصفحات ١٤٢

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 143 يحرم صيد الحرم على المحرم والحلال ، فهما فيه على سواء ، ليس جائزا للحلال دون المحرم ، بل هو محرم مطلقا. دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع : الكتاب : قول الله تعالى {إِنَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَ وَلَهُ كُلُّ شَيْء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}فهي بلد حرام ، وإذا كانت محرمة لم يجز الصيد فيها . السنة : جاء في السنة حديث ابن عباس المشهور قال (قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة [إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه]متفق عليه. الإجماع : نقله طائفة كبيرة من أهل العلم ، نقلوا أن مكة حرم ، وأن حرمها لا يجوز الصيد فيه ، ولا يُتعرض فيه ، نقله طائفة منهم ابن المنذر ، وابن حزم ، وابن قدامة ، وابن رشد ، والنووي ، وغيرهم كثير .  قال رحمه الله : وحكمُ صيدِهِ كصيدِ المحرمِ . أي : يجب في صيد الحرم ما يجب في صيد المحرم ، فإذا قتل الحلال (رجل من أهل مكة مثلا) قتل حمامة في الحرم ، فإنه تجب عليه شاة ، وإذا قتل غزالة وجبت عليه عنز ، أو قتل نعامة وجبت عليه بدنة ، وهلم جرا . خالف داود فقال : لا جزاء في صيد الحرم ؛ لأن الأصل براءة الذمة ولا يوجد نقل ، وهذا القول من داود جاء بعد إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، أن فيه جزاء . شجر الحرم :  قال رحمه الله : ويحرُمُ قطعُ شجرِهِ وحشيشِهِ الأَخضرينِ . قيده بالأخضرين ، فيفهم منه إذا كانا ميتين جاز قطعهما . أقسام شجر الحرم : شجر وحشيش الحرم على أقسام : القسم الأول : ما أنبته الله عز وجل من غير فعل الآدمي فيه ، فتحرم إزالته وقطعه للنص والإجماع . النص : قول النبي صلى الله عليه وسلم [لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شوكها ، ولا ينفر صيدها] متفق عليه . الإجماع : حكاه ابن المنذر ، وابن قدامة ، والنووي . قوله (أخضرين) : أي فيهما حياة ، فإن لم تكن فيهما حياة فيجوز قطعهما ، وحش الحشيش اليابس . حكم الشجر اليابس في الحرم المكي : اختلف فيه العلماء على قولين : القول الأول : يجوز قطع الشجر والحشيش اليابس ، إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة واختيار ابن تيمية أدلتهم : الدليل الأول : قول النبي صلى الله عليه وسلم [لا يختلى خلاها]وا بالقصر : الشجر الرطب والحشيش الرطب ، فيفهم منه جواز اليابس . الدليل الثاني : أن الحشيش والشجر اليابس بمنزلة الصيد الميت ، فلو قطع صيدا ميتا لم يكن عليه جزاء . القول الثاني : أنه لا يجوز قطع الشجر اليابس والحشيش اليابس ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية في وجه .

عدد الصفحات ١٤٣