المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر كتاب المناسك

فهد المطيري

صفحة ٧ من ٢٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 82 القسم الخامس : أن يستظل بمنفصل غير تابع ، كالخيمة ، والقبة ، ونحو ذلك ، فيجوز بالإجماع ، وقد دل عليه النص والإجماع ، جاء في حديث جابر رضي الله عنه ، في قصة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه(فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنام في تلك القبة) وأما الإجماع فقد حكاه جمع من أهل العلم . القسم السادس : أن يستظل بمنفصل عنه تابع له ، كالشمسية (المظلة) والهودج ، والسيارة ، والثوب ونحو ذلك ، فهذا القسم اختلف فيه العلماء على قولين : القول الأول : أنه يجوز للمحرم أن يستظل بمنفصل تابع له ، إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية ، وهو رأي طائفة من السلف ، عثمان رضي الله عنه ، وعطاء ، وربيعة . أدلتهم : الدليل الأول : عن أم الحصين رضي الله عنها ، قالت : (حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ، ومعه بلال وأسامة ، أحدهما يقوده ، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس) أخرجه الإمام مسلم ، وفي رواية (رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) قد ينازع في اللفظ الأول لأنه بعد رمي جمرة العقبة ، وقد يقال : إن الحل يحصل بالرمي ، لكن الثاني فيه (حتى رمى جمرة العقبة) فالنبي صلى الله عليه وسلم كان مستظلا قبل الرمي ، مما يدل على أنه يجوز أن يستظل بمنفصل عنه تابع له . الدليل الثاني : قياس الاستظلال بتابع له منفصل عنه بالمنفصل عنه غير التابع ، ويستدلون بحديث جابر رضي الله عنه ، (فوجد القبة قد ضربت له بنمرة) فيقيسون هذه المسألة على المسألة السابقة ، بجامع الستر في كل ، فإنه في الأول قد استتر بالمنفصل عنه غير التابع له ، فيجوز أن يستظل بالمنفصل عنه التابع له أيضا . القول الثاني : أنه يحرم على المحرم أن يستظل بمنفصل عنه تابع له ، ويحكى عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وعن ابن مهدي ، و أهل المدينة ، وهو رأي الإمام مالك ، والصحيح من مذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من حديث جابر رضي الله عنه ، أنه قال : (ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب ، إلا غربت بذنوبه ، حتى يعود كما ولدته أمه) أخرجه ابن ماجه وهو حديث ضعيف ، ضعفه الحافظ ابن حجر وغيره ، ومن المتأخرين الشيخ الألباني. الدليل الثاني : أثر ابن عمر رضي الله عنهما ، (أن ابن عمر أبصر رجلا على بعيره وهو محرم ، قد استظل بينه وبين الشمس ، فقال : أضحِ لمن أحرمت له) أخرجه البيهقي ، واحتج به الإمام أحمد رحمهم الله . الراجح : هو القول الأول ، والله أعلم ، أنه يجوز للمحرم أن يستظل بمنفصل عنه تابع له ؛ لأنه ليس ثمة دليل على المنع والصحابة كانوا يظللون النبي صلى الله عليه وسلم ، بثوب يستره عن الشمس ، ولهذا قال ابن قدامة رحمه الله (إنما كرهه الإمام أحمد كراهة تنزيه في الظاهر عنه لوقوع الخلاف فيه) وأما أثر ابن عمر السابق فهو رأي منه في مقابل النص ، فلا يعتد به . القسم السابع : أن يعصب الحاج على رأسه عصابة من صداع أو نحوه ، وفيها خلاف على قولين : القول الأول : أنه يجوز أن يعصب الحاج على رأسه عصابة ، و إليه ذهب ابن عباس ، وعطاء ، والأوزاعي . دليلهم : أنه منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما . القول الثاني : أنه لايجوز أن يعصب الحاج على رأسه عصابة ، وعليه الفدية ، وهو رأي الثوري ، والحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة. دليلهم : أنه فعل فعلا محرما ، يقصد به الترفه ، أشبه حلق الرأس .

عدد الصفحات ٨٢

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 83 نوقش : بأنهم عللوا بعلة الترفه ، وهي علة ضعيفة غير ثابتة ، والقول بها يحتاج إلى دليل . تغطية الحاج وجهه : هذه المسألة ذات شقين : شق يتعلق بالرجل ، وشق يتعلق بالمرأة ، أما ما يتعلق بالمرأة فسيأتي إن شاء الله في كلام المؤلف ، وأما ما يتعلق بالرجل ، فقد اختلف فيه أهل العلم رحمة الله عليهم ، على قولين ، وسبب الخلاف الاختلاف في لفظة جاءت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، الثابت في الصحيح ، أن رجلا وقصته ناقته ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبين ، ولا تخمروا رأسه) متفق عليه ، وجاء في بعض ألفاظ الإمام مسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تخمروا رأسه ولا وجهه) فاختلفوا في لفظة الوجه ، هل هي ثابتة ، أم إنها لفظة شاذة لا يعمل بها ، وبناء عليها اختلفوا في الحكم على قولين : القول الأول : أنه يباح للمحرم أن يغطي وجهه ، وهذا مروي عن عثمان ، و ابن عوف ، وزيد بن ثابت ، وابن الزبير ، وسعد ، و ابن عباس ، طائفة من الصحابة رضي الله عنهم ، ومذهب الشافعية ، والصحيح من مذهب الحنابلة ، واختيار ابن حزم. أدلتهم : الدليل الأول : أن زيادة وجهه زيادة شاذة ، ولا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذهب إلى تضعيف هذه الزيادة البيهقي ، وابن حجر ، وغيرهما ،قال شعبة : حدثنيه أبو بشر ، ثم سألته بعد عشر سنين ، فجاء بالحديث كما كان يحدث ، إلا أنه قال : (ولا تخمروا وجهه ولا رأسه) ففي قوله دليل على أنه ضعَّف هذه الزيادة) فأصحاب هذا القول يرون ضعف زيادة (وجهه) ويرون أنها شاذة . الدليل الثاني : يستدلون بأنه ثابت عن مجموعة من الصحابة ، فهو ثابت عن عثمان ، وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، أنهم كانوا يخمرون وجوههم إذا ناموا ، وهم محرمون . القول الثاني : أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي وجهه ، وهذا مروي عن ابن عمر ، وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة في رواية . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رجلا وقصته ناقته وهو محرم فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبيه ، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) وهذه اللفظة أخرجها الإمام مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه ، وقالوا : هي لفظة محفوظة غير شاذة ،وأصحاب القول الثاني عملوا بها الدليل الثاني : أن ما حرم على المرأة يحرم على الرجل ، كالطيب ، وعندهم أنه يحرم على المرأة أن تغطي وجهها حال إحرامها . نوقش : بأن هذا قياس على مسألة مختلف فيها ، وسيأتي أن تغطية المرأة لوجهها فيه خلاف على قولين ، وأن الراجح من أقوال أهل العلم أنه يجوز للمرأة أن تغطي وجهها حال الإحرام ، فقياسهم قياس على مسألة مختلف فيها ، يقال : أثبتوا أولا أنه لا يجوز للمرأة أن تغطي وجهها ، فإذا ثبت هذا قيس عليه الرجل ، كالطيب ، فإنهم يقولون : المرأة لا يجوز لها أن تتطيب ، فلا يجوز للرجل أيضا . الراجح : هو القول الأول ، وأنه يجوز للرجل أن يغطي وجهه ، لعدم الدليل على المنع ، واللفظة غير ثابتة ، ولو كانت ثابتة لكان القول بها . الكمامات في الإحرام : هل يجوز للإنسان أن يضع الكمام على وجهه ؟ هذه المسألة تنبني على المسألة السابقة ، فإن قيل : يجوز للرجل أن يغطي وجهه جاز ، وإذا قيل : لا يجوز ، فليس له أن يضع الكمام على وجهه ، وقد ذكر شيخنا أنه يجوز لبسها للحاجة . 4- لبس المخيط : قال رحمه الله : وَإِنْ لَبِسَ ذَكرٌ مَخيطَاً فَدى . قوله : (ذكر) : يخرج به الأنثى ، فإن الأنثى يجوز لها أن تلبس المخيط ، هذا الأصل ، لأنها مأمورة بالستر ، ولكن تحرم عليها ألبسة معينة تأتي إن شاء الله .

عدد الصفحات ٨٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 84 قوله : (مخيط) : المراد به ما خيط على قدر العضو أو خيط على البدن كله ، مثل : الفنيلة ، والسراويل ، وما خيط على البدن كله ، كالثوب والقميص ونحو ذلك ، فإنه لا يجوز لبسه في حال الإحرام ، وهذه اللفظة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، لما سئل : ما يلبس المحرم ؟ لم يقل : لا يلبس المحرم المخيط ، وإنما قال : [لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويلات] فعدد ما يمنع لبسه ، ولم يقل ضابطا معينا ، ولذا فهذه الكلمة (المخيط) من الكلمات الحادثة بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحابة ، ويقال كما ذكر أهل العلم : أول من أحدثها هو إبراهيم النخعي رحمة الله عليه ، وتتابع بعده الفقهاء على ذلك ، وهذه الكلمة لما وجدت واشتهرت ، أورثت شيئا من الإجمال والإيهام واللبس ، فإن العلماء رحمة الله عليهم يقولون : لا يجوز للإنسان أن يلبس مخيطا ، وهم يقصدون بالمخيط ما خيط على قدر العضو ، أو كان على البدن كله ، لكن هذه الكلمة لما كانت غير صادرة من مشكاة النبوة ، أصبحت موهمة موقعة في اللبس ، ولذا فكثير من الناس عمم هذا ، فرأى أن المحرم لا يجوز له لبس ما فيه خياطة مطلقا ، وهذا غير مقصود . قوله (وَإِنْ لَبسَ ) : لا بد أن يكون لبس الذكر على الوجه المعتاد ، فإن لبس الإنسان المخيط على الوجه غير المعتاد ، فإنه لا يعد لبسا ، كمن وضع الثوب على جسده ، أو جعل الثوب رداء ، أو لبس المشلح مقلوبا ، أو للبرد ، وضع المشلح على جسده وتلحف به ، فإنه لا يعتبر لبسا بالاتفاق ، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله . الأدلة : السنة والإجماع : أما السنة : فحديث ابن عمر المشهور ، حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم : ما يلبس المحرم ؟ قال (لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويلات ..) متفق عليه . وأما الإجماع : فقد نُقل الإجماع على تحريم لبس ما خيط على قدر العضو للذكر دون الأنثى ، وقد نقله طائفة من أهل العلم ، كابن المنذر ، وابن حزم ، وابن عبد البر ، وابن رشد ، وابن قدامة ، والنووي وغيرهم . أقسام المخيط : القسم الأول : ما كان منصوصاً عليه ، فهذا لا يجوز ، بالنص والإجماع ، مثل القميص والعمامة والبرنس والسراويلات. القسم الثاني : ما كان في معنى المنصوص ، مثل : الشماغ والغترة والطاقية ، والفنيلة ، والسروال القصير (التبان) والقفازين للرجل ، والصديرية ، والجاكيت ، والكوت ، ونحو ذلك ، فهذه في معنى المنصوص عليه ، فلا يجوز للمحرم لبسها . القسم الثالث : ما ليس منصوصا عليه ، ولا داخلا في معنى المنصوص ، فهذا يجوز للمحرم لبسه ، مثل : النظارة، والساعة، والكمر، والحزام، ونحو ذلك، لأنها ليست منصوصا عليها ، ولا داخلة في معنى المنصوص القسم الرابع : ما كان مشكوكا فيه ، هل هو داخل في المنصوص أو غير داخل ؟ هل هو من نوع الثاني أو الثالث ؟ فالأصل فيه أنه جائز ، لعدم الدليل ، ولأن الأصل الحل ، وعدم المنع . وانظر إلى التعبير النبوي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما سئل عبر بالعد ، ولم يعبر بالحد ، وهذا من بلاغته صلى الله عليه وسلم ، وبيانه ، فإنه لما كان الممنوع معدودا ذكر الممنوع ولم يذكر له حدا ، وجعل الأصل الجواز والإباحة ، وعدد ما كان ممنوعا وترك الباقي على الأصل ، ولو أن الفقهاء عملوا بهذا ، وقالوا : لا يجوز للمحرم أن يلبس كذا وكذا ، ونصوا عليه نصا كما في الحديث ، وقالوا : ويدخل في ذلك ما كان في معناها ، وأما ما لم يكن في معناها فيجوز لبسه ، وما شك فيه فالأصل فيه الجواز ، لكان هذا أسهل وأيسر وأوضح وأبين للناس ، ولا يوقع في إشكال ، والله أعلم .

عدد الصفحات ٨٤

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 85 مسألة : متى تجب الفدية في لبس المخيط ؟ جماهير أهل العلم على أن الذكر إذا لبس مخيطا ، فإن عليه فدية ، إذا كان عالما عامدا ذاكرا ، وذهب الحنفية إلى أن الفدية لا تجب عليه إلا إذا لبس يوما كاملا ؛ لأنه مظنة الانتفاع باللبس ، أما الجمهور فيرون أنه إذا لبس ولو للحظة ، فإنه يكون قد فعل محظورا من محظورات الإحرام ، فتجب عليه الفدية . عقد الإزار : ذكر العلماء رحمهم الله ، أن المحرم إذا عقد إزاره ، بإدخال أطرافه بعضها في بعض ، فلا بأس بذلك ؛ لأنه يحتاجه لستر عورته ، لكن إذا لبس الإزار ثم وضع عليه شيئا ، كالسير والمحزم والحبل والعمامة ، وشده به ، فهل يجوز هذا ؟ هذه المسألة لها صورتان : الصورة الأولى : أن يدخل الحبل أو العمامة ، يدخل بعضه في بعض بدون عقد ، فهذه الصورة جائزة . الصورة الثانية : إذا أدخل الإزار بعضه في بعض ثم عقده ، فهل يجوز أو لا ؟ اختلف العلماء في هذه المسالة على أربعة أقوال : القول الأول : أنه إذا أدخل الإزار بعضه في بعض ثم عقده فإنه لا يجوز ذلك ، و إليه ذهب المالكية ، والحنابلة إذا لم يحتج إليه . أدلتهم : الدليل الأول : ما يروى [أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رأى رجلا قد شد فوق إزاره حبلا ، فقال : ألق هذا ويلك] أخرجه ابن أبي شيبة بنحوه ، والبيهقي وغيره مرسلا ، والحديث ضعيف ، فاستدلوا به على تحريم الشد ، لأنه قال (ويلك) كلمة زجر ووعيد ، ولا تقال إلا لفعل يكون محرما، والاستدلال لا يصح لأن الحديث ضعيف الدليل الثاني : أن ابن عمر رضي الله عنهما ، (كان يطوف بالبيت وعليه عمامة قد شدها على وسطه ، فادخلها هكذا (أدخل بعضها في بعض) أخرجه ابن أبي شيبة ، والبيهقي ، ولو كان العقد يجوز لفعله رضي الله عنه ، فلما لم يفعله دل على عدم جواز العقد . القول الثاني : أنه يكره أن يعقد الحبل أو العمامة أو نحو ذلك لشد الإزار ، و إليه ذهب الحنفية رحمهم الله ؛ لأنهم يرون أن الأدلة السابقة لا تدل على التحريم ، وإنما تدل على الكراهة . القول الثالث : أنه إذا أدخل المحرم الإزار بعضه في بعض ثم عقده فإنه يجوز ، و إليه ذهب الشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : أن عائشة رضي الله عنها ، سئلت هل يلبس المحرم الهِمْيان (ما يكون فيه النفقة) ؟ ، فقالت (أَوثق عليك نفقتك)أخرجه ابن أبي شيبة ، والبيهقي بإسناد صحيح . الدليل الثاني : أن الإنسان يحتاج إلى ستر عورته ، فإذا كان يحتاج وربط على إزاره شيئا ثم عقده جاز . القول الرابع : أنه يجوز للمحرم أن يعقد الحبل أو العمامة على إزاره ، إن احتاج ، فقيدوه بالحاجة ، و إليه ذهب بعض المالكية ، وهو المذهب عند الحنابلة إذا لم يثبت إلا بالعقد ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، كأنهم رأوا أن الأدلة إن ثبتت فهي تحمل على الكراهة ، والكراهة تبيحها الحاجة ، فالإنسان يحتاج إلى ستر عورته ، ولا يمكن ضبط الإزار إلا إذا كان عليه حبل أو عمامة أو خيط معقود عقدا . الراجح : والله أعلم ، هو القول الرابع ، وأنه يجوز للناسك بلا كراهة أن يربط على إزاره حبلا أو نحوه إذا احتاج إليه ، ويجوز له عقده . هل يجوز للمحرم أن يعقد رداءه : إما أن يجعل الرداء من خلفه ، ويجمع طرفيه ويربطهما ، أو يجعله على عاتقيه ، ثم يربطه من الأمام ، هذا مما اختلف فيه العلماء على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز عقد الرداء ، وعليه فدية إذا فعل ذلك ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة .

عدد الصفحات ٨٥

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 86 أدلتهم : الدليل الأول : أن ابن عمر رضي الله عنهما ، سأله رجل فقال : أخالف بين طرفي ثوبي من ورائي وأعقده ؟ قال: (لا تعقد عليك شيئا وأنت محرم) أخرجه ابن أبي شيبة ، فكره ذلك ، والكراهة تحمل على كراهة التحريم . الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رأى رجلا قد شد إزاره بحبل ، فقال (ويلك ألقِ هذا) فدل على أنه لا يجوز عقد الإزار ، مع حاجة الإنسان إلى ستر عورته ، فالرداء من باب أولى . نوقش : أن هذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه من مراسيل ابن جريج . القول الثاني : أن عقد الرداء مكروه ، ولا فدية على من فعله ، و إليه ذهب الحنفية رحمهم الله ، واختاره شيخ الإسلام بن تيمية ، لكنه رأى الجواز للحاجة بلا كراهة ، أما الحنفية فيرون الجواز مع الكراهة . أدلتهم : دليلهم : عدم الدليل على منع المحرم من عقد ردائه ، أما أثر ابن عمر ، وحمله على كراهة التحريم ، فهذا يحتاج إلى دليل. قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله (لو أن الرجل عقد الرداء على صدره فليس حراما ؛ لأن الرداء وإن عقد لا يخرج عن كونه رداء ، ولو شبُّكه بمِشبك إذا زره بزر واحد من أجل ألا يسقط ، ولا سيما عند الحاجة فلا بأس) أما الأصحاب فيرون المنع منه مطلقا ، فإن فعل أثم وفدى) لكن الراجح الجواز . الإحرام المخيط : هذه مسألة ظهرت في الآونة الأخيرة ، إزار يشد أعلاه ، وتجعل له تِكَّة ، ويخاط جانباه ، ولا تجعل له أكمام من أسفله ، تدخل فيه الأرجل ، وهو ما اشتهر باسم (إحرام التنُّورة ) ويجعل له مطاط ، وجيوب من اليمين والشمال ، يضع فيها حاجته ، وهذا لم يكن معروفا عند الناس ، حتى أفتى فيه الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه الفتوى المعروفة ، فأصبحت هذه الفتوى منتشرة ، وأصبح هذا اللباس معروفا عند الناس ، وكثر من يلبسه ، والشيخ أول ما أفتى به كأن الناس انجفلوا عن الفتوى ، وسألوه ، وناقشوه ، حتى إني أذكر أن أحد الموظفين في الجامعة عندنا ، جاء بإزار مخيط ، وقال له : يا شيخ مثل هذا ؟ قال : نعم مثل هذا لا بأس ، والشيخ كان يلبسه كما قرأت ولم أره ، وهذا الإزار اختلف فيه العلماء على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز لبس هذا النوع من الإحرام ، وخُرُّج قولا للحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، و إليه ذهب جمع كثير من العلماء المعاصرين . أدلتهم : الدليل الأول : أن النصوص الشرعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، التي ذكر فيها لفظ الإزار ، جاءت بوصف الإزار بالعقد والانحلال ، وهو دليل على أن الإزار لم يكن مخيطا ، فقد جاء أن بعض الصحابة كان إزاره معقودا على قفاه ، كما في حديث جابر رضي الله عنه ، جاء في بعض ألفاظ حديث جابر [إذا كان واسعا فالتحف به ، وإذا كان ضيقا فاتزر به]وجاء أن الإزار ينحل ، وهذا يدل على أن الإزار لم يكن مخيطا في زمانهم ، بل كان مطلقا. نوقش : بأنه وإن لم يكن مخيطا في زمانهم ، إلا أن الإزار المخيط داخل في حد الإزار ، وستأتي مناقشة هذا الجواب من خلال أدلة أصحاب هذا القول . الدليل الثاني : أن الإزار المخيط داخل فيما نُص عليه في حديث ابن عمر في الألبسة التي لا تجوز للمحرم ؛ لأنه قد خيط على قدر عضو من أعضاء الجسد ، وقد نقل الإجماع على تحريم مثل هذا النوع جمع من العلماء القول الثاني : أنه يجوز لبس الإحرام المخيط ، وإلى هذا القول ذهب شيخنا ابن عثيمين رحمه الله ، وتبعه بعض أهل العلم المعاصرين ، ورأوا أنه مقتضى قول الجمهور ، من الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، وبعضهم ينسب هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه ، حيث قال(والسنة أن يحرم في إزار ورداء ، سواء كانا مخيطين أم غير مخيطين باتفاق الأئمة) فرأوا أن الشيخ يرى جواز الإحرام

عدد الصفحات ٨٦

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 87 بالإزار المخيط ، وأصحاب هذا القول صنفان : صنف ألحقوه بالإزار ، وصنف قالوا : إن هذا هو مقتضى قول جمهور أهل العلم رحمة الله عليهم ، ونقلوا مجموعة من النقول عن الجمهور ، قال الكاساني رحمه الله (وكذا إذا لم يجد إزارا وله سراويل ، فلا بأس أن يفتِق سراويله ، خلا موضعَ التِكّة ويأتزر به ؛ لأنه لما فتقه صار بمنزلة الإزار) قال النووي (اتفقت نصوص الشافعي والمصنف والأصحاب على أنه يجوز أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطا ، وأن يجعل له مثل الحجزة ، ويدخل فيها التكة ونحو ذلك) ، قال البجيرمي (وقال شيخنا : قوله (مثل الحجزة) بأن يثني طرفه ويخيطه بحيث يصير كموضع التكة من اللباس ، وهذه الخياطة لا تضر ؛ لأنه ليس محيطا بالبدن بسببها ، بل هو في نفس الإزار) . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : ما يلبس المحرم ؟ فقال [لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات] فالن صلى الله عليه وسلم عد الممنوع على المحرم ، ومن منع شيئا زائدا عليه فعليه الدليل ؛ لأن ما زاد على الممنوع الأصل فيه الجواز وعدم المنع . نوقش هذا الاستدلال : بأن الحديث قد نص على الممنوع ، ويدخل فيه ما هو مثله أو في معناه ، وإلحاقه بالممنوع أولى من إلحاقه بالمأذون . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال [من لم يجد إزارا فليلبس السراويل] أخرجه الإمام البخاري رحمه الله ، فجاء الإزار في الحديث مطلقا غير مقيد ، فيدخل فيه كل إزار ، وهذا الإزار المخيط الذي فيه خياطة ، يقولون : هو إزار مخيط ، فيدخل في عموم الحديث . نوقش : بأن ما يسمى إزارا مخيطا ليس إزارا ؛ لأنه لا يدخل في حد الإزار ، كما تقدم من كلام أهل اللغة ، والمرد في لسان العرب الأقحاح عند نزول الوحي ، فإنهم لم يكونوا يسمونه إزارا ، بل كانوا يسمونه نقبة . الراجح : هو القول الأول ، والله أعلم ، أنه لا يجوز لبس مثل هذا الإزار ؛ لأن المدار فيه على لغة العرب ، فلا يسمى إزارا في زمانهم ، فيكون لباسا آخر ، داخلاً في المنهي عنه فلا يجوز لبسه ، والمسألة خلافية ، فمن أخذ بقول أحد يفتي بالجواز فلا تثريب عليه . مسألة : في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، سئل النبي صلى الله عليه وسلم : ما يلبس المحرم ؟ فقال : [لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ، إلا أحد لا يجد النعلين ، فليلبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين]متفق عليه ، وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من لم يجد إزارا فليلبس السراويل ، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين]متفق عليه ، وجاء في لفظ الإمام مسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس بعرفات ، ثم ذكر بقية الحديث ، وإذا نظرت إلى الحديثين وجدت أن الحديث الأول ينص على قطع الخفين أسفل من الكعبين ، والحديث الثاني جاء مطلقا غير مقيد بالقطع ، ومثله في عدم القطع حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من لم يجد النعلين فليلبس الخفين] و ينص على القطع ، لما نظر فيها العلماء اختلفوا فيما بينهم ، هل يؤخذ بحديث ابن عمر المتقدم الذي فيه التقييد ؟ أم يؤخذ بحديث ابن عباس المتأخر الذي فيه الإطلاق ويكون ناسخا لحديث ابن عمر المتقدم ؟ اختلفوا على قولين : القول الأول : أن من لم يجد نعلين ، فإنه يلبس الخفين ولا يقطعهما ، وهذا مروي عن عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وهو رأي عطاء ، ومن مفردات الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية ، واختيار شيخنا ابن عثيمين . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (.. ، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين) متفق عليه ، ولم يقيده بالقطع .

عدد الصفحات ٨٧

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 88 الدليل الثاني : عن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل) أخرجه الإمام مسلم ، فلم يأت في الحديث التقييد بالقطع ، وحديث ابن عباس متأخر ، فيكون حديث ابن عباس وحديث جابر ناسخين لحديث ابن عمر المتقدم . القول الثاني : أن من لم يجد نعلين يلبس خفين ، ويقطعهما أسفل من الكعبين ، و إليه ذهب طائفة من أهل العلم ، فهو رأي عروة بن الزبير ، والثوري ، وإسحق ، وابن المنذر ، ومذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إلا أحدا لا يجد النعلين ، فليلبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين) متفق عليه ، وفي لفظ آخر (حتى يكونا أسفل من الكعبين) قال الإمام الشافعي رحمه الله : (ابن عمر وابن عباس عالمان ثقتان حافظان عدلان ، قالا قولا لا مخالفة بينهما ، لكن زاد أحدهما زيادة ، فيؤخذ بالزائد فوجب قبولها) فقدم رحمه الله قول ابن عمر على قول ابن عباس . الدليل الثاني : أن هذه نصوص مطلقة ومقيدة ، وإذا جاء نص مطلق ونص مقيد ، حمل النص المطلق على المقيد ، فيحمل حديث ابن عباس وحديث جابر على حديث ابن عمر . نوقش : بأن هذا الحديث منسوخ ، وأدلة النسخ ظاهرة ، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ، والجمع كثير في عرفة ، لم يقل لهم : من لبس الخفين فليقطع أسفل من الكعبين ؛ لأن من حضر معه في المدينة أقل بكثير ممن حضر معه في عرفة ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وناقش بعض أهل العلم بأن قوله (وليقطعهما أسفل من الكعبين) ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي مدرجة من كلام الراوي ، وهو نافع . الراجح : والله أعلم هو القول الأول ، أنه إذا لم يجد نعلين يلبس خفين ، ولا يقطعهما أسفل من الكعبين ، وذلك لقوة دليلهم ، وهو دليل قوي واضح ظاهر ، جاء فيه حديث جابر وابن عباس ، والقرائن تؤيد هذا القول . شق السراويل لمن لم يجد الإزار : شق السراويل : هل يلزمه أن يشق السراويل ويفتقها أم يلبسها على حالها ؟ قولان لأهل العلم : القول الأول : أنه لا يلزمه شق السراويل ، إليه ذهب الجمهور ، فهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهو رأي عطاء ، وعكرمة ، والثوري ، واسحاق . دليلهم : أن حديثا جابر و ابن عباس ، جاء فيهما الأمر بلبس السراويل ، ولم يأت فيهما شق ولا فتق السراويل القول الثاني : أنه يلزم أن تشق السراويل وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة. الراجح : هو القول الأول ، فإن ظاهر النص عدم الشق . نعل المحرم : يلبس المحرم كل ما يسمى نعلا ، ويباح له كيفما كان ، ولا يجب قطع شيء منها ؛ لأن إباحتها وردت مطلقة غير مقيدة ، سواء كان لها سيور من أعلاها ، أو لها سير من ورائها يحيط بالقدم ، كما هي النعال وتسمى (صندل) ، فإنه يجوز للمحرم أن يلبسها ، لعدم الدليل على القطع ، يقول ابن قدامة(وقد روي عن أحمد في القيد في النعل أنه يفتدي ؛ لأننا لا نعرف النعال هكذا ، وقال : إذا أحرمت فاقطع المحمل الذي على النعال ، والعِب؟ الذي يجعل على النعل ، فقد كان عطاء يقول : فيه دم ...) قال بعد ذلك : (قال القاضي : إنما كرههما إذا كانا عريضين]قال ابن قدامة : (وهذا هو الصحيح ، فإنه لم يجب قطع الخفين الساترين للقدمين والساقين ، فقطع سير

عدد الصفحات ٨٨

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 89 النعل أولى أن لا يجب ، ولأن ذلك معتاد في النعل ، فلم تجب إزالته ، كسائر سيورها ، ولأن قطع العقب و القيد ، ربما تعذر معه المشي في النعلين لسقوطهما بزوال ذلك ، فلم يجب القطع ، كقطع القبال) فابن قدامة ومن تبعه يرون أنها جائزة ، والإمام أحمد يرى أن من لبسها عليه الفدية . النعل الذي يستر أكثر القدم : وهو مثل ما يسمى بك (المداس) يستر القدم من أمامه ، الذي تدخل الرجل فيه إدخالا ، هذه المسألة تنبني على حكم الخف المقطوع ، إذا جاز لبس الخف المقطوع مع وجود النعل ، فإنه يجوز لبس المداس ونحوه ،والإنسان العادم للنعل فإنه يجوز لبسه بلا خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم ، لكن لو أن الإنسان عنده نعال ، وعنده خف مقطوع ، فهل يجوز له أن يلبس الخف المقطوع أو لا ؟ . لبس الخف المقطوع : اختلف فيه العلماء على قولين : القول الأول : أنه يجوز للمحرم أن يلبس الخف المقطوع وما كان أقل منه ، ولو كان عنده نعل ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية في قول ، وهو اختيار ابن تيمية ، ومثلها عندهم ما يسمى بالجبجب والمداس والخف المكعب ، ذكرها شيخ الإسلام وغيره . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من لم يجد النعلين فليلبس الخفين) متفق عليه ، قالوا فالحديث جاء مطلقا ، لم يشترط فيه قطع ، فما دون الخف يجوز لبسه . الدليل الثاني : لو كان الخف المقطوع محرما ، وفيه فدية ، لما أمر بقطعه ؛ لعدم الفائدة ، لكن كونه يؤمر بقطعه ولبسه يدل على أنه يجوز لبسه في حال وجود النعل. القول الثاني : أنه لا يجوز لبس الخف المقطوع ولا لبس ما دونه ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين) فالحديث دليل على أنه لا يجوز لبس الخف المقطوع إلا مع عدم وجود النعل ، ولا يجوز لبسه على الإطلاق نوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم ، بين أن فاقد النعلين يقطع الخفين ليصيرا في معنى النعلين ، فالحديث لم يخرج مخرج الاشتراط ، وإنما خرج مخرج البدل عن النعلين . الدليل الثاني : أن لبس الخف المقطوع مع القدرة على النعلين كلبس الخف الصحيح ، فيكون غير جائز . نوقش : بأنه لا يسلم أن لبس المقطوع كلبس الصحيح ؛ لأنه لو كان هكذا لم يكن للأمر بالقطع فائدة . الراجح : أنه يجوز لبس الخف المقطوع مع وجود النعل ؛ لأن الأمر بلبس الخف المقطوع مع عدم وجود النعل ليس لكونه شرطا في اللبس (عدم وجود النعل) بل خرج مخرج البدل ، والله أعلم . 5- التطيب : قال المصنف رحمه الله : وَإِن طيُّبَ بدنَهُ أوْ ثَوبَهُ أو ادَّهَنَ بمطيبٍ أو شم طيبا أو تبخر بعود ونحوه فدَى . والمقصود بالطيب : (ما يتطيب به مما عده الناس طيبا ، من ذوات الرائحة الزكية) فكل ما عده الناس طيبا فهو طيب ، وهذا الضابط يريح كثيرا ، لأن الطيب قد يكون عند بعض الناس طيبا ، وعند غيرهم ليس طيبا . أدلة تحريم الطيب : دل على تحريمه السنة والإجماع : أما السنة : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ، في حديث ابن عمر ، حين سئل : ما يلبس المحرم ، قال : [و ثوبا مسه الورس أو الزعفران] متفق عليه ، وكذا حديث ابن عباس ، في الرجل الذي وقصته ناقته ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (اغسلوه بماء

عدد الصفحات ٨٩

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 90 وسدر وكفنوه في ثوبين ، ولا تحنطوه) وفي لفظ الإمام مسلم (ولا تمسوه بطيب ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا) مما يدل على أن المحرم لا يستعمل الطيب ، وحديث يعلى بن أمية ، أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم في الجعرانة ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [اخلع عنك الجبة ، واغسل أثر الخلوق عنك ، وأنقِ الصفرة] متفق عليه . وأما الإجماع : فقد حكاه طائفة منهم، ابن المنذر، وابن حزم ، وابن عبد البر ، وابن رشد ، وابن قدامة وغيرهم ومن علل التحريم : أن الطيب يورث نشوة ويلهب شهوة الإنسان ، والحاج ينبغي أن يكون حاله حال الذل والمسكنة والتواضع والخشية . وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله في (المغني) أن للمحرم شم العود ولا فدية عليه ؛ لأنه لا يتطيب به وهكذا شم الفواكه ، ونبات الصحراء ، ومثله ما يشَمه الآدميون لغير قصد الطيب ، لا فدية فيها . وقسم ابن قدامة رحمه الله ، النباتات الطيبية إلى قسمين : القسم الأول : ما ينبته الآدميون للطيب ، ولا يتخذ منه طيب ، كالريحان الفارسي والنرجس ، وهذا النوع فيه خلاف بين أهل العلم ، هل يجوز شمه أو لا ؟ على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه يباح شمه من غير فدية ، وهذا رأي عثمان ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحق ، والصحيح من مذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أنه لا يتخذ منه طيب ، أشبه العُصْفُر ، فالعصفر المعروف الذي يوضع على الطعام ، لا يتخذ منه طيب وإن كانت رائحته جميلة . الدليل الثاني : أنه إذا يبس ذهبت رائحته ، أشبه نبت البرية ، يتحات ويذهب . القول الثاني : أن هذا النوع يحرم شمه ، وإن شمه فعليه فدية ، إليه ذهب جابر ، وابن عمر ، وأبو ثور ، وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : أن هذا النوع يتخذ للطيب ، أشبه الورد الذي يستخلص منه الطيب . نوقش : بأن هذا قياس على مسألة مختلف فيها – سيأتي ، أن الورد الذي يستخلص منه طيب حال كونه وردا ، هل يجوز شمه ؟ فيه خلاف بين أهل العلم - . القول الثالث : أنه يكره شمه ولا فدية فيه ، و إليه ذهب الحنفية ، والمالكية . دليلهم : يمكن أن يستدل لهم بأنه متردد بين شيئين : بين الشبه بنباتات البرية التي لها رائحة طيبة ، وبين ما يستخلص منه الطيب ، فذهبوا إلى كراهته . الراجح : هو القول الأول ، أنه يجوز شمه ، ولا فدية فيه ؛ لأنه لا يتخذ طيبا ، ولأن شبهه بالنباتات البرية ، أكثر من شبهه بالنباتات التي يتخذ منها طيب ، مع أنه قد وقع الخلاف في النباتات التي يتخذ منها طيب ، هل يجوز شمها أو لا ؟ القسم الثاني : ما ينبت للطيب ، ويتخذ منه طيب ، كالورد ، والياسمين ، والبنفسج ، ونحو ذلك ، يعصر ويخرج منه ماء ، فهل يجوز شمه حال كونه وردا وياسمينا ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز شمه ، وعليه الفدية إن شمه ، إليه ذهب الشافعية ، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.

عدد الصفحات ٩٠

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 91 أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [و تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس]قالوا : فالنبي صلى الله عليه وسلم ، نص على الزعفران والورس ، ونبهنا بهما على ما في معناهما ، وهذه الأنواع في معنى الورس والزعفران ، فتأخذ حكمهما . الدليل الثاني : أن الفدية تجب في استعمال السائل منها ، كماء الورد ، فكذلك في الأصل وهو الورد ، فقاسوا الفرع على الأصل . القول الثاني : أن ما ينبت للطيب ويتخذ منه طيب يجوز شمه ، ولا فدية فيه ، وإليه ذهب الحنابلة في رواية . دليلهم : أنه زهر أشبه سائر الشجر . الراجح : هو القول بالجواز ؛ لأنه حال كونه وردا لا يتخذ للتطيب به ، وإنما هو من النباتات ذات الرائحة الجميلة التي يشمها الناس ، وسيأتي حكم شم الطيب. قسم ابن قدامة مس الطيب باليد إلى قسمين : القسم الأول : مسُّ ما لا يعلق باليد ، كالمسك الجاف المتحجر غير المسحوق ، وقطع الكافور ، والعنبر ، فهذا لا فدية فيه ؛ لأن من لمس هذه الأشياء غير مستعمل للطيب . القسم الثاني : مسُّ ما يعلق باليد ، مثل : الغالية ، وماء الورد ، والمسك المسحوق فعليه الفدية. دليله : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل الذي وقصته ناقته [لا تمسوه بطيب]لأنه إذا مُس بالطيب ، فإن الطيب سيعلق بجسده ، مما يدل على أن من مس طيبا يعلق به لا يجوز له مسه . الدليل الثاني : أنه في هذه الحال يعد مستعملا للطيب . حكم الطعام والشراب الذي به طيب : طعام فيه زعفران مثلا ، اتفق عامة أهل العلم على أن الطعام الذي بقي فيه لون الطيب دون طعمه وريحه لا فدية فيه ولا مانع من تناوله ، إلا ما نقل عن القاسم بن محمد ، وجعفر بن محمد . دليلهم : أن المقصود من الطيب الرائحة دون اللون ، والطيب إنما يكون طيبا لرائحته لا للونه ، وفي الطعام يكون الطعم غالبا ، إذا كان الطعم موجودا تكون الرائحة موجودة ، فإذا كان المدار على الرائحة ، فالحكم يدور عليها ، فإذا وجدت الرائحة وجد الحكم ، وإذا انتفت انتفى . اختلف العلماء رحمهم الله في الطعام الذي فيه رائحة الطيب وطعمه ، هل يجوز للمحرم أم لا ؟ وهل هو محظور أو لا ؟ اختلفوا على قولين : القول الأول : أن تناول الطعام والشراب الذي ظهرت فيه رائحة الطيب وطعمه لا يجوز ، ومن تناوله فهو مستعمل للطيب ، فعليه الفدية ، إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن المحرم ممنوع من استعمال الطيب ، فإذا أكل أو شرب ما فيه طيب كان مستعملا للطيب ؛ لأن الطيب سيعلق بشفتيه بإرادته ، فيكون متطيبا . الدليل الثاني : أن المقصود بالطيب رائحته ، والرائحة باقية ، فيكون متطيبا . القول الثاني : أن تناول الطعام والشراب الذي ظهرت فيه رائحة الطيب أو طعمه جائز ، ولا فدية فيه ، إليه ذهب إليه طائفة من السلف ، فهو رأي عطاء ، ومجاهد ، والنخعي ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية .

عدد الصفحات ٩١

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 92 أدلتهم : الدليل الأول : أن الطيب بالطبخ استحال عن كونه طيبا ، وانتقل إلى شيء آخر . الدليل الثاني : أثر يروى عن ابن عمر ، و عطاء ، وابن جبير ، أنهم كانوا لا يرون في الخُشْكَنَانجِ الأصفر شيئا ، وهذا نوع من الحلوى الفارسية بماء الورد فلا بأس بها مع وجود طعم الورد ورائحته . الراجح : هو القول الأول ، وأن من استعمل طعاما ظهرت فيه رائحة الطيب أو طعمه ، فإنه يعد مستعملا للطيب ، وهو نوع من أنواع التطيب ، وإن كان عند الناس لا يعد من استعمل هذا الطعام متطيبا ، لكنه سيعلق الطيب به ، وتفوح منه رائحة الطيب ، وهو ما اختاره شيخنا ابن عثيمين ، والشيخ عبد العزيز بن باز ، رحمة الله عليهما . قوله (وَإِن طَيُّبَ بَدَنَهُ أوْ ثوبَهُ ..)الحكم سواء ، إذا طيب المحرم بدنه أو ثوبه ، فلا فرق ؛ لحديث صاحب الجبة ، فإنه قال صلى الله عليه وسلم (اخلع عنك الجبة ... واغسل أثر الخلوق عنك ، وأنق الصفرة) فدل على المنع منه في الموضعين . قوله (أَوِ ادَّهَنَ بِمُطيَّبٍ ...) الدهان على نوعين : النوع الأول : الادهان بمطيب . النوع الثاني : الادهان بغير مطيب . أما الادهان بالمطيب فهو محظور من محظورات الإحرام عند عامة أهل العلم ومن ادهن به فعليه الفدية ، مثل الكريمات الطيبية الموجودة الآن ، أو دهن وضع فيه طيب ، فإن استعماله موجب للفدية . النوع الثاني : الادهان بدهن غير مطيب ، مثل زيت الزيتون أو زيت السمسم ، أو الفازلين ، فهذا لا يخلو إما أن يكون في الرأس واللحية ، وإما أن يكون في سائر الجسد ، أما إن كان في بدنه فأكثر أهل العلم على الجواز ، وإن كانت المذاهب غير منضبطة في هذا ، لكن بعضهم ينقل أن أكثر أهل العلم على جواز التطيب في سائر البدن ، غير اللحية والرأس ، أما إن كان في اللحية والرأس فمذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية ، و رأي عطاء ، وأبي ثور ، أنه ليس له ذلك ؛ لأنه يسكّن الشعر ويزيل الشعث ، والمحرم من صفاته أنه أشعث أغبر وهي صفة طيبة من صفات الحج ، وكان يحرص عليها السلف . القول الثاني : أنه يجوز للمحرم أن يطيب رأسه ولحيته ، إليه ذهب الحنابلة على الصحيح ، وهو من المفردات ، وهو رأي الظاهرية ، ومنقول عن ابن عباس ، وأبي ذر رضي الله عنهم. أدلتهم : الدليل الأول : ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من حديث ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يدهن بالزيت وهو محرم ، غير المقتَّت ) أي غير المطيب ، أخرجه الإمام أحمد ، والترمذي وضعف الحديث الشيخ الألباني . الدليل الثاني : (أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يدهن بالزيت) أخرجه ابن أبي شيبة ، وصححه الحافظ ابن حجر ، ذكر المرفوع والموقوف ، وقال : الموقوف أصح عن ابن عمر رضي الله عنهما . الراجح : جواز أن يدهن بالزيت أو بالدهن غير المطيب في رأسه ولحيته ، وفي سائر جسده ، وأما علة الشعث والغبرة فلا بد أن تحصل للحاج ، حتى في الزمن الحاضر ، مع كثرة الرفاهية ، وهذه الصفة غير مقصودة ، ولا يترتب عليها حكم شرعي ، فلا يمكن أن يمنع من أمر مباح من أجل أن تحصل الشعث والغبرة ، بل هما أثر للإحرام ، إن وجد فذاك ، وإن لم يوجد فلا يؤثر في العبادة شيئا . شم الطيب : قال رحمه الله : أَوْ شَمَّ طِيبَاً . إذا تقصد المحرم شم الطيب فقد فعل محظورا من محظورات الإحرام ، وعليه الفدية ، هذا المذهب ،

عدد الصفحات ٩٢

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 93 وشم الطيب على أقسام : القسم الأول : أن يشم الطيب بلا قصد ، فلا فدية عليه ، كمن شم رائحة الطيب التي في جسده أو في لحيته أو شم طيب الكعبة ، من غير قصد ، فلا فدية عليه ولا إثم ؛ لأنه من غير قصد منه . القسم الثاني : أن يشَم الطيب بلا قصد التلذذ ، ولكن لاختباره ومعرفة جودته ، فالمذهب أنه حرام ، ولا يجوز له ، وإذا فعل هذا الفعل فإن عليه الفدية . وذهب ابن القيم واختاره شيخنا رحمهما الله ، إلى أنه لا فدية عليه ؛ لأن تحريم الطيب من باب تحريم الوسائل والاحتياط ، فيجوز للحاجة إليه ، وما حرم تحريم وسائل فإنه يجوز للحاجة إليه ، مثل كشف وجه المرأة ، فإن المرأة ممنوعة من كشف وجهها ، لكن إذا احتاج الإنسان إلى النظر إليها لمعاملة ، أو خاطبا يريد النظر إلى وجهها فإنه يجوز ، لأن تحريم النظر إلى وجهها تحريم وسيلة . القسم الثالث : أن يقصد شم الطيب للتلذذ به ، فهذا القسم اختلف فيه أهل العلم رحمة الله عليهم ، على قولين : القول الأول : أنه يحرم شم الطيب بقصد التلذذ ، ومن فعل ذلك فعليه الفدية ، إليه ذهب الحنابلة رحمهم الله . دليلهم : أنه قصد شم الطيب مبتدئا به وهو محرم ، فحرم عليه كما لو باشره ، فقاسوا شم الطيب على مباشرته ، ولأدلة تحريم استعمال الطيب السابقة. القول الثاني : أنه لا يحرم شم الطيب بقصد التلذذ به ، ولكنه مكروه ، ولا فدية في ذلك ، إليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل الذي وقصته ناقته (لا تحنطوه) وعن ابن عمر رضي الله عنهما ، ولا ثوبا مسه الورس أو الزعفران) فالحديث فيه دليل على أن من شم الطيب لايعد مستعملا له ، ولذا لم ينهَ النبي صلى الله عليه وسلم إلا عما يكون فيه استعمال أو مباشرة الجسد ، فقال (لا تمسوه بطيب ..... ولا ثوبا مسه الورس أو الزعفران) ومن شم فإنه لم يستعمل الطيب ، الذي يستعمله هو الذي يمسح به جسده أو ثوبه . الدليل الثاني : أن شم الطيب لا يؤثر في بدن المحرم ولا في ثوبه . الراجح : أن شم الطيب بقصد التلذذ به محظور من محظورات الإحرام ، لكن لا تترتب عليه الفدية ؛ لعدم الدليل . مس طيب الكعبة : لو أصاب الإنسان شيء من طيب الكعبة وخلوقها ، جمهور أهل العلم إنه لا شيء عليه ، فهو رأي أنس رضي الله عنه ، وعطاء ، وهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، كمن أراد أن يقبل الحجر فمس طيبا . قوله (أَوْ تَبَخُّرَ بِعُودٍ ونحوِهِ فَدى ) إذا تبخر المحرم بالعود ونحوه ، مثل : الند ، والصندل فإنه يكون مستعملا للطيب ، فاعلا لمحظور من محظورات الإحرام ، وعليه فدية بسبب استعماله للطيب ، إليه ذهب جمهور أهل العلم رحمة الله عليهم ، فهو مذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : عموم الأدلة التي دلت على أن الطيب محظور من محظورات الإحرام ، والبخور خاصة بالعود الفاخر ، يعتبر من أعلى أنواع الطيب ، وهو من أثمنها وأغلاها ، وإذا استعمله فعليه الفدية . القول الثاني : ذهب الحنفية رحمهم الله إلى أنه لا فدية عليه في هذه الحال . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ؛ لدخوله في عموم الأدلة الدالة على منع المحرم من استعمال الطيب ، مثل حديث [و ثوبا مسه الورس أو الزعفران]وهذا أعظم من التطيب بالورس والزعفران .

عدد الصفحات ٩٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 94 قوله (فَدى ) : متى يفدي مستعمل الطيب : جمهور أهل العلم ، المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، على أنه من طيب بدنه كله ، أو طيب عضوا من أعضاء بدنه ، أو طيب أقل من ذلك ، فإن عليه الفدية . أدلتهم : عموم الأدلة الدالة على حظر استعمال الطيب ، ومن فعله لزمته الفدية . والحنفية : يرون أنه لا تجب الفدية إلا إذا طيب عضوا كاملا ، وأما ما دون العضو الكامل فعليه صدقة ، وهي نصف صاع من بر ، أو صاع كامل من غيره ، والحنفية عندهم قاعدة في المحظورات (من فعل المحظور لغير عذر فعليه دم ، وتجزئه شاة ، ومن فعل المحظور لعذر ، فإن عليه فدية أذى) فيفرقون بين العذر وغيره . 6- قتل الصيد :  قال رحمه الله : وَإنْ قتَلَ صيْدَاً . وقد دل على أنه محظور من محظورات الإحرام الكتاب والسنة والإجماع . الكتاب :قال تعالى {غَيْرَ مُحِلُِّي الصَُّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ}وقوله تعالى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَ دُمْتُمْ حُرُمً }وقوله تعالى {يَ أَيُُّهَ الَُّذِينَ آمَنُوا لَ تَقْتُلُوا الصَُّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} السنة : عن الصعب بن جثُّامة الليثي رضي الله عنه ، (أنه أهدَى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء أو بِوَدَّانَ ، فرده عليه ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما في وجهه قال : [إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم] متفق عليه ، وكذا حديث أبي قتادة وحديث جابر ، وستأتي خلال الباب . الإجماع : فقد أجمع العلماء، على أن الصيد محظور من محظورات الإحرام ، نقل الإجماع طائفة ، منهم : ابن المنذر ، وابن حزم ، وابن رشد ، وابن عبد البر ، وابن قدامة ، والنووي ، وغيرهم كثير .  قال رحمه الله : مأكولا بريا أصلاً ضابط المصيد المحرم : ضابطه : ضبطه بعض أهل العلم بقوله : (كل حيوان بري مأكول متوحش أصلا) . قوله (مأكول) خرج به غير المأكول وغير المأكول على أقسام : 1- قسم أمر بقتله . فهذا يجوز قتله في الحل والحرم ، وقد جاء فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه : العقرب ، والفأرة ، والكلب العقور ، والغراب ، والحدأة] متفق عليه ، فجاء النص على المحرم ، و حديث عائشة [خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم]أخرجه الإمام مسلم ، لكن الحديث الأول نص على المحرم . 2- قسم نهي عن قتله . وهذه أربعة أشياء : أ- النحلة . ب- النملة . ج- الهُدهد . - الصُرَد . فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصُردِ ) أخرجه الإمام أحمد ، أبو داود ، وابن ماجه ، وابن حبان ، والبيهقي .

عدد الصفحات ٩٤

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 95 فهذه لا تقتل لا في الحل ولا في الحرم ، فإن قتلها محرم فلا فدية عليه ؛ لأنها ليست صيدا . 3- ما يضر في الجملة ، لكن ليس من شأنه أن يبتدئ الناس بالأذى ، ولكن إذا اجتمع بالناس في موضع واحد آذاهم ، أو أتاه الناس في موضعه آذاهم . مثل : كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير ، فهذا اختلف فيه أهل العلم رحمة الله عليهم ، وعن الإمام أحمد رحمه الله روايتان فيه ، رواية أنه يقتل ، عدا عليه أم لم يعد عليه ، والرواية الأخرى : لا يقتله إلا إذا اعتدى وصال على (المحرم) وهو الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله ، قال شيخ الإسلام (هذا أصح إن شاء الله ، ولا فدية في قتله في أظهر قولي العلماء) والمذهب أن هذا النوع يجوز قتله . 4- ما يضر ولا ينفع ، مثل : الحشرات والديدان ونحوها ، ففيه قولان : قول بإباحة قتلها ، وقول بكراهتها ، والمذهب أنه يباح قتلها مطلقا ، وهناك قول بالكراهة مطلقا ، سواء كان في الإحرام أم في غير الإحرام . قوله : (بري) : يخرج به البحري ، وهو الذي يعيش في الماء ، سواء كان هذا الماء عذبا كمياه الأنهار ، أم كان مالحا كمياه البحار . فإن كان الحيوان برمائيا ، يعيش في البر والبحر ، مثل : السلحفاة والسرطان ، فهل يجوز قتله أو لا ؟ الصحيح من مذهب الحنابلة أنه كالسمك ، يأخذ حكم حيوان البحر ، فيجوز قتله ، وفي المذهب رواية أخرى أن فيه الجزاء ، وقال عنه شيخنا رحمه الله (وهو المتمشي مع القواعد ، فإن الشيء إذا اجتمع فيه مبيح وحاظر ، غلب فيه جانب الحظر على جانب الإباحة) وهناك رواية ثالثة في المذهب أنه يأخذ حكم المكان الذي قتل فيه ، فإن قتل في البر فله حكم حيوان البر ، وإن قتل في البحر فله حكم حيوان البحر ، وما ذكره الشيخ رحمه الله هو المتمشي مع القواعد ، الشيء إذا اجتمع فيه مبيح وحاظر ، فإنه يغلب جانب الحظر فيه . قوله (متوحش أصلا) : خرج به المستأنس ، فالذي يحرم قتله هو ما كان أصله متوحشا ولو استأنس ، يخرج به الحيوان الإنسي ، وبعضهم يسميه : الأهلي ، غير المتوحش ، مثل : الإبل والبقر والغنم والدجاج ... الخ ، فإن كان أصله متوحشا لم يجز قتله ، ولو استأنس ، مثل : الأرنب ، فإن الأرنب أصلها حيوان بري متوحش ، لكنها يؤانسها الناس فتأنس ، ومثلها : الحمام ، فإن أصل الحمام بري متوحش ، وآنسه الناس فأنِس ، فلا يجوز صيده حال الإحرام . قال رحمه الله : وَلَوْ تَولَّدَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غيرِهِ . أي لو كان متولدا من بري ومن إنسي أو أهلي ، يكون حراما ، لتغليب جانب الحظر على جانب الإباحة . قال رحمه الله : أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ فعليهِ جزاؤهُ . هذا معطوف على قوله (وإن قتل صيدا) أي : إن قتل صيدا ، أو تلف في يده فعليه جزاؤه . إذا تلف الصيد في يد المحرم فعليه الجزاء ؛ لأن المحرم يلزمه أن يطلق الصيد ، فإذا أمسك الصيد فتلف فعليه الجزاء ، سواء أتلفه هو أم أتلفه غيره ؛ لأنه معتد بإمساكه . وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم أن يمسك الصيد ، ولو كان قد صاده قبل الإحرام ، فإنه إذا أحرم لزمه أن يرفع يده عنه. والصيد في يد المحرم فيه تفصيل ، كما ذكر المرداوي (صاحب الإنصاف) : أولا : إذا أحرم وفي يده صيد لزمه إزالة يده المشاهدة عنه ، المشاهدة : أن يكون في قبضته ، أو خيمته ، أو رحله ، ويضمن إن تلف دون يده الحكمية ، مثل : أن يكون في بيته ، أو في بلده ، أو عند نائبه ، أعطاه شخصا يحفظه له ، إن تلف في هذه الحال لا يضمنه ، وله التصرف فيه بالبيع والشراء . ثانيا : دخول الحرم بالصيد فالمذهب أنه يلزمه إزالة يده عنه ، وأن يطلقه ويرسله ، فإن أتلفه ، أو تلف من غير فعل منه فإنه يضمنه ؛

عدد الصفحات ٩٥

الحال لا يضمنه ، وله التصرف فيه بالبيع والشراء . ثانيا : دخول الحرم بالصيد فالمذهب أنه يلزمه إزالة يده عنه ، وأن يطلقه ويرسله ، فإن أتلفه ، أو تلف من غير فعل منه فإنه يضمنه ؛ لأنه يجب عليه أن يرسله ، وأن يطلقه ، كصيد المُحِل ، وقال ابن مفلح في الفروع (يتوجه أنه لا يلزمه إرساله ، وله ذبحه ونقل الملك فيه ؛ لأن الشارع إنما نهى عن تنفير صيد مكة ، ولم يبين مثل هذا الحكم الخفي مع كثرة وقوعه) وهذا التوجيه ذهب إليه ابن حزم في المحلى ثالثا : أن يكون قد ملك الصيد بعد الإحرام ، فهذا يجب عليه أن يرفع يده عنه ويطلقه .

عدد الصفحات ٩٥

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 96 قوله : (فعليهِ جزاؤهُ ). ظاهر الكلام أن عليه الجزاء سواء تلف بفعله أم بغير فعله ؛ لأن الواجب عليه أن يطلقه . قال رحمه الله : وَلا يَحرُمُ حيوانٌ إنسيٌّ . هذا مفهوم قوله : بريا أصلا ، والإنسي هو الأهلي ، مثل : الغنم ، والبقر ، والإبل ، والدجاج ، ونحو ذلك ، هذه الحيوانات لا تحرم ، حتى لو توحشت ، فلو توحشت دجاجة ، أو بعير ، فإنه يجوز قتله ، لأنه إذا ندُّ ولم يمكن الإمساك به فإنه يقتل ، كما جاء في الحديث حين ند بعير ، [إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش ، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا] متفق عليه ، الممنوع صيده هو البري المتوحش أصلا ، وهذا إنسي ، ليس متوحشا . قال رحمه الله : وَلا صيْدُ البحرِ . أي : لا يحرم صيد البحر ؛ لأن الله تعالى قال {أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَ مُهُ مَتَ عً لَكُمْ وَلِلسَّيَّ رَةِ} قال ابن عباس (صيده ما أخذ حيا ، وطعامه ما أخذ ميتا) فيجوز للمحرم أن يصيد من البحر حال الإحرام ، لو أحرم من رابغ ، وذهب إلى البحر وصاد جاز له . صيد البحر في الحرم : هل يجوز للمحرم وغير المحرم صيد البحر في الحرم ؟ وهل يتصور هذا ؟ نعم يمكن ، كالذي يكون في البرك ، والآبار ، أو محال البيع الآن ، تُجعل في بعض محلات البيع أحواض فيها سمك ، فهل يجوز له صيد هذا السمك أو لا ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز صيده ، ولا جزاء فيه ، وهذه الرواية هي المذهب ، وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . أدلتهم : الدليل الأول : قوله صلى الله عليه وسلم [لا ينفر صيدها]وهو عام لحيوان البر والبحر . الدليل الثاني : أن الحرمة تثبت للصيد بحرمة المكان ، وهي شاملة لكل صيد ، سواء كان بريا أم بحريا . القول الثاني : يجوز صيد حيوان البحر في الحرم ، وإليه ذهب الحنابلة في رواية اختارها شيخنا رحمه الله . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) وهذا عام فيما كان في الحل أو كان في الحرم ، الآية جاءت عامة ، فتبقى على عمومها . الدليل الثاني : أن الإحرام لا يحرم صيد البحر فلم يحرمه الحرم ، فإذا كان الإنسان محرما ، فهل يجوز له أن يصيد في البحر ؟ الجواب : نعم ، فلما كان الإحرام لا يحرم صيد البحر لم يحرمه الحرم ، كالسباع والحيوان الأهلي ، فإن الإحرام لا يحرم الحيوان الأهلي ، فكذلك لا يحرم الحرَمُ الحيوان الأهلي . قال رحمه الله : وَلا قتلُ محرمِ الأكلِ . تقدم قوله (مأكول) فهم منه أن ما كان محرم الأكل يجوز قتله ، مثل : ما أمر بقتله ، ومثل سباع البهائم ونحوها ، يقول في الروض (كالأسد ، والنمر ، والكلب ، والقط ، يجوز قتلها ، ولا جزاء عليه ؛ لأنه ليس بصيد) وقد تقدم خلاف العلماء وكلام شيخ الإسلام فيها . والمذهب أنه يجوز قتلها ؛ لأنها ليست صيدا ، ولأنها داخلة في المنصوص ، قالوا : لأن النص على قتل الكلب العقور فيما يؤمر بقتله تنبيه على السباع التي هي أعلى منه فما كان مثل الكلب العقور يجوز قتله ، كالأسود ، والنمور ، والفهود ، ونحوها .  قال رحمه الله : وَلا الصائلُ .

عدد الصفحات ٩٦