مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 67 دليلهم : يمكن أن يستدل لهم بقول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) فنص على المسجد الحرام ، ونص على المناط وهو الحرم ، فلا بد أن يكون في حدود الحرم . القول الرابع : أن المراد بحاضري المسجد الحرام أهل مكة خاصة ، وهذا مذهب المالكية رحمهم الله ، وهذا يقتضي أن يكون من في الحرم خارج مكة ليس من حاضري المسجد الحرام ، الآن مكة جزء منها في الحرم ، وجزء منها في الحل ، وكذلك الحرم ، جزء منه تقع فيه مكة ، وجزء خارج مكة ، مثلا : مزدلفة جزء منها في الحرم ، هذا الجزء ليس من مكة ومبانيها ، فمعنى ذلك أن من كان في الحرم خارج مكة ليس من حاضري المسجد الحرام ، وهذا غريب ؛ لأنهم يُخرجون وهم داخلون في الآية دخولا أوليا . القول الخامس : أن المراد بحاضري المسجد الحرام هم أهل مكة وأهل الحرم ، وهذا القول فيه جمع بين قولين ، فهو يجمع بين القول الثالث والرابع ، قول ابن عباس ومن معه ، وقول المالكية . ومعنى هذا أن من كان في مكة في الحل فإنه من حاضري المسجد الحرام ، كأهل التنعيم مثلا ، ومن كان خارج مكة في الحرم فإنه من حاضري المسجد الحرام ، مع أنه خارج مكة . الراجح : هو القول الأخير ، وهو اختيار شيخنا رحمه الله ؛ لأنه يصدق عليهم أنهم حاضرو المسجد الحرام ، فهم قريب منه ، وهم من أهل المسجد الحرام والحرم ، فيكونون داخلين في الآية ، فإذا أحرم الواحد منهم متمتعا أو قارنا لم يجب عليه الدم . الشرط السادس : أن ينوي التمتع عند الإحرام بالعمرة . وهذا الشرط فيه خلاف على قولين : القول الأول : أنه يشترط لصحة التمتع أن ينوي عند الإحرام بالعمرة ، وإليه ذهب الشافعية في وجه ، وهو المذهب عند الحنابلة ، واختيار شيخنا رحمه الله رجحه في التعليق على الكافي. أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِالْعُمْ رَةِ إِلَى الْحَجُِّ } فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) وهذا يقتضي أن يكون هناك قصد من المكلف ، (فمن تمتع) يُشعر بوجود القصد منه ، قصد التمتع ، فلا بد أن ينوي التمتع عند إحرامه . الدليل الثاني : أنه جمع بين العبادتين في وقت إحداهما ، فافتقر إلى النية ، كالجمع بين الصلاتين ، إذن قياس التمتع على الصلاتين المجموعتين ، فالتمتع يتكون من عمرة وحج ، كما أن الجمع يتكون من صلاتين ، ظهر وعصر مثلا ، فإذا أراد أن يجمع بينهما فلا بد أن ينوي في وقت الأولى جمع الأولى مع الثانية ، وفي المسألة خلاف على قولين ، ومذهب الحنفية ، والمالكية عدم اشتراط النية فيها . القول الثاني : أنه لا تشترط نية التمتع عند الإحرام ، و إليه ذهب الشافعية في الوجه الأصح ، والحنابلة في وجه اختاره ابن قدامة ، وابن أخيه صاحب الشرح الكبير ، وهو رأي ابن حزم ، واستظهره الشنقيطي . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ } فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) قالوا : ومن اعتمر ولم يكن قد نوى ، ثم أتى بالحج في نفس السنة ، فإنه يصدق عليه أنه متمتع حينئذ ، وظاهر الآية أنه لا يشترط ، فمن اشترط فقد خصص الآية بلا دليل. الدليل الثاني : أن معنى التمتع الترفه بترك أحد السفرين ، وهذا يصدق على من اعتمر في أشهر الحج ولم ينو العمرة ، وبقي في مكة ثم حج من عامه ، فإنه يكون مترفها . الراجح : المسألة محتملة ، ولكل قول قوة ووجاهة ، خاصة الآية ، تحتمل كلا القولين ، لكن ما رجحه شيخنا هو الأقوى ، وله وجه قوي ، وأصحاب القول الثاني رأيهم قوي ، وقد رجحه ابن قدامة وابن أخيه ، وغيرهم من أهل العلم
عدد الصفحات ٦٧مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 68 الشرط السابع : أن يحرم بالعمرة من الميقات أو من مسافة قصر ، وهذا الشرط ذكره مجموعة من الأصحاب ، كابن عقيل ، وابن الجوزي ، وابن مفلح ، والبهوتي في كشاف القناع . دليلهم : أن من أحرم من دون ذلك فحكمه حكم حاضري المسجد الحرام ، فلا يكون متمتعا . القول الثاني : أنه لا يشترط أن يكون الإحرام من الميقات ، نص عليه الإمام أحمد ، و إليه ذهب الموفق من الحنابلة ، و الشنقيطي ، فلو أن الأفقي جاء من خارج مكة قبل أشهر الحج ، في رمضان مثلا ، واعتمر ، وبقي في مكة إلى أن دخلت أشهر الحج ، ثم خرج إلى التنعيم واعتمر منه ، ثم رجع بنية التمتع ، فإنه يعتبر متمتعا ، وهذا الصورة نص عليها الإمام أحمد نصا. دليلهم : عموم قوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ } فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) فظاهر هذه الآية أنها عامة فيمن أهل من الميقات ، ومن أهل من دون الميقات ، فإن من جاء قبل أشهر الحج ، وبقي في مكة ، أو جاء إلى مكة لا يريد الحج ، ثم أراد الحج ، فخرج إلى التنعيم أو أدنى الحل واعتمر ، ثم رجع ، ثم أتى بالحج في نفس السنة ، فإنه يصدق عليه أنه متمتع ، ويدخل في عموم الآية ، ومن أخرجه من عموم الآية احتاج إلى دليل . الشرط الثامن : ذكره بعضهم : أن يكون الحج والعمرة عن شخص واحد ، و إليه ذهب بعض أهل العلم ، وفيها خلاف على قولين : القول الأول : أنه لا يشترط أن يكون الحج والعمرة عن شخص واحد ، وهذا رأي الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ؛ لأن فاعل النسك واحد . القول الثاني : أنه لا يعتبر متمتعا ، إليه ذهب المالكية في قول ، والشافعية في قول ، والحنابلة في قول ؛ لأن النسك وقع عن شخص واحد . الراجح : والله أعلم ، هو القول الأول وأنه لا يشترط أن يقع النسك عن شخص واحد ، بل لو نوى عن شخص العمرة والحج عنه هو ، أو العكس ، العمرة عنه والحج عن شخص آخر ، فإنه يكون متمتعا ، وكذلك في القران ، هل يجوز أن تكون عمرة القران عن شخص ، والحج عن شخص ؟ قولان ، المذهب : يجوز ، يجوز أن ينوي أن عمرة القران عن نفسه ، وحج القران عن شخص آخر ، ويقع عمن نوى عنه صحيحا . قال رحمه الله : وَعَلى الأُفُقيِّ دَمٌ . في التمتع إذا كان أفقيا غريبا عن مكة فعليه دم ، ونسبه إلى الأفق ، والأفق هو : الناحية من الأرض أو من السماء ، فالأفقي عليه دم ، وأما من كان في مكة فلا يجب عليه الهدي ، وهم حاضرو المسجد الحرام كما تقدم . عامة أهل العلم يرون أن حاضري المسجد الحرام لا هدي عليهم ، القارن منهم والمتمتع خلافاً لابن الماجشون فقد ذهب إلى أن المكي القارن يجب عليه دم ، والمكي المتمتع لا يجب عليه دم ، وأما عامة أهل العلم فيرون أن القارن كالمتمتع ، فإذا كان المتمتع لا يجب عليه الدم ، فالقارن من باب أولى . تمتع وقران أهل مكة : هل أهل مكة يمكن أن يتمتعوا ويقرنوا أم لا ؟ ومثلهم حاضرو المسجد الحرام ، اختلف أهل العلم في ذلك ، وسبب الخلاف هو الاختلاف في مرجع الإشارة في قوله تعالى {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَ مُ ثَلاثَ ِ أَيَّ مٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَ مِلَ ٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَ ضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ{ }ذَلِكَ} هل الإشارة تعود إلى التمتع أم تعود إلى الهدي ؟ الجمهور على أن الإشارة تعود إلى الهدي ، فأهل المسجد الحرام وحاضروه لا هدي عليهم ، وذهب بعض أهل العلم إلى أن
عدد الصفحات ٦٨مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 69 الإشارة تعود إلى التمتع ، فيصبح المعنى : التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ، أما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام فإنه ليس له تمتع ولا قران ، فاختلفوا على قولين : القول الأول : أن حاضري المسجد الحرام لهم أن يتمتعوا وأن يقرنوا ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة والظاهرية ، وهو رأي كثير من أهل العلم . أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ } ....ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } قالوا : والإشارة تعود إلى الدم لا إلى التمتع ، فلهم أن يتمتعوا كغيرهم . الدليل الثاني : أن ما كان في النسك قربة للآفاقيين والغرباء ، فإنه يكون قربة لأهل مكة ، إذ لا فرق بينهم ، كحج الإفراد ، فإنه يجوز للجميع . القول الثاني : أن حاضري المسجد الحرام لا متعة لهم ولا قران ، وهذا مذهب ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو مذهب الحنفية ، وهو اللازم من قول الإمام البخاري ، فإنه يرى أن الإشارة تعود إلى التمتع . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَ ضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}ف لإش رة تعود إلى أول الآي {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ} والدليل قوله {ذَلِكَ لِمَنْ} و يقل : على من ، والتمتع يكون للإنسان ، والهدي يكون عليه ، ولو كان المقصود الدم لقال : ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام . نوقش استدلالهم هذا بمناقشات كثيرة منها : أولا : أن حرفي الجر (اللام ، على) يكونان متناوبين ، تأتي اللام بمعنى (على) قال الله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَ }أي فعليها ، وهذا كثير في لغة العرب ، تتناوب الحروف بعضها عن بعض {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي : على جذوع النخل ، وهو كثير في القرآن ، وقد تتناوب لتضمين معنى آخر {عَيْنً يَشْرَبُ بِهَ عِبَ دُ اللَّهِ} أي : يَروى بها. ثانيا : قالوا : الإشارة تعود إلى الهدي ؛ لأن قوله {فَمَن تَمَتَّعَ } هذا شرط ، وقوله {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } هذا جزاء الشرط وجوابه ، وقوله {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } هذا بمنزلة الاستثناء ، والاستثناء إذا عاد فإنه يعود على الجزاء دون الشرط ، وضربوا له مثالا ، ذكره النووي عن بعض الشافعية وهو قولهم : من دخل الدار فله درهم ، إلا بني تميم ، فهو بمنزلة ما لو قال : من دخل الدار فله درهم ، ذلك لمن لم يكن من بني تميم ، فيكون العود على الجزاء وليس على الشرط ، ومثله هنا . الدليل الثاني : عن ابن عباس ، في قوله تعالى {وَسَبْعَ إِذَا رَجَعْتُمْ} قال : رجعتم إلى أمصاركم ، الشاة تجزئ ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة ، فإن الله أنزله في كتابه ، وسنه نبيه ، وأباحه للناس غير أهل مكة ، فإن الله قال {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَ ضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أخرجه الإمام البخاري ، فابن عباس يرى أن أهل مكة لا تمتع لهم . نوقش : بأن هذا اجتهاد من الصحابي في مقابل النص ، وفي مقابل الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فيطلب الترجيح بين أقوالهم . الراجح : هو القول الأول ، أن لأهل مكة وحاضري المسجد الحرام أن يتمتعوا وأن يقرنوا ، لكنهم إذا تمتعوا أو قرنوا فليس عليهم هدي ؛ لأنه لم يثبت .
عدد الصفحات ٦٩مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 70 حكم الدم على القارن : جماهير أهل العلم على أن القارن عليه دم ، فهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وعامة المتقدمين ، لذا يقول ابن قدامة (ولا نعلم فيه خلافا إلا عند داود) . أدلتهم : الدليل الأول : الأدلة الثابتة في حق المتمتع ، وهي قوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ } فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) قال القرطبي : القارن متمتع ؛ لأنه ترفه بترك أحد السفرين ، فيجب عليه الدم ، كما وجب على المتمتع ، إذن وجب الدم على القارن قياسا على المتمتع . الدليل الثاني : أنه مروي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما . ذهب داود الظاهري رحمه الله إلى أنه لا يجب الدم على القارن ، ونقل عن طاوس ، قالوا : لا دليل على وجوب الدم عليه ، فلم يأت إيجاب الدم في نص ، لا من كتاب ولا من سنة ، وهذا صحيح ، لم يأت في الكتاب ولا السنة ، وإنما هو مقيس على التمتع ؛ ولذا قال الإمام أحمد لابن مشيش في رواية ابن مشيش (إنما قاسوه قياسا) أي إن وجوب الدم في القران جاء قياسا على التمتع ، والله أعلم . قال المؤلف رحمه الله : وإن حاضَتْ المرأةُ فخَشِيَتْ فواتَ الْحَجِّ أَحْرَمَت به وصارَتْ قَارِنَةً هذه صورة من صور القران المتقدمة ، وتقدم ذكر صور القران ، ومن ضمنها : أن يدخل الحج على العمرة ، و تقدم أن أصل هذه المسألة هو قضية عائشة رضي الله عنها ، حينما حاضت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ، أن تدخل الحج على العمرة ، وهو الحديث المشهور قالت (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف فطمثت فدخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا أبكي فقال ما يبكيك ؟ فقلت والله لوددت أني لم أكن خرجت العام قال مالك ؟ لعلك نفست ؟ قلت نعم قال هذا شيء كتبه على بنات آدم افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري - وفي رواية ولا بالصفا والمروة - حتى تطهري) متفق عليه ، وإذا خشي فوات الحج ، كالحائض تحيض في اليوم السادس أو الخامس ، ولا تطهر إلا بعد مضي وقت الوقوف ، فإنها تدخل الحج على العمرة ، فتصبح قارنة ، وما ذكره المؤلف رحمه الله يعتبر مثالا ، وإلا فيقاس عليه كل من خشي فوات الحج ، فإنه يدخل الحج على العمرة ، كمن مرض بعد أن وصل إلى المشاعر المقدسة وهو محرم بالعمرة ، وخشي فوات الحج ، أو لن يتمكن من أداء العمرة حتى يفوت وقت الحج ، أو إنسان تعطلت سيارته أو ضاعت نفقته ، أو ضاعت رفقته ، أي صورة يخشى عليه فوات الحج فيها ، وتقدم أن إدخال الحج على العمرة وهي من صور القران ، جائزة باتفاق الفقهاء كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره ، وتقدم كلام شيخنا ، قال : إن هذه المسألة قد ينازع فيها ، لكن ما دام أن الإجماع قد ثبت فلا قول لأحد ، وإلا فهم يقولون : إن الدليل أخص من المدلول ، فإنهم استدلوا بدليل خاص على مسألة أعم من الدليل ، وهو : أن الدليل واقع في قضية ضرورة أو أمر لا يمكن للإنسان معه أن يؤدي العمرة في وقتها ، بل سيفوته الحج ، وهم يرون أنه يجوز الإدخال مطلقا . قال رحمه الله : وإذا اسْتَوَى على راحلتِ ه قالَ : (لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ ، لبَّيْكَ لا شريكَ لك لَبَّيْكَ ، إنَّ الحمْدَ والنعمةَ لك والْمُلْكَ لا شَريكَ لك) . هذه مسألة التلبية وما يتعلق بها . حكم التلبية : تقدمت الإشارة إليها لما تكلمنا عن نية الإحرام باقتضاب ، وقع الخلاف في حكمها على أقوال بعد أن أجمع العلماء على مشروعيتها : القول الأول : أن التلبية سنة ، وأن الحاج لو تركها فلا شيء عليه ، إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة .
عدد الصفحات ٧٠مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 71 أدلتهم : الدليل الأول : يمكن أن يستدل لهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم [والنبي صلى الله عليه وسلم فعل التلبية ، وهذا الفعل سنة لأنه إذا قيل بأن التلبية واجبة ، فإنه يأثم تاركها ، ولا يمكن أن يقال بتأثيمه إلا بدليل صريح واضح ، وإلا فالأصل براءة ذمته . الدليل الثاني : أنها ذكر فلم تجب في الحج ، كسائر الأذكار ، لا يمكن أن تنفرد بحكم إلا بدليل . القول الثاني : أن التلبية واجبة ، تجبر بدم ، وهو مروي عن المالكية ، وإليه ذهب الحنابلة في قول . دليلهم : يمكن أن يستدل لهم بحديث [ ويوجه الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر بأخذ المناسك ، وقد فعل هذا الفعل ، فيكون هذا الفعل واجبا . القول الثالث : أن التلبية ركن ، لا ينعقد الإحرام إلا بها ، و إليه ذهب الحنفية ، وهو مذهب الظاهرية . أدلتهم : الدليل الأول : أن التلبية ذكر لا يصح الإحرام إلا بها كتكبيرة الإحرام في الصلاة ، فالتلبية مثلها ، ذكر في أول العبادة فتكون ركنا لها الدليل الثاني : أن النسك عبادة ذات إحرام وإحلال فكانت التلبية ركنا فيها كالصلاة ، الحج والعمرة فيه إحرام ، وفيه إحلال في النهاية ، فلما كانت عبادة ذات إحرام وإحلال ، لم تنعقد إلا بالتلبية كالصلاة . وهذا القياس على الصلاة قياس مع الفارق ؛ لأن الصلاة فيها ذكر تحليل في الأخير ، وذكر تحريم في البدء ، وكلا الذكرين ركن فيها ، والحج لا يشتمل على ذكر في آخره ، وإن كان الحنفية قد يخرجون من هذا ؛ لأنهم يرون أن التسليم في الصلاة ليس ركنا . الراجح : الشنقيطي رحمه الله له كلام جميل ، يقول : (أن الإنسان يلبي للأمر بالتلبية ، ولفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن الإنسان لا يتركها) لا نقول هو واجب أو مستحب ، ولكن نفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ونقول كما قال ، ونأخذ بقوله [ عني مناسككمويحاول المرء جاهدا ألا يترك هذا الذكر حتى لا يقع في خلاف الفقهاء ، فإن منهم من يرى عدم انعقاد إحرامه ، أو يرى وجوب الدم عليه ، فينبغي ألا يفرط فيه . وقت التلبية : المؤلف رحمه الله قال (إذا استوى على راحلته قال) وهذا في الزمن الماضي ، لما كان البعير والخيل ، أما الآن فيقال : إذا ركب سيارته فإنه يلبي ، وهذه المسألة مما وقع فيه الخلاف لاختلاف الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في متى لبى ؟ نقل عنه أنه لبى بعد الصلاة ، ونقل أنه لبى لما استوت به راحلته ، ونقل عنه أنه لبى لما استوت به راحلته على البيداء ، فكل من الصحابة روى ما رأى ، ومن ثم وقع الخلاف بين العلماء على أقوال : القول الأول : أنه إذا استوى على راحلته فإنه يلبي ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في قول اختاره الخرقي ، وابن قدامة ، وابن أخيه الشارح ، وهو ما ذكره الماتن رحمه الله هنا . أدلتهم : الدليل الأول : حديث أنس وابن عمر رضي الله عنهم ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لما ركب على راحلته واستوت به أهل) وهما حديثان أخرجهما الإمام البخاري رحمه الله . الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة) متفق عليه ، وهذا يدل على أن التلبية تكون عند الاستواء على الراحلة . القول الثاني : أنه يلبي دبر الصلاة ، إذا أدرك فرضا وانتهى ، أو صلى صلاة نفل إذا كان وقت نفل يتطوع فيه ، كالضحى (وليس للإحرام صلاة تخصه) فإنه يلبي حينئذ ، إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في قول هو المذهب ، وما ذكر المؤلف خلاف المذهب .
عدد الصفحات ٧١مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 72 أدلتهم : الدليل الأول : عن عمر رضي الله عنه ، قال (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : أتاني الليلة آت من ربي فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة) أخرجه الإمام البخاري رحمه الله ، (صل ثم قل) فسيوقع التلبية بعد الصلاة . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل في دبر الصلاة) أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وقد اختلف العلماء في الحديث كثيرا ، فضعفه طائفة منهم ، كالمنذري ، والألباني ، وذهب بعضهم إلى تصحيحه ، كالشيخ أحمد شاكر وحسنه محققو المسند . القول الثالث : أنه يلبي إذا استوت به راحلته على البيداء إذا أحرم من ذي الحليفة ، وأما إذا أحرم من غيرها فإنه يهل إذا علا نشَزا أو مرتفعا ، وهذا ذكره القاضي من الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، وفيه (حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أهل بالتوحيد) أخرجه الإمام مسلم . الدليل الثاني : عن أنس رضي الله عنه ، قال (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن معه بالمدينة ، الظهر أربعا و العصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما) أخرجه الإمام البخاري ، وهذا في ذي الحليفة ، وقاسوا عليه ما سوى ذي الحليفة ، يهل إذا علا مرتفعا أو نشزا ، ولو كان على سيارة ، فإذا علا مرتفعا فإنه يهل بالتوحيد ويلبي . الراجح : إذا صح الحديث المتقدم ، حديث ابن عباس الذي أخرجه الإمام أحمد ، أو كان حسنا لغيره ، بعض المحدثين يرى أنه قابل للتحسين ، فإذا كان الحديث حسنا أو صحيحا ، فإنه يكون فيصلا في محل النزاع ، سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : (قلت لابن عباس رضي الله عنهما يا أبا العباس عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب ، فقال : إني لأعلم الناس بذلك إنها إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة فمن هنالك اختلفوا : خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حاجا ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه ، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا إنما أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم حين استقلت به ناقته ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما علا على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم حين علا على شرف البيداء وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته وأهل حين علا على شرف البيداء ، فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه) فإذا كان الحديث حسنا أو صحيحا فإنه فيصل في محل النزاع ، وأما إذا لم يصح فكان شيخنا رحمه الله يقول (الذي أراه أن الإنسان يؤخر إحرامه وتلبيته حتى يكون في سيارته) لأنه قد يحتاج أن يقلم ظفره ، أو أن يأخذ شيئا من شعره ، فلا يضيق على نفسه ، والأمر في هذا واسع . قال رحمه الله : يُصَوِّتُ بها الرجُلُ . رفع الصوت بالتلبية : من سنن التلبية رفع الصوت بها ، ولهذا قال المؤلف (يصوت بها الرجل) ودل على ذلك : الدليل الأول : عن السائب بن خلاد رضي الله عنه ، قال : (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) أخرجه الخمسة ، وصححه النووي ، والألباني . الدليل الثاني : عن أبي بكر رضي الله عنه ، [وسلم سئل : أي الحج أفضل ؟ فقال : العج والثجأخرجه
عدد الصفحات ٧٢أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) أخرجه الخمسة ، وصححه النووي ، والألباني . الدليل الثاني : عن أبي بكر رضي الله عنه ، [وسلم سئل : أي الحج أفضل ؟ فقال : العج والثجأخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، وصححه الألباني رحمه الله ، والعج : هو رفع الصوت بالتلبية ، والثج : إنهار الدم بالذبح .
عدد الصفحات ٧٢مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 73 تلبية المرأة : قال رحمه الله : وتُخْفِيها المرأةُ أي تسر بها ، وهذا عليه عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، وإن كان ابن حزم قد خالف ، وأنها تفعل كما يفعل الرجل ، لكن العلماء يقولون إن ابن حزم محجوج بالإجماع ، فقد أجمعوا على أن المرأة تخفيها بقدر ما تسمع رفيقتها التي بجوارها ، ذلك أن صوت المرأة وإن لم يكن عورة ، فقد يفتتن به الرجال ، وهي في نسك و عبادة ، كما أن المرأة تؤمر بأن لا ترفع صوتها بالقرآن ، ولا بالأذان ، ولا بالإقامة ، فكذلك هنا . الأذكار قبل التلبية : من سنن التلبية العزيزة أن يبدأ بالتحميد والتسبيح والتكبير قبل بدايته بالتلبية ، دل عليه حديث أنس رضي الله عنه ، قال (صلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة الظهر أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ... ثم ركب حتى استوت به على البيداء ، حمد الله وسبح وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما) أخرجه الإمام البخاري ، فهو بدأ بالتحميد والتسبيح والتكبير ، وهي من السنن التي لا يفعلها ولا يفطن لها كثير من الناس . أين يلبي : يقول ابن مفلح رحمه الله (وعند شيخنا لا يلبي بوقوفه بعرفة ومزدلفة لعدم نقله) لأن شيخ الإسلام يرى أن التلبية عند الانتقال من مشعر إلى مشعر ، ويقول : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لبى وهو نازل ، وإن كان بعضهم قد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى وهو نازل بعرفة كما سيأتي. الإكثار من التلبية : يستحب الإكثار من التلبية ؛ لحديث أبي بكر ، سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الحج أفضل ؟ فقال [وذكر العلماء أن التلبية تتأكد إذا علا نشزا أو هبط واديا ، أو لقي رفقة ، أو سمع ملبيا ، أو عقب مكتوبة ، وبعضهم لا يقيد بالمكتوبة بل عقب كل صلاة ، أو أتى محظورا ناسيا ، و في أول النهار وأول الليل ، وإذا ركب ، أي في تغير الأحوال ، قال في المستوعِب (يستحب عند تنقل الأحوال به) . صيغة التلبية : جاءت في حديث جابر رضي الله عنه (فأهل بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك) وقد جاء في بعض الأحاديث زيادات [ الله صلى الله عليه وسلم : لبيك إله الحقوهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه ، وصححه ابن حزم ،والألباني. وجاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة - هذا دليل على أنه لبى حال وقوفه - قال [ أخرجه ابن خزيمة ، والحاكم وصححاه ، وحسنه الألباني . وجاء في حديث أنس رضي الله عنه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول [دا ورقاأخرجه البزار ، ورجح الدارقطني وقفه ، وساقه ابن حجر رحمه الله بلفظ المضعف له . وجاء عن عمر رضي الله عنه موقوفا عليه أنه يقول (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، لك مرهوبا إليك ، لبيك ذا النعماء والفضل الحسن) أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر . وجاء عن جابر رضي الله عنه ، قال (والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ، فلا يقول لهم شيئا) أخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وصححه ابن خزيمة ، والألباني . وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن تلبية النبي صلى الله عليه وسلم (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ...) قال نافع : وكان ابن عمر رضي الله عنه يزيد فيها (لبيك وسعديك ، والخير بيديك ، لبيك والرغباء إليك والعمل) متفق عليه.
عدد الصفحات ٧٣مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 74 فهذه مجموعة صيغ ، منها الثابت عن النبي صلى ا عليه وسلم ، ومنها الثابت عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فهل الأفضل أن يزيد الإنسان أو يقتصر على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم ؟ الاقتصار على التلبية النبوية : العلماء لهم في هذا مناهج . القول الأول : أنه لا تستحب الزيادة عليها أي إن الأفضل الاقتص ار على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم ، وإليه ذهب الحنفية والحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : قول ابن عمر رضي الله عنهما ، (وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على ذلك) متفق عليه الدليل الثاني : حديث جابر رضي الله عنه ، (فأهل بالتوحيد .... فلم يرد رسول الله عليهم شيئا منه ، ولزم تلبيته) فالصحابيان ذكرا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لزم تلبيته ، وهو يسمعهم يلبون ، ولم ينكر عليهم ، ولم يرد عليهم تلبيتهم . القول الثاني : يرى المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية منصوصة عن الإمام أحمد ، أن الزيادة عليها لا تكره ، بل فعلها جائز ، لكنهم لا يستحبونها ، وذلك لفعل الصحابة وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم ، وهذا فيه إشارة إلى قاعدة شيخنا رحمه الله ، التي أخذها من ابن القيم ، أن الفعل قد يكون جائزا لكنه غير مسنون ، وذكر لها أمثلة ، ومن أمثلتها التلبية ، ومثل : سؤال الرحمة عند آيات الترغيب في الصلاة المفروضة ، فإنه يرى أنها جائزة ، لكنها ليست مسنونة . وقد يقال إنه تسن الزيادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليها. والراجح : أنها جائزة غير مشروعة وذلك لما تقدم من أدلة. فضلها : عن سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا) أخرجه الترمذي ، وابن ماجه وصححه الألباني. وعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر قيل يا رسول الله بالجنة ؟ قال : نعم) أخرجه الطبراني ، وصححه الألباني . إظهار التلبية : ذكروا أن إظهار التلبية مسنون في الصحاري ، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل ، وفي أمصارها ، ذكره الإمام أبو حنيفة ، وهو منقول عن الإمام أحمد ، ومنقول عن الإمام مالك ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله : (يلبي في المساجد كلها أخذا بعموم الحديث) أما مكة فاستحب الجميع التلبيةَ فيها ، وفي مساجدها ، وفي مساجد المشاعر ، ولم يفرقوا بين مسجد ومسجد ، حتى في المسجد الحرام استحبوا ذلك . نهاية وقت التلبية : هذا لا يخلو إما أن يكون في العمرة وإما أن يكون في الحج ، أما العمرة فقد اختلف فيها العلماء . انتهاء تلبية العمرة : اختلف في هذه المسألة على أقوال : القول الأول : أنه ينتهي وقت التلبية في العمرة إذا شرع في الطواف واستلم الحجر ، و إليه ذهب الجماهير ، فهو رأي ابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، و إليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة . أدلتهم : لهم أدلة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأدلة موقوفة على الصحابة ، أما المرفوعة فإنها أحاديث ضعيفة ، لا تثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، منها :
عدد الصفحات ٧٤مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 75 الدليل الأول : عن ابن عباس مرفوعا (كان يمسك عن التلبي ة إذا استلم الحجر) أخرجه الترمذي وصححه ، وانُتقد الترمذي في تصحيحه ؛ لأن فيه ابن أبي ليلى وهو ضعيف . الدليل الثاني : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم (اعتمر ثلاث عمر فلم يزل يلبي حتى استلم الحجر) أخرجه الإمام أحمد ، وضعفه طائفة من أهل العلم . وأما الموقوفة ، فمنها : القول الثاني : أن المعتمر يمسك عن التلبية إذا دخل الحرم ، وهذا رأي ابن عمر ، وعروة ، والحسن . القول الثالث : أنه يمسك إذا رأى بيوت مكة القديمة ، وهذا منقول عن ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، ابن عمر له أكثر من رأي . القول الرابع : أنه يمسك عن التلبية إذا وصل الحرم إن أحرم من الميقات ، وإن أحرم من أدنى الحل فإنه يمسك إذا رأى البيت ، و إليه ذهب الإمام مالك رحمه الله . القول الخامس : أنه لا تنقطع التلبية حتى ينتهي من العمرة ، وهذا رأي ابن حزم رحمه الله . الراجح : هو القول الأول ، وأن المعتمر يستمر في تلبيته حتى يبدأ في الطواف ، والأدلة الموقوفة في ذلك صحيحة ، ويقال : إن المعتمر بشروعه في الطواف قد شرع في أسباب التحلل ، وهنا يكون مجيبا لدعوة الله عز وجل له ، لأن التلبية معناها إجابة الدعوة ، فيكون قد أجاب الدعوة بشروعه في الطواف . نهاية التلبية في الحج : اختلف فيها على أقوال : القول الأول : أن الحاج يقطع التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة ، و إليه ذهب الحنفية ، وبعض المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وهو رأي جماهير الصحابة ، والتابعين ، كما قال النووي رحمه الله ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، و شيخنا. أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، (أن أسامة رضي الله عنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة ، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى ، قال : فكلاهما قال : لم يزل النبي صلى الله عليه و سلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة) متفق عليه الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبره - الفضل أخبر ابن عباس - أنه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة) وفي رواية (حتى رمى جمرة العقبة) متفق عليه ، وحتى للغاية والانتهاء ، أي إنه لبى حتى رمى ، فتنقطع التلبية مع الرمي . القول الثاني : أن الحاج يقطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة ، هذا إن وصل إليها ، فإن لم يصل إليها لبى حتى يصل ، و إليه ذهب المالكية رحمهم الله . القول الثالث : ذهبت عائشة وسعد رضي الله عنهما ، إلى أنه بمجرد الرواح إلى عرفة يقطع التلبية ، رواه سعيد بن منصور عن عائشة وسعد بأسانيد صحيحة أنهما يقطعان التلبية إذا راحا إلى الموقف . القول الرابع : أن الحاج يقطع التلبية إذا انتهى من رمي جمرة العقبة ، لا بمجرد الشروع في الرمي ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية ، وهو رأي إسحق ، وبعض الشافعية كابن خزيمة ، وهو رأي ابن حزم . أدلتهم : الدليل الأول : حديث ابن عباس السابق ، أن الفضل أخبره عن تلبية النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، أي حتى انتهى منه ، فحملوه على الانتهاء .
عدد الصفحات ٧٥مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 76 الدليل الثاني : عن ابن عباس ، عن الفضل رضي الله عنهم ، قال : (أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات ، فلم يزل يل حتى رمى جمرة العقبة ، يكبر مع كل حصاة ، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة) وهذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة وصححه ، والبيهقي ، وقال ابن خز يمة(هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى) وانتقد البيهقي رحمه الله كلام ابن خزيمة ، قال(وأما ما في رواية الفضل بن عباس من الزيادة فإنها غريبة شاذة ، فتكون ضعيفة . الراجح : هو القول الأول والله أعلم ، وذلك لقوة أدلتهم وصراحتها في المقصود. الإمساك عن التلبية لغير الرمي : سيأتي أن الحاج مخير في يوم النحر أن يقدم بعض الأنساك على بعض ، فلو شرع في نسك غير الرمي ، بالحلق أو بالطواف مثلا ، فهل يمسك عن التلبية أم لا ؟الجواب : أما ظاهر التعليل الذي علل به أصحاب القول الأول ، وأن الشروع في الرمي يعني الشروع في أسباب التحلل ، فهذا يفيد أنه إذا شرع في أي نسك من الأنساك التي يحصل بها التحلل ، فإنه يمسك عن التلبية ؛ لأن قد شرع في أسباب التحلل ، وقد أجاب الدعوة التي دعي إليها . وقد يقول قائل : لا تنقطع تلبيته إلا بالرمي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، ولأن الأنساك الأخرى ليست سببا في التحلل ، إنما يحصل التحلل برمي جمرة العقبة ، أو بإضافة الرمي إلى أشياء أخرى ستأتي ، المسألة محتملة هذا بالنسبة للتحلل ، لكن التلبية لو تركها فيكون قد ترك سنة على أكثر الأحوال ، وإن قطعها فله عذر لأنه قد شرع في أسباب التحلل . التلبية في طواف القدوم : هل يلبي في طواف القدوم ؟ في العمرة إذا استلم المتمتع الحجر ، أو شرع في الطواف ، فإنه سيقطع التلبية على الراجح ؛ لأنه شرع في أسباب التحلل ، لكن إذا كان قد حج قارنا أو مفردا ، وأراد أن يطوف طواف القدوم ، فهل يلبي في أثناء طواف القدوم أم لا ؟ هذه المسألة فيها خلاف بين السلف على قولين : القول الأول : أنه يلبي ، وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنهما ، وعطاء بن السائب ،وهو مذهب الشافعية في القديم ، والحنابلة ، والمالكية في قول ، يلبي في الطواف ، ويلبي في الحرم أيضا ، ولا بأس بتلبيته . دليلهم : أنه لم يزل في تلبيته ، ولم يزل مدعوا ، ولا يشرع في أسباب التحلل حتى يذهب إلى عرفة ، ثم يرجع إلى منى ، ويرمي جمرة العقبة . القول الثاني : أنه لا يلبي ، وهو رأي سالم بن عبد الله ، وسفيان بن عيينة ، والشافعية في الجديد ، والمالكية ، وأبي الخطاب ، وأما المذهب عندنا فلا بأس بالتلبية ، بنوا على التعليل ، أنه لم يزل مدعوا ، ولم يشرع في أسباب التحلل ، ولم يأت نهي عن التلبية ، ولأن الأصل في حقه أن يلبي ، وأن يكثر من التلبية ، وللأحاديث الواردة في فضيلة التلبية ، وليس هناك ما يخصص هذا ، وإن كان سفيان ينفي ذلك عن السلف ، ويقولون : إن الطواف له ذكر بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود ، وأما بقية الطواف فيشرع له أن يذكر وأن يدعو ، فهو يفعل الأشياء التي أمر بها في الطواف ، وأما التلبية فلم يأت أنهم كانوا يلبون ، والمسألة محتملة ، فإن أخذ بهذا فله وجه ، وإن ترك بناء على كلام سفيان وغيره ، فله وجه أيضا ، والله أعلم . تلبية غير المحرم : اختلف العلماء في ذلك على قولين : القول الأول : أنه يجوز أن يلبي غير المحرم ، وهو رأي عطاء ، والنخعي ، والحسن ، ومجاهد ، وابن المنذر ، وإليه ذهب الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة .
عدد الصفحات ٧٦مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 77 أدلتهم الدليل الأول : عن علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعاء الاستفتاح [ يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك أخرجه الإمام مسلم. القول الثاني : أن تلبية غير المحرم مكروهة إليه ذهب المالكية ، والحنابلة في رواية . دليلهم : عدم النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. الراجح : والله أعلم هو القول الأول وأنه تجوز التلبية لغير المحرم وذلك للنص. باب محظورات الإحرام المحظورات : جمع محظور ، والمحظور لغة : الممنوع ، ومنه قوله تعالى {وَمَ كَ نَ عَطَ ءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}أي ممنوعا، ومحظورات : صفة لمحذوف ، تقديره : الأفعال المحظورات بسبب الإحرام ، وإضافتها إلى الإحرام من باب إضافة الشيء إلى سببه ، كما يقال : سجود الشكر ، أي السجود الذي سببه الشكر . المحظورات اصطلاحا : الأفعال الممنوعة بسبب الإحرام ، وعرفها الشنقيطي رحمه الله بأنها : (ما يمتنع بسبب الإحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه) . المحظورات لا يجوز فعلها ، فإذا احتاج إلى فعلها فعلَها ، وإذا فعلها لغير حاجة فإنه يأثم ، وهذا الذي عليه عامة أهل العلم رحمة الله عليهم . قال المؤلف رحمه الله : وَهيَ تسْعةٌ . هذا عددها بالتتبع والاستقراء لا تزيد عن تسعة محظورات ، وبعضهم يرى أنها سبعة بإدخال محظورين في محظور ، وهذا ما عليه الأصحاب رحمهم الله ، وسيبدأ المؤلف بتعدادهن . 1- حلق الشعر : قال رحمه الله : حَلقُ الشعرِ . ودل على أنه محظور قوله تعالى {وَلَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} والمؤلف قال (حلق الشعر) ولم يقل : إزالة الشعر اتباعا للفظ القرآن ، فعبر بلفظ القرآن حتى تكون العبارة حكما ودليلا ، وإن كان التعبير بالإزالة أعم ؛ لأن المحظور هو إزالة الشعر ، سواء كان بالحلق أم بالقص أم النتف ، أم باستعمال النَّورة (المزيل) وغير ذلك ، وأخذه بلفظ القرآن يُحمد له ؛ لأن العالم أو الكاتب إذا أخذ بلفظ الدليل فإنه يكون قد جاء بالحكم وبالدليل مقرونا به . والشعر على نوعين : أ- شعر الرأس . ب- شعر بقية الجسد . أخذ شعر الرأس : أما شعر الرأس فقد دل على أنه محظور قوله تعالى [و تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله]وبالإجماع أن أخذه محظور من محظورات الإحرام . ودل عليه حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه ، قال : (أتى عليُّ النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : [يؤذيك هوام رأسك ؟]قلت : نعم ، قال : [فاحلق وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو
عدد الصفحات ٧٧مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 78 انسك نسيكة]متفق عليه ، فلما جعل فيه الفدية مع حاجة الإنسان إلى حلقه ، وجعل فيه الكفارة ، دل على أن الأصل أنه لا يجوز الحلق . وقد أجمع العلماء رحمهم الله عليهم ، على أنه لا يجوز حلق شعر الرأس ، وقد حكى الإجماع مجموعة من أهل العلم ، منهم ابن عبد البر ، وابن رشد ، وابن قدامة ، وابن حزم ، والقرطبي ، وغيرهم كثير . أخذ سائر الشعر : وذلك مثل شعر الشارب ، والإبط ، والعانة ، وشعر الساقين والصدر ... الخ ، فهل المحرم ممنوع من أخذها أم لا ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : تحريم أخذ هذه الشعور ، كشعر الرأس ، و إليه ذهب عامة أهل العلم . أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {ثُم لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}فقد فسر بعض الصحابة والتابعين الآية بأنها حلق الرأس ونتف الإبط وقلم الظفر وقص الشارب ... الخ ، وهذا التفسير مروي عن ابن عباس ،والرواية صحيحة ، والذي عليه جمع من المحققين أنها صحيحة. وعن محمد بن كعب القرظي ، قال : (التفث : حلق العانة ونتف الإبط ، والأخذ من الشارب ، وتقليم الأظفار) أخرجه ابن أبي شيبة الدليل الثاني : القياس على شعر الرأس ، بجامع الترفه في كل ، فإن أخذه ينافي التفث الذي يكون في الإحرام . وهذا القياس منتقد مناقش : أن المحرم ليس ممنوعا من الترفه ، فليست العلة في تحريم أخذ شعر الرأس أن المحرم ممنوع من الترفه ، بل المحرم ممنوع من أخذ شعر رأسه ؛ لأنه يتعلق به نسك ، فإذا أخذ الشعر سقط النسك الذي وجب عليه في شعره ، ولذا يجوز للمحرم أن يترفه بألذ المطعومات والسكنى في أحسن المساكن ، والتنقل في أحسن المراكب ، ولبس أجمل ما يجوز لبسه حال الإحرام ، ولا يمنع من شيء من ذلك ، مع أنه نوع من الترفه ، كما أن له أن يغتسل ، وأن يشرب الشراب الطيب . القول الثاني : أنه يجوز أخذ جميع الشعور ، سوى شعر الرأس ؛ لأنه يتعلق به النسك ، إليه ذهب الظاهرية. أدلتهم : الدليل الأول : عدم النقل ، فلم ينقل عن معصوم أنه لا يجوز أخذ بقية الشعور ، نعم جاء النص على الرأس في الكتاب والسنة ، أما بقية الشعور فليس ثمة دليل على المنع من أخذها . ونوقش : بما تقدم من كلام ابن عباس ، وتفسير السلف لمعنى التفث ، أن يقلم ظفره ويقص شاربه وينتف إبطه ويأخذ شعر رأسه ، فيكون من باب تفسير القرآن بلغة العرب وبقول الصحابي. الدليل الثاني : أنه لا يصح قياس شعر سائر البدن على شعر الرأس ؛ لعدم العلة الجامعة بينهما ، فإن العلة التي منع من أجلها أخذ شعر الرأس أنه يتعلق به نسك ، وأن المحرم إذا قص شعر رأسه قبل أن يأتي وقت القص ، يكون قد أسقط النسك المتعلق بشعر رأسه ، بخلاف شعور بقية البدن ، فإنه لا يتعلق بها نسك . ونوقش : بأن أخذ بقية الشعور داخل في عموم قوله تعالى : {ثُم لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} الراجح : هو القول الأول ، الذي ذهب إليه عامة أهل العلم ، أنه لا يجوز أخذ شيء من شعر الجسد والرأس ؛ لما ثبت في أثر ابن عباس ، ولتفسير أهل اللغة لمعنى التفث ، ولأنه المنقول عن جماهير التابعين رحمهم الله .
عدد الصفحات ٧٨مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 79 قال رحمه الله : فَمنْ حَلقَ ... ثلاثةً فعليهِ دمٌ . مقدار الشعر الذي تجب فيه الفدية : هل كل شعر تجب في أخذه الفدية أم لا ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال : القول الأول : أن الشعر الذي تجب فيه الفدية ثلاث شعرات فصاعدا ، فإذا أخذ من رأسه أو من بقية شعره ثلاث شعرات فصاعدا وجبت عليه الفدية ، و إليه ذهب طائفة من السلف ، و مذهب الشافعية ، والمذهب عند الحنابلة ، وما كان أقل من ثلاث شعرات ففي كل شعرة مد طعام ، وهذا عند الشافعية ، والصحيح من مذهب الحنابلة ، وعند الحنابلة رواية أخرى أن فيه قبضة من طعام لعدم التقدير شرعا. دليلهم : أن الثلاث يقع عليها اسم الجمع المطلق ، فحلق الثلاث كحلق كل الرأس . القول الثاني : أنه لا تجب الفدية إلا في أربع شعرات فصاعدا ، و إليه ذهب الحنابلة في رواية نقلها الجماعة عن الإمام ، حتى قال عنها الزركشي : وهي الأشهر عنه ، أي عن الإمام أحمد رحمه الله . دليلهم : أن الأربع كثير ، فأشبهت ربع الرأس ، والثلاث هي حد منتهى القلة ، فكانت ملحقة بما دونها ؛ لأن آخر الشئ يحسب منه ، فلا تجب فيها فدية ، وإنما فيها مد من طعام . القول الثالث : أن الفدية تجب في ربع الرأس فصاعدا ، أو حلق عضو كامل ، كعانته ، أو أحد إبطيه ، و إليه ذهب الحنفية . دليلهم : أن الربع يقوم مقام الكل ، فمن رأى جهة إنسان قال : رأيته ، لكن لو رأى إصبعا أو إصبعين أو ثلاثة فإنه لا يصدق عليه أنه قد رآه ، فإنما تصدق الرؤية إذا رأى ربعه . القول الرابع : أن القدر الذي تجب الفدية بحلقه هو ما تحصل به إماطة الأذى وحصول الترفه ، و إليه ذهب المالكية ، وهو احتمال عند الحنابلة اختاره شيخنا ابن عثيمين رحمهم الله. أدلتهم : الدليل الأول : قول الله تعالى {فَمَنْ كَ نَ مِنْكُمْ مَرِيضا أَوْ بِهِ أَذاى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَ ٌ مِنْ صِيَ مٍ أَوْ صَدَقَ أَوْ نُسُك } والذي به أذى من رأسه وحلق ، لا يترفه إلا بإماطة ما يحصل به الأذى ، فتجب عليه الفدية ، فعلقوا الحكم بما تحصل به إماطة الأذى والترفه ، وما دون ذلك لو حلقه لم يستفد شيئا . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم ، احتجم وهو محرم في رأسه) متفق عليه ، ومن المعلوم أن الإنسان إذا أراد أن يحتجم في رأسه ، فلا بد أن يحلق مواضع الحجامة ، ومع ذلك لم ينقل عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه فدى ، مما يدل على أن حلق ما دون ما تحصل به إماطة الأذى لا تجب الفدية فيه. الراجح : هو أن القدر الذي تجب الفدية بحلقه هو ما تحصل به إماطة الأذى وحصول الترفه ، لقوة أدلته . أقسام إزالة الشعر : القسم الأول : أخذ شعرات من الرأس ، وهذا لا يعتبر حلقا ، ولا شيء على من فعل ذلك ، حتى لو كان متعمدا القسم الثاني : حلق بعض رأسه ، لمداواة ونحوها ، فإنه لا فدية على من فعل ذلك ، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه حلق بعض رأسه لمداواة ، ولم ينقل عنه أنه فدى ، ولو فدى لنقل . القسم الثالث : حلق الرأس أو معظمه فعلى من فعل ذلك الفدية ، وهو حرام . دليله : قول الله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ...) أي : فحلق فعليه فدية ، وأما معظم الرأس فلأن المعظم ملحق بالكل شرعا ، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يفد في القليل ، لقيل : كله حرام ، وعليه الفدية ؛ لأنه إذا حرم الكل حرم البعض .
عدد الصفحات ٧٩مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 80 2- تقليم الأظفار : قال رحمه الله : وتَقْليمُ الأظفارِ . قلم الظفر : قصه بمبراة وسكين ونحوهما ، ولو عبر المؤلف هنا بالإزالة لكان أولى ، حتى يكون شاملا لجميع الإزالات سواءً بالمقص ، أو بقضمها بالأسنان . ولم يرد في قلم الأظفار دليل من الكتاب ولا من السنة ، أنه من محظورات الإحرام ، ولذا اختلف العلماء رحمهم الله في إزالتها على قولين : القول الأول : أن قلم الأظفار محظور من محظورات الإحرام ، و إليه ذهب عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، من المتقدمين والمتأخرين أدلتهم : الدليل الأول : تفسير قوله تعالى {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وكذلك أثر محمد بن كعب القرظي ، وهو المنقول عن أئمة اللغة العربية . الدليل الثاني : أن من أهل العلم من نقل الإجماع على أن قلم الأظفار من المحظورات ، مثل ابن قدامة . القول الثاني : أن إزالة الأظفار ليست من محظورات الإحرام ، وإليه ذهب الظاهرية رحمهم الله ، وذكره ابن مفلح في الفروع احتمالا . دليلهم : عدم الدليل على كونه من المحظورات . ونوقش بأنه منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وعن كثير من التابعين ، أنهم كانوا يرون قضاء التفث هو قص الظفر ، ونتف الإبط ، وقص الشارب ... الخ ، وهو ما ذكره أئمة اللغة . قال رحمه الله : فَمنْ حَلقَ أوْ قَلمَ ثلاثةً فعليهِ دمٌ . من حلق ثلاث شعرات ، أو قلم ثلاثة أظفار ، فعليه دم ، وهذا المذهب ، فيجعلون الحد ثلاثا ، وإن كان قد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله رواية قوية جدا ، أن الحد أربع شعرات ، وأربعة أظافر ، والقدر في الأظفار عند الشافعية والحنابلة هو القدر ذاته في أخذ الشعر ، فمن قلم ثلاثة فعليه فدية ، وما كان أقل من الثلاثة فعليه مد من طعام ، وفي رواية عن الإمام أحمد : عليه قبضة من طعام ، وأما المالكية فذهبوا إلى أن الحد هو اثنان ، فمن قلم اثنين فصاعدا فعليه الفدية ، أما الحنفية فقالوا : إذا قلم اليدين جميعا ، أو الرجلين جميعا ، في مجلس واحد ، وجبت عليه الفدية ، وإذا قلم يدا واحدة كاملة ، أو رجلا كاملة فعليه الفدية ، وإن قلم أقل من يد ، أربعة أو ثلاثة أو اثنين ، فإنه لا فدية عليه ؛ لأنه لم يستوف منفعة اليد كاملة ، فهو يشبه ما دون الثلاثة ، فعليه إما قبضة من طعام أو مد ... الخ . وذهب عطاء ، والظاهرية ، والحنابلة في رواية ، إلى أنه ليس على من قلم الأظفار شيئا ، أما الظاهرية فلأنهم يرون أن قلم الأظفار ليس من محظورات الإحرام ، وأما الحنابلة في رواية وعطاء ، فيقولون : لا شيء عليه ؛ لأنه لم يرد نص في الكتاب ولا في السنة ، في إيجاب الفدية في قلم الأظفار ، ويقولون : نبقى على الأصل ، والأصل هو عدم وجوب الفدية في ذلك ، والقياس على وجوب الفدية في الشعر قياس مع الفارق ، والعلماء يقيسون الفدية هنا على الفدية في شعر الرأس ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر كعب بن عجرة ، بأن ينسك شاة ، أو يطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، أو يصوم ثلاثة أيام ، فيقاس عليه بقية المحظورات التي فيها فدية ، فما فيه فدية يأخذ حكم شعر الرأس . 3- تغطية الرأس : قال رحمه الله : وَمَن غَطّى رَأسَهُ بملاصقٍ فَدى . قوله : (من) : المراد المحرم الذكر ؛ لأن الأنثى يجوز لها أن تغطي رأسها . وقوله : (بملاصق) : أي الذي يلامس الشعر ويكون ملاصقا له ، كالطاقية والشماغ والعمامة ، إذا غطى رأسه بها فقد فعل محظورا ، قال ابن القيم رحمه الله في معنى الملاصق(كل متصل ملامس يراد لستر الرأس ، كالعمامة ونحوها).
عدد الصفحات ٨٠مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 81 وقد حكى طائفة من أهل العلم الإجماع على أن تغطية الرأس بملاصق محظور من محظورات الإحرام ، منهم ابن حزم ، وابن عبد البر ، وابن المنذر ، وابن قدامة ، وغيرهم من أهل العلم . أدلتهم : الدليل الأول : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سئل : ما يلبس المحرم ، فقال : [لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة].. متفق عليه . الدليل الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما ، في الرجل الذي وقصته ناقته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم [كفنوه في ثوبيه ، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا]متفق عليه . تغطية الأذنين للناسك : هذه المسألة تنبني على : هل الأذنان من الرأس أم لا ؟ وقد مرت في الطهارة ، وفيها خلاف على قولين : القول الأول : أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي أذنيه لأن الأذنين من الرأس ، و إليه ذهب الحنابلة رحمهم الله . دليلهم : عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [الأذنان من الرأس] أخرجه الدارقطني بإسناد جوده النووي ، فإذا كانتا من الرأس أخذتا حكم الرأس في عدم تغطيته ، والرأس لا يجوز تغطيته . القول الثاني : أنه يجوز للمحرم أن يغطي أذنيه ، وإليه ذهب طائفة من أهل العلم : منهم من يرى ضعف حديث ابن عباس وعدم ثبوته ، ومنهم من يرى أنه إذا صح فإنه يحمل على مسألة الوضوء ، وأن الإنسان إذا مسح رأسه ، فإنه يمسح أذنيه مع رأسه ، ولا يتعلق بالتغطية . دليلهم : عدم الدليل على عدم التغطية ، والأصل براءة الذمة ، فيجوز للمحرم أن يغطي أذنيه ، وهذا متصور ، وسيأتي إن شاء الله أن الإنسان لو وضع على وجهه منشفة أو نحوها من اليمين واليسار ، فسيكون جزء منها على أذنيه ، هنا يقال : ضعها على وجهك ، على القول بعدم جواز تغطية الأذنين ، وأما إذا قيل بجواز تغطية الأذنين فإنه يغطي وجهه مع أذنيه ولا بأس بهذا ، والله أعلم . أقسام تغطية الرأس : قسم شيخنا رحمه الله تغطية الرأس إلى مجموعة أقسام في الممتع ، وزاد بعض أهل العلم بعض الأقسام : القسم الأول : أن يغطي رأسه بتلبيده ، وذلك بأن يضع عليه لِبْدا من حِناء وصَمغ ونحو ذلك . فهذا جائز بالنص والإجماع ، وقد دل عليه حديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لبدت رأسي وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر) متفق عليه. فائدة تلبيد الرأس : المنع من كثرة الوسخ ، فإذا وضع عليه لبدا من صمغ ونحوه ، فإنه لا يتسخ بالغبار ، ولا يكون فيه قمل وغيره ، والنبي صلى الله عليه وسلم ، لبد رأسه من أجل ألا يؤذيه . القسم الثاني : أن يغطي رأسه بما لا يقصد به التغطية والستر ، كحمل العفش ونحو ذلك ، وهذا لا بأس به ؛ لأنه لا يقصد به التغطية ، ولا يستر به الرأس عادة ، وهذا رأي المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وذهب الشافعية في رواية إلى أنه لا يجوز تغطية الرأس به ، ومن غطى فعليه الفدية ، هذا إذا لم يقصد به التغطية ، فإذا قصد به التغطية ، فإنه يكون محظورا من محظورات الإحرام . القسم الثالث : أن يغطي رأسه بملاصق لا يعد لبسا ، لكن يقصد به التغطية ، مثل الكفن ونحوه ، فهذا لا يجوز ، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس (لا تخمروا رأسه) فإن وضع الكفن على رأس الإنسان لا يقصد به اللبس ولكن يقصد به تغطية رأس الميت ، فلا يجوز . القسم الرابع : أن يغطي رأسه بما يلبس عادة على الرأس ، فهذا لا يجوز بالإجماع ، مثل : العمامة ، والطاقية ، والشماغ ، وغير ذلك ، وقد دل عليه حديث ابن عمر وحديث حفصة ، والإجماع المنعقد على ذلك .
عدد الصفحات ٨١