المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مختصر كتاب المناسك

فهد المطيري

صفحة ٥ من ٢٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 53 الأحوط الثاني ، والأوسع للناس الأول ، وينبغي أن يٌرشد من كان يحتاج إلى الاشتراط أن يجعل اشتراطه تخييرا ، فيقول : اللهم إن حبسني الحابس الفلاني ، فلي أن أحل ، ولا يقل : إن حبسني الحابس الفلاني فمحلي حيث حبستني ؛ لأنه بالثاني على قول بعض الأصحاب يحل مباشرة ؛ لأن الشرط يتعلق بالمشروط ، فإذا وقع وقع ما علق به ، إن حصل كذا فأنا حلال ، إذن فإذا حصل فهو حلال ، بسبب التعليق . الاشتراط بالقلب : هل يصح الاشتراط بالقلب ؟ أم لا بد أن يكون بالقول ؟ . الصحيح من المذهب : أنه لا بد أن يكون بالقول . أدلتهم : الدليل الأول : أن ضباعة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ، ماذا أقول ؟ قال (قولي اللهم إن حبسني ....) . الدليل الثاني : القياس على الاشتراط في النذر والاعتكاف والوقوف ، فلا بد فيها من القول ، ولا ينفع فيها الاشتراط بالقلب . وذهب الحنابلة في قول : إلى أنه يصح ، وأنه تابع للإحرام ، والإحرام ينعقد بالنية ، فإذا كان الإحرام ينعقد بالنية ، فإن ما يتبع الإحرام (الاشتراط) ينعقد بالنية كذلك . وهذه من المسائل المشكلة التي تحتاج إلى ترجيح ، فإذا نظرت إلى دليلهم ، فلهم وجاهة ، وإذا نظرت إلى أنه تابع للإحرام ، والإحرام ينعقد بالنية كما هو المذهب ، ومذهب المالكية ، والشافعية ، إذا نظرت إلى هذا الأمر ، وأن الاشتراط تابع للنية ، فهو وجيه أيضا ، ولذا ابن قدامة رحمه الله - صاحب المغني - ذكر القولين احتمالين وأطلقهما ، ولم يرجح واحدا منهما . إذا اشترط في شيء فوقع آخر : شيخنا رحمه الله في الممتع يرى أنه يحتمل أمرين : الأمر الأول : أن يصح الاشتراط ؛ لأنه قال : إن حبسني حابس ، وهو لفظ عام ، والعبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب ، فيكون عاما ؛ ولأنه نكرة في سياق الشرط فيشمل كل شيء . الأمر الثاني : يحتمل أنه لا ينفعه ، وذلك أن الحال قد تخصص العموم ، والمراد : حال الإنسان حينما اشترط ، قد تخصص عموم لفظه ، فإنه لما قال : إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ، هو يقصد هذا الحابس أو هذا العذر .قال رحمه الله (هذا محتمل لأمرين لكن عموم قوله صلى الله عليه وسلم : (حابس فمحلي ..) نكرة في سياق الشرط فتشمل كل شئ ، ويحتمل أنه لا ينفعه ، وذلك أن الحال- أي حال الإنسان- قد تخصص العموم). مسألة : على القول بأن الاشتراط لا ينفع إلا في وقت الحاجة ، لو اشترط بغير حاجة فهل ينفعه اشتراطه إذا وقع المشروط ؟ . القول الأول : أن الشرط ينفعه ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . القول الثاني : أن الشرط لا ينفعه . دليلهم : أن ما ترتب على غير المأذون به شرعا غير معتبر ، فإذا كان الأصل غير مأذون به ، فما ترتب عليه غير مأذون به ، والقول بترتب الحكم عليه وهو غير مأذون ، فيه مضادة للشرع. اشتراط التحلل بلا عذر : إذا اشترط التحلل بلا عذر ، كأن يقول : إن تعبت ، إن ندمت ، إن بدا لي أن أخرج ، فهل ينفعه هذا الاشتراط أو لا ؟ الجواب : لا ينفعه ، لا إشكال في هذا ، ولذا نص الشافعية والحنابلة رحمهم الله ، على عدم النفع ، فهو نوع من التلاعب ، والحج والعمرة يلزمان بالشروع فيهما . فائدة الاشتراط :

عدد الصفحات ٥٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 54 فائدته : أن الإنسان يحل بمجرد حصول العذر له ، يحل مباشرة ، هذا أولا ، الأمر الثاني : أنه يحل مجانا ، ليس عليه دم كالمحصر ، المحصر إذا أحصر عن البيت عن الحج أو العمرة ، فإنه يحلق رأسه ، ويذبح هديا ، هنا المشترط يحل مجانا ، فلا ينحر هديا ، ولا يحلق رأسه ، بل ينزع إحرامه ويذهب . قال رحمه الله : وأَفْضَلُ الأنساكِ التَّمَتُّعُ . المؤلف رحمه الله تكلم عن كيفية الإحرام وما يتعلق به ، ثم بدأ في ذكر الأنساك التي يفعلها الحجاج ، وأي الأنساك يختار؟ . أفادت عبارة المؤلف (وأفضل الأنساك التمتع) أن الأنساك أكثر من نسك ، وهو كذلك فهي التمتع والقران والإفراد ، وكل هذه الأنساك حج بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : (حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمنا من أهل بحج ، ومنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج) متفق عليه ، وينبغي أن يُقدم بمقدمة في التعريف بهذه الأنساك . الأنساك هي : التمتع والإفراد والقران . نسك التمتع : (التمتع) : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، ثم يحل منها ، ثم يحرم بالحج في عامه . وسمي تمتعا ؛ لأن المتمتع يترفه بترك أحد السفرين ، فبدل أن يسافر للعمرة سفرة ، وللحج سفرة أخرى ، سافر سفرة واحدة ، يأتي فيها بالعمرة ، ثم يأتي بعد ذلك بالحج . وسمي تمتعا أيضا ؛ لأن الحاج يتمتع بين العمرة والحج بما أحل الله له بعد أن كان حراما عليه أثناء العمرة ، فهو لما تلبس بإحرام العمرة حرمت عليه المحظورات ، محظورات الإحرام ، ثم حل من عمرته ، فحل له ما كان حراما عليه ، ثم تلبس بالحج ، فحرم ما كان حراما عليه في العمرة . نسك الإفراد : (الإفراد) : أن يحرم بالحج وحده ، وليس من تمام التعريف(وأن يعتمر بعد انقضاء النسك) وإن كان الفقهاء يذكرونه ، ولذا لو أن الإنسان أتى بالحج وحده ، ثم سافر ولم يعتمر بعده ، فإنه يعتبر مفردا . لماذا يعتمرون بعد الحج ؟ لأنهم كانوا يأتون من أماكن بعيدة ، ولا يتيسر لهم أن يعتمروا في سفرة مستقلة ، فيعتمرون بعد أن ينتهوا من حجهم ، فإذا حجوا وانتهوا أتوا بعمرة بعد الحج ، وهذه العمرة هل هي مشروعة أو لا ؟ جمهور أهل العلم رحمة الله عليهم ، على مشروعيتها ، فهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ، ومعه طائفة من أهل العلم إلى عدم مشروعية هذه العمرة ، وقد جاء عند أبي داود ، أن ابن عباس رضي الله عنهما ، ذكر أن عمرة عائشة بعد الإفراد إنما هي من أجل إبطال عادة أهل الجاهلية ، والجمهور على مشروعيتها ؛ لقصة عائشة رضي الله عنها ، فإنها أحرمت متمتعة ، فحاضت في طريق مكة ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ، أن تدخل الحج على العمرة ، فتصبح قارنة ، فلما انتهت من حجها قال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر [طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك]فأبت ، فبعثها النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم ، فجاءت بعمرة ، وهذا في المتفق عليه ، ولذا يقول شيخ الإسلام : (ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا خلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر ، لا في رمضان ولا في غير رمضان ، والذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ليس منهم من اعتمر بعد الحج إلا عائشة رضي الله عنها ، ما حكم من أفرد الحج وأتى بعمرة بعده هل يكون متمتعا عليه دم ؟ وهل تجزئ هذه العمرة عن عمرة الإسلام أو لا ؟ والأقرب أن يقال : ليس من السنة أن يعتمر الإنسان بعد الحج المفرد ، لكنه جائز ، ولم يكن يفعله الصحابة رضي الله عنهم ، ولم يثبت فيه إلا حديث عائشة رضي الله عنها ، بعد إلحاح منها .

عدد الصفحات ٥٤

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 55 إذن : لا يمكن أن يقول الإنسان إنها بدعة ، وقد قال بها أئمة الدين ، فهو مذهب الأئمة الأربعة ، لكن يقال : هذا جائز لكنه غير مشروع ، ربما يدخل في القاعدة التي ذكرها شيخنا وذكرها ابن القيم قبل ، فهذا الفعل جائز لكنه غير مسنون ، لكن لو فعل لا يجسر أحد أن يبدعه . نسك القران : القران له صور : الصورة الأولى : أن يحرم بالحج والعمرة معا . يقول : لبيك عمرة وحجا ، أو لبيك حجا وعمرة . وقد استحب الفقهاء تقديم الأصغر على الأكبر ، فيقول : لبيك عمرة وحجا ، يقدمها في الذكر . أدلة هذه الصورة : الدليل الأول : عن أنس رضي الله عنه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ملبيا يقول : (لبيك عمرة وحجا ، يلبي بالحج والعمرة جميعا) أخرجه الإمام مسلم . الدليل الثاني : عن عمر رضي الله عنه ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم [أتاني الليلة آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة]أخرجه الإمام البخاري ، وهذا قد ينازع في الاستدلال به ، لكن الأول صريح واضح ، فإنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا . الصورة الثانية : أن يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها ، وهذه الصورة ذهب عامة أهل العلم ، إلى أنها جائزة ، كما نقل شيخ الإسلام وغيره . دليلهم : حديث عائشة رضي الله عنها ، أنها أهلت بالحج ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر [يسعك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك]فأبت رضي الله عنها ، فبعث بها مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم ، فاعتمرت بعد الحج ، متفق عليه . قالوا فعائشة رضي الله عنها أدخلت الحج على العمرة ، فهي لما جاءت من المدينة كانت محرمة بعمرة ، متمتعة ، فحاضت ، فأدخلت الحج على العمرة ، فأصبحت قارنة ، هنا إدخال الأكبر على الأصغر ، قال شيخ الإسلام حين تكلم عن الإحرام(وأحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجز على الصحيح ، ويجوز العكس باتفاق) أي أن يحرم بعمرة ، ثم يدخل الحج عليها . هذه الصورة شيخ الإسلام ينقل فيها الاتفاق ، الأئمة الأربعة على جوازها ، وعامة أهل العلم ، ويستدلون بقصة عائشة رضي الله عنها ، وقد نظرها شيخنا وغيره ، وقال : إن الدليل هنا أخص من المدلول ، فقضية عائشة في عذر ، عذر طرأ على المرأة ، فاحتاجت إلى أن تدخل الحج على العمرة ، وكذلك كل معذور ، فإنه يجوز له في هذه الحال أن يدخل الحج على العمرة ، لكن في حال السعة والتيسير ، كيف يقال له : اجمع الحج والعمرة ، مع أن الإنسان يؤمر إذا كان قارنا ، أن يحل من عمرته ليصبح متمتعا ، ولو بعد الطواف والسعي ، ولو بعد يوم أو يومين من طوافه وسعيه ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، الصحابة بأن يحلوا بعد طوافهم وسعيهم ، ويجعلوها عمرة ، ثم يهلوا بالحج في يوم التروية ، لذا قال شيخنا رحمه الله (في نفسي من هذا شيء ، كيف يجمع المسلمون على شيء مضاد للسنة ، فالسنة لو كان الإنسان محرما بحج يقال له : اجعلها عمرة ، حتى لو بعد الطواف والسعي بيوم أو يومين فهو محل نظر ؛ لبعده ، لكن إن كان لعذر فلا بأس) و قال (إن كان قد حكي الاتفاق فيه والإجماع ، فليس لأحد أن يخالف الإجماع والاتفاق الحاصل بين أهل العلم رحمة الله عليهم) والاتفاق منقول في جواز هذه الحال ، ولو في غير ضرورة ، والدليل لهم في حال الضرورة ، امرأة حاضت بعد أن أحرمت بالعمرة ، ولن تدرك وقت العمرة ، فماذا تصنع ؟ تدخل الحج على العمرة ، فتصبح قارنة ، هذا في حال الضرورة ، وفي حال السعة ؟ قالوا : وفي حال السعة يجوز ، فقاسوا حال السعة على حال الضرورة ، ونقلوا الاتفاق على هذا .

عدد الصفحات ٥٥

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 56 زمن إدخال الحج على العمرة : لا إشكال أنه إذا انتهى من عمرته فليس الحق في إدخال الحج على العمرة ، أو انتهى من طوافه ، فليس له الحق في إدخال الحج على العمرة ؛ لأنه قد شرع في أسباب التحلل منها ، ولا إشكال عندهم أنه لو أدخل الحج على العمرة قبل أن يشرع في الطواف فلا بأس به ، إنما الإشكال والخلاف فيما إذا شرع في الطواف ، فهل له الحق في أن يدخل الحج على العمرة في هذه الصورة أم لا ؟ لأهل العلم في هذه المسألة قولان : القول الأول : إن شرع في الطواف فليس له الحق في الإدخال ، ولا يصبح قارنا ، وهذا رأي عطاء ، وأبي ثور ، وإسحق ، وأشهب ، وهذه الرواية المشهورة عن الإمام أبي حنيفة ، وهو مذهب والحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن هذا منقول عن ابن عمر ، ونقله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال (تمتع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) متفق عليه ، وقال : قالت حفصة للنبي صلى الله عليه وسلم [ما شأن الناس حلوا وأنت لم تحل ؟ قال : إني لبدت رأسي وسقت هديي ، فلا أحل حتى أنحر]وهو متفق عليه ، فالرسول صلى الله عليه وسلم ، شرع بالعمرة ، ثم أدخل الحج على العمرة ، وهذا الكلام مترتب على ما هو نسك النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحرم به ، لأنه قد ينازع منازع ، ويقول : الرسول حج قارنا ، لم يحج متمتعا ، لكن على رأي ابن عمر أنه حج متمتعا . الدليل الثاني : أنه شرع في أسباب التحلل لبدء عمرته ، فليس له أن يقلب تمتعه قرانا . القول الثاني : أن من أحرم بعمرة ثم أدخل الحج عليها ، فإنه يجوز له إدخال الحج ، وإن شرع في الطواف ، ما لم ينته من طوافه ، له الحق ما دام في طوافه ، وهذا مروي عن علي ، وابن عمر ، والنخعي ، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة في رواية ، و المالكية ، وعند الحنفية قول : إن المدار على أربعة أشواط ، فإن طاف أربعة أشواط فليس له حق في إدخال الحج ، وإن طاف أقل من أربعة أشواط فله الحق في إدخاله . دليلهم : أنه أدخل الحج على إحرام العمرة ، فيصح ، كما لو كان قبل الطواف ، فعندهم القضية هي إدخال الحج على إحرام العمرة ، فيستوي فيها ما قبل الطواف وما كان في أثنائه . الصورة الثالثة : أن يحرم بالحج ثم يدخل العمرة عليه ، أدخل الأصغر على الأكبر ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله هل يصبح قارنا أم لا ؟ على قولين : القول الأول : أنه يصبح قارنا ، وهذا رأي جابر ، وعطاء ، وطاوس ، والأوزاعي ، والحنفية ، والشافعية في القديم ، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين. أدلتهم : الدليل الأول : حديث عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [أتاني آت من ربي .. فقال : قل عمرة في حجة] الدليل الثاني : عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [..فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة] أخرجه الإمام مسلم . القول الثاني : أنه إذا أدخل العمرة على الحج لا يصبح قارنا ولا يستفيد من هذا الإدخال شيئا ، وهذا مروي عن علي ، وهو رأي أبي ثور ، وإسحق ، وابن المنذر ، ومذهب المالكية ، والشافعية في الجديد ، والحنابلة ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله .

عدد الصفحات ٥٦

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 57 أدلتهم : الدليل الأول : أنه لا يجوز إدخال الأصغر على الأكبر . قال شيخنا رحمه الله : (وهذا مجرد قياس لا دليل عليه ، النبي صلى الله عليه وسلم ، قد ذكر أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة ، وذكر أن العمرة حج أصغر) . الدليل الثاني : أنه بإدخال العمرة على الحج لا يستفيد شيئا . وهذا غير مسلم ، بل يستفيد ؛ لأنه بدل أن كان سيحج مفردا ، سيصبح قارنا ، ويرجع بحج وعمرة بدل الحج . الراجح : هو القول الأول ، أنه إذا أحرم الحاج بحج ثم أدخل العمرة على الحج ، فإنه يصح ، ويصبح قارنا ، والله أعلم . مسائل في الأنساك : هناك مجموعة من المسائل يترتب عليها معرفة أفضل الأنساك وهي : المسألة الأولى : هل للحاج اختيار أي نسك : اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن له أن يختار من الأنساك أيها شاء ، وإليه ذهب عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، بل قد حكاه بعضهم إجماعا ، كابن هبيرة ، وابن قدامة ، والنووي رحمهم الله . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها قالت : (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج ، وأهل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحج ..) متفق عليه . الدليل الثاني : حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت : (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال [ :من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل]متفق عليه ، فهنا دليل قولي وإقراري من النبي صلى الله عليه وسلم . القول الثاني : أن التمتع واجب على الحاج على كل حال ، وليس له الحق في أن يحج مفردا أو قارنا إلا من ساق الهدي ، و إليه ذهب ابن عباس رضي الله عنهما ، وطائفة من أصحابه ، وهو رأي عطاء ورأي ابن القيم أدلتهم : الدليل الأول : الأحاديث الثابتة ، عن ابن عباس وعائشة وجابر وأبي موسى ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر أصحابه لما طافوا بالبيت أن يحلوا ويجعلوها عمرة ، وهي أحاديث في صحيح الإمام البخاري ومسلم . الدليل الثاني : عن جابر رضي الله عنه ، قال : (حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، يوم ساق البدن معه ، وقد أهلوا بالحج مفردا ، فقال لهم [ :حلوا من إحرامكم ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة]فقالوا : كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج ؟ فقال [ :افعلوا ما أمرتكم به ، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به) وفي لفظ : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : [قد علمتم أني أتقاكم لله ، وأصدقكم وأبركم ، ولولا هديي لحللت كما تحلون ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت] فحللنا وسمعنا وأطعنا). متفق عليه ، فأمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا ، وألزمهم بالحل فحلوا ، فدل على أن التمتع واجب على كل حاج . نوقش الاستدلال بالأحاديث : بأن الأمر فيها ليس على سبيل الوجوب بالنسبة للأمة كلها ، بل هي خاصة بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، واستدلوا بما ثبت في الصحيح ، من كلام أبي ذر رضي الله عنه ، أنه قال : (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة) قالوا : وأما غيرهم فهو مخير بين الأنساك الثلاثة ، ولذا لما سأله سراقة بن مالك رضي الله عنه [ألعامنا هذا أم

عدد الصفحات ٥٧

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 58 للأبد ؟ قال : بل لأبد الأبد]فحتم على أصحابه أن يحلوا ، وكان إحلالهم واجبا عليهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، واجههم بهذا الأمر. الراجح : والله أعلم هو القول الأول ، الذي ذهب إليه عامة أهل العلم ، أن الحاج مخير بين الأنساك الثلاثة ، فإذا أراد أن يحج مفردا فذلك له ، وإن أراد أن يحج متمتعا أو قارنا فذلك له ، لكن مسألة التفضيل تأتي بعد . المسألة الثانية : فسخ الحج إلى عمرة : تقدم في المسألة السابقة ، أن التمتع نوع من أنواع الأنساك ، وأنه ليس واجبا ، وأن الإنسان مخير ، وثبت متواترا أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر أصحابه أن يحلوا ويجعلوا إحرامهم بالحج عمرة ، وأجمع أهل العلم على تصحيح الأحاديث في هذا الباب ، وأنها أحاديث ثابتة ، وهذا لمن لم يسق الهدي ، وأما من ساق الهدي فإنه لا يحل حتى ينحر هديه ، ثم اختلفوا بعد ذلك في حكم فسخ الحج إلى عمرة ، أحرم بحج ، وأراد أن يجعل حجه عمرة ، كما فعل الصحابة الكرام رضي الله عنه ، فهل يشرع ذلك له أو لا ؟ على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنه لا يجوز فسخ الحج إلى عمرة ، و إليه ذهب كثير من أهل العلم ، فهو مذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : أثر أبي ذر رضي الله عنه ، السابق ، قال : (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة) أخرجه الإمام مسلم رحمه الله . الدليل الثاني : عن الحارث بن بلال بن الحارث ، عن أبيه ، أنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم [أرأيت فسخ الحج في العمرة ، لنا خاصة أم للناس عامة ؟ فقال : بل لنا خاصة]أخرجه الخمسة إلا الترمذي ، نوقشت أدلتهم : أما أثر أبي ذر (لنا خاصة) فالمراد به كما ذكر شيخ الإسلام وغيره : الوجوب والتحتم ، وأما قوله (كانت لنا رخصة) قالوا : هذا اجتهاد منه رضي الله عنه ، ولذا سبق أن ابن عباس وأصحاب ابن عباس يرون وجوب المتعة ، وأنه لو أحرم الإنسان بالحج لزمه أن يجعلها عمرة ، ويجب عليه التمتع ، وإذا اختلف قول صحابيين ، طلب المرجح بينهما ، وسيأتي الترجيح . أما حديث الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه ، فهو حديث ضعيف ، كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله ، وقد سأله ابنه عبد الله عن هذا الحديث ، فقال : (لا أقول به ، لا يعرف هذا الرجل ، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف ، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت) فالإمام وكثير من أهل العلم يرون ضعف هذا الحديث . القول الثاني : أنه يجب فسخ الحج إلى عمرة ، وهذا رأي من قال بوجوب التمتع ، لأنهم إذا كانوا يرون وجوب التمتع ، وأحرم الإنسان بحج ، فيجب عليه أن يحل ، وأن يفسخه إلى عمرة ، وإذا انتهى من عمرته يهل بالحج في وقت الحج . القول الثالث : أن فسخ الحج إلى عمرة مستحب ، وهذا رأي أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وهو رأي الإمام البخاري ، ومذهب الحنابلة ، وهو من المفردات ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخنا ابن عثيمين . أدلتهم : ذكروا مجموعة كثيرة من الأدلة ، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله ، لسلمة بن شبيب لما ناقشه وانتقده في هذه المسألة قال (عندي ثمانية عشر حديثا صحاحا جيادا ، كلها في فسخ الحج ، أتركها لقولك؟). منها : الدليل الأول : عن جابر رضي الله عنه ، قال : (أهللنا أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم بالحج خالصا وحده ، فقدم النبي صلى الله عليه و سلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل قال [ :حلوا وأصيبوا النساء] - قال عطاء ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم – فقلنا : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني ، قال : فقام النبي

عدد الصفحات ٥٨

وأصيبوا النساء] - قال عطاء ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم – فقلنا : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني ، قال : فقام النبي صلى الله عليه و سلم فينا فقال [ :قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ، ولولا هديي لحللت كما تحلون ولو استقبلت من

عدد الصفحات ٥٨

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 59 أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلوا] فحللنا وسمعنا وأطعنا ، فقدم علي من سعايته فقال [ :بم أهللت ؟] قال : بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم [ :فأهد وامكث حراما] قال : وأهدى له علي هديا ، فقال سراقة بن مالك بن جعشم : يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد ؟ فقال [ :لأبد] . )متفق عليه ، وفي الباب عن أبي سعيد ، و أسماء ، وسراقة ، وأبي موسى ، وحفصة ، وعائشة ، و جابر ، و ابن عمر ، وكلهم ذهبوا إلى الاستحباب . الراجح : أنه يستحب للحاج إذا أحرم بالحج أن يفسخه إلى عمرة ؛ لأن هذا ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، أصحابه ، ولأنه أكمل وأتم ، فهو يأتي بعمرة وحج . المسألة الثالثة : نوع نسك النبي صلى الله عليه وسلم : هذه مسألة مشكلة جدا ، وهي : بماذا أحرم النبي صلى الله عليه وسلم ؟ هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمة الله عليهم ، وسبب اختلافهم : أنه روي أنه كان مفردا ، وروي أنه كان متمتعا ، وروي أنه كان قارنا ، رواها عدد من الصحابة ، اختلفوا فيما بينهم على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان قارنا ، وهذا رأي إسحق رحمه الله ، وإليه ذهب الحنفية ، وهو المنصوص عن الإمام أحمد ، والشافعية في قول ، وابن حزم ، واختاره شيخ الإسلام ، وابن القيم ، وشيخنا ، وغيرهم من أهل العلم . أدلتهم : الدليل الأول : عن أنس رضي الله عنه ، قال : (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا : لبيك عمرة وحجا ، لبيك عمرة وحجا). أخرجه الإمام مسلم . الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : (تمتع رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى ، فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج..) متفق عليه ، والتمتع في عرف الصحابة ولسانهم : القران . القول الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حج مفردا ، و إليه ذهب المالكية ، والشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بحج ، وأهل النبي صلى الله عليه وسلم بالحج). أخرجه الإمام مسلم ، وفي رواية : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج). الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنه ، قال : (أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالحج مفردا) القول الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حج متمتعا ، و إليه ذهب بعض الشافعية وبعض الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : عن عمران بن حصين رضي الله عنهما ، قال : (تمتع النبي صلى الله عليه وسلم ، وتمتعنا معه).أخرجه الإمام مسلم. الدليل الثاني : عن عمران : (تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم ينزل فيه القرآن قال رجل برأيه ما شاء) متفق عليه . العلماء رحمهم الله اختلفوا أمام هذه الأحاديث ، هل يجمع بينها وما طريقة الجمع ؟ أم يصار إلى الترجيح فيما بينها ؟ اختلفوا على مسالك ، منهم من ذهب إلى الجمع ، ومنهم من سلك مسلك الترجيح ، وقال : إن هذه الأحاديث لا يمكن الجمع بينها ؛ لأنها متعارضة تعارضا تاما ، أما أصحاب مسلك الجمع فإنهم ذهبوا إلى طريقتين ، المالكية ، والشافعية ، والحنابلة .

عدد الصفحات ٥٩

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 60 الطريقة الأولى : قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، أهل أولا بالإفراد ، ثم أهل بعد ذلك بالقران ، أهل بالحج أولا ، ثم أدخل العمرة على الحج ، وقال به بعض علماء المالكية ، وبعض علماء الشافعية، وابن حزم رحمه الله سلك هذا المسلك ، وألف كتابه حجة الوداع ، وبينه بيانا شافيا . وبعض العلماء ينتقد هذه الطريقة ، ويقول : لا يمكن المصير إليها ؛ لأن الرواية صريحة في أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أهل بهما جميعا ، قال أنس : (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجا) فلبى بالأمرين ، وحديث عمر (وقل : عمرة في حجة) ولا يمكن أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لبى بالحج أولا ثم أدخل العمرة عليه . الطريقة الثانية : أن المراد بالإفراد إفراد أعمال الحج ؛ لأن أعمال القارن مثل أعمال المفرد ، إلا في شيئين : النية ، والهدي . قال شيخ الإسلام رحمه الله في الجمع : (والصواب أن الأحاديث متفقة ، ليست مختلفة ، إلا اختلافا يسيرا يقع مثله في غير ذلك ، فإن الصحابة رضي الله عنهم ، ثبت عنهم أنه تمتع ، والتمتع عندهم يتناول القران ، فتحمل عليه رواية من روى أنه حج متمتعا ، وكل من روى الإفراد ، قد روى أنه صلى الله عليه وسلم حج تمتعا وقرانا ، فيتعين الحمل على القران ، وأنه أفرد أعمال الحج) وذهب بعض أهل العلم إلى الترجيح ، ترجيح رواية القران على رواية الإفراد والتمتع ، وهذا اختاره الشنقيطي رحمه الله ، وقال ابن القيم : (وإنما قلنا : إنه أحرم قارنا ، لبضعة وعشرين حديثا صحيحة صريحة في ذلك) ويقول النووي : (والصواب الذي نعتقده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا) هؤلاء يجمعون بين النصوص ويرجحون أنه كان قارنا ، يرجحون بعد الجمع أنه كان قارنا ، لكن الموقف من النصوص هو موقف الجمع وليس موقف الترجيح ، أما الشنقيطي ومن سلك مسلكه ، فإنهم يرون أنه لا يمكن الجمع ؛ لأنهم يرون أن الأحاديث متعارضة ، هذا يقول : أفرد ، وهذا يقول : تمتع ، والثالث يقول : قرن ، فلا يمكن أن يجمع بينها مطلقا ، فذهب إلى ترجيح أحاديث القران على أحاديث الإفراد والتمتع ، وكل له وجهه . الراجح : هو مذهب من سلك مسلك الجمع ؛ لأن الجمع ممكن ، وما دام أن الجمع بين النصوص ممكن ، فإنه يصار إليه حتى لا تلغى دلالة النصوص الأخرى ، والجمع بين ظاهر ؛ لأن من روى الإفراد روى القران ، ومن روى القران روى التمتع ، فإذا كان قد روى هذا فهذا يدل على أنه قصد معنى ، ولم يقصد في المرة الأولى أنه حج مفردا بمعنى الإفراد ، وأنه حج قارنا بمعنى القران ، أو حج متمتعا بمعنى التمتع ، إنما أراد معنى مشتركا بينها فإنه تمتع تمتع قران ، وأفرد أعمال الحج ، وقرن بين النسكين ، وكان قارنا باعتبار جمعه بين النسكين ، ومفردا باعتبار اقتصاره على أحد الطوافين والسعيين ، ومتمتعا بترفهه بترك أحد السفرين ، ومن تأمل ألفاظ الصحابة ، وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض ، واعتبر بعضها ببعض ، وفهم لغة الصحابة ، أسفر له صبح الصواب ، وانقشعت عنه ظلمة الاختلاف والاضطراب . مرجحات حج النبي قارنا : ذكر ابن القيم وغيره مجموعة من مرجحات أنه حج قارنا ، ذكر رحمه الله أكثر من أربعة عشر وجها ، منها : 1- أنها أكثر رواية ، وكما قيل في المراقي : وكثرة الدليل والرواية ... مرجِح لدى ذوي الدراية 2- كثرة رواة حجه قارنا ، فيقال إن طرق الإخبار بذلك تنوعت . 3- أن من روي عنهم الإفراد روي عنهم القران . 4- أنها صريحة لا تحتمل التأويل ، بخلاف روايات الإفراد . 5- أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي ، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثم يسوق هو الهدي ويخالفهم

عدد الصفحات ٦٠

وي عنهم القران . 4- أنها صريحة لا تحتمل التأويل ، بخلاف روايات الإفراد . 5- أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي ، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثم يسوق هو الهدي ويخالفهم 6- قوله صلى الله عليه وسلم [دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة]وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءا منه ، أو كالجزء الداخل فيه ، بحيث لا يفصل بينها وبينه .

عدد الصفحات ٦٠

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 61 من هذا كله نصل إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حج قارنا ، كما قال الإمام أحمد رحمه الله (لا أشك أنه كان قارنا والمتعة أحب إلي) . هذه كلها مقدمات ، ونصل إلى المراد ، ما هو أفضل نسك يحج به الإنسان ؟ . قوله : (وَأَفضلُ الأنساكِ التمتعُ ) . أفضل الأنساك : إما أن يكون الحاج قد ساق الهدي ، وإما أنه لم يسق الهدي ، وكل مسألة فيها خلاف على أقوال . أفضل الأنساك لمن لم يسق الهدي : اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : القول الأول : أن التمتع أفضل الأنساك لمن لم يسق الهدي ، وهذا رأي ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، والحسن ، وعطاء ، وطاوس ، والشافعية في قول ، وهو المذهب عند الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن التمتع هو الذي ذكره الله عز وجل في كتابه ، في قوله تعالى {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ} فذكره يدل على أنه أفضل ، ولو كان القران أفضل لذكره . الدليل الثاني : حديث جابر رضي الله عنه ، أنه قال : (أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحج مفرد ، وأقبلت عائشة بعمرة ، حتى إذا كنا بسرف عرِكت - حاضت - حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يحل منا من لم يكن معه هدي ، فقلنا : حِل ماذا ؟ قال : الحلَّ كله). أخرجه الإمام مسلم رحمه الله ، فأمرهم بالتمتع ، وهو دليل على أن التمتع أفضل الأنساك . القول الثاني : أن القران أفضل لمن لم يسق الهدي ، وهذا رأي الثوري ، وابن المنذر ، وإليه ذهب الحنفية. أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حج قارنا ، فالقران أفضل ؛ لأن الله عز وجل قد اختاره لنبيه . الدليل الثاني : حديث أنس رضي الله عنه ، أنه صلى الله عليه وسلم حج قارنا ، قال (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لبيك عمرة وحجا ، يلبي بالحج والعمرة جميعا) . القول الثالث : أن الإفراد أفضل الأنساك لمن لم يسق الهدي ، قال به أبو بكر رضي الله عنه ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وهو مروي عن جابر ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وإليه ذهب المالكية ، والشافعية ، وهو قول له وزنه واعتباره ، ذهب إليه أئمة الدين الأربعة ، خاصة الثلاثة ؛ لأن عليا رضي الله عنه ، قد نقل عنه تفضيل التمتع ، لكن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يأمرون الناس بالإفراد. أدلتهم : الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بعمرة وحج ، ومنا من أهل بحج ، وأهل النبي صلى الله عليه وسلم بالحج) أخرجه الإمام مسلم ، فقوله أهل بالحج ، دال على أنه حج مفردا ، فرجعنا إلى مسألة : بم حج النبي صلى الله عليه وسلم . الدليل الثاني : عن جابر رضي الله عنه ، قال : (لسنا ننوي الحج ، لسنا نعرف إلا العمرة). أخرجه الإمام مسلم .

عدد الصفحات ٦١

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 62 الراجح : هو ما ذكره شيخ الإسلام ، فقد ذكر تفصيلا جميلا وقال : (فالتحقيق في ذلك أنه يتنوع باختلاف حاله ، فإن كان يسافر سفرة للعمرة ، وللحج سفرة أخرى ، أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج ، ويعتمر ويقيم بها حتى يحج ، فهذا الإفراد له أفضل باتفاق الأئمة الأربعة... وأما إذا فعل ما يفعله غالب الناس ، وهو أن يجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة ، ويقدم مكة في أشهر الحج ، فهذا إن ساق الهدي فالقران أفضل له ، وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل) أهك . أفضل الأنساك لمن ساق الهدي : القول الأول : أن أفضل الأنساك لمن ساق الهدي الإفراد ، وإليه ذهب المالكية ، وهو الصحيح عند الشافعية . أدلتهم : الدليل الأول : ما جاء في حديث جابر ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حج مفردا ، مع أنه قد ساق الهدي ، وإن كانوا يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد ذلك قد أدخل العمرة على الحج ، لكن يقولون : الأفضل هو الإفراد . ونوقش : بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا ، ولأن من قال من الصحابة : إنه كان قارنا ، ثبت عنه أنه كان متمتعا ، فرجع قولهم إلى القران كما تقدم ، وأن مرادهم بالإفراد : إفراد أعمال الحج ، فرجعنا إلى الكلام في صفة إهلال النبي صلى الله عليه وسلم . القول الثاني : أن أفضل الأنساك لمن ساق الهدي التمتع ، وإليه ذهب الشافعية في قول ، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة. أدلتهم : الدليل الأول : الأحاديث السابقة في أن النبي صلى الله عليه وسلم حج متمتعا ، وإذا كان متمتعا وقد ساق الهدي ، فالأفضل لمن ساق الهدي أن يحج متمتعا ، كحديث ابن عمر ، قال : (تمتع النبي صلى الله عليه وسلم ، في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) . الدليل الثاني : عن سعيد بن المسيب قال : (اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان ، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة ، فقال علي : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه ؟ فقال عثمان : دعنا منك ، فقال : إني لا أستطيع أن أدعك ، فلما أن رأى علي ذلك أهل بهما جميعا). متفق عليه . القول الثالث : أن من ساق الهدي يجب عليه الحج قارنا ، و إليه ذهب الظاهرية. أدلتهم : الدليل الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ :لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولأحللت معكم]، فأخبر أن سوق الهدي قد منعه من الحل ، وهذا يتضمن أن القران أصبح واجبا عليه ، فالواجب على من ساق الهدي أن يحج قارنا . الدليل الثاني : عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس : [من كان منكم أهدى فإنه لايحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه] متفق عليه. القول الرابع : من ساق الهدي فالأفضل له القران ، و إليه ذهب الحنفية ، والحنابلة في رواية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليهم جميعا ، والفرق بين هذا القول والأول : أنه هنا أفضل ، والظاهرية يقولون يجب. أدلتهم : أدلة الأقوال السابقة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ، ساق الهدي ، وامتنع عن الحل حتى ينحر هديه ، وبناء على هذا يكون القران أفضل ، ولكن للإنسان لو ساق الهدي أن يهل بحج مفرد ، ولا يجب عليه أن يكون قارنا ، والهدي هذا من باب التطوع وليس واجبا ، وهل يمكن أن يكون متمتعا ؟ لا يمكن ، وإن كان في المذهب أنه يمكن أن يكون متمتعا ، ولا يحل ولا يقصر ، لكن إذا لم يقصر فإنه يبقى على إحرامه ، ثم يحرم بالحج ، ويدخل الحج على العمرة ، فيكون قارنا ، وهذا لا يمكن إلا في حال الضرورة ؛ لأن إدخال الحج على العمرة لا بد أن يكون قبل الشروع في طوافها على الراجح .

عدد الصفحات ٦٢

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 63 الراجح : هو القول الأخير ، أن من ساق الهدي فالأفضل له القران وليس واجبا عليه ، ويجوز أن يكون مفردا ، ولا يمكن أن يكون متمتعا . هل الأفضل أن يسوق الهدي أو لا : هل الأفضل أن يسوق الهدي أو لا ؟ ذكر شيخنا رحمه الله ، أنه إن كانت سنة سوق الهدي قد اندثرت كما هو حاصل الآن ، فإن الإنسان لو ساق الهدي وكان لسوقه أثر في الناس ، وسوف يحيي هذه السنة ، فإن الأفضل أن يسوقها ويحج قارنا أو مفردا ، وهذا إذا كان يتصور أن يسوق الهدي ، وقرأت لبعضهم قال : هذا لا يفعل الآن إلا من بعض بادية تهامة ، وهذا من باب إحياء هذه الشعيرة العظيمة التي اندثرت أخيرا ، فإن استطاع الإنسان أن يأتي بهديه معه ، يسوقه ، ويضع عليه النعال ، يُشعره ويقلده ، فيعرف الناس أن هذا هدي ، وأنه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا شك أن إحياء السنة عظيم . حل من ساق الهدي : هل لمن ساق الهدي متمتعا أن يحل أم لا ؟ تقدم أن الراجح أن من ساق الهدي فإنه لا يحل حتى ينحر ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وهل يمكن أن يسوق المتمتع الهدي ؟اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أن للمتمتع أن يحل إذا ساق الهدي ، يسوق الهدي ويعتمر ، ثم إذا انتهى من عمرته يحل ، ثم يحرم بالحج ، إليه ذهب المالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية . القول الثاني : أن المتمتع إذا ساق الهدي فليس له أن يحل حتى يحرم بالحج ، فيرون أنه يأتي بالعمرة ، يطوف ويسعى ، لكنه لا يقصر ، ثم يحرم بالحج في يوم التروية أو قبل ذلك ، و إليه ذهب الحنفية ، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : حديث [لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة ، وتحللت منها] الدليل الثاني : حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه] متفق عليه . وجه الدلالة من الحديثين : أن من ساق الهدي لا يحل حتى ينتهي من حجه فإذا أحرم بعمرة فإنه لا يحل ثم يحرم بالحج في وقت الإحرام. القول الثالث : أن المتمتع إذا ساق الهدي فإنه لا يحل ، ويكون قارنا إذا أحرم بالحج . الراجح : هو القول الثالث والله أعلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سألته حفصة فقال [لا أحل حتى أنحر]و حديث ابن عمر ، أخبر أن من ساق الهدي لا يحل من شيء حتى يقضي حجه ، وهذا يقتضي أن يكون الإنسان باقيا على إحرامه الأول ، وإذا أدخل الحج على إحرام العمرة ، فإنه يصبح قارنا ، إذ لا يمكن أن يحلق ؛ لأنه لم ينحر ، وإذا لم يحلق فإن إحرام العمرة يبقى ، وإذا كان الإحرام باقيا وأدخل نسكا على النسك الذي هو فيه ، وهو نسك العمرة ، فإنه يصبح قارنا . قال المؤلف رحمه الله : وصِفَتُه أن يُحْرِمَ بالعُمرةِ في أَشْهُرِ الْحَجِّ ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ في عامِه . صفة التمتع : تقدم أن التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، ثم يفرغ منها ، ثم يحرم بالحج في العام نفسه ، وهو عند عامة أهل العلم ، لكن العلماء رحمهم الله ، جعلوا شروطا للتمتع ولوجوب الهدي ، بعضهم يرى أنها سبعة شروط ، وبعضهم خمسة ، وبعضهم يعدها أحد عشر شرطا ، ونذكر من أهم هذه الشروط . شروط التمتع : الشرط الأول : أن يعتمر في أشهر الحج ، فإن اعتمر قبل أشهر الحج ثم أحرم بالحج في أشهر الحج ، فإنه لا يكون متمتعا ، و إليه ذهب عامة أهل العلم ، لكن الإشكال فيما لو أحرم بالعمرة في رمضان ، ثم أدى أفعالها في شوال ، وهذا متصور ، كما لو أحرم قبل

عدد الصفحات ٦٣

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 64 غروب شمس آخر يوم من رمضان ، ثم غربت الشمس وهلَّ الشهر ، ثم دخل إلى مكة ليلة العيد ، وأدى أفعال العمرة ليلة العيد ، فهل يعتبر متمتعا لو نوى الحج ؟ وهل تكفي هذه العمرة عن عمرة التمتع أم لا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين : القول الأول : أنه يعتبر متمتعا ، عطاء ، وهو مذهب المالكية ، والشافعية في قول ، ورأي الحنفية إن طاف أربعة أشواط في شهر شوال فإنه يعتبر متمتعا ، وإن طاف أقل من أربعة لم يعد متمتعا . أدلتهم : الدليل الأول : أنه يصدق عليه أنه أتى بالعمرة في أشهر الحج ، لأنه أوقع أفعال العمرة في شهر من أشهر الحج وهو شوال . الدليل الثاني : الحنفية لهم تعليل ، يقولون : إن العمرة صحت في أشهر الحج ، بدليل أنه لو وطئ المرأة في شوال في إحرامه هذا ، فإن عمرته تفسد ، فقاسوا الإحرام في أشهر الحج على الإحرام قبل أشهر الحج ، بجامع صحة الإحرام في كل ، وأن الإحرام لا زال باقيا ، ولذا لو أن الإنسان وطئ امرأته في شهر شوال ، وقد أحرم في رمضان ، فإن إحرامه يفسد بهذا الوطء ، وهذا يدل على أن الإحرام متصل وموجود ، فيكون متمتعا . القول الثاني : أن من أحرم في رمضان ، ثم أتى بأفعال العمرة في شهر شوال فإنه لا يعتبر متمتعا ؛ لأن المتمتع لا بد أن يأتي بالإحرام والعمرة (الأفعال) في أشهر الحج ، و إليه ذهب جابر بن عبد الله ، وقتادة ، واسحاق ، وهو الأصح من مذهب الشافعية ، ومذهب الحنابلة . أدلتهم : الدليل الأول : أن العمرة تتكون من شيئين : إحرام وأفعال ، فلا بد من إيقاع شقي العمرة في شهر شوال . الدليل الثاني : أن الإحرام نسك من أنساك العمرة ، والعمرة لا تصح بدونه ، فلا بد أن يقع في أشهر الحج ، حتى يكون متمتعا . الراجح : هو القول الثاني ، وأنه لا بد أن يقع الإحرام وأفعال العمرة في أشهر الحج في شوال ، فإن وقع جزء منها خارج شهر شوال لا يعتبر متمتعا ؛ ولأن الله تعالى يقول (الْحَجُُّ أَشْهُرٌ مَُّعْلُومَاتٌ ) أي يقع الحج فيها ، فإن أهل بالحج قبلها لم يعتبر متمتعا ، وإن كان للقول الأول وجاهة وقوة ، وذلك لعدم النص فيهما. الشرط الثاني : أن يحرم بالحج في السنة التي اعتمر فيها ، وهذا أجمع عليه أهل العلم رحمة الله عليه ، وقد حكى الإجماع ابن المنذر رحمه الله ، فلو قدر أنه اعتمر في شهر شوال من عام 34 ، وحج في السنة التي بعدها عام 35 فإنه لا يعتبر متمتعا ، بل لا بد أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة . أدلتهم : الدليل الأول : ما ثبت في أثر ابن عباس ، وفيه أنه قال : (وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى في كتابه شوال وذو العقدة وذو الحجة ، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم) أخرجه الإمام البخاري ، فذكر أن من تمتع في هذه الأشهر فعليه دم ، فقوله (من تمتع في) يفيد أنه لا بد أن يقع التمتع في هذه الأشهر ، شهر شوال وذي القعدة وذي الحجة ، فإن وقع في سنة أخرى غيرها لم يعتبر متمتعا . الدليل الثاني : أثر مرسل ، أن سعيد بن المسيب قال (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعتمرون في أشهر الحج ، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا) وهو من مراسيل سعيد ، أخرجه البيهقي ، وحسنه النووي ، والألباني . الشرط الثالث : ألا يسافر المتمتع بين العمرة والحج ، فإن سافر فإنه لا يعتبر متمتعا على رأي عامة أهل العلم رحمة الله عليهم ، وإن كانوا قد اختلفوا فيما بينهم في حد السفر الذي يقطع التمتع ويسقط الدم ، على أقوال : القول الأول : أنه إذا سافر سفر قصر فإنه ينقطع تمتعه ، فإن كان السفر لا تقصر فيه الصلاة لم ينقطع تمتعه ، وهو رأي عطاء ، وإسحق ، و إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

عدد الصفحات ٦٤

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 65 أدلتهم : الدليل الأول : قوله تعالى {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}والتمتع إنما يحصل إذا ترفه الإنسان بترك أحد السفرين ، وإذا سافر سفر قصر بعد عمرته ، فإنه سينشئ سفرا جديدا حتى يرجع إلى مكة ، فهو لم يترفه ، فلا يجب عليه الهدي حينئذ. الدليل الثاني : أثر يروى عن عمر رضي الله عنه ويروى عن ابنه ، أنه قال(إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع ، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع) أخرجه ابن أبي شيبة من رواية عبد الله بن عمر العمري ، وأرجح الأقوال فيه أنه ضعيف كما ذكر الحافظ ، واحتج بهذا الأثر ابن قدامة وابن أخيه (الشارح) بقولهم : (ولنا) ، وذكره غالب متأخري الأصحاب في كتبهم ، وإن كان هذا أعم مما استدلوا به ؛ لأن المراد بالخروج قد يكون الرجوع إلى أهله . القول الثاني : أن لا يسافر المتمتع بين عمرته وحجه ، وحد ذلك ألا يتجاوز الميقات ، فإن تجاوزه انقطع تمتعه ، وسقط عنه الدم ، و إليه ذهب الشافعية رحمهم الله . دليلهم : قالوا : من لم يتجاوز الميقات لا يعتبر مسافرا ، فلا يجب عليه الدم . نوقش : بأنه ينقض بمن سافر إلى المدينة ، إذا كان مدنيا وسافر إلى المدينة فإنه يعتبر مسافرا وإن لم يتجاوز الميقات وذلك لبعده فهو يعتبر مسافرا على كل قول ؛ لأن المسافة بعيدة . القول الثالث : أنه لا ينقطع التمتع إلا إذا سافر إلى بلده ، أو إلى مسافة توازي مسافة بلده ، إليه ذهب المالكية أدلتهم : أنه إذا رجع إلى بلده ، أو مسافة موازية له ، فإنه سينشئ سفرا جديدا ، فلا يكون مترفها بترك أحد السفرين . القول الرابع : أنه لا ينقطع تمتعه مطلقا ، حتى لو رجع إلى بلده ، إليه ذهب الحسن ، وابن المنذر ، وابن حزم ، وقربه الشنقيطي رحمه الله ، صاحب الأضواء . أدلتهم : الدليل الأول : عموم قوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجُِّ } فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) وهذا يصدق عليه أنه قد تمتع بالعمرة إلى الحج ، وليس لأحد تخصيص هذا العموم إلا بدليل ، فيبقى متمتعا حتى لو رجع إلى بلده . القول الخامس : أنه لا ينقطع التمتع حتى يرجع إلى بلده هو ، وإليه ذهب الحنفية ، وهو اختيار شيخنا رحمه الله أدلتهم : الدليل الأول : أثر عمر السابق ، وهو مروي عن ابنه (إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع وإن خرج ورجع فليس بمتمتع) وهذا الأثر ضعيف ، والمراد : إذا رجع إلى بلده . الدليل الثاني : أنه إذا لم يرجع إلى بلده فإنه لا يزال في سفر ، ولم ينشئ سفرا جديدا ، ولا ينشئ سفرا جديدا إلا إذا رجع إلى بلده ؛ لأن الإنسان متى ما خرج من بلده ، فإنه يعتبر مسافرا حتى يعود إلى البلد . مثال : لو أن حاجا قدم من مصر مثلا ، وذهب إلى مكة ، وأهل بالعمرة ثم طاف وسعى وقصر ، ثم ذهب إلى المدينة ، ثم رجع من المدينة إلى مكة ، وأهل بالحج ، فإنه عند أصحاب القول الأخير يعتبر متمتعا ؛ لأنه من خروجه من مصر إلى عودته إليها يعتبر مسافرا ، وهو الآن لم يعد بلده ، فهو لم ينشئ سفرا جديدا ، وإنما السفر الذي أنشأه سفر داخل سفره . الراجح : أن الإنسان يعتبر متمتعا - والله أعلم - ما لم يعد إلى بلده ، فإن عاد إلى بلده فإنه ينقطع تمتعه ، ويسقط الدم عنه ، فإن أنشأ سفرا جديدا فإما أن ينشئ سفرا جديدا ويتمتع فيه ، (يعتمر ويحج) وإما أن يحج قارنا أو يحج مفردا ، هو بالخيار في ذلك . الشرط الرابع : أن يفرغ من عمرته قبل إحرامه بالحج ، فإن أحرم قبل حله صار قارنا ، كقصة عائشة رضي الله عنها ، ولذا قال المؤلف : (ثم يفرغ منها) لا بد أن يفرغ من عمرته ، ثم يهل بالحج .

عدد الصفحات ٦٥

مختصركتاب المناسك فضيلة الشيخ أ. د : فهد المطيري الدورة العلمية المتقدمة بجامع ابن سعدي f.moterey@gmail.com 66 الشرط الخامس : ألا يكون من حاضري المسجد الحرام ، فإن كان منهم لم يصح تمتعه ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول {فَمَنْ تَمَتَُّعَ بِ لْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ فَمَ اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَ مُ ثَلاثَ ِ أَيَّ مٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَ مِلَ ٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَ ضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فقوله (ذَلِكَ ) هل الإشارة تعود إلى التمتع أم تعود إلى الهدي ؟ الجمهور على أن الإشارة تعود إلى الهدي ، فأهل المسجد الحرام وحاضروه لا هدي عليهم ، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإشارة تعود إلى التمتع ، فيصبح المعنى : التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ، أما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام فإنه ليس له تمتع ولا قران .وسيأتي الخلاف من هم حاضرو المسجد الحرام : من يصدق عليهم أنهم حاضرو المسجد الحرام ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال : القول الأول : أنهم أهل الحرم ، ومن بينهم وبين مكة مسافة قصر ، إليه ذهب الشافعية ، والحنابلة ، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ، واستظهره الشنقيطي رحمهم الله ، فإن تجاوز مسافة القصر لم يعتبر من حاضريه . أدلتهم : الدليل الأول : أن من دون مسافة القصر كالحاضر ؛ لأنه تجب عليه صلاة حاضر لا صلاة مسافر ، كذلك لا يترخص برخص السفر ، فلا يفطر ، ولا يجمع الصلوات من أجل السفر ؛ لأنه ليس بمسافر ، إذن فهم حاضرو المسجد الحرام ، لأن أحكامهم أحكام أهل المسجد الحرام . الدليل الثاني : أن حاضر الشيء هو القريب منه ، وهؤلاء يعتبرون قريبين من المسجد الحرام ، فهم حاضرو المسجد الحرام ، بناء عليه لا يجب الهدي على من كان في أطراف مكة ، أو كان دون مسافة قصر من مكة ، فلا يجب عليه الهدي إذا حج قارنا أو متمتعا . القول الثاني : أنهم أهل الحرم ، ومن بين الحرم والميقات ، وهو رأي عطاء ، ومذهب الحنفية . دليلهم : أنه موضع شرع فيه النسك ، فأشبه الحرم ، ذلك أن الميقات يشرع فيه النسك والإهلال به ، فأشبه الحرم ، فكل من كان دون الميقات فهو من حاضري المسجد الحرام . ونوقش : بأن هذا يؤدي إلى أن يكون القريب ليس من حاضري المسجد الحرام ، وأن يكون البعيد من حاضري المسجد الحرام ؛ لان المواقيت تتفاوت في المسافة فيما بينها ، معنى هذا أن من كان دون ذي الحليفة عن مكة قرابة أربعمائة كيلو من حاضري المسجد الحرام ، ومن كان بعد يلملم قرابة مائة كيلو ليس من حاضري المسجد الحرام ، ومن كان بعد السيل أو قرن المنازل أو ذات عرق وهي قريبة لا يعتبر من حاضري المسجد الحرام ، ومن كان على بعد ثلاثمائة كيلو أو أربعمائة كيلو يعتبر من حاضري المسجد الحرام . وقالوا أيضا : إذا قلنا بهذا القول فمعناه إذا أراد أن يأتي فإنه سوف ينشئ سفرا تقصر فيه الصلاة ، فكيف يكون قريبا وهو ينشئ سفرا تقصر فيه الصلاة ؟ لا يمكن ، لأن من أراد أن يأتي من ذي الحليفة سينشئ سفرا ، وهذا السفر تقصر فيه الصلاة ، فكيف يكون من حاضري المسجد الحرام وهو لا يصل إلى المسجد الحرام إلا بسفر تقصر فيه الصلاة ؟ . القول الثالث : أن المراد بحاضري المسجد الحرام أهل الحرم فقط ، وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنهما ، ومجاهد ، وطاوس ، والثوري ، ومعنى هذا أن مكة لو امتدت حتى خرجت إلى الحل ، فإن من كان في الحل لا يعتبر من حاضري المسجد الحرام ، إنما حاضرو المسجد الحرام من كان في الحرم .

عدد الصفحات ٦٦